كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
الأحداث التي تلت حرب الجمل --- دراسات قكرية --- موسوعة الرشيد
دراسات قكرية
الأحداث التي تلت حرب الجمل
اضيف بتأريخ : 09/ 11/ 2010

.

موسوعة الرشيد/ خاص

أبو عبد الله الذهبي

مراحل تدوين تأريخ الإسلام
معركة صفين
مقدمات معركة صفين
نكتة حول حديث
فائدة

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله .. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا و أنتم مسلمون} آل عمران/102

.{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجاً كثيراً و نساء و اتقوا الله الذي تسآءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيباً}النساء/1

.{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولاً سديدا ، يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم ، و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}الأحزاب/70-71

و بعد :-

فإن دراسة التاريخ لا ينبغي أن تكون ميداناً للسلوة و تزجية الفراغ ، و مهما فصل عامل الزمن بين الحدث والحديث ، فالفرصة قائمة لأخذ الدروس و العبر ، و على دارسي التاريخ بشكل عام و التاريخ الإسلامي على الخصوص ، أن يتجاوزوا سرد الحدث و الاكتفاء بإحصاء القتلى أو الجرحى لهذا الحدث أو ذاك .

فإن فقه المرويات ، و عبر الحوادث ، لهدف كبير من أهداف دراسة التاريخ ، و بدونه تصبح الدراسة تجميعاً لا يسمن و لا يغني من جوع .

و إذا أخذ المتقدمون على عاتقهم رصد الحدث بمروياته المختلفة ورسموا الصورة بشكلها الإجمالي ، فإن على المتأخرين استكمال هذا الجهد و سد هذا النقص ، و الخروج بنتائج تجعل من الحدث في الماضي ، عبرة للحاضر ، ومؤشراً لإصلاح المستقبل بإذن الله . مقتبس من كتاب كيف دخل التتر بلاد المسلمين ، لسليمان بن حمد العودة (ص 5-6) بتصرف يسير .

و إن التاريخ الإسلامي لم يبدأ تدوينه إلا بعد زوال دولة بني أمية وقيام دول لا يسر رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي و محاسن أهله .

 

 

مراحل تدوين تأريخ الإسلام

تولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف :-

 1 - طائفة كانت تنشد العيش والجدة من التقرب إلى مبغضي بني أمية بما تكتبه وتؤلفه .

 2 - و طائفة ظنت أن التدين لا يتم، و لا يكون التقرب إلى الله إلا بتشويه سمعة أبي بكر وعمر عثمان

و بني عبد شمس جميعاً .

 3 - و طائفة ثالثة من أهل الإنصاف و الدين - كالطبري و ابن عساكر و ابن الأثير ، و ابن كثير - رأت أن من الإنصاف أن تجمع أخبار الإخباريين من كل المذاهب و المشارب ، كلوط بن يحي الشيعي المحترق ، و سيف بن عمر العراقي المعتدل ، - و لعل بعضهم اضطر إرضاءً لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها - ، فتجعل العهدة بعد ذلك على القارئ .

و قد أثبت أكثر هؤلاء أسماء رواة الأخبار التي أوردوها ليكون الباحث على بصيرة من كل خبر بالبحث عن حال راويه .

و قد وصلت إلينا هذه التركة لا على أنها هي تاريخنا ، بل على أنها مادة غزيرة للدرس و البحث يستخرج منها تاريخنا ، و هذا ممكن و ميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة و الضعف في هذه المراجع ، وله من الألمعية ما يستخلص به حقيقة ما و قع و يجرّدها عن الذي لم يقع ، مكتفياً بأصول الأخبار الصحيحة مجردة عن الزيادات الطارئة عليها . العواصم من القواصم (ص 179) .

و لقد كثرت النداءات بضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي على الوجه الخصوص ، و لهذه النداءات وجه من الحق ، فأهل الأهواء كان لهم دورهم في تدوين التاريخ الإسلامي ، و كان من أبرز أهل الأهواء الشيعة ؛ فلقد كان لهم دور كبير في تدوين التاريخ الإسلامي ، و منهم الغلاة و الذين يقال عنهم رافضة  سيأتي بيان المراد من هذا المفهوم في ثنايا البحث  الذين عملوا على تشويه هذا التاريخ ، لأن تشويههم له يعينهم على الطعن في نقلة هذا الدين .

و لقد نبه بعض العلماء الأجلاء إلى هذا الموضوع و أهميته لدراسة التاريخ ، فممن نبه إليه : فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله المحيسن في محاضرته - ما أدخلته الشيعة في التاريخ الإسلامي - و كل من الدكتور سليمان بن حمد العودة ، و الدكتور محمد بن صامل السلمي ، و الدكتور يحيى بن إبراهيم اليحيى في ندوة علمية اشتركوا فيها و عنوانها : أثر التشيع في كتابة التاريخ . و للدكتور سليمان العودة بحث مستقل بعنوان : نزعة التشيع و أثرها في الكتابة التاريخية . فليراجع للأهمية .

و ممن نادى بهذه الفكرة : الدكتور محمد نور ولي في كتابه أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري .و انظر أيضاً مقال : حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي للدكتور عبد المنعم حسنين في مجلة الجامعة الإسلامية العدد الأول . و إن الرجوع إلى كتب السنة ، و ملاحظات أئمة الأمة ، مما يسهل هذه المهمة .

و قد آن لنا أن نقوم بهذا الواجب الذي أبطأنا فيه كل الإبطاء .خاصة بعد أن أخذ أهل الألمعية من المنصفين في دراسة الحقائق فبدأت تظهر لهم و للناس منيرة مشرفة ، و لا يبعد - إذا استمر هذا الجهاد في سبيل الحق - أن يتغير فهم المسلمين لتاريخهم ، و يدركوا أسرار ما وقع في ماضيهم من معجزات . من كلام محب الدين الخطيب في تعليقه على كتاب العواصم من القواصم لابن العربي . (ص 179) . بتصرف .

و قد ترددت كثيراُ في الكتابة أو الحديث عن هذا الموضوع لحساسيته و عظم شأنه ، لكن الذي دفعني للكتابة هو ما سمعته و قرأته من أقوال الجهال أصحاب الهوى ممن ينتسبون للعلم و هو منهم براء ، أسمعهم يتشدقون بأقوال و كلمات ما أنزل الله بها من سلطان في حق الصحابة و ما شجر بينهم ، متذرعين بشبهات يتشبثون بها ، وروايات ضعيفة ساقطة موضوعة مكذوبة واهية أوهى من خيوط العنكبوت .

 يتلقفونها و يلتقطونها من كتب الأدب و التاريخ و قصص السمر و الكتب المنحولة و الضعيفة ككتاب الأغاني و البيان و التبيين و الإمامة و السياسة و نهج البلاغة و غيرها ، فيطيرون بها في الآفاق كشيطان العقبة ؛ مثل : تكفير بعض الصحابة أو الطعن في خلافة عثمان أو علي أو سبٍ للصحابة أمثال ، معاوية و عائشة و طلحة و الزبير و غيرهم .

يقول الإمام مالك في الذين يقدحون في الصحابة : إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك ، فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء و لو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين . الصارم المسلول (ص 553) .

و هذا القول من الإمام مالك انطلق من نظرته البعيدة إلى أبعاد الخبر فليس الأمر قدحاً في الصحابة فقط ، بل إن هذا يجر في أبعاده إلى ما هو أخطر منه .

و بهذا المنظار انطلق ابن تيمية رحمه الله بقوله : الطعن فيهم - أي في الصحابة - طعن في الدين . منهاج السنة (1/18) . و الأمثلة في هذا كثيرة .

و إن الباحث المسلم كثيراً ما يحس بالمرارة ، أو يصاب بخيبة الأمل ، و هو يتابع تفاصيل العصر الراشدي ، و هو العصر الذهبي في تاريخ الإسلام ، في حشود الروايات التي تقدمها مصادرنا القديمة ، و على رأسها تاريخ الرسل و الملوك للإمام الطبري ، فيجد البون شاسعاً بين ما يعهده عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من سلامة في الاعتقاد و استقامة في السلوك ، و ما كانوا عليه من خلق كريم ، و بين ما تصوره الروايات التي نقلها الرواة و الإخباريين على أنه الواقع التاريخي .

و في العصر الحديث تلقف المستشرقون و من شايعهم و تأثر بآرائهم من المنتسبين إلى الإسلام ، هذه الأباطيل بل كانت مغنماً تسابقوا إلى اقتسامه ما دامت تخدم أغراضهم للطعن في الإسلام و النيل من أعراض الصحابة الكرام .

و من هذا المنطلق ، و بحكم تخصصي في مجال التاريخ الإسلامي ، واستكمالاً لما توقفنا عنده في حلقات ذلكم اليهودي الخبيث عبد الله بن سبأ حول الأحداث والفتن التي سببها في ذلك العصر - حيث توقفنا عند حرب الجمل - ، فإنه قد أشار عليّ أحد الإخوة الأفاضل بإكمال الموضوع ، لذا رأيت أنه من المناسب فعلاً ، أن أكمل الموضوع وأطرحه بأسلوب سهل ميسر موثق ، حتى يكون المسلم على بينة بما كان من أحداث تلت تلك الفتنة  أي حرب الجمل - و بقدر ما وفقني الله من جمع للروايات الصحيحة مما توافرت لدي ، و إبرازها بدلاً من تلك الروايات الضعيفة و المكذوبة المنتشرة على ألسنة الناس و في بطون الكتب ، خاصة كتب التاريخ الحديثة ، فقطعت شوطاً في تنسيقها و ترتيبها ، استعداداً لكتابتها . حتى تم إنجاز هذه الحلقات و الحمد لله .

و أخيراً و إن حاولت الكتابة وفق منهج المحدثين ، لا أدَّعي أنني متقن لهذا المنهج عالم بكوامنه ، بل أنا قليل البضاعة في هذا المجال ، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه .

و لقد حاولت بهذه الدراسة المتواضعة نقد الأسانيد و تحليل المتون مستنفذاً في ذلك جهدي ، محاولاً تتبع خطى النقاد الذين سبقوني في هذا المجال ، وصولاً إلى الاختيار بقدر المستطاع من مجموع الروايات المتعددة لكل حادثة ، إذ كان الاعتماد أساساً على الروايات التي خرِّجت في كتب الصحاح ، و نقدت في بعض كتب السنن و المسانيد أو التي حكم عليها النقاد القدامى من المحدثين و المؤرخين أمثال ابن كثير و ابن حجر ، و غيرهم ، بالصحة أو التحسين .

و في الختام أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلى أن يجعل عملنا هذا حسناً ، و موافقاً للحق ، و أن ينفع به المسلمين و يرجح حسناتي يوم الدين .

معركة صفين

أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان فيكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة . صحيح البخاري مع الفتح (12/316) .

قال ابن حجر في الفتح (13/92) : و المراد بالفئتين من كان مع علي و معاوية لما تحاربا بصفين ، و المراد بقوله : دعواهما واحدة ، أي دينهما واحد ، لأن كلاً منهما كان يتسمى بالإسلام ، أو المراد أن كلاً منهما كان يدّعي أنه المحق .

هنا لما فرغ علي رضي الله عنه من أمر البصرة ، فما أن أعطى أهلها بيعتهم و استقام له الأمر فيها ، رأى أن الشام يجب أن تبايع ، فأرسل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه و معه كتاباً لمعاوية يطلب منه البيعة ، و يذكره بما حدث في الجمل ، فلما وصل جرير أعطى لمعاوية الكتاب ، فأرسل معاوية يستشير رؤوس الشام ، فأبوا البيعة إلا بأخذ الثأر من قتلة عثمان ، و كان هذا الرفض من معاوية هو الانتقام لمقتل عثمان ، حيث أنه معاوية كان يرى أنه على قوة في الشام و أنه لن يفرط في هذه القوة إلا بالانتقام لمقتل عثمان رضي الله عنه .

 و أنه ولي دم عثمان ، لأنه صار رأس بني أمية مكانةً ، و قد تحدد موقفهم منذ اللحظة التي حمل فيها النعمان بن بشير رضي الله عنه قميص عثمان و هو ملطخ بدمائه و معه أصابع نائلة زوجة عثمان فوضع القميص على المنبر في الشام ليراه الناس و الأصابع معلقة في كم القميص ، و ندب معاوية الناس للأخذ بثأر عثمان و القصاص من قتلته ، و قد قام مع معاوية جماعة من الصحابة في هذا الشان ، و علي رضي الله عنه كان يقول تبايع ثم ننظر في قتلة عثمان . تاريخ الطبري (4/562) و البداية و النهاية لابن كثير (7/228) .

إذاً الاختلاف بين معاوية و علي هو في أيهما قبل ، فهو خلاف أولويات ، و هذا رد على من يزعم أن معاوية رضي الله عنه كان يريد و يطمع في الخلافة .

توقفنا في الحلقة الماضية عند الحديث عن موقف معاوية من البيعة لعلي رضي الله عنهما ، واليوم سنرى الأحداث التي تخللت حرب صفين .

رجع جرير إلى علي بالخبر ، و جاء رسول من معاوية إلى علي رضي الله عنه فلما دخل عليه و استأمن لنفسه قال : لقد تركت ورائي ستين ألف شيخ يبكون على قميص عثمان ، و هو منصوب لهم و قد ألبسوه منبر دمشق قال علي : مني يطلبون دم عثمان ! ثم قال : اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله . تاريخ الطبري (4/444) . وبدأ علي يستعد للتوجه نحو الشام .

في بداية ذي الحجة من سنة (36 هـ) خرج علي رضي الله عنه متوجهاً نحو الشام و كان عدد جيشه كما قدرته بعض الروايات ما بين خمسين ألفاً و مائة ألفاً مقاتل . تاريخ خليفة (ص 193) بسند حسن .

فتحرك نحو الشام فوصل إلى منطقة النخيلة ، و قد ضم عدداً من الصحابة البدريين و أصحاب بيعة الرضوان ، وقد بالغ ابن دحية في تقدير أعدادهم حتى ذكر أنهم سبعمائة من أصحاب الشجرة ، و ذلك لبيان أن الحق مع علي ، و لكن ترجيح موقف علي واضح لا يحتاج إلى هذه المبالغات ، انظر : عصر الخلافة الراشدة لأكرم العمري ( ص 465-467) .

فوصلت الأخبار إلى معاوية بتحرك جيش علي فتجهز هو أيضاً بجيش كبير ، حيث قدرته بعض الروايات الضعيفة بستين ألفاً أو سبعين ألفاً أو مائة وعشرين ألفاً . الذهبي تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين  (ص 545) بدون سند و تاريخ خليفة (ص 193) بسند فيه مجاهيل و البداية و النهاية لابن كثير (7/275) بدون سند .

 أنظر : عصر الخلافة الراشدة لأكرم العمري (ص 465) . فخرج حتى عسكر في صفين - موضع على شاطئ الفرات من الجانب الغربي ، بقرب الرقة ، آخر تخوم العراق و أول أرض الشام . انظر : معجم البلدان (3/414) - ، فخيم هناك عند الماء و انتظر وصول جيش علي رضي الله عنه . تاريخ الطبري (4/563) .

فلما وصل جيش علي رضي الله عنه إلى صفين كان جيش معاوية قد احتل موارد الماء ، في حين كان جيش علي في منطقة لا ماء فيها ، فأرسل علي إلى معاوية يطلب منه أن يدع الماء بينهما ، فتشاور معاوية مع القادة فاختلفوا فقرر معاوية أن يمنع الماء و لكن يكون منعاً صورياً فقط ، و وضع كتيبة صغيرة على الماء ، فجاء الناس ليشربوا فمنعوهم ، فاشتكى الناس لعلي فقال أرسلوا إلى الأشعث فجاء فقال : ائتوني بدرع ابن سهر - رجل من بني براء - فصبها عليه ثم أتاهم فقاتلهم حتى أزالهم عن الماء . ذكره ابن أبي شيبة في المصنف (15/292) و خليفة بن خياط في تاريخه (ص 193) و هو حسن الإسناد .

هنا احتل جيش علي الماء ، فقال علي : دعوهم فإن الماء لا يمنع . ابن حجر في تهذيب (1/359) . و مصنف ابن أبي شيبة (15/294) و تاريخ خليفة (ص 193) بسند حسن . فأمر بالسماح لمن شاء بالشرب ، فاجتمع الجيشان حول ماء صفين .

على أن هناك رواية أخرى تردّ القتال من أصله أخرجها عبد الله بن الإمام أحمد قال : حدثني أبي قال : حدثنا أبو المغيرة الخولاني - ثقة - حدثنا صفوان بن عمرو - ثقة - حدثني أبو الصلت سليم الحضرمي - ذكره ابن أبي حاتم و لم يذكر فيه جرحاً و لا تعديلاً ، الجرح و التعديل (4/212) - و لو وقف على توثيق له لنسفت هذه الرواية روايات أبي مخنف الكذاب والتي تذكر القتال حول الماء ، من أصلها .

انظر الكلام حول القتال عند الماء في مرويات أبي مخنف (ص 289-296) - قال : حلنا بين أهل العراق و بين الماء ، فأتانا فارس ، ثم حسر فإذا هو الأشعث بن قيس فقال : الله الله يا معاوية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ! هبوا أنكم قتلتم أهل العراق ، فمن للبعوث و الذراري ؟ أم هبوا أنا قتلناكم ، فمن للبعوث و الذراري ؟ إن الله يقول :{ و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما }الحجرات/9

. قال معاوية : فما تريد ؟ قال : خلوا بيننا و بين الماء . فقال لأبي الأعور خل بين إخواننا و بين الماء . تهذيب الكمال (3/286-295) و سير أعلام النبلاء (2/41) و النص منقول منه .

وقد وصف أبو العالية الرفاعي - شاهد عيان ثقة (ت 90 هـ) المعركة بقوله : لما كان زمن علي رضي الله عنه و معاوية ، و إني لشاب القتال أحب إليّ من الطعام الطيب ، فتجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم فإذا صفان لا يُرى طرفاهما ، إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء ، و إذا هللّ هؤلاء هللّ هؤلاء . قال : فراجعت نفسي فقلت : أي الفريقين أنزله كافراً ، و أي الفريقين أنزله مؤمناً ؟ فما أمسيت حتى رجعت و تركتهم . طبقات ابن سعد (7/114) .

و لم ينفرد أبو العالية بالتردد و الشك ثم التوقف عن القتال ، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص يصرح بحقيقة مشاعره و هو يقف إلى جوار أبيه بيده الراية و يتقدم في الجيش الشامي منزلة أو منزلتين : مالي و لصفين !! مالي و لقتال المسلمين !! لوددت أني مت قبله بعشر سنين أما والله على ذلك ما ضربت بسيف و لا طعنت برمح و لا رميت بسهم . طبقات ابن سعد (4/266-267) بسند صحيح .

و حين عسكر علي رضي الله عنه بصفين سلك مع أهل الشام نفس الأسلوب الذي سلكه مع أهل الجمل ، فأرسل وفداً إلى معاوية يدعوه إلى الصلح ، و ما ذكره بعض المؤرخين من روايات تفيد بأن علياً أرسل بشير بن عمرو الأنصاري وسعيد بن قيس و شبث بن ربعي و عدي بن حاتم و غيرهم ليكلموا معاوية و يطلبوا منه الرضوخ لعلي و ما جرى بينهم من مناقشات و سباب و لعان و شتم لمعاوية .

و اتهام لبعض الصحابة في التورط في دم عثمان كعدي وعمار و علي و أن معاوية تباطأ في إرسال العون طمعاً في أن تكون الخلافة له . هذا كله كذب ملفق ليس له أصل من الصحة ، بطله أبو مخنف الكذاب . انظر هذه الروايات و مناقشتها في مرويات أبي مخنف (ص 297-310) .

ذكر أبو حنيفة الدينوري في الأخبار الطوال (ص 162) أن معاوية كتب إلى علي يقول له : فإن كنت صادقاً فأمكنا من قتلة -أي عثمان - نقتلهم به و نحن أسرع الناس إليك ، و إلا فليس لك و لأصحابك عندنا إلا السيف ، فوالله الذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في البر و البحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله و السلام .

و ذكر القاضي ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم (ص 166) ، أن سبب القتال بين أهل الشام و أهل العراق يرجع إلى تباين المواقف بينهما : فهؤلاء -أي أهل العراق - يدعون إلى علي بالبيعة و تأليف الكلمة على الإمام ، و هؤلاء - أي أهل الشام - يدعون إلى التمكين من قتلة عثمان و يقولون : لا نبايع من يؤوي القتلة .

هنا قد يتساءل سائل لماذا أبقى علي رضي الله عنه على أهل الفتنة في جيشه بعد أن فرغ من حرب الجمل ولم يخرجهم من جيشه أثناء توجهه إلى الشام ؟

قلت : كان سبب إبقاء علي على أهل الفتنة في جيشه أنهم كانوا سادات في أقوامهم ، فكان علي يرى أن يصبر عليهم إلى أن تستقر الأمور .

وقد أجاب عن ذلك الإمام الطحاوي في شرح الطحاوية (ص 483) بقوله : و كان في عسكر علي رضي الله عنه من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان ، من لم يُعرف بعينه و من تنتصر له قبيلته ، و من لم تقم عليه حجة بما فعله ، و من قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله .

و على كل حال كان موقفه منهم موقف المحتاط منهم ، المتبرئ من فعلهم .و هو و إن كان لم يخرجهم من عسكره فقد كان يعاملهم بحذر و ينظر إليهم بشزر ، حتى قال الإمام الطبري في تاريخه (4/445) : بأنه لم يول أحد منهم أثناء استعداده للمسير إلى الشام ، حيث دعا ولده محمد بن الحنفية و سلمه اللواء و جعل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قائد الميمنة و عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه على الميسرة و جعل على مقدمة الجيش أبا ليلى بن عمر بن الجراح و استخلف على المدينة قثم بن العباس رضي الله عنهم .

و هذه بادرة منه رضي الله عنه ليعلن تبرؤه من أولئك المارقين ، و يثبت قدرته على السيطرة على أمر المسلمين من غير عون منهم ، فقد كان له في المسلمين الموالين له و المؤيدين لخلافته ما يغنيه عن الاستعانة بهم و التودد إليهم . و هذا أقصى ما يمكنه فعله بتلك الطائفة إذ ذاك .

 و هو كافٍ في عذره لأنهم مئات و لهم قرابة و عشائر في جيشه ، فما يأمن لو عاملهم بأكثر من هذا من الشدة أن يمتد حبل الفتنة في الأمة ، كما حصل ذلك لطلحة و الزبير و عائشة بالبصرة حين قتلوا بعضاً منهم ، فغضب لهم قبائلهم و اعتزلوهم . إفادة الأخيار للتباني (2/52) .

توقفنا في الحلقة الماضية عند الحديث حول الاستعداد لحرب صفين ، وما سبقها من أحداث واستعدادات ، واليوم إن شاء الله سوف يكون الحديث عن أحداث هذه الحرب .

مقدمات معركة صفين

بدأ القتال و تقاتل الناس لكنه كان قتالاً خفيفاً لمدة أسبوع لم يكن لأحد على أحد غلبة حيث أرسل علي رضي الله عنه كتيبة فأخرج له معاوية كتيبة فتقاتلتا و لم تستطع إحداهما أن تحسم الأمر فرجعتا ، فأرسل كتيبة أخرى و هكذا ظل الأمر طيلة شهر ذي الحجة . حتى إن المؤرخين يقولون أن معركة صفين حدثت فيها أكثر من سبعين جولة ووقعة . ذكره ابن حجر في الفتح (13/92) .

فلما انتهى شهر ذي الحجة أرسل علي رضي الله عنه إلى معاوية و قال له : هل لك إلىأن نتهادن شهراً و أن لا يحدث فيه قتال ، لعل أن نتفاوض و نتفاهم ؟ و كان الأمل في الصلح يحدوا الجميع ، حيث إن علياً رضي الله عنه غير راغب في القتال أصلاً ، فهو يريد أن يؤخر القتال قدر المستطاع و كذلك معاوية ، فلم يكد يعرض عليه علي هذا الأمر حتى بادر معاوية بالموافقة على إيقاف القتال في شهر المحرم .

و فعلاً ما كاد يدخل شهر المحرم حتى توقف القتال تماماً و الجيشان في أماكنهما يتزاورون و يتسامرون في الليل ، و لا غرابة في ذلك لأنه لم تكن بين الجيشين أحقاد ، بل كان كل طرف ينافح عما يعتقده حقاً ، و لأنهم كانوا أهلاً من نفس القبائل و العشائر . المنتظم لابن الجوزي (5/117-118) .

ذكر يحيى بن سليمان الجعفي - أحد شيوخ البخاري - في كتاب صفين من تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية : أنت تنازع علياً أو أنت مثله ؟ قال : لا و إني لأعلم أنه أفضل مني و أحق بالأمر ، و لكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً و أنا ابن عمه و وليه أطلب بدمه ؟ فأتوا علياً فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان .

 فأتوه فكلموه فقال : يدخل في البيعة و يحاكمهم إلي ، فامتنع معاوية فسار علي في الجيش من العراق حتى نزل بصفين و سار معاوية حتى نزل هناك و ذلك في ذي الحجة سنة ست و ثلاثين ، فتراسلوا فلم يتم لهم أمر . سير أعلام النبلاء (3/140) . و ابن عساكر في تاريخ دمشق ( 59/132) و ابن حجر في الفتح (13/92) و حسن ابن حجر إسناده .

و انتهت الهدنة و بدأت غرة صفر و بدأت الوقعة . و في اليوم الثامن من صفر عزم علي على أن يحسم الأمر فقرر أن تكون هجمة كاملة ، فتجهز الناس و أمر علي بالهجوم فتقاتلوا و استمر القتال ثلاثة أيام لا يتوقف . المنتظم لابن الجوزي (5/118) . و قد التزم كلٌ من الطرفين بأحكام قتال البغاة .

روى الحاكم بسند صحيح عن أبي أمامة قال : شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح ، و لا يطلبون مولياً و لا يسلبون قتيلاً . انظر إرواء الغليل (8/114) و المستدرك (2/155) و البيهقي في سننه (8/182) . و طبقات ابن سعد (7/411) .

و ثبت بالإجماع أن علي بن أبي طالب لم يصادر شيئاً من أموال البغاة . و أما ما ذكره أبو مخنف من أخذ أموالهم التي كانت بالعسكر ، فهذا لا يصح إذ الإجماع منعقد على حرمة أموالهم و لم تصح هذه الرواية عند الفقهاء و لذلك لم يأخذوا بها .

ولم يكن الطرفان يكفر بعضهما ، لكن بعض الجند المتحمسين في جيش علي رضي الله عنه كانوا يلعنون

و يكفرون الشاميين ، فلا يلقى من قادته إلا النهر و التوبيخ ، و من طريق زياد بن الحارث ، قال : كنت إلى جنب عمار فقال رجل : كفر أهل الشام ، فقال عمار : لا تقولوا ذلك نبينا و نبيهم واحد و قبلتنا و قبلتهم واحدة، لكنهم قوم مفترون جاروا عن الحق ، علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا . مصنف ابن أبي شيبة (15/294) .

و قال رجل يوم صفين : اللهم العن أهل الشام ، فقال علي رضي الله عنه : لا تسب أهل الشام جمعاً غفيراً فإن بها الأبدال ، فإن بها الأبدال ، فإن بها الأبدال . مصنف عبد الرزاق (11/249) . و الأبدال هم من تميزوا عن غيرهم بالعلم و العبادة ، انظر فضائل الصحابة للإمام أحمد (2/905) .

روى الحاكم في المستدرك ، عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال : سمعت عمار بن ياسر بصفين في اليوم الذي قتل فيه و هو ينادي : أزلفت الجنة و زوجت الحور العين اليوم نلقى حبيبنا محمداً صلى الله عليه

وسلم ، عهد إلىّ أن آخر زادك من الدنيا ضَيح لبن . المستدرك (3/389) و المسند (4/319) و ابن سعد (3/258) . و الضيح بالفتح هو اللبن الخاتر يصب فيه الماء ثم يخلط .

ثم إن أبو الغادية الفزاري و هو أحد الجنود في جيش الشام ، قام و قتل عمار رضي الله عنه . تاريخ الإسلام للذهبي  عهد الخلفاء الراشدين  (ص 582) .

قال الإمام أحمد رحمه الله : عن أبي غادية قال : قتل عمار بن ياسر فأخبره عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن قاتله و سالبه في النار . فقيل لعمرو فإنك هو ذا تقاتله قال : إنما قال قاتله و سالبه . و غادية هذا صحابي و هو قاتل عمار و قد روى الحديث هذا ، ثم صار بعد يستأذن على معاوية و يقول : قاتل عمار ، و الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : قاتل عمار في النار . انظر : الصحيح المسند من دلائل النبوة (ص 424) و الحديث في المسند (4/198) و هو حسن .

روى الإمام أحمد في المسند (2/206-207) قال : حدثني أسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد العنبري قال : بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ، يقول كل واحد منهما أنا قاتله ، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص : ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه فإني سمعت يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا قال أبي : تقتله الفئة الباغية ، فقال معاوية : ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو ؟ فما بالك معنا ؟ قال : إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أطع أباك ما دام حياً و لا تعصه . فأنا معكم و لست أقاتل .

و روى الإمام أحمد في المسند (2/206) و (4/199) ، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال : لما قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال : قتل عمار و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتله الفئة الباغية ، فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع - أي يقول إنا لله و إنا إليه راجعون - حتى دخل على معاوية فقال له معاوية ما شأنك ؟ .

قال : قتل عمار ، فقال معاوية : قد قتل عمار فماذا ؟ قال عمرو : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تقتله الفئة الباغية ، فقال له معاوية : دحضت في بولك  أي زللت و زلقت - أو نحن قتلناه ، إنما قتله علي و أصحابه جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا .

هذا غير مقبول من معاوية رضي الله عنه ، ولكن ليس معناه أن معاوية قد كفر كما تدعي الرافضة ، و لكنه رضي الله عنه كان مجتهداً فأخطأ و بغيه لا يخرجه عن الإيمان لقوله تعالى { و إن طائفتان من المؤمنين .. إلى قوله إلى أمر الله } فسماهم الله مؤمنين . انظر هذا الأمر في : صحيح المسند من دلائل النبوة (ص 424-425) ، و قد رد علي رضي الله عنه بأن محمداً صلى الله عليه وسلم إذاً قتل حمزة حين أخرجه . و هذا الحديث موجود في مصنف عبد الرزاق (11/240) بسند صحيح .

و كان الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو من أقوى الحجج على أن علي رضي الله عنه أولى بالحق ، و أن معاوية رضي الله عنه بغى عليه ، لكن معاوية تأول الحديث فاستطاع رضي الله عنه أن يحفظ جيشه من الانسحاب و الفتنة و أن يرفع من معنويات الجند بقوله إنما قتل عمار من جاء به .

 

نكتة حول حديث

ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار، قال يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن . رواه البخاري مع الفتح من حديث أبي سعيد (1/644) .

قال الحافظ ابن حجر : قوله ( يدعوهم ) أعاد الضمير على غير مذكور ، و المراد قتلته كما ثبت من وجه آخر ( تقتله الفئة الباغية يدعوهم الخ ) ، فإن قيل : كان قتله بصفين و هو مع علي ، والذين قتلوه مع معاوية ، و كان معه جماعة من الصحابة ، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار ؟ فالجواب : أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة ، و هم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم ، فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها و هو طاعة الإمام ، و كذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي ، و هو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك ، و كانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك ، لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم .

و قال ابن بطال تبعاً للمهلب : إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث علي عماراً يدعوهم إلى الجماعة ، ولا يصح في أحد من الصحابة . وتابعه على هذا الكلام جماعة من الشّراح . و فيه نظر من أوجه :-

أحدها : أن الخوارج إنما خرجوا على علي بعد قتل عمار بلا خلاف بين أهل العلم بذلك ، فإن ابتداء أمر الخوارج كان عقب التحكيم ، و كان التحكيم عقب انتهاء القتال بصفين ، وكان قتل عمار قبل ذلك قطعاً ، فكيف يبعثه إليهم علي بعد موته .

ثانيهما : أن الذين بعث إليهم علي عماراً إنما هم أهل الكوفة .

ثالثهما : أنه شرح على ظهر ما وقع في هذه الرواية الناقصة ، و يمكن حمله على أن المراد بالذين يدعونه إلى النار كفار قريش كما صرح به بعض الشراح ، لكن وقع في رواية ابن السكن و كريمة و غيرهما و كذا ثبت في نسخة الصغاني التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفربري التي بخطه زيادة توضيح المراد و تفصح بأن الضمير يعود على قتلته وهم أهل الشام ، و لفظة (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم ) الحديث ، و اعلم أن هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في الجمع و قال : إن البخاري لم يذكرها أصلاً ، و كذا قال أبو مسعود . قال الحميدي : و لعلها لم تقع للبخاري ، أو وقعت فحذفها عمداً . و قد أخرجها الإسماعيلي و البرقاني في هذا الحديث .

قلت  أي ابن حجر - : و يظهر لي أن البخاري حذفها عمداً و ذلك لنكتة خفية ، و هي أن أبا سعيد الخدري اعترف أنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي صلى الله عليه وسلم ، فدل على أنها في هذه الرواية مدرجة ، و الرواية التي بينت ذلك ليست على شرط البخاري ، و قد أخرجها البزار من طريق داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد فذكر الحديث في بناء المسجد و حملهم لبنة لبنة و فيه فقال أبو سعيد : فحدثني أصحابي ، و لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية ، و ابن سمية هو عمار ، و سمية اسم أمه .

و هذا الإسناد على شرط مسلم ، و قد عين أبو سعيد من حدثه بذلك ، ففي مسلم و النسائي من طريق أبي سلمة عن أبي سعيد قال : حدثني من هو خير مني أبو قتادة ، فذكره . فاقتصر البخاري على القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره ، و هذا دال على دقة فهمه و تبحره في الإطلاع على علل الأحاديث .

و في هذا الحديث زيادة أيضاً لم تقع في رواية البخاري و هي عند الإسماعيلي و أبي نعيم في المستخرج من طريق خالد الواسطي عن خالد الحذاء و هي : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمار ألا تحمل كما يحمل أصحابك ؟ قال : إني أريد من الله الأجر . أنظر هذه النكتة في : فتح الباري (1/645-646) .

هذا و قد روى حديث تقتل عمار الفئة الباغية ، جماعة من الصحابة منهم قتادة بن النعمان و أم سلمة عند مسلم و أبو هريرة عند الترمذي و عبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي و عثمان بن عفان و حذيفة و أبو أيوب و أبو رافع و خزيمة بن ثابت و معاوية و عمرو بن العاص و أبو اليسر و عمار نفسه ، و كلها عند الطبراني و غيره ، و غالب طرقه صحيحة أو حسنة و فيه عن جماعة آخرين يطول عدهم و في هذا الحديث علم من أعلام النبوة و فضيلة ظاهرة لعلي و لعمار ، و ردّ على النواصب الزاعمين أن علياً لم يكن مصيباً في حروبه . انظر : الصحيح المسند من دلائل النبوة (ص 422-423) و مسلم رقم ( 7253 ) و الترمذي (5/669) .

استمر القتال سجالاً و كثر القتل بين الناس و هم لا يتوقفون . ثم إن علياً رضي الله عنه شد في الهجوم على جيش معاوية فكانت تلك الليلة من أشد الليالي حتى سميت بليلة الهرير . المنتظم (5/120) .

فطحنت المعركة ألوفاً من الجانبين ، و كلّ الباقون من القتال ، هنا تفتق ذهن عمرو بن العاص عن فكرة التحكيم التي أنقذت الجيش الشامي من الهزيمة ، فأرسل معاوية رجلاً يحمل المصحف إلى علي و يقول : بيننا و بينكم كتاب الله فقال علي : أنا أولى بذلك بيننا كتاب الله .

و توقف القتال و انسحب الفريقان ، وقدر محمد بن سيرين عدد القتلى في هذه المعركة بحوالي سبعين ألف رجل كان منهم خمس و أربعين ألف شخص من جيش الشام ، أي كان نصف الجيش قد فني فما قدروا على عدّهم إلا بالقصب ، وضعوا على كل إنسان قصبة ، ثم عدوا القصب . الذهبي في تاريخ الإسلام  عهد الخلفاء الراشدين (ص 545) و معجم البلدان (3/414-415) . و مصنف ابن أبي شيبة (15/295) بإسناد حسن لكنه من مرسل ابن سيرين . و تاريخ خليفة (ص 194) مختصراً .

و سئل علي رضي الله عنه عن قتلى الفريقين يوم صفين فقال : قتلانا و قتلاهم في الجنة ، يصير الأمر إلي و إلى معاوية . المعجم الكبير للطبراني (19/307) .

يصف سالم بن عبيد الأشجعي و هو صحابي شهد المعركة موقف علي رضي الله عنه فيقول : رأيت علياً بعد صفين و هو أخذ بيدي ، و نحن نمشي في القتلى فجعل علي يستغفر لهم حتى بلغ أهل الشام فقلت له : يا أمير المؤمنين إنّا في أصحاب معاوية !؟ فقال علي : إنما الحساب عليّ و على معاوية . مصنف ابن أبي شيبة (15/303) . أي أنه يرى نفسه و معاوية مسؤلين عما حدث و هما يحاسبان على ذلك .

و ما حصل من قتال بين علي و معاوية لم يكن يريده واحد منهما ، بل كان في الجيش من أهل الأهواء من يحرص على القتال ، الأمر الذي أدى إلى نشوب تلك المعركة الطاحنة ، و خروج الأمر من يد علي و معاوية رضي الله عنهما . أشراط الساعة ليوسف الوابل (ص 103) .

و أكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا علياً و لا معاوية ، و كان علي و معاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المتقاتلين ، لكن غلبا فيما وقع ، و الفتنة إذا ثارت ؛ عجز الحكماء عن إطفاء نارها .

فكان في العسكرين قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار و قوم ينفرون عنه ، و قوم ينتصرون لعلي و قوم ينفرون عنه ، ثم قتال أصحاب معاوية لم يكن لخصوص معاوية ، بل كان لأسباب أخرى . و قتال الفتنة مثل قتال الجاهلية ، لا تنضبط مقاصد أهله و اعتقاداتهم ؛ و كما قال الزهري : هاجت الفتنة الأولى و أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون و فيهم البدريون ، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن ؛ فإنه هدر أنزلوه منزلة الجاهلية . منهاج السنة لابن تيمية (4/452-458) . و البيهقي في السنن الكبرى (8/174-175) .

و من المعروف و المتفق عليه بين الإخباريين و المؤرخين أن الخلاف بين علي و معاوية ، كان سببه طلب تعجيل القصاص من قتلة عثمان . و من الملاحظ أن الصحابة رضوان الله عليهم متفقون على إقامة حدّ القصاص على قتلة عثمان ، لكن الخلاف بينهم وقع في مسألة التقديم أو التأخير ، فمعاوية رضي الله عنه و من معه كانوا يرون تعجيل أخذ القصاص من الذين حصروا الخليفة حتى قتل .

و أن البداءة بقتلهم أولى ، بينما رأى أمير المؤمنين علي و من معه تأخيره حتى يوطد مركز الخلافة و يتقدم أولياء عثمان بالدعوى عنده على معيّنين ، فيحكم لهم بعد إقامة البيّنة عليهم ، لأن هؤلاء المحاصرين لأمير المؤمنين عثمان ليسوا نفراً من قبيلة معيّنة بل من قبائل مختلفة . على أن استعجال تنفيذ القصاص بدون إقامة الدعوى من أولياء المقتول عند الإمام ، و حكمه على القاتل ، يؤدي لا محالة إلى انتشار الفتنة بحرب طاحنة يذهب فيها كثير من الأبرياء .

و لذلك كان رأي علي رضي الله عنه أسدّ و أصوب من رأي معاوية رضي الله عنه كما نطقت بذلك النصوص الشرعية .

و قد اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتصّ من أحد و يأخذ حقه دون السلطان ، أو من نصبه السلطان لهذا الأمر ، لأن ذلك يفضي إلى الفتنة و إشاعة الفوضى . و لهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض . الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/256) في تفسير سورة البقرة الآية (179) .

و الظاهر أن معاوية رضي الله عنه اعتقد و فهم أن قتل عثمان رضي الله عنه منكر من أعظم المنكرات ،

و إزالة المنكر من حيث هو لمن قدر عليه فرض كفاية لا يتوقف على إمام يرجع إليه فيه ، و منزلته في الإسلام و عند المسلمين تخوّل له ذلك ، وقد خفي عليه أن إزالة هذا المنكر يتعلق بالقصاص مع المرتكبين له ، وأخذ القصاص منهم يتوقف على الإمام و إقامة أولياء المقتول البينة على الجاني عنده ، ثم حكمه بمقتضى ذلك ، لكن اجتهاده أداه إلى ذلك فما يمكن أن يقال فيه إنه مجتهد مخطئ له أجر واحد على اجتهاده .

على أن طلحة و الزبير رضي الله عنهما أقرب إلى الصواب من معاوية رضي الله عنه من أربعة أوجه :-

 1- مبايعتهما لعلي طائعين مع اعترافهما بفضله، و معاوية لم يبايعه و إن كان معترفاً بفضله . تاريخ الطبري (4/438) ، و مصنف ابن أبي شيبة ( 15/271-274) .

 2- منزلتهما في الإسلام و عند المسلمين و معاوية لاشك دونهما فيها . كان طلحة و الزبير رضي الله عنهما من السابقين الأولين و من العشرة المبشرين بالجنة ، بينما كان معاوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح .

 3- أنهما أرادا الإصلاح بين الناس ، ولم يتعمدوا محاربة علي و من معه في وقعة الجمل ، بينما أصر معاوية على حرب علي و من معه في صفين .

 4- أنهما لم يتهما علياً بالهوادة في أخذ القصاص من قتلة عثمان ، و معاوية و من معه اتهمه بذلك . تاريخ الطبري ( 4/444) و (4/454) و (4/462-464) و البداية والنهاية لابن كثير (7/259) .

و قد شاع بين الناس قديماً و حديثاً أن الخلاف بين علي و معاوية رضي الله عنهما كان سببه طمع معاوية في الخلافة ، و أن خروج معاوية على علي و امتناعه عن بيعته كان بسبب عزله عن ولاية الشام .

و قد جاء في كتاب الإمامة و السياسة المنسوب لابن قتيبة الدينوري رواية تذكر أن معاوية ادّعى الخلافة ، و ذلك من خلال الرواية التي ورد فيها ما قاله ابن الكواء لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه : اعلم أن معاوية طليق الإسلام و أن أباه رأس الأحزاب ، و أنه ادعى الخلافة من غير مشورة فإن صدقك فقد حلّ خلعه و إن كذبك فقد حرم عليك كلامه . الإمامة و السياسة (1/113) .

لكن الصحيح أن الخلاف بين علي و معاوية رضي الله عنهما كان حول مدى وجوب بيعة معاوية و أصحابه لعلي قبل إيقاع القصاص على قتلة عثمان أو بعده ، و ليس هذا من أمر الخلافة في شيء . فقد كان رأي معاوية رضي الله عنه و من حوله من أهل الشام أن يقتص علي رضي الله عنه من قتلة عثمان ثم يدخلوا بعد ذلك في البيعة .

يقول إمام الحرمين الجويني في لمع الأدلة : إن معاوية و إن قاتل علياً فإنه لا ينكر إمامته و لا يدعيها لنفسه ، و إنما كان يطلب قتلة عثمان ظناً منه أنه مصيب ، و كان مخطئاً . لمع الأدلة في عقائد أهل السنة للجويني (ص 115) .

أما شيخ الإسلام فيقول : بأن معاوية لم يدّع الخلافة و لم يبايع له بها حتى قتل علي ، فلم يقاتل على أنه

خليفة ، و لا أنه يستحقها ، و كان يقر بذلك لمن يسأله . مجموع الفتاوى ( 35/72) .

و يورد ابن كثير في البداية و النهاية (7/360) ، عن ابن ديزيل - هو إبراهيم بن الحسين بن علي الهمداني المعروف بابن ديزيل الإمام الحافظ (ت 281 هـ) انظر : تاريخ دمشق (6/387) و سير أعلام النبلاء (13/184-192) و لسان الميزان لابن حجر (1/48) .

 بإسناد إلى أبي الدرداء و أبي أمامة رضي الله عنهما ، أنهما دخلا على معاوية فقالا له : يا معاوية ! علام تقاتل هذا الرجل ؟ فوالله إنه أقدم منك و من أبيك إسلاماً ، و أقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و أحق بهذا الأمر منك . فقال : أقاتله على دم عثمان ، و أنه آوى قتلة عثمان، فاذهبا إليه فقولا : فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام .

و يقول ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة ( ص 325) : و من اعتقاد أهل السنة و الجماعة أن ما جرى بين معاوية و علي رضي الله عنهما من الحرب ، لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي .. فلم تهج الفتنة بسببها ، و إنما هاجت بسبب أن معاوية و من معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه ، فامتنع علي .

و هكذا تتضافر الروايات و تشير إلى أن معاوية رضي الله عنه خرج للمطالبة بدم عثمان ، و أنه صرح بدخوله في طاعة علي رضي الله عنه إذا أقيم الحد على قتلة عثمان . و لو افترض أنه اتخذ قضية القصاص

و الثأر لعثمان ذريعة لقتال علي طمعاً في السلطة ، فماذا سيحدث لو تمكن علي من إقامة الحد على قتلة عثمان .

حتماً ستكون النتيجة خضوع معاوية لعلي و مبايعته له ، لأنه التزم بذلك في موقفه من تلك الفتنة ، كما أن كل من حارب معه كانوا يقاتلون على أساس إقامة الحد على قتلة عثمان ، على أن معاوية إذا كان يخفي في نفسه شيئاً آخر لم يعلن عنه ، سيكون هذا الموقف بالتالي مغامرة ، و لا يمكن أن يقدم عليه إذا كان ذا أطماع .

إن معاوية رضي الله عنه كان من كتاب الوحي ، و من أفاضل الصحابة ، و أصدقهم لهجة ، و أكثرهم حلماً فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي و يريق دماء المسلمين من أجل ملك زائل ، و هو القائل : والله لا أخير بين أمرين ، بين الله و بين غيره إلا اخترت الله على ما سواه . سير أعلام النبلاء للذهبي (3/151) .

أما وجه الخطأ في موقفه من مقتل عثمان رضي الله عنه فيظهر في رفضه أن يبايع لعلي رضي الله عنه قبل

مبادرته إلى القصاص من قتلة عثمان ، بل و يلتمس منه أن يمكنه منهم ، مع العلم أن الطالب للدم لا يصح أن يحكم ، بل يدخل في الطاعة و يرفع دعواه إلى الحاكم و يطلب الحق عنده .

و يمكن أن نقول إن معاوية رضي الله عنه كان مجتهداً متأولاً يغلب على ظنه أن الحق معه ، فقد قام خطيباً في أهل الشام بعد أن جمعهم و ذكّرهم أنه ولي عثمان -ابن عمه - و قد قتل مظلوماً و قرأ عليهم الآية الكريمة {و من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا }الإسراء/33

ثم قال : أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان ، فقام أهل الشام جميعهم و أجابوا إلى الطلب بدم عثمان ، و بايعوه على ذلك و أعطوه العهود و المواثيق على أن يبذلوا أنفسهم و أموالهم حتى يدركوا ثأرهم أو يفني الله أرواحهم . انظر : تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/150-152) .

 

فائدة

يقول ابن العربي : و لا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إثارة الفتنة و تشتيت الكلمة . أحكام القرآن لابن العربي (4/1718) ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8/318) في تفسير سورة الحجرات .

و يناقش الإمام الباقلاني هذا الموضوع في التمهيد في الرد على الملحدة (ص 231) فيقول : و على أنه إذا ثبت أن علياً ممن يرى قتل الجماعة بالواحد ، فلم يجز أن يقتل جميع قتلة عثمان إلا بأن تقوم البينة على القتلة بأعيانهم ، و بأن يحضر أولياء الدم مجلسه و يطلبون بدم أبيهم و وليهم .. و إن قتل قتلة عثمان ، لا يؤدي إلى هرج عظيم و فساد شديد ، قد يكون فيه مثل قتل عثمان أو أعظم منه ، و إنّ تأخير إقامة الحد إلى وقت إمكانه و تقصّي الحق فيه أولى و أصلح للأمة و ألمّ لشعثهم و أنفى للفساد و التهمة عنهم .

و إن السياسة الحكيمة تقتضي ما كان ينادي به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من التريث و الأناة و عدم الاستعجال ؛ إذ إن الأمر يحتاج إلى وحدة الصف و الكلمة لإيجاد موقف موحد ، و مواجهة ذلك التحدي الذي يهدد مركز الخلافة ، بيد أن الخلاف في الرأي أضعف مركز الخلافة الجديد ، و قضى بالتالي على كل الآمال في نيل ثأر الخليفة المقتول .

يقول النووي في شرح صحيح مسلم (7/167) و (18/219-220) بأن الروايات - أي عن النبي صلى الله عليه وسلم - صريحة في أن علي رضي الله عنه كان هو المصيب المحق ، و الطائفة الأخرى أصحاب معاوية كانوا بغاة متأولين ، و فيها التصريح بأن أصحاب الطائفتين مؤمنون لا يخرجون بالقتال عن الإيمان و لا يفسقون .

و لهذا فإن علياً رضي الله عنه تألم و تكدر بقتال أهل الجمل و قال بعد صفين : لو علمت أن الأمر يكون

هكذا ما خرجت . مصنف ابن أبي شيبة (15/275) و (15/293) .

و قد ندم بعض من شارك في القتال كما في الصحيح عن شقيق بن سلمة حين سئل هل شهدت صفين ؟

قال : نعم و بئست صفون . صحيح البخاري مع الفتح (13/296) .

بل نقل عن علي نفسه أن قال : لله درّ مقام سعد بن مالك و عبد الله بن عمر - أي في اعتزال الفتنة - إن كان بِراً إن أجره لعظيم و إن كان إثماً إن خطأه ليسير . مجموع الفتاوى لابن تيميمة (4/440) .

و هكذا إذا نظرنا نظرة مجملة إلى القضية سوف نجد أن الموقف الأحوط و الأمثل هو موقف الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة و آثروا عدم قتال أهل القبلة ، و ذلك أن الله تعالى إنما أمر بقتال الفئة الباغية و سماهم باغية إذا رفضت الصلح ، و لم يأمر بقتالها ابتداءً .

روى ابن سعد في الطبقات (3/143-144) ، و أبو نعيم في الحلية (1/94) ، عن ابن سيرين قال : لما قيل لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ألا تقاتل؟ إنك من أهل الشورى و أنت أحق بهذا الأمر من غيرك ؟ قال : لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان و لسان يعرف المؤمن من الكافر ، فقد جاهدت و أنا أعرف الجهاد . و قال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه الطبراني و رجاله رجال الصحيح (7/299) .

و يتخذ عبد الله بن عمر رضي الله عنه أيضاً موقف الحياد و العزلة فلم يشترك في أي قتال بين المسلمين قط ؛ روى الإمام البخاري في صحيحه مع الفتح (13/49) عن سعيد بن جبير قال : خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثاً حسناً ، قال : فبادرنا إليه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ! ، حدثنا عن القتال في الفتنة و الله يقول : { و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة } فقال : هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك ؟ و إنما كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين ، و كان الدخول في دينهم فتنة و ليس كقتالكم .

و بهذا المذهب التزم إما أهل السنة أحمد بن حنبل و بنى عليه موقفه في رفض الخروج على الدولة العباسية .

و على مذهب الإمساك في الفتنة كان كذلك الإمام البخاري ، فإن تراجم أبواب كتاب الفتن من صحيحه تنطق بذلك ، و على منواله سار الإمام مسلم و غيره من المصنفين في الحديث في هذه المسألة . تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/182 و 184) .

و قال الإمام الطبري : و إن أشكل الأمر - أي اشتبه و لم يمكن التميز فيه بين الحق و الباطل - فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها . انظر الفتح لابن حجر (13/35) .

و قد رجح هذا المذهب و انتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه ، فيذكر في منهاج السنة (8/525-526) أقوال أئمة العلم في القتال ، و من ذلك قوله : و منهم من يقول كان الصواب أن لا يكون قتال ، و كان ترك القتال خيراً للطائفتين فليس في الاقتتال صواب ، و لكن علي كان أقرب إلى الحق من معاوية و القتال قتال في الفتنة ، ليس بواجب و لا مستحب و كان ترك القتال خيراً للطائفتين مع أن علياً كان أولى بالحق و هذا قول أحمد و أكثر أهل الحديث و أكثر أئمة الفقهاء .

 و هو قول أكابر الصحابة و التابعين لهم بإحسان و هو قول عمران بن حصين رضي الله عنه و كان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال ، و هو قول أسامة بن زيد و محمد بن مسلمة و ابن عمر و سعد بن أبي وقاص و أكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار رضي الله عنهم . و كذلك انظر الفتاوى (4/440-441) .

على أن هذا المذهب هو أقوى المذاهب و أرجحها بدلالة النصوص الشرعية و أقوال السلف الصالح السابقة الذكر ، و هو أقوى من مذهب من يرى أن الصواب هو القتال مع علي رضي الله عنه فضلاً عمن يرى أن الصواب هو القتال مع من حاربه . هذا مواقف الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة و كفوا عن القتال تمسكاً بالأحاديث الصريحة الواردة في هذا الأمر ، و التي تنهى عن القتال بين المسلمين علماً بأن الكف كان أحوط و الصلح أمثل ، و بالجملة هذا مذهب أهل الحديث عامة و من تأمله ظهر له قوة دلائله النصية و صدق نتائجه الواقعية . تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/180 و 187) .

و إذا نظرنا إلى روايات الإمام الطبري في هذا الموضوع - أي موقعة صفين - نجدها تبلغ أربعاً و ستين رواية كلها من طريق أبي مخنف ، و لم يخرج من غير طريقه سوى سبع روايات فقط ذكرت أحداثاً جانبية ، و هي بمجموعها لا تعدل رواية واحدة من روايات أبي مخنف المطولة . و بغض النظر عن ضعف أبي مخنف فإننا لا نستطيع أن نأخذ أحداث صفين من هذه الروايات ، ذلك أن أبا مخنف يصور لنا الوقعة من زاوية واحدة .

 و هي جيش علي رضي الله عنه إذ لا يمكن مقارنته بما وصف به جيش معاوية رضي الله عنه . بل إنه لا يمكن أن يؤخذ منها حتى وصف جيش علي ؛ و السبب في هذا أن أبا مخنف ينظر إلى ذلك الجيش بعين واحدة ، و هي عين القبلية ، فقد أكثر من ذكر قبائل اليمن و قتالها و أشاد بأبطالها و رجالها .

هذا و قد ساق أبو مخنف روايات صفين في سلسلة متصلة الحلقات ، فهو يذكر الحادثة من طريق ثم يكملها من طريق آخر و هذا مما يزيد الشك فيها ، إذ إن هذا لا يظهر في الروايات التاريخية عادة ، بل لا يكون عند القراءة من كتاب أو حفظ ملحمة مكتوبة ، فينشد كل راوٍ بعضها فلا تتداخل المعلومات بين الروايات ، و إن المتمعن بهذه الروايات يرى ذلك جلياً . انظر مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري ( 279-281) بتصرف .

ونظراً لعدم حذاقة صانع الحوار - أبو مخنف - فقد أعطى الموضوع صورة تدل على أنه مصطنع فقد أقحمه بحوارات و كلمات تدل على كذب هذه الروايات .

 

 


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: