كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
الابتسامة --- نثـــــــــــــــــــــر --- موسوعة الرشيد
نثـــــــــــــــــــــر
الابتسامة
اضيف بتأريخ : 23/ 02/ 2010

 

قصة قصيرة

لـ (منذر النعماني)

Mother_alnomane@yahoo.com

الأسئلة ذاتها تدور في مخيلتي ، كيف تراه حال طفلي الوليد الذي تركته وعمره لا يتجاوز الأربعة أشهر، أتذكر رائحته، وصوت بكاءه، وابتسامته البريئة الطاهرة، مطبوعة بذاكرتي.. كيف تراهم حال أهلي جميعاً، في منفانا المجهول كنا نستشعر صوت المطر الذي يهطل فوق سقف زنزانتنا، وكأن السماء تبكينا ، وحفيف هوائها يئن علينا، وصوت رعدها صرخة استغاثة من فرط ما عانيناه: (متى سينتهي موتنا البطيء) .

 أعود بذاكرتي مراراً لصبيحة ذلك اليوم الذي استوقفتني وأنا بمركبتي نقطة التفتيش المشؤومة تلك، كان أول ما سألوه: (ما أنت..؟)، فأجبت: (مسلم)، نظر الضابط نحوي: (على أي مذهب أنت..؟)، فكررت له: (مسلم)، صرخ بي: (سألتك عن مذهبك ولم أسألك عن ديانتك ـ يا)، أجبته هادئاً: (حسبي أن أكون مسلماً وعراقياً)، صاح بجنوده: (فتشوا سيارته)، وجدوا بضعة أشرطة للقرآن، أخذها من السيارة: (أنت أكيد وهابي وناصبي).

وأمر جنوده بتقيدي، في البداية حاولت الامتناع من الذهاب معهم،فلما رآني(الضابط) مصراً ! أمرهم بتقييدي بعد أن ضربوني وطرحوني أرضاً، ثم وضع أحدهم قدمه على رقبتي، وجيء بي معصوب العينين وقلبي يخفق ولكأنه قلب عصفور ولساني يلهج بالدعاء: (أعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق)، دفعني أحدهم بقدمه، فسقطت على وجهي، كان المكان غرفة صغيرة معتمة وشديدة الرطوبة، ملئت بمعتقلين كانت آثار القيود مغروسة بأيديهم وأرجلهم، وجلودهم تهرأت من الضرب والصعقات الكهربائية.

 سألني أحد المعتقلين: (ما هي تهمتك..؟)، أجبته مبتسماً بوجع:  (حقاً لا أدري..)، بعد برهة اقتادوني مجدداً، كان التحقيق ضربة عنيفة أفقدتني وعيي، وجدت نفسي مدمياً وسط الزنزانة، وأرتجف برداً كان ليل ،كانون الثاني، ببرده القارص غطاني أحد السجناء بقطعة قماش لم تكد تكفي لكلينا، حلمت بمنزلي وسط عائلتي وزوجتي وطفلي.

وإن كل ما حصل كان مجرد كابوس، ولكني ومع الصباح تبين لي أني كنت أبيت في زنزانة، وجسدي بكامله يضج بالألم، لم أكن قد تعافيت حتى اقتادوني مجدداً، علقوني من يدي المربوطتين للخلف بحبل يتدلى من سقف الغرفة، سألني المحقق: (أعترف بجرائمك)، أجبته صادقاً: (أقسم لك بأن كل ما نسب لي ظلماً)، تعلق أحدهم برجلي حتى انخلعت أحدى يدي.

في البدء كنا عشرون شخصاً ولكن بمرور الأيام غصت بنا القاعة فكنا ننام متلاصقين، فكان رأس أحدنا عند قدم الآخر، كنا نتقاسم أوجاعنا ويواسي أحدنا الآخر ويشجعه، وفي جلساتنا معاً كنا لا نشعر بالغربة فجميعنا كنا من أبناء السنة وكثيراً كانوا شيوخ مساجد.

 تعرفت بسجين كانوا قد فعلوا الفاحشة معه، وآخر مضى عليه أكثر من عام، كانوا قد اعتقلوه يوم زفافه، وآخر كان يجبرونه على تقليد أصوات الحيوانات، ذات مرة ومع صلاة الفجر كنا نوقظ أحد المعتقلين الذي كان قد قضى ليلة عسيرة في غرفة التعذيب، أيقظناه مرة وثانية دون جدوى كان قد فارق الحياة.

تمضي الأيام دون جدوى، كنا قد أعتدنا أن نسمع الحرس وهم يسبون الصحابة ويسبوننا يومياً،  والأسئلة ذاتها تدور في مخيلتي هل سيقدر لي رؤية عائلتي ثانية، إنهم لا يعرفون بمكاني، ولا حتى نحن نعرف، الليلة الماضية رأيت حلماً غريباً وكأن بوابة السجن فتحت أمامي، وضياء عظيم غمرني، استبشرت خيراً.

وما هي إلا لحظات أرسلوا بطلب عشرون شخصاً منا، استقبلنا ضابط وأخبرنا بأنه تم الإفراج عنا، حمدت الله رب العالمين، صعدنا بحافلة كان سائقها يقودنا في دهاليز مظلمة، فجأة ربطوا عيوننا، وأسلمونا لجهة أخرى لم أتبينها، ولكن فؤادي كان مطمئناً على نحو غريب، ضربني أحدهم بقوة على رأسي فغبت عن وعيي.

في الصباح كانت دورية للشرطة تجمع جثث مرماة على قمامة أوساخ، وعلى شفتي أحدهم كانت تعلوا ابتسامة اطمئنان أبدي.

                        تمت

 

 


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: