كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
الصدّيق والسيدة فاطمة وميراث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) --- من التاريخ --- موسوعة الرشيد
من التاريخ
الصدّيق والسيدة فاطمة وميراث النبي ( صلى الله عليه وسلم )
اضيف بتأريخ : 28/ 03/ 2010

.

موسوعة الرشيد /خاص

 

 

مقدمة
أبن تيمية ( رحمة الله )
أبن كثير ( رحمه الله )
القرطبي ( رحمه الله )
النووي ( رحمه الله )

 

 

مقدمة

قالت عائشة رضي الله عنها:

إن فاطمة والعباس – رضي الله عنهما- أتيا أبا بكر- رضي الله عنه- يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر.

فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم من هذا المال»([1]) .

وفي رواية قال أبو بكر رضي الله عنه .... لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعمل به إلا عملت به ، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ([2]).

وعن عائشة - رضي الله عنها – قالت: إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، حين توفى الرسول الله، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أبى بكر، ليسألنه ميراثهن من النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة رضي الله عنها لهن: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركناه صدقة»([3]) .

  وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتسم ورثتى دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة»([4]).

وهذا ما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع فاطمة رضي الله عنها امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم، لذلك قال الصديق: «لست تاركًا شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به»([5]) وقال: «والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته»([6]).

وقد تركت فاطمة رضي الله عنه منازعته بعد احتجاجه بالحديث وبيانه لها، وفيه دليل على قبولها الحق وإذعانها لقوله صلى الله عليه وسلم، قال ابن قتيبة([7]): وأما منازعة فاطمة أبا بكر رضي الله عنها في ميراث النبيصلى الله عليه وسلم فليس بمنكر، لأنها لم تعلم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظنت أنها ترثه كما يرث الأولاد آباءهم، فلمان أخبرها بقوله كفت([8]), وقد غلا الرافضة في قصة ميراث النبي غلوًا مفرطًا مجانبين الحق والصواب، معرضين متجاهلين ما ورد من نصوص صحيحة في أنه صلى الله عليه وسلم لا يورث .

 وجعلوا ذلك من أصول الخلاف بين الصحابة وآل البيت- رضي الله عنهم أجمعين – وامتدادًا لأمر الخلافة ، فاتهموا الصحابة - رضوان الله عليهم- بإيقاع الظلم والجور على آل البيت ، ولا سيما أبو بكر الصديق وعمر الفاروق – رضي الله عنهما – الذين غصبا الخلافة من آل البيت كما في زعمهم، وأضافوا إلى ذلك غصب أموال آل البيت، وغصب ما فرض الله لهم من حقوق مالية، ويعتبر الرافضة قضية فدك، ومنع فاطمة من إرثها من أهم القضايا، التي تواطأ عليها الصحابة بعد غصب الصديق رضي الله عنه للخلافة منهم على حد تعبيرهم، وذلك حتى لا يميل الناس إلى آل البيت بسبب هذا المال فيجتمعوا عليه ويخلعوه من الخلافة([9]).

والمتتبع لكتب الرافضة في هذه المسألة يجد أنها تنصب على إنكار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة»([10]) واستقطاب الأدلة لمحاولة إبطاله، فمن ذلك:

1- زعمهم أن هذا الحديث وضعه أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-:وفي ذلك يقول الحلى: إن فاطمة لم تقبل بحديث اخترعه أبو بكر من قوله: ما تركناه صدقة. وقال أيضًا: والتجأ في ذلك إلى رواية انفرد بها([11]). وقال المجلسى بعد أن نص على أن أبا بكر وعمر أخذا فدكًا: ولأجل ذلك وضعوا تلك الرواية الخبيثة المفتراة: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة([12]) ويقول الخميني في ذلك: نقول إن الحديث المنسوب إلى النبي لا صحة له، وأنه قيل من أجل استئصال ذرية النبي([13]).

ويجاب على ذلك: بأن هذا القول كذب محض وافتراء واضح، إذ هذه الرواية لم ينفرد بها أبو بكر رضي الله عنه بل إن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركناه فهو صدقة»، رواه عنه أبو بكر وعثمان وعلى وطلحة، والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم أجمعين([14]) وفي ذلك يقول ابن تيمية: والرواية عن هؤلاء ثابتة في الصحاح والمسانيد، ومشهورة يعلمها أهل العلم بالحديث، فقول القائل: إن أبا بكر انفرد بالرواية يدل على فرط جهله أو تعمده الكذب([15]).

وقال ابن كثير بعد ذكره لمن روى الحديث: «وأن هذا الزعم من الرافضة باطل، ولو تفرد بروايته الصديق- رضي الله عنه – لوجب على جميع أهل الأرض قبول روايته والانقياد له في ذلك»([16]), وقد قال الدكتور سليمان بن رجاء السحيمي صاحب الكتاب القيم «العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط»: ويؤيد هذا ما جاء من كتب الرافضة عن الإمام جعفر الصادق الإمام الخامس المعصوم عندهم فيما رواه الكليني والصفار والمفيد أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من سلك طريقًا يطلب منه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، والعلماء أمناء، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وأن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر([17]) وفي رواية: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وذلك ان الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم»([18]). وما أرث منك يا رسول الله؟ قال: «ما أورث النبيون».

2- زعمهم أن هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: “ يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ " [النساء:11] وقالوا: ولم يجعل الله ذلك خاصًا بالأمة دونه صلى الله عليه وسلم؟([19]).

والحقيقة أن الخطاب شامل للمقصودين بالخطاب، وليس فيه ما يوجب كون النبي صلى الله عليه وسلم من المخاطبين بها([20]), فهو صلى الله عليه وسلم لا يقاس بأحد من البشر، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولأن الله حرم عليه صدقة الفرض والتطوع، وخُص بأشياء لم يُخص بها أحد غيره صلى الله عليه وسلم، ومما خصه الله به، هو وإخوانه من الأنبياء عليهم السلام كونهم لا يورثون، وذلك صيانة من الله لهم لئلا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وخلفوها لورثتهم، أما بقية البشر فلا نبوة لهم يقدح فيها بمثل ذلك، كما صان الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم عن الخط والشعر صيانة لنبوته عن الشبة وإن كان غيره لم يحتج إلى هذه الصيانة([21]).

وقال ابن كثير في رده على استدلال الرافضة بالآية: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خُص من بين الأنبياء بأحكام لا يشاركونه فيها..فلو قدر أن غيره من الأنبياء يورثون، وليس الأمر كذلك، لكان ما رواه الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر، مبينًا لتخصصه بهذا الحكم دون من سواه([22]). وبهذا يتبين بطلان استدلالهم بمخالفة الحديث.

3- زعمهم أن منع الإرث والاستدلال بهذا الحديث مخالف لقوله تعالى: “وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ" [النمل:16]، ومخالف لما حكاه الله عن نبيه زكريا عليه السلام: “وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا` يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا" [مريم: 5، 6].

حيث قالوا: إن الميراث يقتضي الأموال وما في معناه، وليس لأحد أن يقول إن المراد بالآية العلم دون المال([23]).

ويجاب على ذلك بما يلي:              

 إن الإرث :- اسم جنس يدخل تحته أنواع، فيستعمل في إرث العلم والنبوة والملك وغير ذلك من أنواع الانتقال. قال تعالى: “ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا" [فاطر:32]،

وقال تعالى: “ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ` الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" [المؤمنون:10، 11] وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا الشان.

 وإذا كان كذلك فقوله تعالى: " وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ" وقوله: "يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ" إنما يدل على جنس الإرث، ولا يدل على إرث المال، وذلك أن داود عليه السلام كان له أولاد كثيرون غير سليمان فلا يختص سليمان بماله فدل على أن المراد بهذا الإرث إرث العلم والنبوة ونحو ذلك، لا إرث المال، والآية سيقت في بيان مدح سليمان وما خصه الله به من النعمة ، وحصر الإرث في المال لا مدح فيه، إذ إن إرث المال من الأمور العادية المشتركة بين الناس، وكذلك قوله تعالى: “يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ" ليس المراد به إرث المال لأنه لا يرث آل يعقوب شيئًا من أموالهم، وإنما يرث ذلك منهم أولادهم وسائر ورثتهم لو ورثوا([24]).

كما أن قوله: “وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي" [مريم:5] لا يدل على أن الإرث إرث مال، لأن زكريا لم يخف أن يأخذوا ماله من بعده إذا مات، فإن هذا ليس بمخوف، وزكريا عليه السلام لم يعرف له مال، بل كان تجارًا يأكل من كسب يده كما في صحيح مسلم([25])، ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ولدًا يرث عنه ماله، قدل على أن المراد بالوراثة في هاتين الآيتين وراثة النبوة، والقيام مقامه([26]).

يقول القرطبي في تفسيره للآية: وعليه فلم يسل من يرث ماله، لأن الأنبياء لا تورث، وهذ هو الصحيح من القولين في تأويل الآية، وأنه عليه الصلاة والسلام أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة»([27]), وهذا الحديث يدخل في التفسير المسند لقوله تعالى: “وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ" وعبارة عن قول زكريا “فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا ` يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا" وتخصيص للعموم في ذلك، وإن سليمان لم يرث من داود مالاً خلفه داود بعده. وإنما ورث منه الحكمة والعلم، وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب، وهكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض([28]).

ومما تجدر الإشارة إليه أن الرافضة خالفوا ما استدلوا به على وجوب الميراث، وذلك أنهم حصروا ميراثه صلى الله عليه وسلم في فاطمة – رضي الله عنه – فزعموا أنه لم يرث النبي صلى الله عليه وسلم إلا هي ,فأخرجوا أزواجه وعصبته مخالفين عموم الآيات التي استدلوا بها، فقد روى الصدوق بسنده عن أبى جعفر الباقر قوله:

لا والله ما ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس ولا على، ولا ورثته إلا فاطمة عليها السلام، وما كان آخذ على عليه السلام السلاح وغيره إلا إنه قضى عنه دينه([29]).

وروى الكليني والصدوق والطوسى بأسانيدهم إلى الباقر أيضًا قوله: وورث على عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه، وورثت فاطمة عليها السلام تركته([30]), بل وأخرجوا فاطمة من ذلك، حيث زعموا أن النساء لا يرثن العقار، فقد بوب الكليني في كتابه الكافي بابًا بعنوان: إن النساء لا يرثن من العقار شيئًا، وساق تحته روايات منها: عن أبي جعفر الصادق إنه قال: النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئًا([31]).

روى الصدوق بسنده إلى ميسر قال:سألته – يقصد الصادق – عن النساء ما لهن في الميراث، فقال: أما الأرض والعقارات فلا ميراث فيه([32]), وبهذا يتبين عدم استحقاق فاطمة – رضي الله عنها – شيئًا من الميراث، بدون الاستدلال بحديث: نحن معاشر الأنبياء لا نورث([33]), فما دامت المرأة لا ترث العقار والأرض، فكيف كان لفاطمة أن تسأل فدك – على حسب قولهم- وهي عقار لا ريب فيه([34]), وهذا دليل كذبهم وتناقضهم فضلاً عن جهلهم([35]).

وأما ما زعموه من كون الصديق – رضي الله عنه – سأل فاطمة أن تحضر شهودًا، فأحضرت عليًا وأم أيمن فلم يقبل شهادتهما، فهو من الكذب البين الواضح، قال حماد بن إسحاق: فأما ما يحكيه قوم أن فاطمة عليها السلام طلبت فدك، وذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعها إياها، وشهد لها على عليه السلام فلم يقبل أبو بكر شهادته لأنه زوجها، فهذا أمر لا أصل له ولا تثبت به رواية أنها ادعت ذلك، وإنما هو أمر مفتعل لا ثبت فيه([36]).

4- أن السنة والإجماع قد دلا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث:قال ابن تيمية: كون النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها، وبإجماع الصحابة، وكل منها دليل قطعي، فلا يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عمومًا فهو مخصوص، لأن ذلك لو كان دليلاً لما كان إلا ظنيًا فلا يعارض القطعي ، إذ الظنى لا يعارض القطعي، وذلك أن هذا الخبر رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس.

وليس فيهم من ينكره، بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق، ولهذا لم يصر أحد من أزواجه على طلب الميراث، ولا أصرّ العمّ على طلب الميراث، بل لما طلب من ذلك شيئًا فأخبر بقول النبي صلى الله عليه وسلم رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى على، فلم يغير شيئًا ولا قسم له تركة([37]).

أبن تيمية ( رحمة الله )

قال ابن تيمية:

قد تولى الخلافة (علىّ) بعد ذي النورين عثمان، وصار فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعط منها شيئًا لأحد من أولاد فاطمة ولا من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ولا ولد العباس، فلو كان ظلمًا وقدر على إزالته لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية وجيوشه، أفتراه يقاتل معاوية مع ما جرى في ذلك من الشر العظيم ولا يعطي هؤلاء قليلاً من المال، وأمره أهون بكثير([38]).

وبإجماع الخلفاء الراشدين على ذلك احتج الخليفة العباسي أبو العباس السفاح على بعض مناظريه في هذه المسألة على ما نقل ابن الجوزي في تلبيس إبليس قال:

وقد روينا عن السفاح أنه خطب يومًا فقام رجل من آل على – رضي الله عنه – قال: إنا من أولاد على – رضي الله عنه – فقال: يا أمير المؤمنين أعنى على من ظلمني. قال: ومن ظلمك؟ قال: أنا من أولاد على – رضي الله عنه – والذي ظلمني أبو بكر – رضي الله عنه – حين أخذ فدك من فاطمة .

وقال: ودام على ظلمكم ؟

قال: نعم.

 قال: ومن قام عبده؟

قال: عمر – رضي الله عنه –

قال: ودام على ظلمكم. قال: نعم

 قال: ومن قام بعده؟

قال عثمان – رضي الله عنه-

 قال: ودام على ظلمكم ؟

 قال: نعم

 قال: ومن قام بعده ؟

فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكانًا يهرب منه([39]).

وبتصويب أبي بكر – رضي الله عنه – في اجتهاده صرَّح بعض أولاد على من فاطمة – رضي الله عنهما- على ما روى البيهقي بسنده عن فضيل بن مرزوق قال:

 قال زيد بن على ابن الحسين بن على بن أبى طالب: أما لو كنت مكان أبي بكر، لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك([40]), كما نقل أبو العباس القرطبي اتفاق أهل البيت بدءًا بعلي – رضي الله عنه – ومن جاء بعده من أولاده، ثم أولاد العباس الذين كانت بأيديهم صدقة رسول الله، إنهم ما كانوا يرون تملكها، إنما كانوا ينفقونها في سبيل الله ، قال- رحمه الله-: إن عليًا لما ولى الخلافة ولم يغيرها عما عمل فيها في عهد أبي بكر وعمر، وعثمان.

 ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن على، ثم بيد حسين بن على، ثم بيد على بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسين، ثم بيد عبد الله بن الحسين، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في صحيحه، وهؤلاء كبراء أهل البيت –ر ضي الله عنهم- وهم معتمدون عند الشيعة وأئمتهم، لم يرو عن واحد منهم أنه تملكها ولا ورثها ولا ورثت عنه، فلو كان ما يقوله الشيعة حقًا لأخذها على أو أحد من أهل بيته لما ظفروا بها([41]).

وقال ابن تيمية:

 قد تولى (علىّ) الخلافة بعد ذى النورين عثمان، وصارت فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعط منها شيئًا لأحد من أولاد فاطمة، ولا من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ولد العباس، فلو كان ظلمًا وقدر على إزالته لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية وجيوشه، أفتراه يقاتل معاوية مع ما جرى في ذلك من الشر العظيم، ولا يعطي هؤلاء قليلاً من المال، وأمره أهون بكثير؟ ([42]).

 

أبن كثير ( رحمه الله )

قال ابن كثير:

وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل، وتكلفوا ما لاعلم لهم به، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم([43]), فلو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة، وفرقة مرذولة، يتمسكون بالمتشابهة، ويتركون الأمور المقررة عند أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين من بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين([44]).

5- تسامح السيدة فاطمة مع أبي بكر: وقد ثبت عن فاطمة – رضي الله عنها- أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك، وماتت وهي راضية عنه، على ما روى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال على: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها، فقال: والله ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضَّاها حتى رضيت([45]) قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد قوى والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من على، أو ممن سمعه من على([46]).

وبهذا تندحض مطاعن الرافضة على أبي بكر التي يعلقونها على غضب فاطمة عليه، فلئن كانت غضبت على أبى بكر في بداية الأمر فقد رضيت عنه بعد ذلك وماتت وهى راضية عنه، ولا يسع أحدًا صادقًا في محبته لها، إلا أن يرضي عمن رضيت عنه([47]), ولا يعارض هذا ما ثبت في حديث عائشة:

إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم من هذا المال، وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبي أبو بكر أن يدفع لفاطمة منها شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت([48]).

فإن هذا بحسب علم عائشة – رضي الله عنها – رواية الحديث، وفي حديث الشعبي زيادة علم، وثبوت زيارة أبي بكر لها وكلامها له ورضاها عنه، فعائشة – رضي الله عنها – نفت والشعبي أثبت، ومعلوم لدى العلماء أن قول المثبت مقدم على قول النافي، لأن احتمال الثبوت حصل بغير علم النافي، خصوصًا في مثل هذه المسألة، فإن عيادة أبي بكر لفاطمة – رضي الله عنها- ليست من الأحداث الكبيرة التي تشيع في الناس، ويطلع عليها الجميع.

 وإنما هي من الأمور العادية التي تخفي على من لم يشهدها، والتي لا يعبأ بنقلها لعدم الحاجة لذكرها، على أن الذي ذكره العلماء أن فاطمة – رضي الله عنها – لم تتعمد هجر أبي بكر – رضي الله عنه – أصلاً، ومثلها ينزه عن ذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجر فوق ثلاث، وإنما لم تكلمه لعدم الحاجة لذلك([49])

 

القرطبي ( رحمه الله )

 قال القرطبي :

 صاحب المفهم في سياق شرحه لحديث عائشة المتقدم: ثم إنها (أي فاطمة) لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله صلى الله عليه وسلم ولملازمتها بيتها، فعبر الراوى عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»([50]), وهى أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف لا تكون كذلك وهي بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدة نساء أهل الجنة([51]).

النووي ( حمه الله )

قال النووي:

وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر -  رضي الله عنه- فمعناه انقباضها عن لقائه، وليس هذا من الهجران المحرم، الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء، وقوله في هذا الحديث: (فلم تكلمه) يعنى في هذا الأمر، أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة ولا اضطرت إلى لقائه فتكلمه، ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته([52]), لقد انشغلت فاطمة – رضي الله عنها – عن كل شيء بحزنها لفقدها أكرم الخلق، وهي مصيبة تزرى بكل المصائب.

 كما أنها أنشغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أية مشاركة في أي شأن من الشئون فضلاً عن لقاء خليفة المسلمين المشغول – لكل لحظة من لحظاته – بشئون الأمة، وحروب الردة وغيرها، كما أنها كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها، فقد أخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أول من يلحق به من أهله([53]),  ومن كان في مثل علمها لا يخطر بباله أمور الدنيا، وما أحسن قول المهلب الذي نقله العينى: ولم يرو أحد أنهما التقيا وامتنعا عن التسليم، إنما لازمت بيتها، فعبر الراوى عن ذلك بالهجران([54]).

ومما يدل على أن العلاقة كانت وطيدة بين الصديق والسيدة فاطمة إلى حد أن زوجة أبي بكر أسماء بنت عميس هي التي كانت تمرض فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها، في مرض موتها، وكانت معها حتى الأنفاس الأخيرة، وشاركت في غسلها وترحيلها إلى مثواها، وكان على رضي الله عنه يمرضها بنفسه وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس، رضي الله عنها، وقد وصتها بوصايا في كفنها ودفنها وتشييع جنازتها، فعملت أسماء بها([55]), فقد قالت السيدة فاطمة لأسماء:

 إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء، إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا أريك شيئًا رأيته بأرض الحبشة، فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبًا، فقال فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله! به تعرف المرأة من الرجال([56]).

وعن ابن عبد البر: أن فاطمة رضي الله عنها أول من غطى نعشها في الإسلام، ثم زينب بنت جحش، وكان الصديق دائم الاتصال بعلي من ناحية ليسأله عن أحوال بنت النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ما يزعمه القوم، فمرضت (أي فاطمة رضي الله عنها) وكان على يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟

ومن ناحية أخرى من زوجه أسماء حيث كانت هي المشرفة والممرضة الحقيقية لها، ولما قبضت فاطمة من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان عليًا ويقولان: يا أبا الحسن، لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله([57]), وقد توفيت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة .

 روى ابن مالك بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده على بن الحسين، قال: ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء فحضرها أبو بكر وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فلما وضعت ليصلي عليها، قال على: تقدم يا أبا بكر، قال أبو بكر رضي الله عنه: وأنت يا أبا الحسن؟ قال: نعم، فوالله لا يصلي عليها غيرك، فصلى عليها أبو بكر رضي الله عنه ودفنت ليلاً ، وجاء في رواية: صلى أبو بكر رضي الله عنه على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر عليها أربعًا([58]), وفي رواية مسلم: صلى عليها على بن أبي طالب وهي الرواية الراجحة([59]).

ولقد أجاد وأفاد محمد إقبال في قصيدته العصماء (فاطمة الزهراء) فقال:

نَسَبُ المسيح بنى لمريم سيرة

 

بقيت على طول المدى ذكراها

والمجد يشرف من ثلاث مطالع

 

في مهد فاطمة فما أعلاها

هي بنت من؟ هي زوج من؟ هي أم  من؟ منمن من؟

 

من ذا يداني في الفخار أباها

هي ومضة من نور عين المصطفى

 

هادي الشعوب إذا تروم هداها

من أيقظ الفطر النيام بروحه

 

وكأنه بعد البلى أحياها

وأعاد تاريخ الحياة جديدة

 

مثل العرائس في جديد حُلاها

هى أسوة للأمهات وقدوة

 

يترسم القمر المنير خطاها

جعلت من الصبر الجميل غذاءها

 

ورأت رضا الزوج الكريم رضاها

إلى أن قال:

لولا وقوفي عند شرع المصطفى

 

وحدود شرعته ونحن فداها

لمضيت للتطواف حول ضريحها

 

وغمرت بالقبلات طيب ثراها([60])

 


 

([1]) البخاري رقم 6726.

([2]) مسلم رقم 1759.

([3]) البخاري رقم 6730، مسلم رقم 1758.

([4]) البخاري رقم 6729.

([5]) مسلم 1758.

([6]) البخاري رقم 6726.

([7]) شذرات الذهب (2/169).

([8]) تأويل مختلف الحديث: ص19/1.

([9]) العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط: ص (435).

([10]) مسلم 1758.

([11]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/193) نقلاً عن العقيدة في أهل البيت.

([12]) حق اليقين: ص (191) نقلاً عن العقيدة في أهل البيت: ص(443).

([13]) كشف الأسرار للخميني: ص (132- 133) نقلاً عن العقيدة في أهل البيت.

([14]) العقيدة في أهل البيت: ص(444).

([15]) منهاج السنة (4/199).

([16]) البداية والنهاية (5/250).

([17]) الكافي للكليني (1/32- 34).

([18]) المصدر السابق (1/32- 34)، وبصائر الدرجات للصفار: ص (10، 11) والاختصاص للمفيد: ص(4) وانظر: علم اليقين للكاشاني (2/747، 748) نقلاً عن العقيدة لأهل البيت: ص(444).

([19]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة 4/194.

([20]) منهاج السنة (4/494، 195) العقيدة في أهل البيت: ص(445).

([21]) منهاج السنة: ص (194، 195)، العقيدة في أهل البيت: ص (445).

([22]) البداية والنهاية (5/254)، العقيدة في أهل البيت:ص (446).

([23]) منهاج الكرامة: ص(109) نقلاً عن العقيدة في أهل البيت وغيرها من الكتب كالطرائف لابن «آووس» (347).

([24]) منهاج السنة (4/222- 224).

([25]) مسلم رقم 2379.

([26]) منهاج السنة (4/225)، البداية والنهاية (5/253)، العقيدة في أهل البيت: ص (448).

([27]) مسلم رقم 1758.

([28]) تفسير القرطبي (11/35- 45).

([29]) من لا يحضره الفقيه (4/190، 191)، العقيدة في أهل البيت: ص (451).

([30]) الكافي للكليني (7/137)، العقيدة في أهل البيت: ص(451).

([31]) الكافي للكليني (7/137)، العقيدةن في أهل البيت: ص(451).

([32]) الشيعة وأهل البيت: ص(89).

([33]) مسلم 1768.

([34]) الشيعة وأهل البيت: ص (98).

([35]) العقيدة في أهل البيت: ص(452).

([36]) منهاج السنة (4/236- 238).

([37]) المصدر السابق (4/220).

([38]) المصدر السابق (6/347).

([39]) تلبيس إبليس: ص (135).

([40]) تاريخ المدينة لابن شبة (1/200)، البداية والنهاية (5/253).

([41]) المفهم للقرطبي (3/564).

([42]) منهاج السنة (6/347).

([43]) البداية والنهاية (5/253).

([44]) المصدر نفسه (5/251).

([45]) السنن الكبرى للبيهقي (6/301).

([46]) البداية والنهاية (5/253).

([47]) الانتصار للصحب والآل: ص (434).

([48]) البخاري رقم 4240رقم 175.

([49]) الانتصار للصحب والآل: ص(434).

([50]) البخاري رقم 6077.

([51]) المفهم (12/73).

([52]) شرح صحيح مسلم (12/73).

([53]) مسلم رقم 2450.

([54]) أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ: ص(108).

([55]) الشيعة وأهل البيت: ص(77).

([56]) الاستيعاب (4/378).

([57]) الشيعة وأهل البيت: ص(77)، كتاب سليم بن قيس: ص (255).

([58]) المختصر من كتاب الموافقة: ص (68) في سنده ضعف.

([59]) مسلم رقم 1759.

([60]) الدوحة النبوية: ص(62، 63).


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: