كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
الخمس بين الفريضة الشرعية والضريبة المالية --- مستخلصــــــــات --- موسوعة الرشيد
مستخلصــــــــات
الخمس بين الفريضة الشرعية والضريبة المالية
اضيف بتأريخ : 22/ 11/ 2008

عنوان الكتاب : الخمس بين الفريضة الشرعية والضريبة المالية

اسم المؤلف : السيد علاء الدين عباس الموسوي

مستخلص الفصل الأول (دلالة آية الخمس) للباب الثاني (الخمس بين الغائم والمكاسب) للكتاب أعلاه

 

تمهيد

آية الخمس

مقارنة بين ورود الزكاة وخمس المكاسب في القرآن الكريم

بعض الفتاوى المتعلقة بـ الخمس

مثال.. كي تتضح المقارنة
بعض الآيات الواردة في الزكاة
مقارنة أخرى بين الزكاة والخمس
مثال آخر
سبب نزول الآية
سياق الآية
القرآن فرَّق بين المكاسب والغنائم
الغنيمة في لغة القرآن
الغنيمة مال خاص مستقل
الإمام الصادق  يؤيد ما نقول
بطلان اسم الخمس من الأساس
لا وجود في الشرع لشيء اسمه الخمس
كيف ظهر اسم الخمس إلى الوجود
الفيء والخمس..وقفة مع سورة الحشر

 

تمهيد

 

قاعدة مهمة في شروط أدلة مهمات الشرع وضرورياته

أقصد بمهمات الشرع وضرورياته المسائل الأساسية التي يقوم عليها الدين. كأصول الإيمان والعقيدة. أو الأصول الشرعية العملية كالصلاة والزكاة والصيام والحج، أو بر الوالدين والإحسان إلى الخلق عموما، أو الانتهاء عن أصول الفواحش والمنكرات كقتل النفس والزنا والربا.

إن هذه الامور المهمة جميعاً، أقام القرآن على كل واحد منها أدلة واضحة قطعية الدلالة، غير قابلة للرد او التاويل بحيث لا يمكن لأحد بعدها أن يتشكك فيه أو يتفلت من سلطان حجته الذي يحاصره من كل جهة. ولا يمكن أيضاً أن يتطرق الظن إلى المقصود بها هل هو كذا ام كذا؟ بل هي نصوص لا تحتمل غير دلالة واحدة لا أكثر.

إقرأ مثلاً في وجوب الصلاة والزكاة: ))وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ )) البقرة/43. ((وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتونَ الزَّكَاةَ ))  فصلت/6- 7.

وفي وجوب بر الوالدين (( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً)) الاسراء/23 وأمثالها كثير..

وبهذا يكون الطريق مسدوداً أمام الراغبين في التفلت من التكاليف الشرعية والالتفاف عليها بالتأويل أو الإنكار، لأن النصوص الدالة عليها واضحة بينة لاتحتمل إلا وجهاً واحداً فقط . وهذا معنى قوله تعالى: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ )) الحديد/25، أي بالحجج الواضحات القاطعات. لاسيما الأمور المالية لتعلق النفوس بها. فإذا لم تكن النصوص واضحة بينة، والأدلة قطعية محكمة حصل النزاع، وتفرق الناس، وتقطعت الأرحام، وفسد الدين والدنيا..

وإذن فالمسائل المهمة التي يتوقف عليها صلاح الإنسان في دنياه وأخراه لا بد من أن تثبت بالنصوص القرآنية الواضحة القاطعة الدلالة.أي التي لاتقبل تطرق الاحتمال إلى دلالتها على المعنى المراد. خصوصاً ما تعلق منها بالمسائل المالية الضرورية. وهكذا ثبت أصل الصلاة والزكاة والصيام والحج. وقبل ذلك أصول العقيدة في الشريعة الاسلامية.

فهل (خمس المكاسب) ثبت بمثل هذه الأدلة أي النصوص      القرآنية أولاً، القاطعة الدلالة ثانياً؟ كما ثبتت الزكاة والإرث وأمثالهما؟

آية الخمـس

 

 

((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) الأنفال/41.

الموضع الوحيـد

هذا هو الموضع الوحيد الذي ورد فيه لفظ (الخمس) في القرآن الكريم.

ولما كان المال الذي تعلق به الخمس في الآية هو الغنيمة- ولا خلاف في إطلاق هذا اللفظ على المال الذي يغنم ويؤخذ من الكفار المحاربين- لذلك لم يختلف أحد في وجوب تخميس هذا النوع من المال لوضوح وقطعية دلالة اللفظ عليه. أما (خمس المكاسب) فأقل ما يقال في دلالة اللفظ عليه أنها – في أحسن أحوالها – ظنية. وإذا أردنا الدقة فليس من دلالة إلا التشابه اللفظي. ولو كان اللفظ قطعي الدلالة على (خمس المكاسب) لما حصل الاختلاف، كما لم يختلف المسلمون جميعاً في دلالة قوله تعالى: ((قَدْ أَفْلحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)) المؤمنون/1- 4. على شرعية الصلاة والزكاة. ولا دلالة قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) البقرة/183 على شرعية الصيام. ولا دلالة قوله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...)) الآية على شرعية تخميس مال الغنيمة المأخوذ من الكفار المحاربين. ولا دلالة أمثالها من الآيات القرآنية على الأمور العظيمة والمهمة  في الشريعة.

إن هذه الأمور لايتركها الله عز وجل لاجتهاد المجتهدين، ولا أمزجة المتفقهين، لأن الاجتهاد يؤدي إلى الاختلاف حتما. ومثل هذه الأمور لا تحتمل الاختلاف كالأمور الفرعية في الدين؛ إن الاختلاف في الأمور المهمة يؤدي –ولا بد – إلى الفرقة والفساد في الدنيا والدين، فكيف نصدق أن ضريبة مالية باهضة هائلة تفوق الزكاة عشرات بل مئات المرات يفرضها الله على عباده ويعاقب على تركها أشد العقوبات، ثم لا يذكرها في كتابه، او يثبتها بدليل قطعي لايقبل التأويل؟.

لماذا يشذ (خمس المكاسب) عن هذه القاعدة؟ مع أن الزكاة

- وهي لا تعني كثيرا بالنسبة اليه – ثبتت بعشرات الآيات القرآنية؟ كيف؟!

مقارنة بين ورود الزكاة وخمس المكاسب في القرآن الكريم

 

تكرر ذكر الزكاة في كتاب الله تعالى في عشرات الآيات، بينما لم يرد لخمس المكاسب ذكر فيه البتة مع أنه أضعاف أضعاف الزكاة!

كيف يعقل أن الله جل وعلا يفرض على الأغنياء أداء ربع العشر من أموالهم- أي واحداً من كل أربعين (1/40) أو من كل مئة اثنين ونصفاً (2.5%) فقط- إذا بلغت النصاب (وهو ما يعادل عشرين مثقالا من الذهب) مرة واحدة في العام فريضة سماها الزكاة، فيقيم عليها عشرات من الآيات البينات، أدلة قاطعة في كتابه حتى لا يتقول متقول أو يشكك متشكك، ثم لا يفرض (الخمس) بمثل هذه الطريقة؟! بل لا يذكره ولو مرة واحدة، مع أنه أضخم منها وأكبر أضعافاً مضاعفة! ثم هو غير مرتبط بوقت او نصاب –إلا ماندر- او صنف من المال، اذ هو مفروض حتى على الدار التي تسكن وأثاثها وحاجات المطبخ، والهدية التي تهدى، بل السلعة التي خمست لكن زاد سعرها بعد التخميس فيخمس الزائد.

من يصدق هذا من العقلاء؟!

وإليك الأمثلة من فتاوى الفقهاء المتأخرين بياناً لما أقول:

بعض الفتاوى المتعلقة بـ الخمس

 

يتعلق الخمس بكل ما يفضل عن مؤونة سنته من أرباح وفوائد الصناعات والزراعات والتجارات والإجارات وحيازة المباحات، وكل فائدة مملوكة كالهبة والهدية والجائزة والمال الموصى به(1)ومهر الزوجة إذا لم يكن الزوج قد دفع خمسه(2 )، وكل ما يفضل في البيت من الأرز والدقيق والحنطة والشعير والسكر والشاي والنفط حتى الحطب والفحم والدهن والحلوى وغير ذلك من أمتعة البيت، حتى الكتاب والثياب والفرش والأواني المعدة للطعام والشراب الزائدة عن الحاجة(3 )، وتخمس أدوات العمل ومقتنيات المحال التجارية كل سنة إلا إذا أذن الفقيه، فإنها تخمس مرة واحدة ثم عند البيع تخمس مرة أخرى( 4)حتى شغل الطالب الفقير في العطلة الصيفية (5 )، والمال المعد للسفر(6)

وللمكلف أن يعين يوماً خاصاً في السنة، أو يخمس كل ما يحصل عليه فوراً إذ يتعلق الخمس بالربح بمجرد حصوله، وإن جاز تأخير الدفع إلى السنة احتياطاً للمؤونة(7). وتخمس السيارة إذا اشتريت بمال غير مخمس(8).

وتخميس الدار واجب(9 ). وإذا اشترى في السنة الاولى عرصة لبناء الدار وفي الثانية خشباً وفي الثالثة آجراً او طابوقاً، فعلى المالك (الفقير) تخميس تلك الأعيان جميعا(10).

وتخمس جميع الأعيان والأراضي (11).

وقطعة الأرض تخمس سواء كانت للاقتناء أم للتجارة ولا عبرة بمرور الحول ما دامت تخمس لأول مرة( 12)، وكذلك الأرض التي توزعها الحكومة على المحتاجين الذين يعجزون عن بنائها لصعوبة حياتهم المعيشية، وإذا تأخر إكمال البناء لعدم قدرة المالك على بنائها خلال سنة وجب تخميس الأرض والبناء(13).

ومن الأموال ما يخمس مرتين مثل الهبة من واهب لا يخرج خمسه فيجب على الموهوب له تخميسها مرتين( 14)، وكذلك المال المخلوط بالحرام يخمس مرتين: مرة للتحليل (فيحل بإخراج خمسه)، ومرة للمال المتبقي بعد إخراج خمس التحليل(15).

أي أن المال الحرام يصير حلالاً بمجرد إخراج خمسه! مع إن الزكاة وهي حق الله جل وعلا ليس لها هذه الميزة، فإنها لا تحل حراماً، فالمال الحرام يظل حراماً وإن أخرجت (زكاته)، ولا مخرج منه إلا بالتوبة بشروطها التي منها: إذا كان المال غصباً أو سرقةً فلا توبة إلا بإرجاعه إلى صاحبه أو ترضيته.

ومن الأموال المحرمة التي يتعلق بها (الخمس): ما يؤخذ من الكفار بغير القتال من غيلة أو سرقة أو ربا أو دعوى باطلة. ويسمى خمس الفائدة( 16)مع أن خمسها جزء منها وهي حرام كلها، فكيف يحل أخذه وأكله، وهو جزء من الحرام؟

وإخراج (الخمس) أوجب من ركن الحج! فإنه إذا تردد الأمر بينه وبين تعطيل الحج، وجب إخراج الخمس وإن أدى ذلك إلى نقصان المال عن قيمة الاستطاعة (17).

وصلاة الذي لا يخمس في اللباس والمكان غير المخمس باطلة لا تقبل(18).

علماً أن هذه الأصناف جميعاً لا زكاة فيها شرعاً إلا ما كان من عروض التجارة ويشترط له حولان الحول وبلوغه النصاب، أو زرعاً إذا بلغ النصاب أيضاً. وعش رجباً تجد عجبا!

كل هذا وليس عليه في القرآن العظيم آية واحدة قطعية الدلالة أو واضحة وضوح آيات الحج أو الصيام أو الزكاة

مثال.. كي تتضح المقارنة

 

لو افترضنا أن رجلا يملك بيتاً وبستاناً وسيارةً ومالاً على شكل نقد. فما مقدار الزكاة الواجبة عليه؟ وما مقدار (الخمس)؟

الزكاة:

البيت: لا زكاة عليه.

السيارة: كذلك لا زكاة عليها.

البستان: لازكاة إلا على ثماره عند جنيها إذا بلغت النصاب.

النقود: إن لم تكن بالغة النصاب فلا زكاة عليها. والنصاب ما يعادل عشرين مثقالاً من الذهب.

فلو فرضنا أن مثقال الذهب بخمسين ألف دينار، فينبغي أن يبلغ المال مليون دينار ويحول عليه الحول (العام) حتى تجب فيه الزكاة. ومقدارها خمسة وعشرون ألف دينار فقط . فإن لم تبلغ النقود هذا المقدار، فإن هذا الرجل لازكاة عليه رغم كونه يملك بيتا وسيارة وبستاناً ومالاً! هذا بالنسبة للزكاة.

الخمس:

إذا فرضنا أن قيمة كل من البيت والبستان والسيارة عشرة ملايين، وعند هذا الرجل قيمة النصاب أي مليون دينار. فيكون المجموع واحداً وثلاثين مليون دينار، خمسه يساوي ستة ملايين وزيادة مئتي ألف. أي ما يعادل الزكاة الواجبة عليه حوالي مئتين وخمسين مرة .. فقط!!، أي أن هذا الرجل ينبغي أن يظل يزكي أمواله مئتين وخمسين سنة لتبلغ زكاته مقدار(خمس) واحد يدفعه مرة واحدة!!

فهل تصورت الأمر على حقيقته المروعة؟!

فكيف لو كانت قيمة البيت مئة مليون مثلاً، والبستان كذلك؟! وقس على ذلك.

كل هذا، وليس في القرآن كله من دليل على هذا المورد الهائل سوى شبهة بنوها على آية واحدة موضوعها الواضح والصريح الحديث عن خمس الغنائم!

بعض الآيات الواردة في الزكاة

 

قال تعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)) البقرة/43 ولم يقل: (وآتوا الخمس)!،وقال: (( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)) البقرة/ 83، ولم يقل: (وآتوا الخمس)!،وقال: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّه)) البقرة/110، ولم يقل: (وآتوا الخمس)!،وقال: ((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة َ )) الأعراف/156، ولم يقل: (ويؤتون الخمس)!،وقال: (( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)) التوبة/51.

وقال: ((فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)) التوبة/11، ولم يذكر (الخمس).وقال عن نبيه عيسى (ع): (( وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً)) مريم/31، ولم يوصه بـ (الخمس)!،وقال تعالى عن صفة أمراء المسلمين: (( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)) الحج/ 41. ولم يقل: (وآتوا الخمس).وعدم ورود (الخمس) هنا خصوصاً يستدعي النظر.. لأن الآية تخاطب ولاة الأمر، فلو كان (الخمس) أمراً مشروعاً لما أغفل الله ذكره في هذا الموضع مع ذكره الزكاة.وقال عن المؤمنين جميعا: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صلاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ))المؤمنون/1-4، وذكر أموراً أخرى ولم يكن من بينها (الخمس).وقال عن عمّار المساجد: ((رِجَالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ )) النور/37، ولم يذكر (الخمس) مع ذكره التجارة والبيع (المكاسب)! وإنما ذكر الزكاة!وقال: ((وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)) البينة/5، ولم يذكر (الخمس).

وهكذا … وفي كل مرة وفي عشرات الآيات يتكرر ذكر الزكاة ولا يرد ذكر الخمس  ولو مرة واحدة لا مقروناً معها ولا مستقلاً في غيرها من الآيات.. فما وجه الحكمة في هذا السكوت لو كان (الخمس) مشروعاً ومراداً من الله؟!

كل الذي قاله سبحانه وتعالى، وطالب به عباده على لسان نبيه

محمد (ص) ملخص في قوله تعالى: (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )) التوبة/103.هذا كل المطلوب (19).

 

مقارنة أخرى بين الزكاة والخمس

 

الزكاة  

1-    نسبتها بالأرقام:1/40 أو 2.5/100 أو 25/1000.

2-    لا بد فيها من بلوغ المال النصاب.

3-    يشترط لها حولان الحول.

4-    في أصناف محدودة من المال.

5-    على الأغنياء فقط.

6-    يصرف لثمانية اصناف.

7-    شرعت لسد حاجة       الأمة جميعا.

8-    لا حق فيها إلا لمحتاج.

9-    ورد ذكرها في عشرات الآيات.

10-                مهملة لايهتم بها مع أن الله أكد عليها كل هذا التاكيد.  

الخمس                                                                

1-    نسبته بالأرقام: 1/5 أو 20/100أو 200\1000.

2-    لا نصاب الا في الكنز والمعدن.

3-    لايشترط له ذلك.

4-    في جميع الأصناف حتى الهدايا والمسكن والأثاث.

5-    على مكاسب الاغنياء والفقراء.

6-    يعطى لصنف واحد هم الفقهاء او(السادة).

7-     جعل لطبقة واحدة هي طبقة الفقهاء أو (السادة).

8-    يعطى للفقيه أو (السيد) بغض النظر عن كونه محتاجا أم لا.

9-    لم يرد ذكره أبدا في القرآن الكريم، اللهم إلا خمس الغنائم.

10- يؤكد عليه تأكيدا بالغا، مع أن الله أهمله ولم يذكره.

مثال آخر

 

لو أن رجلاً أقرض رجلاً مبلغاً من المال قدره مئة ألف دينار، ثم أقرضه بعد ذلك مبلغاً آخر قدره مليون دينار، حتى إذا جاء أجل تسديد الدين- وكان بين الرجلين مسافة تفصل بينهما- أرسل الدائن إلى المدين يطالبه بتسديد المال. أفيعقل أن يقوم بإرسال ثلاثين أو أربعين رسالة يطالب فيها بالمبلغ الأول  ليس في واحدة منها ذكر شيء عن المبلغ الثاني الذي هو عشرة أضعاف الأول؟ أم أن العكس هو المعقول والممكن أن يكون؟.

كذلك الحال مع الزكاة وخمس المكاسب في القرآن. فإن الله جل وعلا أنزل أكثر من ثلاثين آية عن الزكاة، ولم ينزل آية واحدة عن خمس المكاسب! كل ما يمكن أن يقال آية واحدة مذكور فيها لفظ (الخمس). هذه الآية نزلت أساساً تتحدث عن موضوع آخر، هو خمس الغنائم الذي لا يختلف أحد من أهل السنة أو الشيعة على أنه مقصود الآية. مع أن الخمس أضعاف أضعاف الزكاة.

فلو كان مشروعاً لكان المعقول أن ينعكس الأمر فتكون آياته أضعاف أضعاف الآيات التي تتحدث عن الزكاة.

سبب نزول الآية

 

إن سورة الأنفال - التي وردت فيها الآية-  أنزلها الله جل وعلا بكاملها تعليقاً على معركة بدر الكبرى – وبيانا لما فيها من دروس وعبر ومبادىء ووصايا وحكم وأوامر وزواجر وأحكام، منها كيفية تقسيم (الأنفال) او الغنائم التي نفلهم الله إياها من المشركين، فأنزل الله هذه السورة وسماها باسم هذه الأموال المغنومة (الأنفال)، وبدأها بذكر سؤال المؤمنين عن حكمها وكيفية قسمتها فقال: (( يسْأَلونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال لِلَّهِ وَالرَّسُولِ )) الأنفال/1.

ثم ذكر أوصاف المؤمنين حقاً. ثم أخذ ببيان أحداث المعركة من أول خروج النبي (ص) من بيته إلى دخوله ساحة القتال ، إلى أن عاد في نهاية السورة إلى ما بدأها به من ذكر المؤمنين حقاً فأفصح عنهم وأعلن أنهم المهاجرون والأنصار: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا )) الأنفال/74.

وفي منتصف السورة تقريباً ذكر حكم تقسيم الغنيمة، فقال: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ)) الآية/41. فما علاقة (المكاسب) والأرباح بالموضوع؟ حتى يكون لها (خمس) تتحدث عنه الآية؟!

سياق الآية

 

من المعلوم أن سياق الكلام له علاقة أساسية في  تفسيره ومعرفة معناه ومقصود المتكلم به.

فالكلمة الواحدة أو العبارة يكون لها معنى في موضع، ومعنى آخر في موضع آخر بحسب موقعها من الكلام أو حسب تركيب الكلام وترتيبه، فكيف نخرج الآية من سياقها وموضوعها الذي هو كله حديث عن الجهاد والقتال إلى موضوع مغاير تماماً هو أموال المسالمين من المسلمين؟! إن الآية موضوعها الأموال المغنومة من الكفار المحاربين في ساحة القتال، لا أموال التجار والمكتسبين في أسواق المسالمين من المسلمين .

القرآن فرَّق بين المكاسب والغنائم

 

لقد فرّق الله تعالى في كتابه بين الكسب والغنيمة، وبيَّن أن في الأول الزكاة والصدقة فقال: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ )) البقرة/267. جاءت هذه الآية ضمن أربع عشرة آية تتحدث عن الإنفاق بدأت بقوله تعالى: (( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ … )) البقرة/261. وانتهت بقوله تعالى: (( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ))  البقرة/274؛ ثم ذكر الله بعدها سبع آيات عن الربا وآيتين عن الدين. ثم ختم السورة بثلاث آيات، ولم يذكر قط أن في المكاسب شيئاً اسمه (الخمس) .

الغنيمة في لغة القرآن

 

ورد لفظ (الغنيمة) في القرآن ست مرات فقط،وفي المواضع الستة– دون استثناء- ترد الغنيمة في معرض الحديث عن المال المأخوذ من الكفار في الحرب.

وهذه هي مواضع ورود الغنيمة في القرآن الكريم:

1- ((سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إلى (مَغَانِمَ) لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلاً* قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ))

إلى أن قال: (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً )) (20).

2- ((وَمَغَانِمَ (21)كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)).

3-)) وَعَدَكُمُ اللَّهُ (مَغَانِمَ)كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آية لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً)) الفتح/15- 20.

4-)) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ))  النساء/94.

5-)) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) إلى قوله تعالى: (( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) الأنفال/67- 69.

6- وقال الرب جل وعلا في الآية (41) من السورة نفسها (الأنفال): ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ…))  الآية.

وإذن لفظ (الغنيمة) لم يرد في القرآن إلا في غنائم الحرب التي تؤخذ من الكفار في ساحة القتال او فداء للأسر. وفيها جاء ذكر الخمس مرة واحدة في القرآن. وبعبارة أخرى فإن (الخمس) في الأموال التي غنمت من الكفار والمحاربين. فمن أدخل الخمس على مكاسب المسلمين وتجاراتهم وممتلكاتهم– التي عظم الله حرمتها، وحرم غنمها او الاستيلاء عليها- فقد عامل المسلمين معاملة الكفار المحاربين.

الغنيمة مال خاص مستقل

 

ومن أراد المزيد نقول له: إن صح دخول (الغنيمة) تحت مسمى المكاسب، إلا أنه لا يصح ان يسمى كل كسب غنيمة. لأن (الغنيمة) كسب خاص له شروطه التي إن عدمت لم يصح تسميته بالـ (غنيمة). فإذا ساغ لغة ان نقول: كل غنيمة كسب، فلا يسوغ قولنا: كل كسب غنيمة.

وذلك كما تقول: كل ثوب لباس. إلا أنه ليس كل لباس ثوبا.

فإذا فُرضت ضريبة على كل ثوب مثلاً، فليس من حق جابي الضرائب أن يأخذ ضريبة على السروال أو غطاء الرأس، على أساس أن الكل يدخل تحت مسمى اللباس، فيقول بما أن الثوب لباس والسروال لباس فلا بد أن تكون الضريبة على الكل، فإننا سنقول له: صحيح أن كليهما لباس، ولكن الضريبة على لباس خاص هو الثوب. فلا ندفع إلا عن الثوب. وينتهي الإشكال إذا لم يكن عند الجابي مقاصد مبيتة فيحاول التلاعب بالألفاظ والالتفاف عليها.

وكذلك (الغنيمة) كسب خاص. فإذا فرض الشارع الحكيم عليها ضريبة شرعية مقدارها الخمس، فلا يصح أن نعمم هذه الضريبة  (الخمس) لتشمل كل كسب، غنيمةً كان أم غيرها. لأن (الخمس) لم يعلقه القرآن ولم يضفه إلا إلى الغنيمة التي هي كسب خاص. فهو إذن على الغنائم خاصة وليس على جميع أنواع الكسب. كما أن الضريبة في المثال السابق تعلقت بلباس خاص هو الثوب وليست في جميع أنواع اللباس.

وهؤلاء الذين علّقوا (الخمس) بالمكاسب والأرباح وعموم الممتلكات تلاعبوا بالألفاظ قائلين: بما أن كل غنيمة كسب، فإذن كل كسب غنيمة، وهو ممتنع. فانهار (خمس المكاسب) لانهيار سنده اللغوي. والله تعالى لا يعجز– لو كان في المكاسب خمس– أن يختار لهذه الفريضة لفظاً واضحاً محدداً يناسبها فيقول مثلا: (واعلموا أنما كسبتم من شيء فأن لله خمسه) لكن الله تعالى لم يقل ذلك وإنما قال:  ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ)) .

الإمام الصادق  يؤيد ما نقول

 

وتعريف الغنائم بما عرّفناها به جاء في أكثر من رواية عن الإمام جعفر الصادق(ع) وقد مرت بنا: فقد روى الطوسي عن أبي عبد الله (ع) قال: كان رسول الله (ص) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له ثم يقسم ما بقي خَمسة أخماس ثم يأخذ خُمسه ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس(22)

وروى عن أبي عبد الله (ع) أيضا قوله: ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة(23)

وكذلك جاء في أكثر من مصدر من المصادر التي تكلمت عن (الخمس). فقد عرفها الخوئي هكذا:

الغنائم: المنقولة المأخوذة بالقتال من الكفار الذين يحل قتالهم(24).وعرفها السيد محمد صادق الصدر فقال في تعريفها: (الأموال والعيان المنقولة المأخوذة بالقتال من الكفار الذين يحل قتالهم )(25)

والتعريفان متطابقان تماما.

وذكر السيد محمد صادق أيضاً أن (الخمس) يجب في سبعة أشياء هي:

1- الغنائم  2- المعدن  3- الكنز  … 7- ما يفضل عن مؤونة سنته(26)

ففرَّق بين (الغنائم) وبين بقية الأموال فلم يجعلها من (الغنائم). وهذا يؤكد كلامنا بوضوح أن (الخمس) المتعلق بغير الغنيمة من الأرباح والمكاسب والمقتنيات لم يرد له ذكر في القرآن أبدا. وإذن لا دليل من القرآن يمكن أن يستدل به على خمس المكاسب وهو المطلوب.

بطلان اسم الخمس من الأساس

 

من الملاحظ على الزكاة أن نسبتها ونصابها يختلفان من مال الى مال؛ فزكاة الذهب والنقد وعروض التجارة مثلاً نسبتها ربع العشر أي (1/40)، ونصابها عشرون مثقالاً من الذهب أو ما يعادلها.

أما نصاب الفضة فمئتا درهم.

وزكاة الزروع نصابها ستون صاعاً. وهو ما يقارب خمسمئة كيلو غرام. أما نسبتها فتتراوح ما بين العشر ونصف العشر.وزكاة الماشية يختلف نصابها ونسبتها في الغنم عنها في البقر وعنها في الإبل.وزكاة الفطر يختلف مقدارها والأعيان الذين تتعلق بهم عن الزكاة بمعناها العام …وهكذا.ولا شك في أن هذا الاختلاف ينطوي على حكمة عظيمة ومصلحة كبيرة يراعيها الشارع الحكيم، لا تتحقق فيما لو تساوت النسبة في جميع أصناف المال.

فلماذا ثبتت النسبة في (الخمس)، ولم تتغير حسب صنف المال المتعلق به؟  إن ذلك يتناقض مع الحكمة الإلهية، لأن مبناها على تنوع النسبة حسب صنف المال لا على ثبوتها.

إن السبب في هذا الإشكال الكبير يعود إلى أنهم ورطوا أنفسهم وربطوا الموضوع بلفظ (الخمس) نفسه،لعدم وجود لفظ آخر في القرآن كله يمكن أن يستغلوه لينفذوا من خلاله من أجل الحصول على مورد آخر غير الزكاة. و(الخمس) رقم محدد لا يقبل الزيادة ولا النقصان. فهم مضطرون إلى تعميم هذه النسبة،حتى وإن ظل هذا التعميم في غالب الأحوال نظرياً! لأنهم مضطرون إلى مخالفته عملياً للخلاص من هذه الورطة. فيتصرفون بالمقادير حسب ما تسمح به الظروف وليس حسب الأصول. وهو أمر غريب على طبيعة الدين وغير معروف من أحكامه الشرعية.

لا وجود في الشرع لشيء اسمه الخمس

 

من الملاحظ أن الحقوق المالية المفروضة شرعاً لها أسماء خاصة في هذا الشرع. مثلاً: الصدقة والزكاة والخراج والنفقة والجزية والفيء والغنيمة. ولم نجد من بين هذه الأسماء شيئا اسمه (الخمس) بهذه التسمية المطلقة المجردة من كل قيد أو إضافة!

وإنما يوجد شيء اسمه (الغنيمة) لا تحل لمن غنمها إلا إذا أدى (خمسها). فـ(الخمس) مقيد بالغنيمة ومضاف إليها إضافةً لا انفكاك له عنها فيقال: (خمس الغنيمة). وهكذا جاء النص القرآني الوحيد : ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. إذ ورد (الخمس) مقيداً ومضافا إلى الضمير (الهاء) العائد إلى مال الغنيمة.أما أن يوجد حق مالي شرعي له اسم مطلق -كما هو الحال في الزكاة والخراج وما شابه- هو (الخمس) دون تقييد فهذا لا وجود له في الشرع. وإن حصل فذكر في بعض الأحيان لفظ (الخمس) فإن (الألف واللام) تشير إلى المضاف المحذوف وهو (الغنيمة).

كيف ظهر اسم الخمس إلى الوجود؟

 

 فكيف ظهر هذا الاسم (الخمس) على صفحة الوجود؟ وما الذي حصل ليكون له هذا الكيان المستقل المعتبر؟

إن الذي حصل هو أنهم: حرروا اللفظ –أولاً- عن قيده وهو (الغنيمة)، ثم استعملوه مجرداً حتى ذلت له الألسنة واعتادت عليه الأسماع. وأكثروا من استعماله حتى اعتاد عليه الناس، واعتقدوا وجود شيء مستقل اسمه (الخمس)! فلما حصل ذلك سهلت إضافته إلى كل شيء، ما دام المفروض شرعاً –كما تصوروا – هو (الخمس). ووضعوا له الروايات المرعبة حتى يلجئوا العامة إلى دفعه طوعا خوفا من العقاب الأخروي، أو هربا من الازدراء الدنيوي الذي يلاحق كل من سولت له نفسه أمر التنصل عن أدائه. فرضخ كثير من الناس للأمر الواقع واستساغوا –راغبين أم كارهين- تخميس كل مال مهما كان نوعه غنيمةً كان أم كسباً أم داراً أم أرضاً. بل تطور الأمر إلى درجة لا يتصورها أكثرهم، وليس من السهل عليهم التصديق بوجودها: إذ فرضوا (الخمس) حتى على أواني الطعام والشراب والملابس والأثاث والهدايا وحطب النار وكل شيء!! مع أن كل واحد منا لا يحتاج إلى أكثر من الجرأة، وشيء من التفكير المستقل من عقل متحرر من ربقة التقليد الأعمى ليعرف أن الدليل على كل هذا هو….لا شيء!!

الفيء والخمس..وقفة مع سورة الحشر

 

الفيء: هو الغنائم التي يأخذها المسلمون من الكفار دون قتال، كالحصار ونحوه.قال تعالى: ((وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) الحشر/6.

والذي يهمنا من الفيء عدة أمور منها:

1- قسمته

فقد قسم الله جل وعلا الفيء كما قسم الخمس بالضبط. فقال عن الفيء: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)) الحشر/7.وقال عن الخمس: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ )) الأنفال/41

وتتجلى أهمية معرفة هذه القسمة بما يلي:

2- كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْن الأَغْنِياءِ

ذكرت الآية السابقة من سورة (الحشر) أن تقسيم الفيء وتوزيعه على عدة جهات أو أصناف، إنما هو من أجل أن لا يتجمع عند طبقة واحدة من المجتمع وينحصر التداول به بين الأغنياء منهم فقط، فلا يصل إلى الفقير منه شيء. وذلك في قوله تعالى: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ الحشر/7

فجعل الفيء عدة حصص في عدة جهات، وعلل ذلك بقوله: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)). فحصره في جهة واحدة فقط يؤدي إلى عكس مقصود الآية ومراد الرب من هذه القسمة.

وقد أكد- جل وعلا- مراده، وحذر من مخالفته تحذيرا شديدا فقال في نهاية الآية نفسها: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) . فحصر الفيء في جهة واحدة يولد في المجتمع طبقة مترفة يتجمع لديها المال لتحتكر تداوله فيما بينها دون أن يصل منه شيء إلى الفقراء. وكذلك شأن (الخمس) إذا خصصنا به جهة واحدة فإن ذلك يؤدي إلى النتيجة نفسها التي حذر الله منها. إذ تبرز في المجتمع طبقة غنية مترفة هم طبقة (رجال الدين) تتداول المال فيما بينها فلا يخرج منه شيء إلى المحتاجين. وهو الواقع المشاهد.(وكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم هو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية)(27).ولا بد أن تتولد من هذا الوضع أمور سيئة أخطرها فساد هذه الطبقة التي عليها المُعوَّل في إصلاح أحوال الناس.

أيهما أكبر..الفيء أم الخمس؟

لم يكن الفيء مورداً كثير الحصول أو مستمرا،ً كما هو معروف من وقائع التاريخ.أما في العصر الحاضر فيكاد ينعدم.. بل هو معدوم ولا وجود له.على عكس خمس الأرباح والمكاسب، إذ هو مورد هائل ودائم.فإذا كان حصر الفيء في صنف واحد يؤدي إلى أن يكون المال (دولة بين الأغنياء)، فماذا تتوقع أن يكون الحال مع (الخمس)؟!!! الجواب ما ترى لا ما تسمع. ونظرة إلى الواقع تغنيك عن مجلدات من الكلام!!

3- يتامى ومساكين وأبناء سبيل الأمة جميعا

بعد الآية السابعة من سورة (الحشر) جاءت الآية الثامنة والتاسعة والعاشرة تفسرها، وتبين هؤلاء الذين يستحقون الفيء وأنه: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانا)). أي هو لهؤلاء الفقراء المهاجرين ((وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )). وهؤلاء هم الأنصار. (والخصاصة) هي الفقر والاحتياج الشديد. وفي السيرة النبوية: أن النبي(ص) أعطى الفيء- الذي جاءه من يهود بني النضير والذي بسببه نزلت الآية السابقة– للمهاجرين لفقرهم، وثلاثة من الأنصار كانوا شديدي الفقر.

ثم ذكر الله صنفا ثالثاً من مستحقي الفيء فقال:  ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ))  أي من بعد المهاجرين والأنصار. وهم أجيال المسلمين إلى يوم القيامة متى وأينما وجد الفيء.

وهكذا جعل الله- جل وعلا – الفيء لجميع فقراء الأمة في جميع أجيالها دون حصره بذوي قربى نبيه (ص) وحدهم. وهذا يعني أن قوله تعالى: (( وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ  )) في سورة الحشر/7 المطابق لقوله تعالى:  ((وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل ِ)) في سورة الأنفال/41، ليس خاصا بيتامى ومساكين وأبناء سبيل بني هاشم، وإنما هو عام في يتامى ومساكين وأبناء سبيل الأمة جميعاً. وليس من دليل على التخصيص إلا الظن والتحكم والمحض! وما نحتاجه هنا هو النص القطعي الدلالة الخالي من الاحتمال. وهو معدوم تماما!!

وهكذا تبين أن لا وجود لذكر خمس المكاسب ولا إعطائه إلى الفقيه في القرآن الكريم، بل هو مناقض لنصوصه وقواعده التي بنيت عليها أحكامه العظيمة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-     منهاج الصالحين،للسيد الخوئي 1/331.

2-     الخمس بين السائل والمجيب، للسيد محمد صادق الصدر ص9.

3-     المصدر السابق ص13.

4-     ايضا ص33

5-     ايضا ص32.

6-     ايضا ص35.

7-     منهاج الصالحين، للسيد الخوني 1/346

8-     الخمس بين السائل والمجيب ص20.

9-     ايضا ص15وص32وص39.

10- منهاج الصالحين، للسيد الخوئي1/338

11- الخمس بين السائل والمجيب ص31

12- ايضا ص30

13- ايضا ص18.

14- ايضا ص11

15- منهاج الصالحين، للسيد الخوئي 1/331 و329.

16- أيضا1/325.

17- الخمس بين السائل والمجيب ص26.

18- أيضا ص 25.

19- روى الكليني عن ابي عبد الله (ع) قال: لما نزلت آية الزكاة : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وانزلت في شهر رمضان فامر رسول الله (ص) مناديه فنادى في الناس: (إن الله فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة) فروع الكافي 3/497.

20- هو فتح خيبر وقد كان بعد صلح الحديبية.

21- هي مغانم خيبر.

22- الاستبصار للطوسي  2/57

23-  أيضا 2/56

24-  منهاج الصالحين، للسيد الخوئي 1/325.

25-  الخمس بين السائل والمجيب ص4.

26- المصدر السابق.

27- في ظلال القرآن لسيد قطب

 


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: