كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
آية الـتطهيروعلاقتها بـ(عصمة الأئمة) --- ملخصـــــــــــــات --- موسوعة الرشيد
ملخصـــــــــــــات
آية الـتطهيروعلاقتها بـ(عصمة الأئمة)
اضيف بتأريخ : 28/ 05/ 2008

آية الـتطهيروعلاقتها بـ(عصمة الأئمة)

الدكتور طه حامد الدليمي

المقدمة

الحمد لله رب العالمين.

والصلاة والسلام على نبينا محمد خير هاد إلى سواء السبيل. وعلى آله أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

فإن الشيعة تعتقد بـ(عصمة) مجموعة من الأشخاص، تسميهم (الأئمة). وهذه العقيدة هي أساس الدين عندهم. وقد احتجوا لعقيدتهم هذه ببعض آيات من القرآن الكريم. أقواها دلالة عندهم، وأكثرها تداولاً على ألسنتهم جزء من آية أطلقوا عليه اسم (آية التطهير). وهي آخر قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب:33).

وقد ألفت هذه الرسالة المختصرة، أناقش فيها مناقشة علمية هادئة، علاقة هذه الآية بتلك العقيدة. متبعاً فيها المنهج القرآني في طرحه لأصول العقيدة وإثباتها.

بين يدي الآية

كتاب الله عز وجل هو مصدر الهداية لمن أراد الاهتداء، وطلب الحق الذي لا ريب فيه. كما أخبر عنه سبحانه فقال: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2). وقال: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة:120). فحصر سبحانه أسس الهداية في كتابه، وقصرها عليه دون غيره. وجعل كل ما عداه – مما لا أصل له فيه - هواء وأهواء تودي بأصحابها إلى الهلاك.

منهج الراسخين ومنهج الزائغين

لكن آيات القرآن تنقسم – كما قال تعالى - قسمين:

1- قسم صريح لا يحتمل إلا معنىً واحداً هو الآيات المحكمات.

2- وقسم يحتمل وجهين مختلفين فصاعداً هو الآيات المتشابهات.

والمحتجون بآيات القرآن ينقسمون فريقين:

1-   فريق الراسخين الذين يتبعون مهتدين بمحكمه لا بمتشابهه.

2-   وفريق الزائغين الذين يحتجون بمتشابهه دون محكمه.

وذلك كله في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) (آل عمران:7)

نقض الاستدلال بـ(الآية) على (العصمة)

الأدلة قسمان

تنقسم الأدلة إلى قسمين:

1.  قسم لا تصلح للاستدلال بها من الأساس؛ لعدم امتلاكها شرط الدليل في موضوعها - مثلاً : الحديث الضعيف في الاستدلال به على أصل اعتقادي

2.  وقسم يصلح للاستدلال لحيازته على شروط الدليل. وهذا هو الذي يصح النظر في دلالته على المعنى المطلوب. وهذه أسميها (صلاحية الدلالة).

إن الاستدلال بـ(آية التطهير) على (عصمة الأئمة) منقوض من الناحيتين: ناحية صلاحية الدليل، وناحية صلاحية الدلالة. وهذا ما سنكشف عنه في الصفحات التالية:

أولاً: بطلان صلاحية الدليل للاستدلال من الأساس

أما بطلان الناحية الأولى - وهي صلاحية الدليل للاستدلال - فلفقدانه شروط الدليل الأصولي1. ألا وهو الدلالة الصريحة أو القطعية على المعنى الذي سيق له.

ان قضايا الاعتقاد الكبرى ومهمات الدين وأساسياته العظمى لا بد لإثباتها من الأدلة القرآنية الصريحة القطعية الدلالة على المعنى المطلوب كدلالة قوله تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة:255) على التوحيد. ودلالة قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (الفتح:29) على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ودلالة قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (البقرة:43) على فرضية الصلاة والزكاة ومشروعيتهما.

فلا يصح ان تؤسس هذه الأمور العظيمة على الأدلة الظنّية المشتبهة؛ والا تطرق الشك ألى أساس الدين؛ لقيامه على الظنّيات، وابتنائه على المتشابهات المحتملات. وذلك منهي عنه بصريح قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) (آل عمران:7) فاشترط الله – جل وعلا – لإقامة دينه الآيات المحكمات الواضحات:

1-    راجع لمعرفة ذلك تفصيلاً كتاب: (المنهج القرآني الفاصل بين أصول الحق وأصول الباطل). ورسالة (القواعد السديدة في حماية العقيدة) للمؤلف.

 

·       قال تعالى عن أهل بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً:

(إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأْقْدَامَ) (الأنفال/11).

والاتفاق حاصل على عدم عصمة أهل بدر، مع أنهم موصوفون بالتطهير و(إذهاب الرجس). فاللفظ إذن لا علاقة له بالعصمة.

(والرجز) و(الرجس) متقارب في لغة العرب. جاء في (مختار الصحاح) للرازي: (الرجز) القذر مثل الرجس، ولعلهما لغتان أبدلت السين زاياً كما قيل للأسد: الأزَد.

وفي هذه الآية مزايا لأهل بدر زيادة على ما في (آية التطهير). فإن الله تعالى زادهم الربط على القلوب وتثبيت الأقدام. إضافة إلى أمور بلاغية أخرى لا حاجة لذكرها في مقامنا هذا.

·   بل عم جميع المسلمين فقال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (المائدة/6). واللفظ (يريد ليطهركم) واحد في الآيتين، ولو كانت إرادة التطهير تعني (العصمة) لكان كل مسلم معصوماً.

 

ثانياً: بطلان صلاحية دلالة (الآية) على (العصمة)

وأما دلالة النص على (عصمة الأئمة) فغير متحققة لموانع كثيرة منها:

1. افتقار النص إلى الدلالة اللغوية على (العصمة)

ليست العصمة من الذنب أو الخطأ من معاني هذين اللفظين: (التطهير) و(إذهاب الرجس)؛ وذلك لعدم تضمن هذين اللفظين لهذا المعنى في لغة العرب. فإذا علم هذا بطل الاستدلال بالآية على (العصمة) من الأساس. ويكفي في رد القول بدلالة اللفظ على (العصمة) أنه مجرد دعوى لا دليل عليها.

أ. لا علاقة لغوية بين اللفظ وبين الامتناع من الوقوع في الخطأ

ولا علاقة لغوية كذلك بين الآية وبين الامتناع من الوقوع في الخطأ في الاجتهاد أو الرأي عموماً:

فالرجس لغةً هو القذر والنتن، ولهذا يطلق على الذنوب والمعاصي كالكفر والفسوق لكنه لا يطلق في لغة العرب على الخطأ حتى يمكن أن نقول: إن (إذهاب الرجس) يحتمل معنى عدم الوقوع فيه، فالآية لا علاقة لها بالخطأ البتة فكيف يمكن الاستدلال بها على (العصمة) منه!!

ب. ورود اللفظ في غير المعصومين

وأول ما ينقض هذه الدعوى - العارية أساساً عن الدليل المعتبر –

العلم بورود هذا اللفظ في حق أشخاص مجمع على عدم عصمتهم كما

في الأمثلة القرآنية الآتية

·       قال تعالى عن أهل بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً:

(إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأْقْدَامَ) (الأنفال/11).

والاتفاق حاصل على عدم عصمة أهل بدر، مع أنهم موصوفون بالتطهير و(إذهاب الرجس). فاللفظ إذن لا علاقة له بالعصمة.

(والرجز) و(الرجس) متقارب في لغة العرب. جاء في (مختار الصحاح) للرازي: (الرجز) القذر مثل الرجس، ولعلهما لغتان أبدلت السين زاياً كما قيل للأسد: الأزَد.

وفي هذه الآية مزايا لأهل بدر زيادة على ما في (آية التطهير). فإن الله تعالى زادهم الربط على القلوب وتثبيت الأقدام. إضافة إلى أمور بلاغية أخرى لا حاجة لذكرها في مقامنا هذا.

بل عم جميع المسلمين فقال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (المائدة/6). واللفظ (يريد ليطهركم) واحد في الآيتين، ولو كانت إرادة التطهير تعني (العصمة) لكان كل مسلم معصوماً.

الآيات في الصحابة أعلى مدحاً مما في الآية

لقد جاء في صحابة رسول الله ص من النصوص ما هو أعلى في المدح ولم يستلزم ذلك عصمتهم، وهذا نص واحد من تلك النصوص: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأْمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِْيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أولَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحجرات:6-8).

ولو كنا ممن يحتاج إلى الاحتجاج بالمتشابه لقلنا بعصمة هؤلاء الصحابة، وحجتنا في هذا ظاهرة قياساً بحجج الشيعة

ج- لا دليل من اللغة يخصص اللفظ بأهل بيت علي دون بيت النبي صلى الله عليه وسلم

يحتاج الشيعة لصحة اعتقادهم في (العصمة) ضرورة إلى الدليل القطعي على ثلاثة أمور:

1. قصر معنى (أهل البيت) على علي وفاطمة والحسن والحسين.

2. ثم تعديته إلى تسعة من أحفادهم فقط.

3. منع كونه عاماً في جميع أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

وذلك كله ممتنع.

(أهل البيت) في القرآن هم الأزواج لا غير

إن أصل معنى لفظ (الأهل) وحقيقته الزوجة وليس الأقارب. كما في قوله تعالى:

}فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأْجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ{ (القصص/29). ولم يكن معه غير زوجه.

وقول امرأة العزيز لزوجها: }مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا{ (يوسف/25) أي بزوجتك.

وفي العموم فإن لفظ أهل البيت يعني سكنة البيت المجتمعين فيه. كما أخبر الله تعالى عن يوسف عليه السلام. فإنه لما قال لإخوته: }وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ{ (يوسف/93) بيّن الله تعالى أنهم كانوا أباه وزوجة أبيه وأخوته،

القرائن المؤكدة لمعنى (الزوجة) في الآية

   بل القرائن تؤكد المعنى الحقيقي تأكيداً جازماً. ونحن وإن كنا لا نحتاج لذكر هذه القرائن؛ إذ يكفي أن نحتج بالأصل وهو حمل اللفظ على حقيقته، وعدم وجود مانع منه. إلا أننا سنذكر بعض هذه القرائن زيادة في الفائدة لا أكثر:

سياق النص

إن قوله تعالى: }إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ليُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً{ (الأحزاب/33) هو جزء من آية لا يمكن بحال تجريدها منه، وعزلها عنه وإلا اختل الكلام لفظاً ومعنى، فالآية جاءت في سياق كله حديث عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم  قبل ورود الآية وبعدها.

بيوت النبي صلى الله عليه وسلم هي بيوت أزواجه بلا فرق

تكرر ذكر (البيت) في الخطاب السابق ثلاث مرات:

الأولى في قوله تعالى: }وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ{ والثانية: في قوله تعالى: }وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ{ وجاءت المرة الثالثة في قوله تعالى: }إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ{ ثم بعد عدة آيات يتكرر ذكر (البيت)، ولكن هذه المرة مضافاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ{ وفي أخر هذه الآية قال تعالى: }وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ{.

محور سورة (الأحزاب) النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه

إن المتدبر لسورة (الأحزاب) يجدها من البداية وإلى النهاية موضوعها ومحورها النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فمن أول السورة جاء قوله تعالى: }النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ{ (الأحزاب/6) وما قبله تمهيد لا أكثر.

أين موضع النص المناسب من القرآن؟

لو افترضنا أن النص معناه عصمة (الأئمة)، فإن هذا يستلزم أن لا تكون للنص علاقة بما قبله وما بعده من الكلام فلا بد أن يكون موضعه في مكان آخر من القرآن! فأين يمكن أن نضعه ؟!

سبب نزول الآية

إن سبب نزول الآيات التي تضمنت هذا المقطع المسمى بـ(آية التطهير) أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حينما طالبنه بالنفقة بعد غنائم بني قريظة من اليهود الذين قضى عليهم النبي بعد غزوة الأحزاب (الخندق) مباشرةً، ذلك أن يهود بني قريظة هم الذين ألبوا الأحزاب وتحالفوا معهم فلما باءوا بالفشل وانصرف الأحزاب خائبين، التفت
النبي صلى الله عليه وسلم إلى حلفائهم من اليهود فأبادهم وغنم أرضهم وديارهم وأموالهم فتنفس فقراء المسلمين لا سيما المهاجرون فصاروا يوسعون على بيوتهم ونسائهم فطالبت نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالنفقة أسوة ببقية النساء فنزلت الآيات بهذا الشأن

دخول الأقارب في حكم النص احتمال ضعيف

لكن في الأمر نكتة لطيفة هي: أن العموم هنا ظني، والسبب حقيقي؛ فحمل النص على العموم ضعيف. وهذا يجعله ظنا يحتمل، لا يقيناً به.

مجيء اللفظ بصيغة العموم والمراد به خصوص معناه

وحتى لا أحرم القارئ غير المتخصص من هضم هذه القاعدة وتقريبها إلى فهمه، أذكر له ما يوضح معناها:

يقول تعالى عن الريح التي أهلك عاداً: }تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا{ (الأحقاف/25).

فلفظ (كل شيء) عام، إلا أن عمومه غير مراد بدليل أن الله تعالى قال بعدها: }فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ{ فمساكنهم إذن لم تدمر. أي أن التدمير كان خاصاً بالبشر وما شابه، وليس عاماً، رغم أن اللفظ الوارد عام.

حديث الكساء

جاء في الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لعلي وفاطمة والحسن والحسين وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).

وفيها للمتأمل دلالة واضحة في أن الآية لم تنزل في هؤلاء الأربعة - ولا غيرهم - من أقاربهصلى الله عليه وسلم ، وإلا لما دعا لهم بما جاءت به الآية! إذ ما معنى الدعاء لقوم بأمر محسوم ومتحقق قبل الدعاء؟ إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم دعاءه ذلك رجاء أن يشمل الله بكرامته من دعا لهم.

التحجج بقوله: (هؤلاء أهل بيتي)

أما التحجج بأن قوله صلى الله عليه وسلم : (اللهم هؤلاء أهل بيتي) يعني أنه ليس للنبي صلى الله عليه وسلم من أهل سوى هؤلاء الأربعة، وأن لفظ (أهل البيت) مقصور عليهم فقط ، فهذا باطل. ولا أظن القائلين به - اللهم إلا إذا كانوا جهلة أو من عامة الناس ممن لا علم لديهم بكلام العرب وصيغ التعبير به - يخفى عليهم أن هذه الصيغة لا تعني قصر اللفظ على المذكور فيه. وإنما تعني أن المذكور من ضمن المقصود كما تقول مشيراً إلى مجموعة من أصدقائك: (هؤلاء أصدقائي) أو (هؤلاء هم أصدقائي): ليس معناه أنه ليس لك من أصدقاء سواهم. وتقول: (هؤلاء أخوتي) ولا يعني ذلك أنه ليس لك من إخوة سواهم. وتشير إلى مجموعة من الشجعان وتقول: (هؤلاء هم الرجال)… الخ.

الكساء فيه خمسة وليس أربعة عشر

ويقال أيضاً: إذا كانت هذه الصيغة تمنع دخول غير المدعو لهم في مسمى أهل البيت، فكيف تسلل تسعة آخرون إليه؟! مع أنهم لم يكونوا موجودين، ولا مخلوقين أصلاً، يوم دعا النبي صلى الله عليه وسلم دعاءه ذلك حسب ما جاء في الرواية - !

حديث الكساء ينقض (العصمة)

وإضافة إلى ذلك فإن حديث الكساء ينقض دلالة الآية على (العصمة)؛ لأن المدعو لهم (علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم): إما أن يكونوا معصومين قبل دعائه ذلك. وإما أن لا يكونوا كذلك، أي إنما صاروا معصومين بدعائه.

الخطاب بصيغة التذكير

أما قول القائل: لماذا جاء الخطاب في قوله تعالى: }إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ{ بالتذكير دون التأنيث فقال: (عنكم) ولم يقل: (عنكن)؟ فهذا أدل على الجهل والهوى؛ لأنه من المعروف حتى للعوام أن الخطاب - في لغة العرب - إذا اشترك فيه الذكور والإناث جاء بصيغة التذكير؛ وإلا كان مختصاً بالإناث فقط. فلو كان الله تعالى قد قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُن الرِّجْسَ) لكان الحكم مقصوراً على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقط . وحينذاك يخرج من حكمها أولى الخلق بها، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ! وهذا لا يصح. إذ الكرامة بسـببه هو، فهو المقصود بهـا أولاً، وأما أزواجه فلكونهن أهله أكرمن بها.

قلة أدب

إن القول بأن معنى الآية منصرف إلى علي وأهله فقط ، يجعل البيت المذكور فيها بيت علي، لا بيت النبي صلى الله عليه وسلم ! لقد كان لعلي رضي الله عنه حين نزول الآية بيت مستقل عن بيت النبي صلى الله عليه وسلم، والأشخاص الأربعة - علي وفاطمة والحسن والحسين - هم أهل بيت علي؛ إذن لم يبق لبيت النبي مزية دون بيت علي!

د. عموم لفظ (أهل البيت) أوسع من اثني عشر شخصاً

إن لفظ (أهل البيت) في عمومه اللغوي يشمل أقارب النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً. وهؤلاء عند نزول الآية الكريمة - بالإضافة إلى أزواجه رضي الله عنهن - أولهم القاسم وعبد الله وإبراهيم وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، أليس هؤلاء من أهل بيته؟! هل يستطيع أحد أن يخرج واحداً منهم من ذلك البيت الطاهر؟! وهل يمكن القول بأن الله لا يريد تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم ؟!  أفهؤلاء جميعاً معصومون!

1.    ومنهم من نقلها بطريق سلمي قياساً على انتقال (الإمامة) من الحسن إلى الحسين رغم وجود قاعدة تقول: (لا تكون الإمامة في أخوين بعد الحسين والحسين)!! رغم أن القياس في العقائد باطل!

لمحة تاريخية

هذه لمحة تاريخية سريعة عن فترة زمنية قصيرة جداً محصورة بين (إمامة) جعفر بن محمد و(إمامة) ابنه موسى بن جعفر فقط. انظر كيف تعبر عن هذا التحكم والتعسف،

كان الإمامية يقولون بأن الإمام بعد جعفر الصادق هو ابنه الأكبر

إسماعيل بن جعفر. لكن إسماعيل هذا مات في حياة أبيه فانقسم الشيعة فرقاً:

منهم من استمر على القول (بإمامة) إسماعيل

ومنهم من قال بغيبة إسماعيل

ومنهم من اتجه بعد موت إسماعيل إلى أخيه الثاني عبد الله الملقب بالأفطح

فمنهم من ادعى أن له ولداً واسمه (محمد) ! ثم جعلوه غائباً!

ومنهم من قال (بإمامة) أخيه الثالث (محمد) الذي خرج عام 200هـ في مكة معلناً نفسه أميراً للمؤمنين

إلا أن منهم فريقاً اتجه اتجاهاً آخر، لينقل (الإمامة) إلى الابن الأصغر موسى بن جعفر بطريق (البداء).

التطهير وإذهاب الرجس بين أهل بدر وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم

ورد هذا اللفظ: (التطهير وإذهاب الرجس) في القرآن مرتين:

 مرة في أهل بدر، وذلك في قوله تعالى:}وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأْقْدَامَ{ (الأنفال/11).

ومرة في (أهل بيت) النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله: }إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً{ (الأحزاب/33).

وكلاهما نزل بسبب مشكلة مادية عقب معركة عسكرية تكون فيها غنائم وأموال.

وتكاد أن تكون ألفاظ الآيات النازلة في كلا الفريقين واحدة، ففي كل منهما أمر بالتقوى وطاعة الله ورسوله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ثم ذكر إرادة الله إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم!

وهذا كله، وغيره مما يبين أن لا علاقة بين (العصمة) وموضوع الآية وأسبابها ومقاصدها.

الإرادة الشرعية     

وهي بمعنى المحبة والقصد والأمر الشرعي: الذي قد يقع، وقد يتخلف مقتضاه. كما في قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (البقرة/185). وهذه الإرادة يتوقف وقوع مقتضاها ومرادها على العبد .  وكما في قوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} (المائدة/6). فالحرج واقع للبعض رغم أن الله ما يريده، والتطهير لا يتحقق للكل رغم أن الله يريده لهم جميعاً. والآية خطاب لجميع الأمة. وهي تشبه تماماً (آية التطهير) من حيث أن اللفظ نفسه يتكرر في الآيتين. وهو في الإرادة الشرعية التي تتوقف على استجابة المخاطب، وليس في الارادة الكونية القدرية التي لا بد من وقوعها.

وبالجملة نقول: حتى يمكن حمل الآية على (العصمة) لا بد أن تكون الإرادة فيها قدرية كونية من الله. وإلا لم يمكن لإنسان أن يعصم نفسه مطلقاً من الذنوب والأخطاء، دون جعل وتقدر من الله تعالى نفسه. ولا دليل على ذلك ابداً : فبالاضافة الى كون اللفظ أصلاً في الإرادة الشرعية؛ لوجود ما يشبهه، وليس في الارادة القدرية، هناك قرائن ترجح كون الإرادة شرعية لا قدرية. وتجعل القول بعكسه – في أحسن أحواله – والظن لا يقبل في مثل هذه الأمور العظيمة. من هذه القرائن:

 المعنى المقصود من الآية

ولعل سائلاً يسأل: ما المعنى الذي ترمي اليه الآية؟

فنقول: هو أمر الله جل وعلا وإرشاده لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يترفعن عن كل ما من شأنه ان لا يتـناسب و سمعة بيت النبي وكونهن ينتمين الى هذا البيت الذي هو بيت اعظم النبيين وخاتمهم وأطهرهم. فعليهن ان يدركن خطر هذا الانتماء والمنزلة التي وضعهن الله فيها، وأي طهر ونقاوة يريدها الله لهن، ويحب ان يتحلين بها. ولذلك نهاهن ان يطالبن رسوله بما تطالب به النساء الأخريات ازواجهن من الزينة والنفقة،

وقد خصصن بنزول الوحي في بيوتهن دون سائر الناس - أحق بهذه الذكرى من سواهن؛ فعليهن أن يرتقين الى المستوى المطلوب من أمثالهن، ويعملن بما ينزل في بيوتهن من القرآن والسنة ويبلغن ذلك. فالآية اذن وما قبلها وما بعدها إنما سيقت من أجل تعليم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وتوجيه أمهات المؤمنين، وتذكيرهن بمنزلتهن، وتربيتهن كي يرتقين الى المنزلة السامية اللائقة  بمقام هذا النبي الكريم، الذي أراد الله تعالى طهارة بيته الشريف وإذهاب الرجس عنه.

 


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: