كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
مذكرات معتقل --- نثـــــــــــــــــــــر --- موسوعة الرشيد
نثـــــــــــــــــــــر
مذكرات معتقل
اضيف بتأريخ : 06/ 05/ 2009

ابراهيم العراقي

خاص بالرشيد

قابعاً في حضن أوجاعي ويأسي ، وجدران الضياع تحيط بي ، خواطرٌ متشابكة ، تجول بذهني ،  تستنزفني ، تسير بي نحو المجهول ، من أنا ؟ أين أنا ؟ صرت أسأل نفسي ، وأنا أتفحص جدراني الصماء من حولي ، كم مضى على منفاي هذا ؟ أتساءل دون يقين ، وتقتلني غربتي وأنا أبحث يائساً ، عن نافذة أو كوة ضيقة تصلني بالعالم الخارجي ، أروح وأجئ بخطوات وئيدة ، في فسحة المجال لنزلي الجديد ، حيث سبقني إليه العديدين قبلي ، وأحدى يدي مخلوعة ،  نتيجة شيء لا أرغب بتذكره ، أمام من يسألني عنه بفضول ، وأسناني أودعتها ضربة عنيفة قسم نهاية الخدمات ، مافتئت الكوابيس تطاردني ، منذ تلك الليلة ، حينما نمت مسنداً رأسي المُدمي ، على جدار ، غير مصدق بأني فعلاً كنت أبيت في زنزانة .

كنت تائهة ، لا أدري كيف أمضي بحياتي ، أتخيله في أرجاء منزلنا العتيق ، لا يفارقني صوته ، وصورته ، سلطته الروحية ، وأنفاسه بيننا ، رنة ضحكاته المتقطعة ، ضجيج حياته الغائب ، وهو يقرأ في مكتبه ، وهو يدبج محاضراته الجامعية ، وهو يصلي في جوف الليل ، حين كنت أجده في ليالي أرقي غائباً عن هذه الدنيا ، خصلات لحيته الناعمة التي كنت أتحسسها في طفولتي ، وهو يقول لي (( أنتِ أميرة بغداد )) .

سحبوني من ياقتي ، وأوسعوني ضرباً ، خجلت من أبنتي وأنا أنظر إلى عينيها الجزعة ، لأني فكرت دوماً ، منذ أن حلمت وتحقق لي أن يكون أول مولود لي أنثى (( أن الأب في عيني أبنته     عظيماً )) ، دخلوا مثل زوبعة ، حطمت الأثاث ، وفرشوا بكتبي ، التي أحببت كأوفى وخير أنيس ، أرض غرفتي ، نامت الظلال ممزقة ، ومدارج السالكين مقذوفةً عند عتبة الدار ، لم أعي لنفسي ألا وانا أمام تلك البناية الساكن في أحشائها الألم ، رددت بصوتٍ منخفض والقشعريرة تسري بجسدي (( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ))[1] .

دخلوا بيتنا كأسراب غربان ، وحينما سحبوه من ياقته ، أبعدها بغضب (( لا داعي للمهانة سأرافقكم بإرادتي )) قائلاً بعصبية (( إلا تفهمون أن للبيت حرمه )) ، أخذوا يضربونه وهو شامخ أمامهم كالصقر الجريح ، أسرعت أليه أحتضنه ، فأوقفني بحركة من (( أبقي بمكانك ، خذي بالك من أمك وأخوتك )) ، ثم قادوه ، مدمي الرأس ، كان البيت فارغاً بدونه وأمي تبكي ، أخذت أرتب كتبه المبعثرة ، وأنا أغسلها بدموعي . 

 كنا خمسة أشخاص ، ننتظر في غرفة سيئة الجدران ، وقد وشموا جباهنا بأرقام أصباغ البناء ، سألتهم ما هو رقمي ، فاخبروني بأني الخامس ، ضحكت قائلاً والرعب يتنفس بداخلي   (( سأكون فيلم السهره )) .

وجدتني تائهة وسط ممر طويل ، معتم إلا من قبس ضوء خافت ، كان مزدحماً بنساءٍ متشحات بسواد ، ورجال منهكين ينزفون ، جالسين على أرض الغرفة ، الذي كان رطباً تتحسسه قدماي المتجمدتان برداً ، والمتمخضتان بدمائهم السوداء ، سالت أحدهم والرعب يقتلني  (( أين أجده ؟ )) ، أشار لزاوية منعزلة ، لم أجده ، ولكني تحسست تحت الضوء الفاتر ، كيسُ أسود ، فتحته بيدي المرتجفتين ، رأيت عينيه الجاحظتين ، ورأسه المتورم ، كان ميتاً ، صرخت بأعلى صوتي ، كنت أرتجف ، مسحت على رأسي براحة يديها الحنونتين (( يا ألهي حرارتها متقدة )) كنت أبكي ، قبلتني من جبيني   (( لا بأس عليكِ حبيبتي ، كنت تحلمين )) .

علقوني من يدي ، بمروحة سقفية ، وأخذوا يضربوني بهراواتهم الخشبية ، ويمررون في جسدي شحنات كهربائية ، ويغطسون رأسي في دلاء ماء حتى أكاد لأختنق ، (( أعترف .. )) كانوا يصرخون بوجهي ، (( ولكن بما يتوجب علي الاعتراف عنه )) كنت أخبرهم وأنا على حافة الموت ، ويستمر تعذيبهم البطيء ، وحينما يأسوا مني ، قالوا بأنهم يعلمون أن لي زوجة وأولاد وبنت وحيده (( وأنت تعلم ما نستطيع فعله )) ، حينها أخذت أوقع على اعترافاتي التي لم أكن أعلم ما هي .

وقعت طريحة الفراش ، كانت الكوابيس تطاردني ، كلما أغمضت عيناي ، رأيت عينيه الجاحظتين ، ورأسه المتورم ، تنزف عيناي ، وأنا نائمة ، دموعاً أستشعر خطوطها على وجنتي ، وأسمع أمي وهي تضع كمادات على جبيني (( لا بأس حبيبتي أنه مجرد حلم )) ، بعد أسبوع تماثلت للشفاء ، لم نكن نعلم الجهة التي أخذوه أليها ، ألا بعد أربعة أشهر ، لكن أمي لم تقابله ألا بعد عام تقريباً ، وانقضى وقت طويل قبل أن أسمعه يحادثني بجوال ، لا أدري كيف تمكن من الحصول عليه في منفى معتقله  القاسي .

كان قد مضى عام ونيف ، حينما رأيت زوجتي تقف مع جموع أخرى ، تفصلنا عنهم سياجين متقابلين من الأسلاك المعدنية ، ارتفاعهما عالي ، والمسافة بينهما بحدود خمسة أمتار ، كانت عيناها تبحث عني ، ناديتها بأعلى صوت استطعته وأنا أكنيها باسمها الذي تعرف (( أم فلان .. شلون الأهل )) ظلت محدقة بي لوهلة ، وأخذت تبكي (( ما يبكيكِ ؟ أحصل مكروه للأولاد )) جففت دموعها بطرف ردائها (( هم بخير .. ولكني )) صمتت قليلاً (( كدت لا أعرفك ، نحفت وتغيرت كثيراً )) حاولت أن أخفي عنها انكساري وغربتي (( الحمد لله ، على كل حال )) ، صرخت بصوت أعلى لأن الهرج من حولي كان شديداً ، ولأني كان يجب علي أن أذهب (( أوصلي سلامي ، لحواء وقبليها لي من هنا )) وأشرت إلى جبيني ، وتركتها .

تناهى لي صوته الدافئ ، الذي أعرفه ، رغم أنه كان مختلطاً بضوضاء أصوات أخرى           (( كيف حالك حبيبتي ؟ )) مخاطباً أياي ضاحكاًُ ، بنبرته المتقطعة المعهودة ، لم أقدر على مغالبة دموعي (( أنا بخير ، المهم أنت )) وتهدج صوتي ، سمعت ضحكته للمرة الأخرى ترن في أذني  (( ما هذا حسبتك قويه )) ابتسمت وسط دموعي (( اشتقت لتهكماتك وأنت تمازحني )) سمعت صوت تنفسه الهادئ المنساب عبر الأثير (( قلب المؤمن دليله )) .. (( نعم .. )) .. (( وهو يخبرني بأن أيام بعادي وغربتي باتت معدودة )) ، وقبل أن أتم كلماتي ، خطف أحد أشقائي الجوال من يدي .

وأخيراً أوجدت لنفسي نافذة تصلني بعالم النسيان الواقع خارج الأسوار العالية ، حيث كنا نسمع ، غير مصدقين ، أن العاصمة صارت مدينة أشباح ، تغلفها جدران الكتل الخراسانية ، وأنها باتت تحت رحمة ميلشيات الموت السوداء ، وبالصدفة علمت من احد المعتقلين الجدد أن أحد أقربائي خطف من محطة للوقود ، رموه بعد ساعتين ، وفي جسده نياشين المثاقب الكهربائية ، ومؤخراً فقط تمكن بعض السجناء من إدخال هاتف نقال ، نقلت أجزاءه بتأني وصبر ، محشواً بطبقات الطعام التي كانت تحضره عائلات السجناء ، كنا نخبئه محشوراً تحت حجر من أحجار أرضية السجن ، نجحنا بخلخلته ، نخفيه نهاراً ونخرجه في المساء ، ومنه سمعت عبراتها التي أثارتني بقشعريرة تملكت كياني ، إلا أني غالبت دموعي وضحكت لها مشجعاً ، في تلك الليلة بتُ هادئ البال ، وأنا أرتوي بدموعي وحيداً من دون شهود .

قابلنا اليوم أنا وأمي المحامية التي أوكلناها قضيته ، كانت قد طلبت مبلغاً كبيراً جداً من المال ، جمعناه من ثمن قطعة أرض لوالدتي ، ومن مبلغ كان قد أدخره أحد أشقائي ، وبعنا سيارة والدي ، وكذلك مصوغاتي الذهبية ، وجمعنا بعض التبرعات من الجيران ، والقسم الآخر اقترضناه ، سألت المحامية ، بعيداً عن والدتي ، بحقيقة قضيته ، فأخبرتني مبتسمة (( هي صعبة ولكن المال يصنع     المعجزات )) ، مر يوم ويومان وتلاه أسبوعان ومن ثم شهراً ، من الانتظار القاتل  ، تسرب الشك والإحباط لنفسي ، وتساءلت يا ترى ما يفعل هذه الساعة وبأي شيئاً يفكر  ، كان الليل قد أسدل ستاره ، تجولت في أرجاء المنزل ، وعائلتي مستغرقة بسباتها ، تفحصت مكتبته ، التي أعدت ترتيبها ، وفكرت حينما يعود يجب أن يجدها كما كانت ، استلقيت للنوم وأنا أقرأ المعوذتين وآية الكرسي .

في وقت مبكر من صبيحة يوم مشرق ، وفي أحد أحياء بغداد الشعبية ، تمشى رجل بمنتصف عمره ، ثيابه رثة ، وقد أختط الشيب لحيته ، نحو بيت عتيق طرق بابه ، نظرت فتاة من خلال فتحة الباب ، استفاقت العائلة على صرختها الفرحة ، وشاهدوا والدهم وهو يحتضن أبنته ، وكلاهما يبكي دون أن يخجل أحدهما من الآخر .

 

تمت

 


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: