كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
آيـة ابتلاء إبراهيم وعلاقتها بالإمامة --- ملخصـــــــــــــات --- موسوعة الرشيد
ملخصـــــــــــــات
آيـة ابتلاء إبراهيم وعلاقتها بالإمامة
اضيف بتأريخ : 19/ 11/ 2008

آيـة ابتلاء إبراهيم وعلاقتها بـ(الإمامة)

 

الدكتور طه حامد الدليمي

 

المقدمة
ملخص الاحتجاج بالآية
زيادة واستطراد
المقدمة الأولى -إمامة إبراهيم هل هي اصطلاحية أم لغوية
الإمامة تتجزأ
الإمامة قد تكون هي النبوة
الإمامة والابتلاء
نتائج بناء الإمامة على الابتلاء
لا علاقة للعصمة من الظلم بـالإمامة
إمامة الأشرار
المقدمة الثانية -هل -الجعل- في الآية قدري أم سببي
هذا هو الجعل الشرعي السببي
المقدمة الثالثة -هل إن قوله: لا ينال عهدي الظالمين يستلزم العصمة من الذنب
الخطيئة السابقة لا تناقض الإمامة
مخالفة العصمة لظاهر القرآن
انهيار الحجة
وأخيرا

 

 

المقدمة

 

 

إن أصول الدين وأساسياته التي انبنى عليها لا يصح أن تكون في طبيعتها قابلة للخطأ والصواب، وإلا فسد الدين واختل من الأساس لأن أصوله صارت ظنية مترددة بين أن تكون حقاً وأن تكون باطلاً. وما ذاك بدين لأن الدين مبناه على القطع واليقين.

وهكذا صارت أصول الدين مصونة عن احتمال الخطأ لسببين: أولهما أن كل آية محفوظة لفظاً. فإذا كانت صريحة محكمة كانت محفوظة من التحريف معنى.

هكذا ثبت أصل التوحيد و نبوة محمد وغيرها من أصول الاعتقاد. كذلك الصلاة والصيام وبقية أركان الإسلام. وكذلك الانتهاء عن أصول المحرمات كالقتل والزنا والكذب…الخ دون اللجوء إلى رأي راءٍ أو رواية راوٍ. فلا تأصيل بمعزلٍ عن محكم التنزيل.

وقبل أن نناقش الآية ودلالتها على (الإمامة) من عدمها يجب أن نعرف أن الخلاف في (الإمامة) خلاف في مسألة أصولية إذ يعتقد الإمامية أنها كالنبوة أصل من أصول الدين من جحده كفر.

          وبما إن (الإمامة) جُعلت كذلك فيجب إذن أن تكون النصوص القرآنية المثبتة لها محكمة أي صريحة قطعية في دلالتها، وليست متشابهة أي ظنية محتملة. وإلا بطل الاحتجاج بها.

ملخص الاحتجاج بالآية

 

يدعي الإمامية أن (الإمامة) هبة إلهية -كالنبوة- مقدرة (بجعل) من الرب لا بسعي من العبد.وعلى هذا فإن اختيار الإمام (أو الخليفة) ليس من حق الأمة. إنما هو من شأن الله وحده فهو الذي يعين الإمام ويسميه و(يجعله). هذا بالنسبة لمبدأ (الإمامة) عموماً.

وأما الاستدلال بالآية على (إمامة) علي وبقية (الأئمة) فقائم على أن العهد الذي هو (الإمامة)، لا ينال ولا يجعل للظالمين.والظالم كل من كان مشركاً. أو اقترف ذنباً برهة من حياته. وإن تاب وأصلح !

إن الآية ليست نصاً فيما ذهبوا إليه وإنما غايتها أن تكون مشتبهة تحتمل هذا وتحتمل غيره. ومجمل القول أن الآية الكريمة ليست نصاً صريحاً في (إمامة) علي. ولا أحد غيره. إنما هي حديث عن إمامة إبراهيم . وموضوعنا هنا (إمامة) علي لا إمامة إبراهيم. وهو لا ذكر له، ولا أثر في الآية !

وبما أن الآية ليست نصاً صريحاً في (إمامة) علي. فهي ليست دليلاً أو نصاً في (إمامته).

وبما أن أصول الدين مبناها على النص القرآني الصريح وليس الاستنباط، وبما أن الآية ليست نصاً صريحاً في ذلك فهي ليست دليلاً صالحاً للاحتجاج على المطلوب. وهو المطلوب.

زيادة واستطراد

 

أما إذا أردنا الاستطراد من أجل أن لا نحرم القارئ من فوائد وأسرار وحكم والتفاتات قيمة من باب: ولكن ليطمئن قلبي. فنقول: إن الاحتجاج بالآية على (الإمامة) عموماً. و(إمامة) علي خصوصاً مبني على ثلاث مقدمات تحتاج إلى إثبات:

الأولى: أن الإمامة المذكورة جاءت بالمعنى الاصطلاحي عند الإمامية. وليس اللغوي. أي  أنها منصب آخر غير منصب النبوة. وليست وصفاً لازماً لها.

والثانية: أن (الجعل) في قوله تعالى: إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماماً قدري تكويني. لا شرعي سببي. حتى تكون (الإمامة) –كالنبوة- هبة من الله لا سعياً من العبد.

والثالثة: أن الآية تتحدث عن شرط (العصمة) بالنسبة لـ(الإمام). وهذا مبني على تفسير الظالم بأنه مطلق من ارتكب ذنباً. وإن تاب منه وأصلح.

وهذا كله لا ينفع. إلا بعد إثبات أن علياً معصوم مع أحد عشر آخرين.إن هذه المقدمات ما هي إلا قضايا ظنية وشبهات افتراضية. فهي لا تصلح دليلاً على أي مسألة اعتقادية . واليك الدليل على ظنيتها. وبعدها الشاسع عن اليقين :

المقدمة الأولى

 

إمامة إبراهيم هل هي اصطلاحية أم لغوية،أي هل هي منصب آخر غير النبوة ؟ أم هي وصف لازم لها ؟

على شرط أن تثبت كمنصب بالدليل القطعي. الذي لا يتطرق إليه الاحتمال. وإلا بطل الاستدلال.وهذا ينتقض بأمور كثيرة منها:

لفظ (الإمام) مشترك

إن لفظ (الإمام) في الآية لا يمكن العدول به عن معناه اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي إلا على سبيل الاحتمال.فاللفظ في أحسن أحواله مشترك بين المعنيين : اللغوي. الذي هو القدوة الذي يؤتم به ويتبع. وبين الاصطلاحي الذي هو منصب آخر غير النبوة.

ترجيح كون الإمامة لغوية وليست اصطلاحية

وهذه جملة أمور ترجح كون الإمامة في الآية لغوية وليست اصطلاحية.

إن قوله تعالى إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماماً يمكن حمله على أنه جملة مفسرة للجملة السابقة. وهي قوله تعالى: وَإِذْ ابْتَلَى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ…..فتكون وما بعدها تفسيراً للكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم  .

فأول ما ابتلي به إبراهيم أن أخبره الله تعالى بأنه جاعله للناس إماماً. أي نبياً ورسولاً يقتدي به الناس، والنبي أول ما يوحى إليه بالنبوة، ثم يؤمر بدعوة الناس، وهي الرسالة، فيكون رسولاً، فقوله:إني جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماماً، أي رسولاً يقتدى به، وكل رسول إمام ولا بد. وإلا كيف كان رسولاً ؟ وليس كل إمام رسولاً.

فالإمامة وصف لازم للرسالة. وليست شيئاً خارجاً عنها حتى يصح القول بأن  الرسول يمكن أن يكون إماماً أو لا يكون. إذ بمجرد أن يكون الرجل رسولاً يكون إماماً. لأن الإمامة من الأوصاف اللازمة للرسالة.

وذلك كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) الأحزاب /45،46.

فإن الشاهد والمبشر والنذير والداعي والسراج المنير ليست مناصب مستقلة عن النبوة، وإنما هي أوصاف لازمة لكل رسول،

-    ومنها أن الله تعالى لم يجعل إبراهيم خليفة أو حاكماً متصرفاً في أمور الناس، وإنما جعله قدوة ونموذجاً للتأسي والاتباع. و(الإمام) من معانيه في مصطلح الإمامية الخليفة أو الحاكم المتصرف في أمور الناس بتعيين من الله، وليس القدوة المجرد عن ذلك، فلو كان مقصود الله تعالى بالإمامة ذلك، لما تخلف وعد الله لإبراهيم بها على هذا المعنى، ولصار إبراهيم خليفة وحاكماً مطاعاً.

      والحاصل: أن الإمامة والخلافة شيئان مختلفان.

ولذلك فرق الله تعالى بين داود وإبراهيم في اللفظ. فقال لداود(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ (ص:26. بينما قال لإبراهيم(إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماماً) لأن داود كان خليفة وحاكماً متصرفاً. وإبراهيم لم يكن كذلك.

وعلي لم يأت نص قرآني في خلافته كداود . ولا (إمامته) كإبراهيم !

-    ومنها أن الذرية الذين طلب إبراهيم لهم الإمامة بقوله: (ومن ذريتي) صرح بمقصوده منهم بقوله:من آمن منهم بالله واليوم الآخر،فهم مطلق المؤمنين، والإيمان وصف عام ليس خاصاً بـ(المعصومين).

وقد كرر إبراهيم اللفظ الدال على التبعيض -وهو الحرف (من)- في الموضعين، لأنه يعلم أن ذريته لا بد أن يكون بعضها -وليس جميعها- فاسقاً، فإنه حين طلب الإمامة لبعض ذريته طلب الرزق معها لهذا البعض، فقال:وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ (البقرة/126، فبين الله له أن الرزق ليس  خاصاً بالمؤمنين - كالإمامة- بل يعم المؤمن والكافر والظالم أو الفاسق، فقال:وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً.

-    ومنها أن العـهد المذكور في قوله تعالى:لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، مبهم، فتفسيره بخصوص (الإمامة) المصطلح عليها يحتاج إلى دليل. فقد يكون هو مطلق ما يصح أن يكون به المؤمن إماماً وقدوة، كالقيام على شؤون بيت الله، وما شابه من الأمور الدينية.

وهذا هو الذي تكرر مجيئه في القرآن، كقوله تعالى:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (يس /60،61.

فعهد الله هنا - وهو أعظم عهد- الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك.

.  كما في قوله:(الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (الفتح/10.وهذا اقرب إلى معنى اللفظ . بقرينة أن الله تعالى قال بعده مباشرة:(وَعَهِدْنَا إِلَى إبراهيم وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود (البقرة/125. فتطهير البيت والقيام على شؤونه إذن من العهد الذي لا ينال الظالمين حقاً في شرع الله. ومن هذا الباب سمي إمام المسجد إماماً. وكل من صلى بالناس فهو إمام لهم في تلك الصلاة.

الإمامة تتجزأ

 

وهذا يعني أن الإمامة تتجزأ. فتتسع وتضيق. فقد يكون الإنسان إماماً في مسجد. أو إماماً لمصر من الأمصار. أو يكون إماماً للأمة. أو إماماً للناس كإبراهيم. وهذا هو الذي حصل له. فإن أتباع الديانات السماوية الثلاث يتشرفون بالانتساب إليه، والاقتداء به. وهو أبو الأنبياء. حتى إن رسول الله أوحى الله إليه:أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا (النحل/123.

وهذه الإمامة لم تتهيأ لأحد من الأنبياء سواه.

إن بعض الأنبياء قد لا يكون إماماً لغير أهله أو قومه. وبعضهم إمامته ليست كاملة من جميع الوجوه المطلوبة للنبي. كيونس الذي قصر في الصبر المطلوب من أمثاله. فنهى الله نبيه محمداً أن يتخذه قدوة فيه. كما جاء في قوله:فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ (القلم/48). أما إبراهيم فهو من أولي العزم الذين أمر الله نبيه محمداً بالاقتداء بهم. فقال: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ(الأحقاف/35).

فالإمامة التي سألها إبراهيم لبعض ذريته من هذا الجنس.وهي قد تحصل لكل مؤمن. بدليل أن الله أرشد عباده جميعاً أن يسألوه إياها وذلك في قوله:وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إماماً(الفرقان/74).

 وعلاقة الإمامة هنا بالأزواج والذرية: هي أن من تصدى لإمامة الناس. إذا كان له زوجة سيئة، وذرية عاقة مشاكسة، انشغل بهم وبمشاكلهم عن مطالب الإمامة. فلم ينجح في أدائها. مما يدل على أن الإمامة ليست منحة قدرية كائنة لا محالة. دون سبب أو سعي من صاحبها.

الإمامة قد تكون هي النبوة

 

ومن القرائن التي تناقض الإمامة الاصطلاحية: أن الإمامة التي سألها إبراهيم ربه، تحتمل أن تكون النبوة لا غيرها. من حيث أن النبي إمام. وكيف يكون نبياً وهو لا يصلح أن يكون قدوة وإماماً ؟! فسماه إماماً بالنظر إلى هذه الحيثية. لأن النبوة إنما تكون ابتلاءاً من جهة أنها معنى يسلتزم التقدم بالناس وقيادتهم في الخير ودعوتهم إليه. وهذا هو معنى الإمامة. فيكون الخطاب الإلهي بذلك في أول الوحي لإبراهيم بالنبوة.

 صحيح أنه لم يكن له آنذاك ذرية. لكن لا مانع من توقع وجودهم في المستقبل.

ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى عن إبراهيم:وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (العنكبوت/27). ولم يقل: الإمامة. ولا مانع من أن نجعل ذلك تفسيراً لقول إبراهيم  في الآية: (ومن ذريتي). واستجابةً لدعائه. فالله حين أخبره أنه جاعله للناس إماماً، طلب أن يجعل هذه الإمامة لذريته. والله قد استجاب دعاءه. وأخبرنا عن ذلك بقوله:وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ.أي شيء جعل في ذريته ؟ قال: النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. ولم يقل: (الإمامة والكتاب). وهذه قرينة قوية تشهد لما نقول. ومما ينبغي أن يلاحظ أن لفظ (الإمامة) لم يرد في القرآن إنما ورد لفظ (النبوة) 

الإمامة والابتلاء

 

وأما القول بأن الابتلاء متقدم على (الإمامة). على اعتبار أنها حصلت كجزاء على النجاح في الابتلاء. كما قال به الطوسي في (التبيان). والطبرسي في (مجمع البيان .ومن المتأخرين (آية الله العظمى) جعفر سبحاني. فهو قول مرجوح من الناحية اللغوية. لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الأولى أن يقال: (وَإِذْ ابْتَلَى إبراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ فقَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماما). فيؤتى بـ(الفاء) كرابطة، ليكون ما قبلها (وهو الابتلاء) سبباً لما بعدها (وهو الإمامة). وبعدم وجود (الفاء) يترجح كون العبارة تفسيراً – وليس جزاءاً- لما قبلها.

صحيح أن الإمامة في الدين تنال بالصبر والابتلاء القائم على اليقين. ولكن هذه هي الإمامة اللغوية التي هي القدوة. أما الاصطلاحية فهي- على حد قول الإمامية – هبة كالنبوة لا داعي لأن يتقدمها الابتلاء. بل الابتلاء يحصل بعدها. فرسول الله إنما ناله الأذى والابتلاء بعد النبوة لا قبلها. فالنبوة أول الابتلاءات.

والخلاصة أن القول بأن (الإمامة) حصلت كجزاء على الابتلاء – ليسلم الادعاء بأنها منصب متأخر عن النبوة- ظن مرجوح لغة. وأصول العقيدة لا تبنى على الظن الراجح فكيف بالمرجوح!

نتائج بناء (الإمامة) على الابتلاء

 

ولو سلمنا جدلاً بهذا القول. وهو أن (الإمامة) تحصل بالابتلاء. فإنه يوقع أصحابه في مطبات وإحراجات تنسف (الإمامة) من الأساس! منها: أن الإمامية يقولون بأن (الإمامة) كائنة مع (الإمام) منذ وجوده. بل (الأئمة) كانوا (أئمة)  قبل خلق آدم  فالقول بحصولها بعد الابتلاء يتناقض مع أصـل قولهم بـ(الإمامة).

وسبب وقوعهم في هذا التناقض. هو أن القول بأن (الإمامة) منصب غير منصب النبوة يحتاج –لإثباته بوضوح من خلال الآية- إلى القول بتأخره عن الابتلاء. ليحصل التمييز بين المنصبين. على اعتبار أن منصب النبوة حصل أولاً . ثم حصل منصب (الإمامة) آخراً. إذن هما منصبان متميزان.

 ولهذا - وحتى يتبين الأمر ويثبت أكثر- وضعوا له تلك الرواية التي تقول بأن الله اتخذ إبراهيم إماماً بعد أن اتخذه خليلاً ورسولاً…الخ

وأغمضوا الطرف عن التناقض بين هذا. وبين قولهم بأن (الإمامة) هبة كائنة مع (الإمام) منذ وجوده.

وهذا يدل على أن قواعد الإمامية تصنع حسب الطلب. فإن احتاجوا لقاعدة وضعوها وإن تناقضت مع قاعدة أخرى وضعوها مسبقاً.

•        وأيضا فإن (الإمامة) إذا كانت إنما حصلت بعد اجتياز الابتلاءات. والنجاح في الامتحانات فقد حصلت بأسباب وسعي من العبد. والإمامية يقولون بأن (الإمامة) –كالنبوة- لا يدَ للعبد في تحصيلها. إنما هي هبة ممنوحة من الرب.

ومن هذه المفاسد والتناقضات: أن بعض (الأئمة) لم يحصل لهم ابتلاء. و قد نالتهم (الإمامة) –حسب العقيدة الإمامية- بلا سابق امتحان. مثل محمد الجواد. وابنه علي. وكذلك (المهدي). إذ حصلت لهم (الإمامة) منذ الطفولة. كما اعترف بذلك جعفر سبحاني بقوله: قد بلغ بعض الأئمة المعصومين لدى الشيعة إلى القمة من الكمال والصلاح من دون أن يتعرضوا للابتلاء.

لا علاقة للعصمة من الظلم بـ(الإمامة)

 

إن (العصمة) -التي حصل التشدد في اشتراطها لـ( الإمامة). بحيث لو وقع ذنب من إنسان ولو لبرهة من حياته وإن تاب وأصلح كان مانعا من الإمامة – لا يوجد دليل معتبر عليها. بل الأدلة إلى غير جانبها.

ويكفينا في هذا الموضع دليل واحد. هو أن آدم وقع في الخطيئة، وارتكب الظلم بنص القرآن كما قال تعالى:وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ (البقرة/35).

فالأكل من الشجرة يجعل الآكل من الظالمين وقد أكل آدم منها ولذلك اعترف هو وحواء قائلين:رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (الأعراف/23).

إن هذا ينقض (العصمة). ويجعل التائبين – كآدم- غير مشمولين بوصف الظلم المذكور في قوله سبحانه: لا ينال عهدي الظالمين أي أن العصمة -والتي من شروطها عدم حصول ذنب سابق- ليست مقصودة في الآية التي هي موضع الاحتجاج.

 

إمامة الأشرار

 

ومما يبين بطلان منصب (الإمامة) بوضوح: أن الله تعالى تحدث لنا عن إمامة أخرى هي إمامة الأشرار، وذكر أنها (بجعل) منه فاستعمل اللفظ نفسه في الإمامتين، كما قال تعالى عن فرعون وملئه:وَجَعَلْنَاهُمْ أئمة يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ (القصص/41). فقد جعل الله تعالى للكفر والشر أئمة يقتدى بهم وسماهم (أئمة): فقاتلوا أئمة الكفر (التوبة/12) كما جعل للإيمان والخير أئمة يقتدى بهم.

ولا شك أن إمامة الأشرار ليست منصباً يتم بالتعيين الإلهي مع كونها بـ(جعل) من الله، فكذلك إمامة الأخيار لأن اللفظ المخبر عن الإمامتين واحد. فلو كان اللفظ (جعلناهم أئمة) يعني أن الإمامة منصب لكانت كذلك إمامة الأشرار. لأن اللفظ واحد في الإمامتين: فهنا قال:وَجَعَلْنَاهُمْ أئمة يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وهناك قال:وَجَعلْنَاهُمْ أئمة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (الأنبياء /73). وقال:وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أئمة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا(السجدة/24).

ومن هنا صح أن يدعو كل مؤمن قائلاً: اجعلني للمتقين إماماً. كما يدعو ويقول: اجعلني فائزاً اجعلني خاشعاً.. وهكذا.

وبالجملة فقد صار القول بأن الإمامة منصب غير النبوة غايته أن يكون مجرد ظن وشبهة. بينه وبين القطع واليقين مفاوز ومسافات تنقطع دونها الآمال. وأصول العقيدة مبناها على اليقين ، لا على الظن فبطل الاستدلال .

المقدمة الثانية

 

هل (الجعل) في الآية قدري أم سببي؟

وهذا جنحوا إليه من أجل إبطال إمامة الصديق وصحة خلافته -بل الخلافة الإسلامية على مر التاريخ!- على اعتبار أنها تمت باختيار من الناس. لا بنص و تعيين أو (جعل) من الله. فهو من جنس (قواعد تحت الطلب) .

والآن لنا أن نسأل: ما الدليل القطعي على أن (الجعل) في الآية قدري تكويني. لا شرعي سببي. واللفظ -في أصله- يحتمل الأمرين ؟!

إن كل حركة في الكون إنما هي بقدر من الرب. لكن بعضها قدري محض لا دخل للأسباب البشرية في حدوثها، كلون البشرة وصورة الوجه ودوران الأرض وإشراقة الشمس. وبعضها يتوقف على هذه الأسباب.

الذرية - مثلاً- تكون بقدر من الله، لكن لا بد من الزواج كسبب لولادتهم ووجودهم، وكذلك الزرع والرزق والذهاب والمجيء، كلها بقدر و(جعل) من الله،

هذا هو الجعل الشرعي السببي

 

فحينما نقول: إن (الجعل) سببي لا نقصد استقلاله عن القدر، وإنما نقصد اشتراكهما فيه معاً لإيجاد ما بني عليه. أما إذا قلنا: إن (الجعل) قدري فنقصد به استقلاله عن السبب البشري، وهذا واقع لا محالة، بخلاف (الجعل) السببي الذي قد يقع وقد لا يقع.

والملاحظ أن إبراهيم سأل عدة أشياء له ولذريته، واللفظ واحد في جميع هذه الأسئلة وهي:

قَالَ إِنِّي جَاعلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (البقرة/124) .

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (البقرة/128).

رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (إبراهيم/40).

وقد اشتركت الأسئلة الثلاثة (الإمامة والإسلام والصلاة) بلفظ (جعل) . ولفظ (ومن ذريتي) مما يشير إلى أن (الجعل)  فيها واحد، وأن الإمامة هي من جنس بقية الأسئلة لا علاقة لها بعصمة أحد أو تعيينه من الله.

والنتيجة أن أعلى ما يطمع فيه المحتج بالآية، أن اللفظ يحتمل الأمرين، فعاد الأمر إلى الظن والاحتمال . فبطل الاستدلال.والجنة لا تنال إلا بعمل العبد.

فكل (جعل) هنا متوقف على سبب، وكذلك (الجعل) في قوله تعالى: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماماً. والدليل -كذلك- قولهم : إنه حصل بعد الابتلاءات واجتياز الامتحانات. إذن هو متوقف على هذه الأسباب، ولولاها لما حصل أثره وهو الإمامة.

فما علاقة ذلك بالتعيين الإلهي ؟!

ومما يبطل الاحتجاج بالآية تماماً : أن (الإمامة) التي أثبتها الإمامية لـ(الأئمة) قدرية كائنة مع الإمام منذ وجوده. وإمامة إبراهيم -والقول لا زال للإمامية –حادثة بعد أن لم تكن. فهي ليست قدرية تكوينية. فإما أن تكون (الإمامة) حادثة كإمامة إبراهيم فهي ليست (الإمامة) التي أثبتوها لـ(الأئمة). وأما أن تكون غيرها فلا وجه للاحتجاج لها بإمامة إبراهيم.

المقدمة الثالثة

 

هل إن قوله: لا ينال عهدي الظالمين يستلزم (العصمة) من الذنب ؟

وهذا التقرير استنتاج وليس نصاً صريحاً، والأصول مبناها على النصوص الصريحة وليس على الاستنتاج أو الاستنباط.

إن هذا المعنى بعيد جداً عن النص ولا يخطر على البال مهما تفكر فيه القارئ إلا إذا كان في ذهنه من البداية، وهو يلف ويدور يبحث له عما يؤيده من النصوص المشتبهة والمحتملة ولو بتكلف شديد.

إن الأمر مبني على أن لفظ (الظالمين) يشمل كل من كان قد سبق منه ظلم - شركاً كان أم معصية- وإن تاب وأصلح.

يقول محمد حسين الطباطبائي في تفسيره (الميزان): إن المراد بالظالمين في قوله تعالى: ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين مطلق من صدر عنه ظلم ما من شرك أو معصية. وإن كان منه في برهة من عمره ثم تاب وصلح .أهـ

إن أول ما يبطل هذا القول أن تعرف أنه دعوى بلا دليل. فإن لفظ (الظالمين) جمع (ظالم) والظالم اسم للمتلبس بالظلم المقيم عليه أما من تاب وانخلع منه فلا يسمى ظالما وإلا لم يدخل أحد من التائبين الجنة لأنهم (ظالمون)، والله تعالى يقول:ألا لعنة الله على الظالمين(هود/18) وتوعدهم بالعذاب فقال:إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها (الكهف/29) ومثله في القرآن كثير.

فكيف يصح أن يقال: (إن المراد بالظالمين في هذه الآية مطلق من صدر عنه ظلم ما من شرك أو معصية وإن كان منه في برهة من عمره ثم تاب وصلح) ؟! إذن كل المسلمين في النار!

ولا شك أن قولاً هذه نتيجته هو من أفسد الأقوال وأبطلها. فبطل ما بني عليه من (العصمة) و(الإمامة) عموماً. و(عصمة) و(إمامة) أحد من الناس بعينه خصوصاً.

إن (الظالم) اسم مشترك بين المشرك أو الكافر الخارج عن الملة، وبين الفاسق أو العاصي المسرف على نفسه من أهل الملة ما دام مقيماً على فسقه وعصيانه.

 وهو اسم يشمل من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وغلبت سيئاته على حسناته وهؤلاء لا يكونون أئمة يقتدى بهم ما داموا مقيمين على ما هم عليه.

وذلك كقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ: وهو الذي اجترح من السيئات وترك من الواجبات ما صار به مقصراً عن درجة النجاح.ومنهم مقتصد: وهو من ترك ما استطاع من السيئات، وعمل بما استطاع من الواجبات. وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ (فاطر/32) وهو الذي عمل على قدر استطاعته، فأتى بالواجبات والمستحبات وترك المحرمات والشبهات والمكروهات.

فالإمامة مقصورة على الصنفين الأخيرين دون الصنف الأول ومثله قوله تعالى وهو يذكر إبراهيم:

وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (الصافات/113) .

هذا هو مقصود آية إبراهيم. فما علاقة (العصمة) بها؟!

الخطيئة السابقة لا تناقض الإمامة

 

ويؤيد ذلك أن آدم نصص الله على (جعله) خليفة بقوله تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً (البقرة/30) وهو يشمل آدم قطعاً، فآدم أول خليفة وأول إمام، وقد أسجد الله تعالى له ملائكته، فالملائكة -فما دون- تبع لآدم. وهذه الإمامة هي السبب في حسد إبليس وعداوته له، كما حسد الفرس العرب على إمامتهم ورئاستهم التي ابتدأت بالصديق.

وقد اصطفاه الله تعالى فقال: إن اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إبراهيم وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (آل عمران/33) . والاصطفاء مما يحتج بها الإمامية على (الإمامة) ومع هذا صرح الله تعالى بذكر ظلمه ومعصيته، وأنه كان وزوجه من (الظالمين) في عدة مواضع من القرآن، منها ما جاء في سياق ذكر خلافته، وهو قوله تعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ (البقرة/35) .

وقد أكلا من الشجرة فكانا من الظالمين واعترفا صراحة بتحقق وصف الظلم فيهما، وذلك في قوله تعالى عنهما:قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (الأعراف/23)

وقال أيضاً: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(طه/121) .

وقال:وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْما(طه/115) .

وفيه ذكر العهد، فالعهد نال آدم رغم ظلمه السابق لأنه تاب واستغفر وأناب كما قال سبحانه: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(البقرة/37) . فهو ليس من (الظالمين) الذين لا ينالهم عهد الله.

وكذلك سليمان ، وقد قال الله عنه:وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي(ص/34-35).

وقبلها ذكر قصة انشغاله بالخيل حتى فاتته صلاة العصر. وجاء ذلك مصرحاً في رواية لابن بابويه القمي عن جعفر الصادق أنه قال : (إن سليمان بن داودعرض عليه ذات يوم بالعشي الخيل فاشتغل بالنظر إليها حتى توارت الشمس بالحجاب فقال للملائكة ردوا الشمس علي حتى اصلي صلاتي في وقتها) مما يدل على أن التوبة بعد الخطيئة لا تحرم العبد من الفضل . بل ترتفع به فيكون أقرب إلى الرب الذي يحب التوابين ويحب المتطهرين. ولولا الذنب لما حصلت التوبة والتطهر. الذي به ينال العبد حب الرب. (ومن المعلوم أنه قد يكون التائب من الظلم أفضل ممن لم يقع منه. ومن اعتقد أن كل من لم يكفر ولم يذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره واهتدى بعد ضلاله وتاب بعد ذنوبه، فهو مخالف لما علم بالاضطرار من دين الإسلام. فمن المعلوم أن السابقين أفضل من أولادهم ، وهل يشبِّه أبناء المهاجرين والأنصار بآبائهم عاقل؟)وهذا كله يتناقض مع تفسير علماء الإمامية للفظ (الظالمين) الذي بنوا عليه القول باشتراط العصمة من الآية.

مخالفة (العصمة) لظاهر القرآن

 

ثم إن عصمة الأنبياء المطلقة من الأخطاء والذنوب مخالفة لظاهر القرآن، ولا يمكن القول بها إلا على سبيل الظن بعد التكلف الشديد والتعسف الواضح في تأويل النصوص القرآنية لإخضاعها وجعلها ذيلاً تابعاً للآراء محكوماً بها لا حاكما عليها.

. فالقرآن تابع في سورة متبوع، والله تعالى يقول:اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ(الأعراف/3).

اقرأ قوله تعالى عن موسى حين قتل نفساً لا يحل قتلها: قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (القصص/15-16) . والآيات تصرح بارتكاب موسى لظلم قتل النفس وتوبته منه فكيف اختاره الله رسولاً إماما ؟! وهل هناك أعظم ذنبا بعد الشرك من القتل ؟!

فأين: العصمة المطلقة ؟

وأين: من ارتكب ظلما في برهة من عمره فهو من (الظالمين) وإن تاب وصلح ؟!

والقرآن فيه الكثير من الآيات التي تذكر للأنبياء

أحوالا وأخطاء عاتبهم الله أو عاقبهم عليها

بل إن كبار علماء ومفسري الإمامية أجازوا صدور الكفر والشرك من الأنبياء أول حياتهم، معتمدين على ظاهر معنى بعض الآيات. من ذلك قوله تعالى:وَكَذَلِكَ نُرِي إبراهيم مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِين فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(الأنعام/75-78) .

ذكر الطوسي في تفسيره (التبيان) أربعة أوجه لمعنى الآية:

ملخص الوجه الأول والثاني بالنص: (إن هذا القول كان من إبراهيم في زمن مهلة النظر …فلما أكمل الله عقله وخطر بباله ما يوجب عليه النظر وحركته الدواعي على الفكر والتأمل له قال ما حكاه الله لأن إبراهيم لم يخلق عارفاً بالله وإنما اكتسب المعرفة لما أكمل الله عقله) أو (إن ما حكى الله عن إبراهيم في هذه الآية كان قبل بلوغ وكمال عقله ولزوم التكليف له غير أنه لمقاربته كمال العقل خطرت له الخواطر وحركته الشبهات والدواعي على الفكر فيما يشاهده من هذه الحوادث).

وملخص الوجه الثالث والرابع بالنص: (إنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه) أو (على وجه المحاجة لقومه بالنظر). ولم يرجح واحداً من هذه الوجوه . بل أبقى الأمر معلقاً محتملاً.وما رواه القمي في تفسيره [1/207] قال: وسئل أبو عبد الله (ع) عن قول إبراهيم (ع):" هذا ربي" ، هل أشرك في قوله: هذا ربي؟ فقال: من قال هذا اليوم فهو مشرك. ولم يكن من إبراهيم شرك، وإنما كان في طلب ربه وهو من غيره شرك.

انهيار الحجة

 

وبانهيار المقدمات الثلاث تنهار النتيجة المبنية عليها، كما ينهار البناء إذا انهار أساسه.

إن الاحتجاج بالآية على (الإمامة) عموماً يحتاج إلى الإثبات القطعي لهذه المقدمات . وذلك مستحيل لأن الأمر في أحسن أحواله راجع إلى الظن والاحتمال . وأصول الاعتقاد مبناها على أساس القطع واليقين . وحيث لم يثبت الأساس فلا بناء . فبطل الاحتجاج بالآية على (الإمامة). لا ذكر لعلي ولا أحد من (الأئمة) الاثني عشرفي الآية

وعلى افتراض صحة هذه المقدمات جدلاً،  فالاحتجاج بها على إمامة علي أو غيره ممن ادعيت لهم (الإمامة) لا يستقيم للأسباب الآتية:

1- إن هؤلاء غير مذكورين صراحة في نص الآية، بل ولا إشارة! فالآية تتكلم عن إمامة إبراهيم وليس عن إمامة علي أو أحد غيره فإقحامهم فيها محض تخرص وافتراض لا سند له إلا شبهات، لا يمكن بحال أن ترقى إلى اليقين الذي هو أساس ابتناء الأصول. ولقد نص الله تعالى في كتابه على خلافة داود . بينما الأمة بحاجة إلى النص على إمامة علي وخلافته أكثر من النص على إمامة إبراهيم وخلافة آدم وداود . فلا يعقل أن ينص الله على أمر كمالي . ويترك النص على أمر أساسي أصولي! ومن الملاحظ أن كل الأمور العظيمة المشتركة بين الشرائع القديمة وشريعة الإسلام -كالتوحيد والنبوة والمعاد والصلاة والزكاة والصيام وحرمة القتل والزنا والسرقة- يصرح الله بذكرها في تلك الشرائع . ثم يعود ليؤكد ذكرها صراحة مرة أخرى في شريعة الإسلام بالنصوص القرآنية الواضحة . فلو افترضنا جدلاً أن (الإمامة) موجودة في الشرائع القديمة . فلماذا لم يؤكد الله تعالى ذكرها في شرعنا بالنصوص القرآنية التي تصرح بذكر (الإمامة) عموماً، و(إمامة) علي و(الأئمة) من بعده خصوصاً؟. فعاد القول (بإمامة) علي احتجاجاً بالآية إلى المتشابه لا إلى المحكم، وذلك دليل بطلانه.

2- إن استنباط (إمامة) علي من الآية -بناءاً على أن علياً لم يقع منه شرك أو ذنب- لا يمكن القطع به وإنما هو دعوى -ودعوى عظيمة- تحتاج إلى دليل قطعي من خارج الآية، وإلا فإن الآية لا تنص على علي ولا على عصمته، فضلاً عن غيره، فاحتاجت الآية إلى حجة من خارجها فبطل الاستدلال بها.

3- إن القول (بعصمة علي) دعوى تحتاج -كما قلت- إلى نص قرآني صريح . وذلك مفقود - والأمر مبناه على الافتراض الظني وذلك لا ينفع في الأصول .

وأخيراً

 

وأخيراً نقول: هل يعقل أن تكون هذه الآية المحتملة لهذه الوجوه التي لا تحصى من الاختلافات- حجة على العباد في أصل من أصول الدين . يتوقف على ثبوته الإيمان . ويلزم من إنكاره الكفر ؟!

أعط الآية لرجل دخل في الإسلام لأول وهلة لم يسمع بموضوع (الإمامة) و(العصمة) وعلي والحسن والحسين………الخ . غير أنه يحسن العربية . ثم انظر هل يمكن أن يفهم منها (إمامة) شخص هو علي؟ أو (إمامة) اثني عشر معصوماً أوجب الله الإيمان بإمامتهم؟!

يستحيل ذلك ولو قرأ الآية ألف مرة  !

لكن أعطه هذه الآية مثلاً : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (الأنفال/74) .إنه سيقول لك بداهة : إن الآية تتحدث عن إيمان حقيقي يثبته الله لصنفين من الناس : صنف آمن وهاجر وجاهد . وصنف آوى ونصر -أي المهاجرين والأنصار- وستكون النهاية المغفرة لهم ، والجزاء بالرزق الكريم. بل أعطه هذه الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ (المجادلة/11). هل يمكن أن لا يفهم منها الإرشاد إلى التفسح في المجالس ؟! أو هذه الآية : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (النساء/86) . ألا يفهم منها بوضوح الأمر برد التحية وآدابها ؟!

أفيأتي التفسح في المجالس والتحية بالنصوص الواضحة الجلية . وهما أمران فرعيان -بل من فروع الفروع- ولا تأتي كذلك (إمامة) علي . وهي أعلى شأناً من النبوة ؟! ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إن لكم فيه لما تخيرون(القلم/36-38).

ولو كانت هذه الآية -وغيرها من الآيات التي يحتج بها الإمامية- دالة على (إمامة) علي لكان هو أول المحتجين بها، وتلك الآثار الواردة عنه في جميع الكتب تصمت صمتاً كاملاً عن ذلك مما يوضح بجلاء أن هذه العقيدة استنبطوها بعيداً عن نصوص القرآن، ثم جاءوا إلى القرآن ليجعلوا منه تابعاً ومحكوماً يوقّع على ما يقولون ويحكمون.


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: