كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
عدالة السماء --- نثـــــــــــــــــــــر --- موسوعة الرشيد
نثـــــــــــــــــــــر
عدالة السماء
اضيف بتأريخ : 06/ 05/ 2009

 

قصة قصيرة

ابراهيم العراقي

ضوء الغرفة كان خافتاً، وتنفسه العميق يملأ المكان رعباً، ثبت مثقابه الكهربائي على رأس ضحيته، فجأة تنبه أنه كان ينخر برأس طفله.. استفاق مذعوراً على صوت صراخه، وجسده ينضح عرقاً، مرت عدة دقائق، وهو يحاول استجماع رباطة جأشه، كانت زوجته قد نهضت على أثر نوبته الجديدة، أحضرت له كوب ماء، قال بصوت مخنوق:ـ

ـ أنه الكابوس ذاته.

نظرت نحوه، كانت عيناه جاحظتان، ووجه أسمر مائل للزرقة بشكل مخيف، قالت له:ـ  

ـ لماذا لا تراجع طبيب.

أخذ نفساً عميقاً، وأطرق برأسه للأسفل:ـ

ـ أن المشكلة تكمن هنا، وأشار إلى رأسه، ثم أضطجع مجدداً في فراشه، حالماً بدماء ضحاياه تغطيه مجدداً من أعلى رأسه حتى قدميه، وصوت المرأة: (تتلكاها بجهالك..)، صحا مجدداً وأخذ يذرع غرفة نومه جيئة وذهاباً، خائفاً من كوابيسه، تناول علبة سجائره، وبدأ يدخن بشراهة، ومع طلوع الشمس نام للحظات قصيرة، ثم أفزعه سماعه لأصوات بشعة قضت مضجعه.

كان ساهماً، فيما كانت تحدثه زوجته، متناولاً قضمات صغيرة من إفطاره، نظر لزوجته، وعلى شفتيه ابتسامة غريبة مغموسة بالدموع: (لا أستطيع نسيانه)، ضارباً رأسه بقبضة يده، أخذت تبكي: (وأنا أفتقده كثيراً)، أطرق برأسه للأرض: (سأذهب للمقهى وأرجع وقت الغداء)، لم ترد عليه لأنها كانت مستمرة ببكائها.

سار عبر الأحياء الشعبية شبه المهجورة، ألا من غربان الموت المنتشرين في الشوارع، بملابسهم السوداء، وأسلحتهم النارية، حياه أحدهم كان سمين وذا قامة قصيرة: (مشتاقين لعودتك بيننا)، بادله بابتسامة مهمومة: (ربما بالقريب العاجل)، تذكر وهو يجتاز الشارع، وجه طفله، وصورة تلك المرأة، وكلماتها تدق برأسه، وصل للمقهى، طلب قدح شاي، ما كان يرتشف منه حتى جالسه أحد رفاقه القدامى، قال يحدثه: (ما عدنا نراك..؟) أغمض عينيه:(مازلت أعاني آثار فجيعتي) تأمله باستغراب: (كنت تسبقنا لأعراس القتل الجماعي) ثم أضاف ضاحكاً: (أتتذكر الشخص الذي أجبرته على بلع أكياس النايلون حتى مات خنقاً)، لم يجبه، قام واقفاً، سائراً في طريقه، الذي اعتاد فيه اقتياد أسراه ممارساً فيهم لعبة التعذيب، والموت الرحيم برصاصة مسدس تحت العنق، كان يعدهم واحداً.. واحداً، ليشمر يوماً عن ذراعه الموشومة، ويصيح بفخر وسط السوق: (قتلت مئة.. قتلت مئة)، في أيامه الأولى، كان يؤدي أعمال التعذيب بيسر وسهولة بالغة، ولكن فيما بعد أصبح يشاهد ضحاياه ويتذكر أصواتهم وتوسلاتهم: (كيف أنهم تركوا خلفهم أبناء يحبونهم)، فكان يزيح تردده بضربة على رأس الضحية، إلا انه أخذ يجد صعوبة بتنفيذ واجباته المشؤومة، إلا حين يتناول الحبوب المخدرة.  

عاد لمنزله، وضع رأسه لفترة طويلة تحت صنبور الماء، كأنه يحاول طرد أصوات الأدانه التي أضحت تطارده دون رحمة، وضعت زوجته منشفة على كتفه: (كيف أصبحت..؟)، كان وجهه مخيفاً: (ليت الموت يأخذني) تأملته حزينة: (أرتح قليلاً بينما أحضر الغداء)، أغمض عينيه محاولاً النوم، تذكر صغيره، كيف كان يلعب بين غرف المنزل، وهو يناديه ويناغيه، أخذ يبكي، ويجذب بشعر رأسه بجنون، سمعته زوجته، فجلبت له حبة مهدئة تناولها، نام قليلاً حالماً بتلك المرأة ذاتها، وهي تقول له: (مثلما تدن تدان)، صحا من نومه، وصدى صوتها يتردد عميقاً في رأسه، نهض متعباً، و تمشى حتى باب منزله، حيث دهس طفله خطئاً بمركبته، محطماً رأسه بالكامل، مستعيداً الحادثة بلحظاتها وتفاصيلها الموجعة، تأمل منارة المسجد المهدمة، حيث فجرها هو ومرتزقته قبل أشهر عديدة، بقنبلة زرعها بداخلها، كان يمسك يومها ببندقيته، أمراً المارة بالابتعاد، فصاحت عليه تلك المرأة: (حتى بيوت الله، تتلكاها بجهالك)، لم يتملك نفسه فوجه رشقات من بندقيته نحو صدرها، ليتركها في لحظة جثة هامدة، عاد لغرفته، طلب من زوجته أن تتركه يرتاح لنصف ساعة، كانت عيناه جاحظتان، قالت تخاطبه: (هل أجلب حبة مهدئ)، حرك رأسه بالنفي، عادت بعد نصف ساعة، فوجدت باب غرفته مرصوداً، نادت عليه لكنه لم يجبها، حاولت فتح الباب دون جدوى، أسرعت تطلب معونة جيرانها، حينها وجدوه معلقاً من رقبته، بحبل يتدلى من مروحة سقفية، ووجهه مزرقاً. 

تمت

   

 


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: