كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
إمامة الشيعة وأثرها على القرآن الكريم إعتقاداً وقراءةً وتفسيراً --- دراسات قكرية --- موسوعة الرشيد
دراسات قكرية
إمامة الشيعة وأثرها على القرآن الكريم إعتقاداً وقراءةً وتفسيراً
اضيف بتأريخ : 05/ 11/ 2012

New Page 1

إمامة الشيعة وأثرها على القرآن الكريم إعتقاداً وقرءةً وتفسيراً

 

 

موسوعة الرشيد / خاص

بقلم إبن التركماني

( تركمان أوغلو )

 

 

 

1433هـ / 2012م

 

 

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ] الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [، والصلاة والسلام على رسوله الأمين على وحيه، المصدِّقُ لما قَبْله من الرسل والكتب السماوية، وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار، والتابعين لهم بإحسان.

أما بعد:

فإن لكل نبي منهج ومعجزة، معجزة تتحدى الإتيان بمثلها، وتثبت نبوته وتؤيد رسالته ليلزم الناس بها.

لقد إشترك جميع الأنبياء في أصول دعوتهم واختلفت شرائعهم في الحلال والحرام. فالمحرمات في توراة موسى غيرها في الإنجيل وفي القرآن. وفي القرآن غيرها في الإنجيل والتوراة.

إختلفت معجزات الأنبياء عن بعضها بإختلاف الزمان والبيئات والثقافات والعلوم والعادات للأمم السابقة. فمثلا كانت معجزة موسى  العصا التي كانت تنقلب إلى حية تسعى، لأن السحر كان منتشرا في مجتمعهم. فكانت معجزته العصا واليد، ومنهجه التوراة. وكانت معجزة عيسى  إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، لأن أهل ذلك الزمان كانوا بارعين في الطب. وكان منهجه الإنجيل.

كانت معجزات الأنبياء قبل نبينا محمد  معجزات آنية ووقتية تنتهي بوفاة النبي. فمن رأى المعجزة آمن، ومن لم يرها ربما لم يؤمن. وحتى إذا آمن تبعا للآباء والأجداد، ولكن بمرور الزمن ينتهي إيمان الناس بالمعجزة، لأنها بلغتهم عن طريق النقل دون المعاينة، فيهجروا المنهج، وينحرفوا عن التوحيد إلى الشرك، ومن الأخلاق الفاضلة إلى الرذيلة. عند ذاك يرسل الله تعالى لهم نبيا آخر إما بشريعة النبي الذي تقدََمه، أو بمنهج وشريعة جديدة، وبمعجزة تثبت نبوته.

ولما أراد الله تعالى أن يختتم الرسالات والأنبياء بعد أن ـ بلغ المجتمع البشري في عصر البعثة المحمدية في التكامل الفكري والرشد العقلي حداً أصبح معه صالحاً لأن يحافظ على المواريث الأنبياء العلمية والدينية ويصونها من خطر الحوادث، وأن يكون نفسه مبلِّغاً لتلك القيم والمفاهيم المقدسة، فقد وصل في هذا المجال إلى درجة الاكتفاء الذاتي، ولهذا لم تبقَ حاجة بعد هذا إلى إرسال الرسل([1]) ـ جعل الله تعالى منهجه معجزة، ومعجزته منهجا، فكان هذا القرآن الكريم الذي إندمج فيه المنهج بالمعجزة، بحيث يبقى يتحدى الناس جيلا بعد جيل على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة من مثله إلى قيام الساعة.

ولما علم الله تعالى أن البشر غير قادرين على حفظ مناهج الأنبياء قبل نبينا محمد  ، فتكفل الله تعالى بحفظ المنهج لئلا تطاله الأيدي بالعبث والتحريف، لأنه ليس بعد نبينا  نبي يصحح ولا بعد منهجه منهج. فمنهجه وشريعته خاتمة الشرائع السماوية. فقال تعالى: ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ [الحجر/9].

ومن الطبيعي عندما يتولى الله تعالى حفظ كتابه، أن يهيأ لذلك أسبابا ومسببات، لأننا نعيش في عالم الأسباب، فكان صحابة نبيه  هم تلك الأسباب الذين بهم حفظ كتابه، بعد أن تلقوها من نبيهم الأكرم  حفظا في الصدور وكتابة فيما توفرت لهم من أدوات الكتابة، ثم تناقلت الأمة هذا القرآن المجموع بين الدفتين جيلا بعد جيل، إلى يومنا هذا، بحيث لا تستطيع البشرية الآن أن تغير حركة حرف واحد منه، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. فهو القرآن نفسه الذي يتلوه أهل المشرق والمغرب، ليس فيه إختلاف لا في حرف، ولا في كلمة. وكلما تقدم الزمن، وتطور العلم فاستجدت وسائل جديدة لحفظ هذا القرآن تحقيقا للوعد الإلهي: ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ [الحجر/9].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خطة البحث: لا أريد الإطالة في هذا البحث كثيرا، فقد ألّفت في موضوعه الكثير من البحوث والكتب، ولكن لكل باحث وكاتب طريقة خاصة في تناول الموضوع، ولما رأيت في بحثي هذا ـ ربما ـ ميزة لم أعهدها في البحوث السابقة، لذا إرتأيت أن أجمع فيه خلاصة ما كتبه السابقون لي، وأضيف ما فتحه الله تعالى عليّ فيه.

فبعد هذه المقدمة جعلت هذا البحث في أربعة أبواب مقسمة على الشكل التالي:

الباب الأول: في أهمية القرآن في حياة المسلمين، ووزعته على الفصول الآتية:

الفصل الأول: دلالة القرآن على نبوة سيدنا محمد . ودلالة العقل على عدم التحريف

الفصل الثاني: خطورة القول بتحريف القرآن

الفصل الثالث: تكفير المعتقد لتحريف القرآن بين مآل القول ولازم القول.

أما الباب الثاني فجعلته في تحريف القرآن عند الشيعة، وقسمته إلى الفصول الآتية:

الفصل الأول: أضواء على كتاب فصل الخطاب، وفيه المباحث الآتية:

المبحث الأول: أقوال علماء الشيعة في مؤلف كتاب فصل الخطاب.

المبحث الثاني: نقل موجز لما تضمنه كتاب فصل الخطاب.

المبحث الثالث: القائلون بالتحريف من علماء الشيعة.

المبحث الرابع:القائلون بعدم وقوع التحريف من علماء الشيعة.

المبحث الرابع: الحائرون من علماء الشيعة بين التحريف وعدمه.

الفصل الثاني: المقصود من التحريف تحريف الكلمات لا تحريف التأويل.

الفصل الثالث: هل للشيعة قرآن آخر؟ وفيه مبحثان:

المبحث الأول: الكتب الخاصة بالشيعة. والمبحث الثاني: مصحف علي.

الفصل الرابع: في ذكر بعض الآيات المحرفة: وفيه المباحث الآتية:

المبحث الأول: الولاية أساس القول بالتحريف. المبحث الثاني: لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة.

المبحث الثالث: في ذكر تحريفهم لتأويل القرآن.

الفصل الخامس: تأثير عقيدة الإمامة على قراءة القرآن ( لو كان القرآن شيعيا)

أما الباب الثالث: فقد جعلته في موقف أهل السنة والجماعة من تحريف القرآن. وفيه الفصول الآتية:

الفصل الأول: في طريقة جمع القرآن. وفيه المباحث الآتية:

المبحث الأول: نزول القرآن وجمعه في عهد النبي الأكرم .( الجمع الأول )

المبحث الثاني: الجمع الثاني في عهد أبي بكر الصديق t .

المبحث الثالث: الجمع الثالث في عهد الخليفة عثمان بن عفان t.

الفصل الثاني: النسخ وأنواعه.

الفصل الثالث: الشبهات على جمع القرآن.

الخاتمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الأول

أهمية القرآن في حياة المسلمين

الفصل الأول

دلالة القرآن على نبوة سيدنا محمد . ودلالة العقل على عدم التحريف

الفصل الثاني

خطورة القول بتحريف القرآن

المبحث الأول: التحريف بين القرآن والسنة

المبحث الثاني: المسلمون بين سنة النبي r وعترته

الفصل الثالث

تكفير المعتقد لتحريف القرآن بين مآل القول ولازمه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الأول

أهمية القرآن في حياة المسلمين

لقد كانت مناهج الأنبياء قبل منهج القرآن عبارة عن تعاليم عبادية وأخلاقية تنظم حياة الفرد وعلاقته بربه وخالقه، وتقيم سلوك الفرد في مجتمعه. أما القرآن فلم يكن كتاب مواعظ وتراتيل، كسابقيه من الكتب المنزلة وإنما جمعت فيه كل مقوّمات الإعجاز العلمي والحضاري، ليدفع جاحديه، ويؤيّد تابعيه. فقد جاء منهجا متكاملا يعالج جميع قضايا المجتمع البشري، إما إجمالا أو تفصيلا.

فهو منهج ودستور ودولة، وسياسة وقانون، وشريعة وأخلاق، ونظام وسلوك، وإقتصاد وثقافة، وضعه خالق البشر لتسير عليه البشرية، إذا أرادوا أن تتكامل حياتهم في هذه الدنيا سعادة، وفي الآخرة نعيما سرمدا.

هذا القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، من إتبعه لا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عنه فإن له معيشة ضنكا، وشفاء ورحمة للمؤمنين، ] يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ [المائدة/16].

هذا القرآن الذي قال عنه نبينا محمد  :( حَبْلُ اللَّهِ مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلاَلَةٍ )([2]).

ولقد وصف سيدنا علي t هذا القرآن أبلغ وصف، فقال: ( وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ وَالْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ وَلَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْغَيُّ وَالضَّلَالُ فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ وَلَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ )([3]).

إنه كتاب رب العالمين الذي قال عنه الجن : ] إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [[الجن/1، 2]، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ليجعل من الإنسان الذي كرمه الله تعالى حرا كريما لا ذل ولا خضوع إلا لله تعالى.

يهدي إلى الرشد في العقائد، ويدعو الإنسان إلى الإيمان بالله وحده والكفر بالطاغوت أياً كان شكله وإسمه. جاء ليقول للمنحرفين من البشرية الذين يقولون إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وإن عزيرا إبن الله، والذين يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه. كفى دجلا إنما الله إله واحد فله أسلموا.

جاء ليقول للناس إن الإنحراف في العقائد يستتبعه إنحراف في الحياة كلها: ( فالمسألة ليست مسألة انحراف عقيدي فحسب، إنما هي كذلك فساد الحياة كلها بناء على هذا الانحراف! واليهود والنصارى بادعائهم أنهم أبناء اللّه وأحباؤه، كانوا يقولون - تبعا لهذا - إن اللّه لن يعذبهم بذنوبهم! وإنهم لن يدخلوا النار - إذا دخلوا - إلا أياما معدودات. ومعنى هذا أن عدل اللّه لا يجري مجراه! وأنه سبحانه - يحابي فريقا من عباده، فيدعهم يفسدون في الأرض ثم لا يعذبهم عذاب المفسدين الآخرين! فأي فساد في الحياة يمكن أن ينشأ عن مثل هذا التصور؟ وأي اضطراب في الحياة يمكن أن ينشئه مثل هذا الانحراف؟

وهنا يضرب الإسلام ضربته الحاسمة على هذا الفساد في التصور، وكل ما يمكن أن ينشئه من الفساد في الحياة، ويقرر عدل اللّه الذي لا يحابي، كما يقرر بطلان ذلك الادعاء: «قُلْ: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ» .. بذلك يقرر الحقيقة الحاسمة في عقيدة الإيمان. يقرر بطلان ادعاء البنوة فهم بشر ممن خلق. ويقرر عدل اللّه وقيام المغفرة والعذاب عنده على أصلها الواحد. على مشيئته التي تقرر الغفران بأسبابه وتقرر العذاب بأسبابه. لا بسبب بنوة أو صلة شخصية! ثم يكرر أن اللّه هو المالك لكل شيء، وأن مصير كل شيء إليه: «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ» .. والمالك غير المملوك. تتفرد ذاته - سبحانه - وتتفرد مشيئته، ويصير إليه الجميع )([4]).

ولك أن تتصور لولا وجود هذا القرآن بيننا اليوم لكان حالنا لا يختلف عن حال الأمم التي تعبد الأوثان، أو تعبد المال أو تعبد الحجر والشجر والبقر. فهم في حضيض من الأخلاق، ودرك من الشقاء، وضنك من الحياة، رغم ما تتوفر لهم من وسائل الترفيه، تشبه حياتهم حياة البهائم التي تأكل لتعيش، يسود فيهم قانون الغاب والبقاء للأقوى والأغنى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

دلالة القرآن على نبوة سيدنا محمد

لقد كان لرسول الله محمد  كغيره من الأنبياء معجزات مادية ومعنوية كثيرة، منها على سبيل المثال:

·   الغيوب التي أخبر بها النبي  وتحققتْ حال حياته أو بعد وفاته كما أخبر عنها، ومن هذا النوع أيضاً ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من الإعجاز العلمي الذي شهد بصحته العلم التجريبي الحديث.

·        المعجزات الحسية التي وهبها الله النبي  كتكثير الطعام وشفاءِ المرضى وانشقاقِ القمر.

·        الدلائل المعنوية، كاستجابة الله دعاءه، وعصمتِه له من القتل، وانتشارِ رسالته عليه الصلاة والسلام، فهذه الدلائل تثبت تأييد الله له ومعيِته لشخصه ثم لدعوته ودينه، ولا يؤيد الله دعياً يفتري عليه الكذب بمثل هذا([5]).

المبحث الأول

الفرق بين معجزة

القرآن وبين معجزات الأنبياء

كانت معجزات الأنبياء الذين سبقوا نبينا محمد  هي معجزات آنية ووقتية كلها زالت بزوال حياة الأنبياء ومناهجهم، ولم تترك آثارها بعدهم. فمن عاش حياته مع الأنبياء كان شاهدا على معجزاتهم. وبزوال أثر هذه المعجزات، تطرق التحريف شيئا فشيئا إلى مناهجهم، فحرفت كتبهم ومناهجهم، حتى إحتاجوا إلى نبي آخر يدعوهم من جديد إلى منهج الله تعالى القويم.

وهكذا الحال مع معجزات نبينا محمد  المادية والمعنوية، فإنها كانت معجزات آنية زالت وانمحت آثارها بعد نبينا محمد  ، فكان لابد من معجزة خالدة تتحدى البشرية حتى قيام الساعة فكان هذا القرآن الذي تحدى أهل زمانه الذي نزل فيه، وهم كانوا أهل بلاغة وفصاحة وبيان، ولم يزل يتحدى، وسيبقى هذا التحدي قائما إلى قيام الساعة، ولن تستطيع البشرية أن تأتي بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.

لقد اعترف أعداء القرآن بعظمة القرآن، وذلت رقابهم لما سمعوه من محكم آياته، فهاهو الوليد بن المغيرة سيد قريش، يسمع النبي  وهو يقرأ قوله تعالى: ] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ [النحل/90].

فيقول قولته المشهورة: "والله إنَّ لقولِه الذي يقولُ لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدِقٌ أسفلُه، وإنه ليعلو وما يُعلا، وإنه ليَحطِم ما تحته".([6])

ولما جاء عتبة بن ربيعة إلى النبي r قرأ عليه النبي r أوائل سورة فصلت، فرجع إلى قريش قائلاً: إني واللهِ قد سمعت قولاً ما سمعتُ بمثلِه قط، والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها بي، خلّوا بين هذا الرجل وبينَ ما هو فيه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعتُ نبأ".([7])

وفي العصر الحديث أيضاً شهد المنصفون من المستشرقين بعظمة القرآن، وسجلت كلماتُهم بحقه المزيدَ من الإعجاب والدَهش.

ومنه قول المستشرق فون هامر في مقدمة ترجمته للقرآن، فقد قال: "القرآن ليس دستورَ الإسلام فحسب، وإنما هو ذِروة البيانِ العربي، وأسلوبُ القرآن المدهش يشهد على أن القرآنَ هو وحيٌ من الله، وأن محمداً قد نشر سلطانَه بإعجاز الخطاب، فالكلمةُ [أي القرآنُ] لم يكن من الممكن أن تكونَ ثمرةَ قريحةٍ بشرية".([8])

ويقول فيليب حتي في كتابه "الإسلام منهج حياة": "إن الأسلوب القرآني مختلف عن غيره، إنه لا يقبل المقارنة بأسلوب آخر، ولا يمكن أن يقلد، وهذا في أساسه هو إعجاز القرآن .. فمن جميع المعجزات كان القرآن المعجزة الكبرى".

وأما جورج حنا فيقول في كتابه "قصة الإنسان": "إذا كان المسلمون يعتبرون أن صوابية القرآن هي نتيجة محتومة لكون القرآن منزلاً ولا يحتمل التخطئة، فالمسيحيون يعترفون أيضاً بهذه الصوابية، بقطع النظر عن كونه منزلاً أو موضوعاً، ويرجعون إليه للاستشهاد بلغته الصحيحة كلما استعصى عليهم أمر من أمور اللغة".

ويقول الفيلسوف الفرنسي هنري سيرويا في كتابه "فلسفة الفكر الإسلامي": "القرآن من الله بأسلوب سام ورفيع لا يدانيه أسلوب البشر".

وأما المستشرق بلاشير فلم يألُ جهداً في الطعن في القرآن ومعاداته في كتابه "القرآن الكريم"، لكن الحقيقة غلبته، فقال: "إن القرآن ليس معجزة بمحتواه وتعليمه فقط، إنه أيضاً يمكنه أن يكون قبل أي شيء آخر تحفة أدبية رائعة؛ تسمو على جميع ما أقرته الإنسانية وبجلته من التحف".

وصدق الله وهو يقول: ] وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [[سبأ/6]([9]).

إذن فإستمرار معجزة القرآن وإستمرار التحدي القائم به من أولى وأهم الدلائل على نبوة نبينا محمد  . ولهذا فهو محفوظ من كل نقص أو زيادة أو تغيير أو تحريف، ولو تطرق الشك ـ لا سمح الله ـ إلى حرف منه لم يبق لنا إعتماد على شيء في القرآن حجة أصلا فتنتفي فائدته وفائدة الأمر بإتباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك.

وإذا تطرق الشك إليه فإنه الشاهد الوحيد المتبقي الدال على نبوة محمد  ، فتجريح الشاهد يسقط نبوته، ويسقط رسالته، وبالتالي يسقط الإسلام برمته. وهذا هو الهدف الأول والأخير من القول بدخول التحريف على قرآن المسلمين.

 

المبحث الثاني

الدليل العقلي

إثبات صحة القرآن عقلا: ( الدليل العقلي):

إذا سلمنا بأن نبينا محمد  هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن منهجه ومعجزته هو هذا القرآن الذي بين أيدينا، ونزل لهداية الناس، وأنه لا كتاب سماوي بعده، ولا يبعث الله نبيا بعده يبين نوع التحريف فيه ـ لو فرضناه جدلا ـ فالعقل الصحيح إما أن ينفي أن يكون هذا النبي خاتم النبيين، لعدم وجود من يصحح ويبين التحريف فيه، أو أن يعتقد أن الله تعالى لابد وأن يحفظه من النقص والتحريف، لئلا يؤدي إلى نقض الغرض الذي من أجله بعث الله الأنبياء والرسل، وهو هداية البشرية، وبيان طريق الخير من الشر، وليقيم الحجة على خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

فإذا إتفق المسلمون جميعهم على أن نبيهم محمد  هو خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، فيجب أن يتْبع هذا الإتفاق إتفاقهم على عدم طروء النقص والتحريف على منهجه، وإلا تناقضوا، فعلم إذن أن القول بتحريف القرآن مخالف لأصل ختم النبوة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

خطورة القول بتحريف القرآن

لما كان إثبات نبوة نبينا محمد  وإثبات رسالة الإسلام متوقفا على القول بصحة هذا القرآن الذي بين أيدينا علمنا أن الذين طعنوا في هذا القرآن ليس غرضهم مجرد القول بإمكان وقوع التحريف في كلمة أو آية من القرآن الكريم؛ وإنما الغرض الأساسي هو الطعن بالدين الإسلامي، وإسقاطه من أن يكون هو الدين الذي إرتضاه الله تبارك وتعالى للعالمين، وأن يكون منهجه ناسخا ومهيمنا على جميع الكتب السماوية، بما بينه من تحريف اليهود لتوراتهم، والنصارى لإنجيلهم، ومصححا لهم ومبينا لما اختلفوا فيه من قبل.

فمن علم هذا عرف لماذا لم يتردد أعداء الإسلام من اليهود والمستشرقين والمنافقين الذين تستروا بالإسلام من تشكيكهم المتواصل لقرآن المسلمين ليشككوا المسلمين في دينهم ونبيهم  فيتساوى المسلمين مع غيرهم من الذين حرفوا كتب أنبيائهم. وبذلك لا تكون لهذه الأمة العظيمة التي مدحها الله عز وجل بقوله: ] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [[آل عمران/110] من فضل أو مزية على غيرها من الأمم.

إن الذي يحزن القلب ويبعث فيه الأسى ليس أولئك المستشرقين الذين لم يعترفوا بهذا القرآن العظيم أنه كتاب منزل من عند الله، فهؤلاء هم أعداء الإسلام والمسلمين، وأن يتوقع المسلم من عدوه كل أنواع الشر والمكر أمر طبيعي؛ إلا أنه ليس بطبيعي أبدا أن يأتي هذا الطعن والتشكيك ممن يحسب نفسه على الإسلام، ويدّعي أنه من أتباع هذا النبي وأهل بيته الكرام، فهاهنا الطامة الكبرى، والبلية العظمى.

ثم إن هؤلاء لم يكتفوا بنقل الروايات الضعيفة فقط ـ كما يقولون ـ بل فيهم من دافع عن وقوع التحريف بكل ما أوتي من قوة، فجمع بين العار والنار.

ثم جاء الآخرون من بني جلدته، فبدلا من أن يقولوا بكفر، أو جنون القائل بالتحريف، دافعوا عنه بطرق خفية، لأن القائلين بالتحريف من بني جلدته لا يحصيهم إلا الله تعالى. ثم ما لبثوا يدخرون وسعهم برمي غيرهم من المسلمين بالإشتراك معهم في القول بتحريف القرآن، بحجة أو بأخرى ليتساوى طرفا المعادلة، ولا يكونوا هم في مرمى الهدف لوحدهم، وإن أدى هذا إلى إثبات التحريف.

ليس هدفهم الدفاع عن صحة هذا القرآن بقدر ما يهمهم الدفاع عن علمائهم القائلين بالتحريف، والمنسبين لهذا القول إلى أئمة أهل بيت نبينا الأطهار، وهم منه برآء كبراءة نبي الله إبراهيم    من عبادة الأصنام.

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

التحريف بين القرآن والسنة

مما لا ريب فيه أنه وبعد أن تفرقت الأمة الإسلامية فرقا وشيعا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون، لم يبق بينهم جامع في المنهج سوى كتاب الله تعالى.

وإذا شاء الله تعالى أن لا يبقي من الفرق الإسلامية غير أهل السنة والجماعة ـ وهم أكثرية المسلمين اليوم ـ والشيعة الإمامية الإثنا عشرية، إلا أن الخلافات الكثيرة بينهم جعلت منهما دينان مغايران، لاسيما بعد أن إختلفوا في أصول دينهم وسنة نبيهم  .

فليس بين السنة والشيعة من مشترك واحد في تلقيهم لسنة نبيهم محمد  .

فأهل السنة يعتمدون بعد كتاب الله تعالى على سنة نبيهم محمد  المنقولة إليهم عن طريق أصحابه وأهل بيته وأزواجه الذين عاشوا معه في حله وترحاله. فهم جميعا عاشوا نزول القرآن على نبيهم وسمعوا منه مباشرة، وشاهدوا أفعاله، وأتبعوه في كل ما كان يقول ويفعل. وربما جهلوا مسألة ما فسألوه مشافهة وسمعوا جوابه وجها لوجه.

وكان من الطبيعي أن يعيش أبناء الصحابة على هدي آبائهم وما نقلوه إليهم من القرآن والسنة، فلم يكونوا بحاجة إلى أحد وفيهم من رأى رسول الله  وسمع منه ونقله إليهم.

والإختلاف الرئيسي بين القرآن والسنة كان في التدوين.

فالقرآن الكريم حينما كان ينزل نجوما على سيدنا محمد  كان يأمر كتاب الوحي، بكتابته على ما يتيسر لديهم من وسائل الكتابة. ثم أنه  حفاظا على القرآن الكريم وعدم إختلاطه أمر في بداية الأمر بعدم كتابة أقواله من غير القرآن لئلا يختلط الحديث بآيات القرآن. ولما زال هذا المانع إرتفع النهي وصار المسلمون يكتبون أحاديثه  .

وقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها:

- "أن ذلك من منسوخ السُنَّة بالسُنَّة، أي أن المنع جاء أولًا، ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك، وقد قالوا إن النهي جاء أولًا خشية التباس القرآن بالسُنَّة، فلما أمن الالتباس جاء الإذن.

- أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسُنَّة".

( فإن قيل: إن إعجازه كاف في تمييزه عنها فلا حاجة إلى التمييز بخصوص الكتابة.

قلت: إعجازه إنما يدركه أساطين البلغاء من العرب أيام أن كانت بلاغة العرب في أوجها. وذلك في عصره r والأعصر القريبة منه.

فأما غير البلغاء منهم في هذه الأعصر - وهم الأكثرون - وجميع العرب فيما وبعد ذلك، وجميع الأعاجم والمستعربين في جميع العصور فلا يمكنهم تغييره عن السُنَّةِ، خُصُوصًا إذا لاحظنا: أن السنة القولية كلام أفصح العرب وأبلغهم، وأنها تكاد تقرب من درجة القرآن في البلاغة. ولا يستطيع أن يقف موقف المميز بينهما إلا من كان من فرسان البلاغة والبيان، وممن يشار إليهم بالبنان)([10]).

- أن النهي لم يكن مطلقًا، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، أما في صحيفتين فمأذون به.

وهناك آراء غير ذلك، لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخرًا، فإن كان نسخٌ فهو الناسخ للمنع، وهذا الذي رواه الجمهور.

والصحيح في النهى ينحصر في حديث واحد رواه الإمام مسلم في كتاب الزهد من صحيحه، تحت باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، ورواه بسنده، عن أبى سعيد الخدري، أن رسول الله  قال : " لا تكتبوا عنى، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه ) وهذا الحديث معلول أعله أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد.

ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف. واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهى، فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه، كحديث " اكتبوا لأبى شاه " ، وحديث صحيفة على t، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة، ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر t أنسا t حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبو هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث، وقيل: إن حديث النهى منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهى حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة. وقيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة والله أعلم " ([11]).

وبهذا تعلم أن طعن الشيعة في أحاديث أهل السنة بسبب النهي الوارد عن كتابة حديث النبي  هو طعن باطل ذلك لأن التعارض الواقع بين الأحاديث، هو حديث واحد معلول في النهي مقابل عدة أحاديث صحيحة بالأمر أو الجواز، يقتضي أن يكون الأمر أو الجواز المتأخر إما ناسخا للنهي، أو أن يكون الترجيح للحديث الصحيح مقابل الحديث المعلول.

وقد ورد في نهج البلاغة عن علي  وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر فقال  : ( إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَبَاطِلًا وَصِدْقاً وَكَذِباً وَنَاسِخاً وَمَنْسُوخاً وَعَامّاً وَخَاصّاً وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِهاً وَحِفْظاً وَوَهْماً وَلَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ  عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ إلى أن قال: وَرَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ  شَيْئاً يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ وَلَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ وَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ … )([12]).

وفي الكافي عن منصور بن حازم قَالَ: قُلْتُ ـ لأبي عبدالله  ـ َأَخْبِرْنِي عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ  صَدَقُوا عَلَى مُحَمَّدٍ  أَمْ كَذَبُوا؟ قَالَ: بَلْ صَدَقُوا. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا بَالُهُمُ اخْتَلَفُوا؟ فَقَالَ: أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ  فَيَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَيُجِيبُهُ فِيهَا بِالْجَوَابِ ثُمَّ يُجِيبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَنْسَخُ ذَلِكَ الْجَوَابَ فَنَسَخَتِ الْأَحَادِيثُ بَعْضُهَا بَعْضاً.

فهذا إقرار من أئمة أهل بيت النبي أن في الحديث ناسخا ومنسوخا، وأن الصحابة صادقون في نقل الحديث عن الرسول  .

أما الطعن في أحاديث أهل السنة بسبب التعارض الواقع في أحاديثهم عن رسول الله  فغيض من فيض بالنسبة للشيعة، ويكفي أن ننقل ما قاله شيخ الطائفة الطوسي في تهذيب الأحكام – (ج/1ص2) قال: ( ذاكرني بعض الأصدقاء أيده الله ممن أوجب حقه علينا بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ورحم السلف منهم، وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد، حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا، وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا… ).

ثم أنه من المتفق بين الشيعة وأهل السنة والجماعة أن السنة النبوية الشريفة المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، والدليل الذي يدل على حفظ القرآن هو نفسه دال على حفظ السنة النبوية الشريفة مع فارق واحد أن السنة النبوية الشريفة من الممكن نقلها بالمعنى. أما القرآن فلا يجوز إلا بنقله وضبطه بحروفه المنزل من الله تعالى. فقوله تعالى: ] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [[النساء/59]. إما أن يكون خاصا بزمن النبي وحياته فقط، أو يكون عاما في حياته وبعد مماته. والثاني هو الصحيح لأدلة كثيرة نذكر منها قول الله تعالى:] فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [[النور/63] فالنبي  يجب أن يطاع حيا وميتا، وكيف يطاع إن لم تُعرف أوامره ونواهيه محفوظا بعد وفاته  .

ومنها قول سيدنا علي t في نهج البلاغة للأشتر النخعي حين ولاه مصرا: ( وَارْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ ). فلولا أن سنة النبي  كانت محفوظة ومعلومة لما كان لقوله t من معنى. وهكذا الحال في إحتجاجه بالسنة مع الخوارج ومع معاوية.

ثم هل يستطيع مسلم أن يستغني عن سنة النبي  ويكتفي في دينه على ما جاء في القرآن فقط؟

ربما يقال هنا أن أصول الدين يحويها القرآن ولا حاجة فيها إلى السنة. فإذا صح هذا الكلام في الأصول، فلا يمكن أن يصح في الفروع أو في العبادات. فأعداد الصلوات الخمسة وفروض الزكاة وغيرها من العبادات أخذها المسلمون من السنة القولية والفعلية للنبي .

وأما قول الشيعة بأن الخليفة عمر بن الخطاب منع من كتابة أحاديث النبي r فكان هذا سببا في ضياع كثير من سنة النبي القولية، فهذا أيضا من بهتهم، ذلك لأن الصحابة والتابعين كانوا يعتمدون على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر، وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم.

ومع هذا فقد كان قسم من الصحابة يكتب الحديث لنفسه، ولا أدل على ذلك من قول أبي هريرة في صحيح البخاري: ( لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ r أَكْثَرُ مِنِّي حَدِيثًا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَلاَ أَكْتُبُ).

 فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار وتفرّقت الصحابة في الأقطار، وكثرت الفتوحات ومات معظم الصحابة وتفرّق أصحابهم وأتباعهم، وقلّ الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة.

فقد روى ابن عبد البر في ( جامع بيان العلم وفضله ) عن الأوزاعي: ( كَانَ هَذَا الْعِلْمُ شَيْئًا شَرِيفًا إِذْ كَانَ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ يَتَنَاقَلُونَهُ وَيَتَذَاكَرُونَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الْكُتُبِ ذَهَبَ نُورُهُ وَصَارَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ).

يقول الحافظ إبن حجر في مقدمة الفتح في بيان السبب الباعث لأبي عبد الله البخاري على تصنيف جامعه الصحيح وبيان حسن نيته في ذلك: (  إعلم علمني الله وإياك أن آثار النبي r لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة لأمرين أحدهما إنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم وثانيهما لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك الموطأ وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم، وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، وأبو عمر وعبد الرحمن بن عمر والأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي r خاصة وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندا، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندا، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم فقل إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم من النبلاء ومنهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معا كأبي بكر بن أبي شيبة فلما رأي البخاري t هذه التصانيف ورواها وانتشق رياها واستجلى محياها وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين والكثير منها يشمله التضعيف فلا يقال لغثه سمين فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه وذلك فيما أخبرنا أبو العباس أحمد بن عمر اللؤلؤي عن الحافظ أبي الحجاج المزي يوسف بن يعقوب أخبرنا أبو اليمن الكندي أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا الحافظ أبو بكر الخطيب أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب أخبرنا محمد بن نعيم سمعت خلف بن محمد البخاري بها يقول سمعت إبراهيم بن معقل النسفي يقول قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري كنا عند إسحاق بن راهويه فقال لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله r قال فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح).

( وتكاد تجمع الروايات أن أول من فكر بالجمع والتدوين من التَّابِعِينَ عمر بن عبد العزيز، إذ أرسل إلى أبي بكر بن حزم عامله وقاضيه على المدينة «انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ r فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ، وَذَهَابَ العُلَمَاءِ» وطلب منه أن يكتب له ما عند عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَحْمَنِ الأَنْصَارِيَّةَ (98 هـ) والقاسم بن محمد بن أبي بكر (106 هـ) والذي يظهر أنه لم يخص ابن حزم بهذا العمل الجليل، بل أرسل إلى ولاة الأمصار كلها وكبار علمائها يطلب منهم مثل هذا، فقد أخرج أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " أَنَّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الآفَاقِ: «انْظُرُوا إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ فَاجْمَعُوهُ»([13]).

ومهما قيل أو يقال فإن أهل السنة قد سبقوا الشيعة في تدوين السنة النبوية الشريفة بزمن كثير. ولا يقال أن الشيعة لم يحتاجوا إلى تدوين السنة لوجود الإمام المعصوم بينهم، فإن هذا ينتقض بتقية الإمام في كل شيء، وعدم إستطاعته إظهار إمامته وعصمته للآخرين، فكيف يعرف طلاب العلم من هذا حاله ليقصدوه في طلب العلم الصحيح منه؟

وثمة ملاحظة أخيرة في هذا الموضوع: وهي: ( إِنَّمَا تَحْصُلُ صِيَانَةُ الحُجَّةِ بِعَدَالَةِ حَامِلِهَا:

المعول عليه في المحافظة على ما هو حجة وصيانته من التبديل والخطأ هو أن يحمله الثقة العدل حتى يوصله لمن هو مثله في هذه الصفة. وهكذا. سواء أكان الحمل له على سبيل الحفظ للفظه أو الكتابة له أو الفهم لمعناه فهما دقيقا مع التعبير عن ذلك المعنى بلفظ واضح الدلالة عليه بدون لبس ولا إبهام. فأي نوع من هذه الأنواع الثلاثة يكفي في الصيانة ما دامت صفة العدالة متحققة. فإذا اجتمعت هذه الثلاثة مع العدالة كان ذلك الغاية والنهاية في المحافظة. وإذا اجتمعت وانتفت العدالة لم يجد اجتماعها نفعا ولم يغن فتيلا. ولم نأمن حينئذ من التبديل والعبث بالحجة.

ومن باب أولى ما إذا انفردت الكتابة عن الحفظ والفهم وعدالة الكاتب أو الحامل للمكتوب. فإنا لا نثق حينئذ بشيء من المكتوب. ألا ترى أن اليهود والنصارى كانوا يكتبون التوراة والإنجيل ومع ذلك وقع التبديل والتغيير فيهما لما تجردوا من صفة العدالة حتى لا يمكننا أن نجزم ولا أن نظن بصحة شيء منهما. بل قد نجزم بمخالفة لأصلهما. قال الله تعالى:] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [[البقرة : 79]([14]).

إذن لا بد لصاحب الشبهة - إن كان مسلمًا - أن يعترف أن الكتابة ليست شرطًا في الحُجِّيَةِ، وإلاّ لأنزل الله تعالى القرآن مكتوبا. ولو كانت الحفظة ليسوا ثقاة عادلين فإن إنزال القرآن كتابة أيضا لا ينفع في الحفظ والصيانة كما لم ينفع مع التوراة، إذ المعلوم أنها نزلت مكتوبة في الألواح، ولكن بني إسرائيل لم يصونوها.

 

المبحث الثاني

المسلمون بين سنة النبي وعترته

إن إتفاق السنة مع الشيعة في كون السنة النبوية الشريفة مصدرا ثانيا للتشريع بعد القرآن الكريم لم يحل الإشكال الوارد بينهما في تحديد المراد من السنة النبوية الشريفة.

فالسنة النبوية عند أهل السنة ينحصر في أقوال وأفعال وتقريرات النبي  المنقولة إليهم عن طريق الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومصطلح الصحابة عندهم يشمل إضافة إلى أصحابه الذين عاشوا معه، أزواجه وأهل بيته الذين عاصروه وعاشوا معه.

ولقد دعا النبي  أصحابه إلى حفظ ونقل ما يسمعون منه، فقال: ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها. فرب حامل فقه غير فقيه. ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )([15]).

وقد إقتضت حكمة الله تعالى أن يهيئ للأمة الإسلامية من أئمة الحديث جهابذة نقاد لمعرفة صحيح السنة من سقيمها، كل ذلك لحفظ سنة نبيه  بعد أن تكفل الله تعالى بحفظ كتابه الكريم، لأنها مكملة ومبينة وشارحة ومفصلة لما أجمله القرآن.

روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله : «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلاَ وَأَنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ  كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ».

أما مصطلح السنة النبوية عند الشيعة فيغاير هذا تماما. ولندع شيخهم محمد رضا المظفر يتكلم ليقول:( السنة في اصطلاح الفقهاء ( : قول النبي أو فعله أو تقريره . ) ومنشأ هذا الاصطلاح أمر النبي  بإتباع سنته فغلبت كلمة ( السنة ) حينما تطلق مجردة عن نسبتها إلى أحد على خصوص ما يتضمن بيان حكم من الأحكام من النبي  سواء كان ذلك بقول أو فعل أو تقرير، على ما سيأتي من ذكر مدى ما يدل الفعل والتقرير على بيان الأحكام.

أما فقهاء ( الإمامية ) بالخصوص فلما ثبت لديهم أن المعصوم من آل البيت يجري قوله مجرى قول النبي من كونه حجة على العباد واجب الإتباع فقد توسعوا في اصطلاح السنة إلى ما يشمل قول كل واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره، فكانت السنة باصطلاحهم ( قول المعصوم أو فعله أو تقريره ) والسر في ذلك أن ألائمة من آل البيت عليه السلام ليسوا هم من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقاة في الرواية، بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام الواقعة، فلا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي، وذلك من طريق الإلهام كالنبي من طريق الوحي أو من طريق التلقي من المعصوم قبله، كما قال مولانا أمير المؤمنين   (علمني رسول الله   ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب . ) وعليه فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنة وحكايتها، ولا من نوع الاجتهاد في الرأي والاستنباط من مصادر التشريع، بل هم أنفسهم مصدر للتشريع، فقولهم ( سنة ) لا حكاية السنة وأما ما يجئ على لسانهم أحيانا من روايات وأحاديث عن نفس النبي  ، فهي أما لأجل نقل النص عنه كما يتفق في نقلهم لجوامع كلمه، وأما لأجل إقامة الحجة على الغير، وأما لغير ذلك من الدواعي)([16]).

فإذا علمنا أن أئمتهم أمروهم بعرض أقوالهم على كتاب الله تعالى وعلى السنة النبوية، وذلك لكثرة الكذب على الأئمة، وأن هذا العرض يدل على كون القرآن محفوظا، عرفنا أن قولهم تابع لما فيهما. لا كما نقلنا ما قاله محمد رضا المظفر.

فعن سدير قال: " قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام: لا تصدق علينا إلا بما يوافق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه واله " ([17]).

في هذا الكلام جملة أمور:

أولا: إذا كانت روايات عرض الأخبار المنسوبة لأهل البيت عليهم السلام على القرآن تدل على صحة هذا القرآن ونفي التحريف عنه، فإن هذا يستلزم صحة السنة المنسوبة إلى النبي  أيضا من غير طريق الأئمة، وبيان ذلك:

1.  هنالك الكثير من الروايات المنسوبة إلى أئمة أهل البيت توصي بعرض ما نسب إليهم إلى السنة أيضا إلى جانب القرآن، فأين هي السنة ـ كما هو القرآن ـ حتى نعرض عليها روايات أهل البيت؟

ألا يقتضي قول أبي عبدالله  لسدير: ( لا تصدق علينا إلا بما يوافق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه واله ) أن سنة النبي يجب أن تكون معروفة ومعلومة لدى سدير وغير سدير حتى يتمكن من معرفة ما يوافقها، وما يخالفها؟

فإن كان كتاب الله تعالى هو المجموع ما بين الدفتين، وبمتناول يد كل مسلم، فأين هي سنة النبي  الذي يأمر الإمام بعرض أخبارهم أو رواياتهم عليها؟

2.  إذا كان الميزان هو الكتاب والسنة، فما معنى عصمة الإمام التي إشترطت الشيعة وجودها في الإمام؟ ولماذا يأمرنا الإمام بالعمل بما يوافق القرآن حتى وإن كان الذي جاءنا به فاجر ؟ ولتوضيح ذلك أكثر نقول: إذا جاءنا قول من معاوية وهو لا يخالف الكتاب والسنة، أليس يجب أن نأخذ به؟ أليس يجب على كل مسلم أن يعمل بأي قول لا يتعارض مع كتاب الله تعالى وسنة نبيه  بغض النظر عن قائله؟ ألم يقل سيدنا علي t : ( الحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها - ولو عند المشرك - تكونوا أحقّ بها وأهلها) أو ( فخذوها ولو من أهل النفاق)([18]). فإن قالوا: إن كثرة الكذابين على الأئمة يستلزم عرض ما جاء عنهم على القرآن والسنة. قيل: فلماذا أعرضتم عن سنة النبي  المنقولة عن أصحاب النبي  ، والدواعي متوفرة على نقل أقوال نبي الأمة أكثر من غيرها؟ علما إن الكذب على النبي  أقل بكثير من الكذب على الأئمة.

3.  بالإضافة إلى كثرة الكذابين على الأئمة، فإن تحريف الدين من قبل أئمة أهل البيت بسبب التقية، يستلزم الأخذ بسنة النبي  المنقولة عن طريق الصحابة لأن النبي  عاش سيداً عزيزاً مطاعاً بين أصحابه، دون أن يحتاج إلى أن يتقيهم في فعل أو قول! هذا أولا. وثانياً: ألا يعني عرض أقوال أئمة أهل البيت على الكتاب والسنة أن أهل البيت ليسوا مرجعا للمسلمين، وأن مرجع المسلمين في كل زمان ومكان، هو الكتاب والسنة بمقتضى قول الله تعالى : ] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [[النساء : 59]. وبمقتضى قول علي t : ( وَارْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ)([19]).

فلو كان أهل البيت مرجعا للمسلمين في كل عصر ـ كما تقول بذلك الشيعة ـ فلماذا نؤمر بعرض ما جاءنا عنهم على الكتاب والسنة؟ علما أن الشيعة ليست لديهم سنة إلا ما نقله أئمة أهل البيت، وقلما تجد عندهم روايات موصولة إلى النبي ، وإنما جل ما عندهم هي روايات عن جعفر بن محمد. فكيف نعرض ما جاءنا عن جعفر على سنة النبي إذا كان الذي جاءنا به جعفر الصادق هو السنة؟

فهاهنا أمر مصادم للعقل من عدة جهات:

أولا: من غير المعقول أن يأمرنا الإمام بعرض الشيء على نفسه.

ثانيا: كما أنه من غير المعقول عرض روايات الأئمة على ما ليس بمعلوم. ويوضح السيستاني هذا الأمر فيقول: ( إذ من الواضح أن المقصود بمخالفة السنة، السنة المعروفة عند الجمهور الذين بيدهم قبول الحديث وعدم قبوله لا السنة الواقعية الموجودة عند الأئمة أنفسهم)([20]).

ثالثا: أضف إلى هذا عدم معقولية أن يجعل الكتاب والسنة ميزانا لبيان صحة أخبار الأئمة مع القول بتحريف الكتاب والسنة من قبل الصحابة، أو من قبل بني أمية وبني العباس.

ولا يقال هنا أن العرض على السنة هي على المتواتر بين الطرفين فقط، لعدة أسباب:

الأول: روايات العرض لم تنص على المتواتر من السنة، وهذا إقتراح من قائله لا يستند إلى دليل، لأن الناس قديما وحديثا لا يفرقون بين المتواتر والمستفيض والمشهور ونقل الآحاد. وقد قدمنا قبل قليل قول السيستاني أن المراد بالسنة هي السنة المعروفة عند الجمهور.

الثاني: أين هي سنة النبي المتواترة بين الطرفين المتفق عليها حتى يعرض عليها أقوال الأئمة؟ فالشيعة تقول بتواتر نص من قبلهم فقط، لا يعترف به أهل السنة. وكذلك أهل السنة يقولون بتواتر نص عندهم لا تقبله الشيعة. ثم أن هذه السنة المتواترة ـ في حال وجودها ـ كم تبلغ عددها؟

الثالث: إن من المرجحات عند الشيعة الأخذ بما يخالف أهل السنة، عملا بقول الإمام : ( ما خالف العامة ففيه الرشاد). فلو إتفق الفريقان على رواية سنة من سنن النبي  فهذا المبدأ يلغيه.

الرابع: الرجوع إلى سنة النبي  من دون الرجوع إلى أهل بيت النبي عند الشيعة لا يجوز. وإلاّ فإذا كان نقل الصحابة عن النبي  جائزا، فما حاجتهم إلى الإمام المعصوم؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

هل يكفر من يعتقد بوجود التحريف في القرآن؟

لمعرفة تكفير القائل بتحريف القرآن من عدمه يتطلب منا معرفة جملة أمور:

الأول: تعريف الكفر: هو التكذيب أو الجحد، أو إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو ما يؤدي إلى ذلك.

الثاني: هل القول بالتحريف يؤدي إلى إنكار النبوة؟

الثالث: معرفة لازم القول بالتحريف أو مآل القول به.

يقول أبو عمر صادق العلائي في الرد على من يكفر من يقول بتحريف القرآن:

( لو أنكر مسلم أمرا معلوما من الدين بالضرورة، فإن آل إنكاره إلى إنكار الألوهية أو الرسالة فإنه يكفر بلا ريب، وأما لو لم يرجع إنكاره لإنكار الألوهية والربوبية أو الرسالة كمن طرأت له شبهة أو حصل له لبس أدى بالمنكر إلى تلك النتيجة فإنه لا يكفر.

قال السيد اليزدي رضوان الله تعالى عليه:" والمراد بالكافر من كان منكرا للألوهية أو التوحيد أو الرسالة أو ضروريا من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضروريا بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة "([21])

قال السيد الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه:" الكافر وهو من انتحل غير الإسلام، أو انتحله وجحد ما يعلم من الدين بالضرورة، بحيث يرجع جحوده إلى إنكار الرسالة، أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله، أو تنقيص شريعته المطهرة، أو صدر منه ما يقتضي كفره من قول أو فعل "([22])

قال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه: " الكافر وهو من لم ينتحل ديناً أو انتحل ديناً غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع جحده إلى إنكار الرسالة، نعم، إنكار المعاد يوجب الكفر مطلقاً "([23]) )([24]).

ونحن هنا سنحاكمهم إلى هذه النصوص التي هي من أقوال علمائهم المشهورين فنقول:

إتفق علماء الشيعة على أن المنكر أو الجاحد لضروري من ضروريات الإسلام إذا رجع قوله إلى إنكار الرسالة يُكفَّر. فهل القول بتحريف القرآن يرجع إلى إنكار الرسالة؟

 

 

 

 

المبحث الأول

هل القول بتحريف القرآن يرجع إلى إنكار الرسالة؟

قلنا فيما مضى أنه لا دليل لدى المسلمين على نبوة محمد  إلا هذا القرآن، فإذا دخل الشك في حرف واحد منه، فإنه لا ريب يؤدي إلى عدم الثقة فيه كاملا لإمكان أن يكون التحريف قد عم جميع حروفه وكلماته. ولا نأمن أن يكون إسم محمد قد أُقحم فيه. أو أن قوله تعالى: ] مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [[الأحزاب/40] قد دخله التحريف، وأنه ليس بخاتم النبيين، وأن عليا أو غيره من أئمة الشيعة المعصومين كانوا أنبياء ولكن الصحابة المحرفين لكتاب الله تعالى قد غيروا فيه لحسدهم عليا وأهل بيته. ليس هذا فحسب، بل إذا تطرق الشك إليه بالنقيصة والزيادة أو تغيير كلماته وحروفه فلك أن تقول ما تشاء.

أليس إذن القول بتحريف القرآن يؤدي إلى إنكار رسالة نبينا محمد  ؟

يقول إبن حزم: ( فمن قال إن القرآن نقص منه بعد موت رسول الله  حرف، أو زيد فيه حرف، أو بدل منه حرف … فهو كافر، خارج عن دين الإسلام؛ لأنه خالف كلام الله عز وجل، وسنن رسول الله  وإجماع أهل الإسلام)([25]).

ويقول شيخ الإسلام إبن تيمية: (من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت ... فلا خلاف في كفره)([26]).

ويقول الحليمي: ( فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانه منه، أو تحريفه أو تبديله، فقد كذب الله في خبره، وأجاز الوقوع فيه، وذلك كفر)([27]).

ويقول القرطبي: ( فمن ادعى زيادة عليه أو نقصاناً منه فقد أبطل الإجماع، وبهت الناس، ورد ما جاء به الرسول  من القرآن المنزل عليه )([28]).

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: - " ومن اعتقد عدم صحة حفظه {أي المصحف} من الإسقاط، واعتقد ما ليس منه أنه منه قد كفر، ويلزم من هذا رفع الوثوق بالقرآن كله، وهو يؤدي إلى هدم الدين، ويلزمهم عدم الاستدلال به، والتعبد بتلاوته، لاحتمال التبدل، ما أخبث قول قوم يهدم دينهم)([29]).

 

 

المبحث الثاني

مآل القول ولازمه( لازم المذهب )

إذا كان العلماء يقررون أن من تأول وأخطأ، ولم يكن تأويله سائغا وليس له عذر في ذلك وكان قد تعلق بأمر يفضي به إلى خلاف بعض كتاب الله أو سنة يقطع بها العذر، أو إجماع فإنه يكفر ولا يعذر. وإذا كانوا قد أجمعوا على تكفير من يكفر الصحابة ويطعن فيهم إلاّ بضعة أنفار، لأن هؤلاء شهودنا على الكتاب والسنة، ( والطعن في الوسائط طعن الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول )([30]). فكيف إذا وقع الطعن صريحا في القرآن بأنه محرف أو نقصت منه كلمات أو غيرت وبدلت بأخرى؟

يقول محمد تقي الحكيم: ( والحديث حول حجيته ( أي القرآن ) موقوف على تمام مقدمتين: أولاهما: ثبوت تواتره الموجب للقطع بصدوره، وهذا ما لا يشك فيه مسلم امتحن الله قلبه للإيمان، والثانية: ثبوت نسبته لله عز وجل وعقيدة المسلمين قائمة على ذلك )([31]).

أفليس في هذا الكلام ما يدل على أن الطعن فيه بعد ثبوت تواتره وثبوت نسبته إلى الله عز وجل هو إنكار لرسالة نبينا محمد .

ثم أنظر إليه كيف يجيز للقائلين بالتحريف قولهم ويعطيهم العذر في ذلك، فيقول في رده على المرحوم ( أبو زهرة): ( والذي يبدو أن الأخ أبا زهرة ممن يستسيغ التكفير بسهولة مع أنه لا يميز فيما يبدو بين نوعين من إنكار الضروري أحدهما يوجب التكفير والآخر لا يوجبه، فالذي يوجب التكفير إنكار ضروري من ضروريات الدين، أي ما ثبت أنه دين بالضرورة مما يعود إنكاره إلى تكذيب النبي  وشبهه، والقول بعد التحريف لم يثبت أنه دين بالضرورة وإلا لما احتاج إلى الاستدلال عليه بآية ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ [الحجر: 9]. وما يحتاج إلى الاستدلال لا يكون من الضروريات، على أنهم اختلفوا في صلاحية الآية للدليلية بشبهة الدور، وما يقال عن هذه الآية يقال عن غيرها من الأدلة . نعم هو ضروري الثبوت لثبوت تواتره عندنا وإنكار الضروريات التيلا تستند في بداهة ثبوتها إلى الدين وان استندت إليه بالنظر، لا تستوجب تكفيرا كما هو واضح لدى الفقهاء).

فيقال له: هب أن الآية الشريفة ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ [الحجر: 9]. وغيرها من الآيات لا تدل على حفظ الله تعالى للقرآن، أفليس في العقل ما يدل على وجوب كون القرآن محفوظا من كل أشكال التحريف، وإلا لأرتفعت عنه الثقة؟ وأنت خبير أن القول بتحريف القرآن يستتبع عدم كون النبي محمد  نبيا، فضلا عن أن يكون خاتم النبيين! وإذا صح ذلك فكون مسيلمة أو الأسود العنسي أو غيرهم من أدعياء القاديانية أنبياء لا ريب فيه. أتقبل أن يكون هؤلاء أنبياء بعد نبينا محمد ؟

ومن دفاعاتهم عن القائلين بالتحريف قول أبي عمر صادق العلائي: ( وعلى هذا فلو لم يعلم المنكر أن ما أنكره جزء من الدين بل نفي كونه منه لشبهة ولبس، مع إيمانه في قرارة نفسه أنْ لو ثبت عنده مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أنكره لاتبعه ولأخذ به بكل انقياد وتسليم فإن إنكاره – في هذه الحالة - لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعياذ بالله ، فلا يحكم بكفره، وبعبارة مختصرة إن منكر الضروري لا يكفر إلا برجوع إنكاره إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وبعدما قدمنا يتضح أن دعوى تكفير من قال بتحريف القرآن لإنكاره ضروريا كلام ساقط من رأس وجرأة على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأمرين :

1- لم يثبت أن من ضروريات الدين الاعتقاد باحتواء مصحفنا لكل كلمات القرآن التي نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.فلو سئل أهل الإسلام في بقاع الأرض عما إذا كان هذا المصحف الذي في بيوتنا اليوم قد اشتمل على كل كلمة وحرف نزل من السماء قبل أكثر من أربعة عشر قرنا ولم تخف كلمة أو حرف عمن جمعه أو لم يتلاعب به أحد من بعدهم ، فلا يعد الجواب على هذا السؤال بديهيا لا يشك فيه ، وليس هو كبداهة سؤال المسلم لأخيه عما إذا كانت الصلاة واجبة في الإسلام ، ولذا عندما يتطرق علماء الشيعة وأهل السنة لإثبات صيانة القرآن من التحريف يعتمدون الدليل لإثبات مدعاهم كآية الحفظ ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[(الحجر/9) ، فاستدلالهم هذا على عدم وقوع التحريف في القرآن يناقض كونه من بديهيات الدين التي لا يحتاج لإقامة الدليل.

2- من قال بتحريف القرآن فإن قوله لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله سلم.

فقد مر سابقا أن من قال بالتحريف لا يرى أن الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن في مصاحف المسلمين، لأن الآيتين في نظره لا تدلان عليه فضلا عن قبوله لحجية ظاهريهما، ولا يرى أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قد أخبر بحفظ القرآن في مصاحف المسلمين بل على العكس هو يرى أن الرسول وأهل بيته صلى الله عليهم أجمعين صرحوا بأن التحريف وقع فيه وأنه بُدل وتلاعبوا به …  فإنكارهم لصيانة القرآن من التحريف – لو سلمنا جدلا أنه من الضروريات - لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو إنكار الرسالة كالتعنت على أمر المولى أو أمر رسوله صلى الله عليه وآله سلم ولا يؤول إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله سلم، وكل هذا مانع من التكفير جزما وقطعا، مع التسليم بأن هذا الأمر من ضروريات الدين)([32]).

كما أنه نفى أن يكون سلامة القرآن أمرا مجمعا عليه، لأن الإجماع عند الشيعة ليس دليلا، وإنما هو كاشف عن الدليل، لذا لا يكفر من يقول بتحريف القرآن لأنه يؤدي إلى تكفير جل علماء الشيعة، لأننا سنرى فيما بعد كم عالما من علماء الشيعة عددهم الحسين النوري الطبرسي ممن يقولون أو يعتقدون بتحريف القرآن.

ولا يخفى على العاقل مدى مخالفة كلام صادق العلائي لمقتضى العقل لأنه إذا تطرق التحريف والتغيير في ألفاظ القرآن لم يبق لنا اعتماد على شئ منه إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن تكون محرفة ومغيرة وتكون على خلاف ما أنزله الله فلا يكون القرآن حجة لنا وتنتفي فائدته وفائدة الأمر بإتباعه والوصية به وعرض الأخبار المتعارضة عليه إلى غير ذلك.

ومع كل هذا فإننا لو فرضنا ـ على سبيل الجدل ـ أن من يقول بتحريف القرآن لا يعرف مآل قوله ولازمه، فإن هذا الأمر له ضوابط وقواعد، فإن من اللوازم ما لا ينفك عن القول سواء إلتزمه صاحبه أم لم يلتزمه، ومنه ما لا يظهر لصاحب القول، فإذا عرفه وإلتزمه فهو قوله، وإلا فلا.

وخلاصة القول فيه أن له ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يُذكر اللازم للقائل، ويلتزمه فهو يُعد قولاً له.

الحالة الثانية: أن يذكر له اللازم، ويمنع التلازم بينه وبين قوله، فهذا ليس قولاً له، بل إن إضافته إليه كذب عليه.

الحالة الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتاً عنه؛ فلا يذكر بالتزام، ولا منع، فحكمه في هذه الحال أن لا ينسب إلى القائل، لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله([33]).

وأنت خبير بأن علماء الشيعة القائلين بالتحريف لم يغب عنهم أن إنكار رسالة محمد  من لوازم القول بتحريف القرآن، ولكن إيمانهم بأن إمامة علي بن أبي طالب وأحد عشر من بنيه من بعده من أهم أصول الدين، وخلو القرآن من الإشارة الصريحة إليها دفعهم إلى القول بالتحريف. إذ من غير المعقول أن يكون هذا القرآن قد وردت فيه قضايا فقهية صغيرة كثيرة، ولم يتطرق إلى هذا الأصل، إلاّ أن يكون المتصدين لجمعه قد أسقطوا منه آيات الولاية، وسنرى في المباحث القادمة أن جميع روايات الشيعة أو أغلبها التي تقول بالتحريف هي في الولاية فقط.



 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثاني

الشيعة وتحريف القرآن

الفصل الأول: أضواء على كتاب فصل الخطاب

المبحث الأول: أقوال علماء الشيعة في مؤلف كتاب فصل الخطاب.

المبحث الثاني: شرح موجز لمضمون كتاب فصل الخطاب.

المبحث الثالث: القائلون بالتحريف من علماء الشيعة.

المبحث الرابع: القائلون من علماء الشيعة بسلامة القرآن من التحريف.

المبحث الخامس: الحائرون من علماء الشيعة بين القولين.

الفصل الثاني: المقصود من التحريف تحريف الكلمات لا تحريف التأويل

الفصل الثالث: هل للشيعة قرآن آخر غير هذا القرآن؟

المبحث الأول: الكتب الخاصة بالشيعة.

المبحث الثاني: مصحف علي بن أبي طالب.

الفصل الرابع: في ذكر بعض الآيات المحرفة

المبحث الأول: الولاية أساس القول بالتحريف.

المبحث الثاني: لا يعرف تفسير القرآن إلاّ الأئمة.

المبحث الثالث: في ذكر تحريفهم لتأويل القرآن.

الفصل الخامس: لو كان القرآن شيعيا

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثاني

الفصل الأول

أضواء على كتاب فصل الخطاب([34])

قلنا فيما سبق أن وجوب الإعتقاد بالنص الإلهي بإمامة علي بن أبي طالب وكون الإمامة عند الشيعة أصلا من أصول الدين يستوجب الطعن في بعض آيات القرآن الكريم من جهتين:

الأولى: لخلوه من الإشارة الصريحة وحتى غير الصريحة على الإمامة مع كونه قد إشتمل على فروع الدين وتفاصيل الشريعة.

الثانية: لما فيه من مدح للصحابة لاسيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين تحملوا في سبيل نشر هذا الدين مصاعب جمة لا يتحملها إلا الصادقون المخلصون الأوفياء لدينهم، وهذا يتعارض مع كون هؤلاء إغتصبوا الخلافة من صاحبها الشرعي بعدما علموا أن نبيهم الأكرم  قد نصبه خليفة عليهم من بعده.

فإعتقاد الشيعة بتواطؤ الصحابة على إنكار إمامة علي دفعهم إلى الإعتقاد بقيام بعض الصحابة الذين تصدوا لجمع القرآن في مصحف واحد من صدور الرجال ومن الأشياء التي كتب عليها القرآن في عهد النبي  ؛ فأسقطوا منه حروفا وكلمات كما سيأتي بيان ذلك في محله، وذلك ليستقيم لهم الإنكار للوصية الإلهية والنبوية لسيدنا علي ـ حسب زعمهم.

وممن تولى كبره في هذه المسألة الحسين النوري الطبرسي الذي قام بتأليف كتاب سماه بـ ( فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ) وجمع فيه كل شاردة وواردة فيما يخص هذا الموضوع، وما قاله أئمة أهل البيت وأساطين وكبار علماء الشيعة فيه، وما توصل إليه هو بإثبات التحريف عن طريق دلائل من السنة النبوية الشريفة، كما أن جعل القول بنسخ التلاوة وبقاء الحكم عين القول بالتحريف، دون أن يلتفت إلى ما يفضي هذا القول من الطعن في القرآن المسقط لنبوة نبينا محمد  وإنكار رسالته.

فمن هو صاحب هذا كتاب فصل الخطاب وماذا حوى كتابه؟

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

أقوال علماء الشيعة في مؤلف فصل الخطاب

ذكر محمد مهدي الموسوي الأصفهاني الشيعي في كتابه ( أحسن الوديعة ) الذي كتبه تتميما لوضات الجنات للخوانساري تحت ترجمة النوري الطبرسي، وهذا نصه: ( هو الشيخ المحدث الحاج الميرزه حسين النوري المتولد في الثامن عشر من شوال من سنة أربع وخمسين بعد المائتين والألف، والمتوفي في ليلة الأربعاء سابع عشر من شهر جمادي الثانية سنة 1320هـ والمدفون في إيوان حجرة بانو عظمى بنت سلطان الناصر لدين الله، وهو إيوان الحجرة الثالثة القبلية عن يمين الداخل إلى الصحن الشريق المرتضوي من الباب الموسوم بباب القبلة هذا، وله مؤلفات منها ( فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب ) طبع في إيران على الحجر بقطع ( الأمالي ) لشيخنا الطوسي وليته ما ألفه، وقد كتب في رده بعض العلماء رسالة شريفة بيّن فيها ما هو الحق، وشنع على المحدث النوري علماء زمانه، وقد أخبرني بعض الثقات أن المسيحيين ترجموا هذا الكتاب بلغاتهم ونشروها )([35]).

وقال عنه أغا بزرك الطهراني في نقباء البشر: ( الشيخ ميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي بن الميرزا على محمد تقي النوري الطبرسي إمام أئمة الحديث والرجال([36]) في الأعصار المتأخرة ومن أعاظم علماء الشيعة وكبار رجال الإسلام في هذا القرن ... كان الشيخ النوري أحد نماذج السلف الصالح التي ندر وجودها في هذا العصر فقد امتاز بعبقرية فذة وكان آية من آيات الله العجيبة([37])، كمنت فيه مواهب غريبة وملكات شريفة أهلته لأن يعد في الطليعة من علماء الشيعة الذين كرسوا حياتهم طوال أعمارهم لخدمة الدين والمذهب، وحياته صفحة مشرقة من الأعمال الصالحة " ومن تصانيفه : فصل الخطاب في مسألة تحريف الكتاب)([38]).

وقال عنه ( محسن الأمين ) : كان عالما فاضلا محدثاً متبحراً في علمي الحديث والرجال عارفا بالسير والتاريخ منقباً فاحصاً زاهداً عابداً لم تفته صلاة الليل وكان وحيد عصره في الإحاطة والاطلاع على الأخبار والآثار والكتب([39]).

وقال عنه عباس القمي في ترجمته : شيخ الإسلام والمسلمين مروج علوم الأنبياء والمرسلين الثقة الجليل والعالم النبيل المتبحر الخبير والمحدث الناقد البصير ناشر الآثار وجامع شمل الأحبار صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة والعلوم الغزيرة الباهر بالرواية والدراية والرافع لخميس المكارم أعظم رايه وهو أشهر من أن يذكر وفوق ما تحوم حوله العبارة.([40])

فبدلا من أن يُنسب إلى الكفر والزندقة، أو الضلال والجنون، مدحوه مدحا لا يليق إلا بالأنبياء والمرسلين؛ كل ذلك تثمينا لجهوده في الطعن في كتاب رب العالمين المتداول بين ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، والذي صانه الله عز وجل من كل ما يشينه من تحريف بزيادة أو نقصان أو تبديل.

فإنا لله وإنا إليه راجعون.

المبحث الثاني

ملخص كتاب فصل الخطاب

بداية نقول: لما رأى قسم من علماء الشيعة أن هذا الكتاب قد جلب العار والشنار على مذهب الشيعة دافعوا عنه وعن مؤلفه بطرق مختلفة:

فمنهم من إدعى أنه ألف هذا الكتاب لإثبات عدم وقوع التحريف في القرآن.

ومنهم من قال: إنه تراجع عنه في آخر حياته.

ومنهم من قال: إنه جمع فيه الروايات الضعيفة التي ترجع إلى أناس وُصفوا بأنهم: ( ضعيفو الحديث، فاسدو المذهب، مجفوو الرواية).

وفات هؤلاء جميعا أن كاتب الكتاب خبير متبحر في علم الحديث والرجال، وإمام من أئمتهم في هذا الشأن في الأعصار المتأخرة؛ حتى إنهم لقبوه بـ ( خاتمة المحدثين ) وهو صاحب كتاب ( مستدرك الوسائل ) وهو من الكتب الثمانية المعتبرة لدى الشيعة في الحديث.

فكيف يُقال بعد ذلك: أنه ملأ كتبه بأحاديث ضعيفة ينقلها عن ضعفاء كذابين!

ثم إنه لم يعتمد في كتابه على الروايات فقط؛ بل إنه نقل وجمع أقوال أعاظم علماء الشيعة من كتبهم وآرائهم الصريحة في وقوع التحريف والنقص في القرآن الكريم على أيدي أصحاب رسول الله كما يزعمون.

وحان الآن أن نعرف ما هو مضمون هذا الكتاب وماذا حوى من أدلة.

شرح موجز لمضمون كتاب فصل الخطاب:

لقد ضمن المؤلف في أول صفحة من كتابه العبارة التالية: ( هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان، وسميته : فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب ) وجعلت له ثلاث مقدمات وبابين …).

فهذا أول الكلام في هذا الكتاب، فهل يمكن أن يتأول هذا الكلام على عدم إرادة التحريف؟!

وتضمنت المقدمة الأولى على ذكر الأخبار الواردة في كيفية جمع القرآن من قبل الصحابة؛ فطعن الكاتب ـ بعد أن أورد بزعمه أخبارا متناقضة في ذلك ـ ثم خلص في نهاية المقدمة الأولى إلى النتيجة التالية: ( لكي يثبت أن القرآن مشتمل على تمام ما نزل على النبي  لابد من إطراد أمور:

ـ أنه لم يخف عليهم شيئا مما نزل عليه منه.

ـ إن ما كتبه أمير المؤمنين علي  منه من بين الكتاب وهو أكثر الوحي …

وبعد أن أورد ستة إحتمالات قال:

( فهذه أمور ستة لابد من إحراز جميعها بالعلم حتى يمكن وقوع القطع بإشتمال القرآن الموجود على تمام ما نزل عليه قرآنا، ومع عدم ثبوت دليل قطعي على إنتفاء جميع تلك الإحتمالات ولو بالإلتزام كتصريح المعصوم  بإشتماله على تمامه أو إنعقد الإجماع عليه تكون الدعوى فاسدة لكونه في معرض تطرق النقص عادة بإحتمال إخفائه عليهم بعض ما نزل وإختصاصه عليا  ).

قلت: لقد أثبت المؤلف ـ حسب رأيه ـ في هذه المقدمة عدة أمور:

1.     عدم إشتمال القرآن على تمامه.

2.     عدم وجود تصريح من أئمته المعصومين على سلامة القرآن وتمامه.

3.     عدم وجود الإجماع على تمامية القرآن وإشتماله على جميع المنزل من الله تعالى.

4.     إختصاص علي بن أبي طالب بجمع القرآن دون غيره.

وفي المقدمة الثانية: تحدث المؤلف عن أنواع التحريف الممكن وقوعه في القرآن، وخلص إلى القول:

1.     بأن الزيادة في السور أو تبديلها بأخرى مثلها منتفية.

2.     جواز نقصان السورة، كسورة الحفد وسورة الخلع وسورة الولاية.

3.     زيادة الآية أو تبديلهاـ وهما منتفيان بالإجماع.

4.     نقصان الآية: غير متنعة مثاله: { والعصر إن الإنسان لفي خسر } وفيه: إلى آخر الدهر.

5.     زيادة الكلمة: كزيادة { عن } في قوله : { يسألونك عن الأنفال }.

6.  نقصان الكلمة: وهو كثير، كنقصان { ولا محدث } بعد قوله: { وما من نبي ولا رسول } و { صلاة العصر } بعد قوله: { والصلاة الوسطى }.

7.     تبديلها: كتبديل { محمد } بعد قوله تعالى : { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم بآل عمران }.

8.     نقصان الحرف: كنقصان همزة من قوله: { كنتم خير أمة } و { ياء } في قوله تعالى : { يا ليتني كنت ترابا }.

9.     ثم ذكر المؤلف أيضا تبديل الحروف والحركات والسكون وعدم الترتيب بين السور، ومثّل لكل منها.

قلت:

فهل بعد هذا الكلام من دليل على أن المؤلف ما قصد الطعن في القرآن؟!

علما أن الطعن في حرف واحد من القرآن هو مسقط للقرآن كله وبالتالي عدم الإطمئنان إلى صحة كل آية فيه؛ وهذا هو عين ما يريده المشككون في محمد وشريعته.

 

 

المبحث الثالث

القائلون بالتحريف من علماء الشيعة

أما المقدمة الثالثة: فقد ذكر الكاتب فيها آراء وعلماء الشيعة في تغيير القرآن وعدمه فقال:

الأول: وقوع التغيير والنقصان، وهو مذهب كل من:

1.  الشيخ الجليل علي بن إبراهيم القمي([41]) في تفسيره: صرح بذلك في أوله وملأ كتابه من أخباره مع إلتزامه في أوله بأن لا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته.

2.  ومذهب تلميذه ثقة الإسلام ( الكليني ) ـ رحمه الله ـ على ما نسب إليه جماعة لنقله الأخبار الكثيرة الصريحة في هذا المعنى في كتاب الحجة، خصوصا في باب: النكت والنتف من التنزيل، وفي الروضة من غير تعرض لردها أو تأويلها.

3.     محمد بن الحسن الصفار ـ في كتاب البصائر.

4.  وهذا المذهب صريح الثقة محمد بن إبراهيم النعماني، تلميذ الكليني صاحب كتاب ( الغيبة ) المشهور؛ في تفسيره الصغير الذي إقتصر فيه على ذكر أنواع الآيات وأقسامها.

5.     وصريح الثقة الجليل سعد بن عبدالله القمي في كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه.

6.     وصريح السيد علي بن أحمد الكوفي في كتاب ( بدع المحدثة).

7.     وهو أيضاً ظاهر أجلة المفسرين وأئمتهم الشيخ الجليل محمد بن مسعود العياشي.

8.     والشيخ فرات بن إبراهيم الكوفي.

9.  والثقة النقه محمد بن العباس الماهيار. فقد ملأوا ( أي هؤلاء الثلاثة) تفاسيرهم عن الأخبار الصريحة في هذا المعنى.

10.وممن صرح بهذا القول ونصره الشيخ محمد بن محمد النعمان المفيد. حيث قال في كتابه ( أوائل المقالات ) ص98 ما نصه: ( إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد  بإختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان).([42])

11.ثم إنه رحمه الله ( أي الشيخ المفيد ) نسب بعد ذلك القول بالنقصان من نفس الآيات حقيقة، بل زيادة كلمة أو كلمتين مما لا يبلغ حد الإعجاز إلى بني نوبخت رحمهم الله. ثم ذكر منهم شيخ المتكلمين ومقدم النوبختيين أبو سهل إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت.

12.وإبن أخته الشيخ المتكلم الفيلسوف أبو محمد حسن بن موسى.

13.والشيخ الجليل أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت.

14.ومنهم إسحاق الكاتب الذي شاهد الحجة عجل الله فرجه.

15.ورئيس هذه الطائفة، الشيخ الذي ربما قيل بعصمته، أبو القاسم حسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، السفير الثالث بين الشيعة والحجة صلوات الله عليه.

16.وممّن يظهر منه القول بالتحريف العالم الفاضل المتكلم حاجب بن الليث بن السراج.

17.وممن ذهب إلى هذا القول، الشيخ الثقة الجليل الأقدم فضل بن شاذان في مواضع من كتاب الإفصاح.

18.وممن ذهب إليه من القدماء الشيخ الجليل محمد بن الحسن الشيباني.

19.ومنهم الشيخ الثقة أحمد بن محمد بن خالد البرقي.

20.ومنهم والده الثقة محمد بن خالد.

21.ومنهم الشيخ الثقة الذي لم يعثر له زلة في الحديث ـ كما ذكروا ـ علي بن الحسن بن فضال.

22.ومنهم محمد بن الحسن الصيرفي.

23.ومنهم أحمد بن محمد بن سيار.

24.ومنهم الثقة الجليل محمد بن العباس بن علي بن مروان الماهيار المعروف بـ (ابن الحجام).

25.ومنهم أبو طاهر عبدالواحد بن عمر القمي.

26.ومنهم المحقق الداماد في حاشية خطبة كتابه المسمى بـ( القبسات ).

27.والشيخ يحيى، تلميذ الكركي في كتاب ( الإمامة ) في الطعن التاسع على الثالث. أي الخليفة الثالث عثمان بن عفان t .

28.وممن ذهب إليه الجليل محمد بن علي بن شهر آشوب في كتابه ( المناقب ) وكتاب ( المثالب).

29.والشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب ( الإحتجاج )، وقد روى فيه أزيد من عشرة أحاديث صريحة في ذلك.

30.والمولى محمد صالح في مواضع من شرح الكافي، وسيأتي أنه من القائلين بتواتر أخبار التحريف.

31.والفاضل السيد علي خان في شرح الصحيفة.

32.والمولى النراقي، إلا أنه خص التغيير الواقع بما لا يقدح في الإعجاز.

33.وولده صاحب المسند.

34.والأستاذ الأكبر البهبهاني في فوائده.

35.والمحقق القمي. إلا أنهما خصا المحذوف والمتغير بما عدا آيات الأحكام.

36.والشيخ أبي الحسن الشريف جد شيخنا صاحب الجواهر، وجعله في تفسيره المسمى بـ ( مرآة الأنوار ) من ضروريات مذهب التشيع، وأكبر مفاسد غصب الخلافة.

37.والشيخ علي بن محمد المقابي في ( مشرق الأنوار ).

38.وظاهر السيد الجليل علي بن طاووس في ( فلاح السائل ) و ( سعد السعود ).

39.وصريح شيخنا المحقق الأنصاري ـ قدس سره ـ في بحث القراءة من كتاب ( الصلاة ).

40.ومنهم الفاضل قاضي القضاة علي بن عبدالعالي على ما حكى عنه السيد في (شرح الوافية).

41.ومنهم الشيخ المحدث الجليل الشيخ أبو الحسن الشريف في مقدمات تفسيره.

42.ومنهم العلامة المجلسي. قال في ( مرآة العقول ) في شرح باب: أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام، وبخطه على هامش نسخة صحيحة من الكافي عند قول الصادق  : ( القرآن الذي جاء به محمد  سبعة عشر ألف آية ) ما لفظه: ( لا يخفى أن هذا الخبر وكثيرا من الأخبار الصحيحة، صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنىً؛ وطرح جميعها يوجب رفع الإعتماد عن الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة. فكيف بثبوتها بالخبر).

ثم قال: ( وقد إدعى تواتر أخبار التحريف جماعة منهم المولى محمد صالح في شرح الكافي، حيث قال ما ورد في الشرح: ان القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى النبي  سبعة عشر ألف آية، وفي رواية ثمانية عشر ألف آية) ما لفظه: ( وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها).

43.وبعد أن عدد المؤلف هذا العدد الكبير من أساطين الشيعة الذين علهم إعتماد المذهب ممن يقولون بوقوع التحرف في القرآن، أضاف قائلا: ( وهؤلاء أجل من أن يتوهم فيهم سوء العقيدة، أو ضعف في المذهب وفتور في الدين، وعليهم تدور رحى آثار الأئمة الأطهار؛ بل أي محدث لم يشرب من إنائهم، وأي فقيه لم ينزل رحله بفائهم، وأي مفسر غير ذي رأي إستغنى عن إقتطاف جنائهم … ).

ثم خلص إلى القول: ( ومن جميع ذلك ظهر فساد ما ذكره المحقق الكاظمي من إنحصار القائل به في علي بن إبراهيم والكليني، أو المفيد وبعض المتأخرين والله العاصم).

قلت: لا يحتاج هذا الكلام إلى تعليق فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار. ولو إحتاج هذا الكلام بعد هذا إلى دليل بأن القول بالتحريف ليس هو رأي عامة علماء الشيعة، فلا نقول له إلا ما قاله الشاعر:

وليس يصح في الإفهام شيء     إذا احتاج النهار إلى دليل

ثم أن هناك عددا آخر من علماء الشيعة الذين يقولون بالتحريف ذكرهم المؤلف في سياق كلامه في غير هذا الموضع، وآخرون من المتأخرين عنه لم يذكرهم في كتابه. وها أنا سأذكرهم ليعلم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أن القول بوقوع التحريف في القرآن هو قول الشيعة قاطبة، ولم يشذ عن هذا إلا من عصم الله منهم، وقليل ما هم:

44.منهم نعمة الله الجزائري في كتابه ( الأنوار النعمانية ) حيث قال جوابا عن سؤال سئل به: لماذا لم يظهر الإمام علي t القرآن الصحيح حين إستلم الخلافة؟ فأجاب: ( لما جلس أمير المؤمنين  على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من الشنعة على من سبقه)([43]).

45.الفيض الكاشاني في تفسير الصافي. إذ يقول فيه: ( المستفاد من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام، أن القرآن الذي بين أيدينا ليس بتمامه، ومنه ما هو مغير ومحرّف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة منها إسم ( علي ) في كثير من المواضع، ومنها غير ذلك؛ وأنه ليس بالترتيب المرضي عند الله وعند رسوله )([44]).

46.ومنهم أبو الحسن العاملي في ( المقدمة الثانية لتفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار ) وهذا التفسير مقدمة لتفسير البرهان للبحراني.

47.ومنهم سلطان بن محمد بن حيدر الخراساني في تفسير ( بيان السعادة في مقدمات العبادة ).

48.العلامة الحجة عدنان البحراني في ( مشارق الشموس الدرية ).

49.العلامة المحقق الحاج ميرزا حبيب الله الهاشمي الخوئي في ( منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ).

50.الميثم البحراني في ( شرح نهج البلاغة ).

51.المقدس الأردبيلي في ( حديقة الشيعة ).

52.الحاج كريم الكرماني الملقب بـ ( مرشد الأنام ) في ( إرشاد العوام ).

53.المجتهد الهندي السيد دالدار علي الملقب بـ( آية الله في العالمين ) في ( إستقصاء الإفحام ).

54.ملا محمد تقي الكاشاني في ( هداية الطالبين ).

55.عبدالحسين الأميني النجفي الذي قال في كتاب الغدير( 9/388 )، وهو يتحدث عن بيعة المهاجرين والأنصار لأبي بكر الصديق t قال: ( بيعة عمت شؤمها الإسلام وزرعت في قلوبها الآثام … وحرفت القرآن وبدلت الأحكام ). بل وفي ( 1/214-216 ) أورد آية مفتراة بزعمه أنها كانت في القرآن نصها: { اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته فمن لم يأتم به ممن كان من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إن إبليس أخرج آدم من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد فلا تحاسدوا فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم ).

56.ومنهم علي تقي مسلم بن السيد أبي الحسن النقوي اللكنهوي ـ المعاصر ـ المولود سنة ( 1323هـ ) وله كتاب ( تحريف القرآن ) باللغة الأوردية. ذكر هذا صاحب ( الذريعة إلى تصانيف الشيعة ).

57.ومنهم السيد عبدالله بن محمد رضا العلوي الحسني الكاظمي الشهير بـ ( شبر ) حيث قال في تفسيره ( تفسير القرآن الكريم ) في تفسير سورة النساء ما نصه: ( وروي: أسقط المنافقون بين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن).

فإن كان لا يعتقد بنقصان القرآن، فلماذا ضمن تفسيره المختصر هذا، هذا الكلام؟

وكيف إستطاع المنافقون إسقاط هذا الكم الهائل من القرآن مع وجود أهل البيت؟

ولماذا لم يظهر علي بن أبي طالب قرآنه الكامل في زمن حكمه بعد عثمان؟

وأيضا فقد ضمن تفسيره الكثير من روايات الغلو كقوله عند تفسير قوله تعالى : ] قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [[الحجر : 41]. قال: ( صراطُ عليٍّ بالإضافة كما في بعض الأخبار).

كما أنه فسر قوله تعالى: ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ [الحجر : 9] فقال: ( عند أهل الذكر واحدا بعد واحدٍ، إلى القائم، أو في اللوح، وقيل: الضمير للنبي ).

فلم يقل أن الله تعالى هو الذي يحفظ هذا القرآن لإعتقاده بالتحريف الواقع فيه بعد وفاة النبي  على أيدي المنافقين، وهم في نظره ليسوا غير أبي بكر وعمر وعثمان.

أما الذين وثقوا دعاء صنمي قريش الذي يحوي إتهاما واضحا للشيخين بتحريف القرآن لأن فيه ( … وعصيا رسولك وقلبا دينك وحرفا كتابك )، فهم أيضا من الذين يعتقدون بتحريف القرآن، وإن كانوا لم يصرحوا به؛ وهؤلاء هم:

ـ محسن الحكيم.

ـ أبو القاسم الخوئي، وسنرى كيف يتلون هذا الرجل في كلماته.

ـ روح الله الخميني.

ـ الحاج محمود الحسيني الشاهدوري.

ـ الحاج محمد كاظم شريعتمداري.

ـ العلامة الدكتور علي تقي التقوى.

ملاحظة:

الذين عددناهم من الفقرة ( 1-56) هم جميعا ذكرهم الحسين النوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب، ولسنا نحن نتهمهم بالتحريف.

ولو كان من علماء أهل السنة من يقول أو يعتقد بوقوع التحريف في كتاب الله لسارع الحسين النوري الطبرسي بذكر أسمائهم، لأنه جعل نسخ التلاوة وبقاء الحكم من أنواع القول بالتحريف، فكيف لو ظفر بتصريح واحد من علماء أهل السنة بالتحريف!

 

المبحث الرابع

القائلون من علماء الشيعة بسلامة القرآن من التحريف

قال الحسين النوري الطبرسي في المقدمة الثالثة حول آراء علماء الشيعة في وقوع التحريف من عدمه: ( الثاني: عدم وقوع التغيير والنقصان فيه، وأن جميع ما نزل على رسول الله  هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين، وإليه ذهب:

1.     الصدوق في عقائده.

2.     والسيد المرتضى.

3.     وشيخ الطائفة الطوسي في ( التبيان ). ولم يُعرف من القدماء موافق لهم.

4.     والشيخ أبو علي الطبرسي في مجمع البيان.

ثم بدأ النوري الطبرسي يفند معتقد هؤلاء  الأربعة من خلال أقوالهم ونقولاتهم الكثيرة لأخبار التحريف.

وإليك عزيزي القارئ بعض ما قاله بشأن هؤلاء الذين لا يقولون بالتحريف بنصه وحروفه:

قال: ( قلت: قد عد هو ( أي المرتضى ) في الشافي والشيخ في تلخيصه من مطاعن عثمان ومن عظيم ما أقدم عليه: جمع الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وإبطاله ما شك أنه من القرآن، ولو لا جواز كون بعض ما أبطله أو جميعه من القرآن لما كان ذلك طعنا).

وقال أيضا: ( إن ميله ( أي الشيخ الطوسي ) إلى القول بعدم النقصان لعدم وجود دليل صالح على النقصان؛ لا لوجود دليل قاطع على العدم).

وقال أيضا: ( ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين).

ثم خلص إلى القول: ( إن الطوسي معذور ـ أي في إنكاره لتحريف القرآن ـ لقلة تتبعه الناشئ من قلة الكتب عنده).

ومن ثم بدأ الكاتب بسرد ما رواه الصدوق من أخبار التحريف، ليثبت أنه وإن أنكر تحريف القرآن بالقول، إلا أن كثرة ما نقله في كتبه من أخبار التحريف، دليل على إعتقاده بوقوع التحريف في القرآن، فقال ما نصه: ( ومنها ما رواه الصدوق في العقايد وإبن شهر آشوب في المناقب: أن أمير المؤمنين  جمع القرآن فلما جاء به فقال: هذا كتاب ربكم كما أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف، فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا قرآن مثل الذي عندك، فانصرف وهو يقول: ] فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [[آل عمران : 187].

ونقل النوري عن الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال ( عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله  قال: ( من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمد  وأزواجه، ثم قال: سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم، يابن سنان إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من البقرة، ولكن نقصوها وحرفوها).

ونقل عن ( الصدوق في بشارة الشيعة على ما في تفسير البرهان للسيد المحدث التوبلي، ورواه الشيخ شرف الدين النجفي في تأويل الآيات عن الصدوق، أن أبا الحسن الرضا  قرأ الآية: { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه ـ منكم ـ إنس ولا جان }.

فقلت له: ليس فيها ـ منكم .

قال: إن أول من غيرها ـ إبن أروى([45]) ـ وذلك إنها حجة عليه وعلى أصحابه، ولو لم يكن فيها ـ منكم ـ لسقط عقاب الله عز وجل عن خلقه، إذ لم يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، فلمن يعافب الله إذا يوم القيامة!).

ونقل عن ( الشيخ الطوسي في المصباح في دعاء قنوت الوتر: اللهم ألعن الرؤساء والقادة والأتباع من الأولين والآخرين الذين صدّوا عن سبيلك، اللهم أنزل بهم بأسك ونقمتك فإنهم ندبوا على رسولك وبّلوا نعمتك، وأفسدوا عبادك، وحرفوا كتابك، وغيروا سنة نبيك … الدعاء ).

ونقل أيضا عن ( الصدوق في الخصال عن جابر عن النبي  قال: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف والمسجد والعترة، يقول المصحف: يا رب حرفوني ومزقوني … ).ونقل النوري أيضا ما قاله المحقق النحرير الشيخ أسد الله الكاظمي في كشف القناع في جملة كلام له: ( وبالجملة فأمر الصدوق مضطرب جدا ولا يحصلا من فتواه غالبا علم ولا ظن كما يحصل من فتاوى أساطين المتأخرين، وكذلك الحال في تصحيحه وترجيحه ).

وأترك التعليق للقارئ الكريم، بما يفهمه من قول النوري.

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الخامس

الحائرون من علماء الشيعة بين القول بالتحريف وعدمه

قلت: وهناك قسم ثالث من علماء الشيعة ـ لم يتطرق النوري الطبرسي لذكرهم ـ وهم من المتأخرين عنه، وهم الذين دافعوا عن سلامة هذا القرآن من التحريف، ولكنهم وقفوا حائرين أمام الكم الهائل من روايات التحريف الموجودة في التراث الشيعي والتي يقول عنها النوري الطبرسي في فصل الخطاب: إنها بلغت أكثر من ألفي رواية([46]).

وجود هذا الكم الهائل ليس من السهولة تجاهلها، فهم حائرون في الجمع بين سلامة القرآن وبين هذه الروايات، لاسيما أن بعضها ليس فيها مطعن من جهة السند، لذلك فقد حار هؤلاء ووقعوا في تناقضات كثيرة.

فهم بين أمرين أحلاهما مر، بين القول بتحريف القرآن بما يحمله من العار في الدنيا والنار يوم القيامة، وبين كثرة الروايات، إذ الطعن فيها طعن يستوجب الطعن في أخبار الإمامية من الأساس.

ومن أمثلة هؤلاء الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطا حيث قال: ( فلابد من تنزيل تلك الأخبار، إما على النقص من الكلمات المخلوقة قبل النزول إلى السماء الدنيا، أو بعد النزول إليها قبل النزول إلى الأرض، أو على نقص المعنى في تفسيره. والذي يقوي نظر القاصر التنزيل على أن النقص بعد النزول إلى الأرض فيكون القرآن قسمين: قسم قرأه النبي  على الناس وكتبوه بينهم وقام به الإعجاز؛ وقسم أخفاه ولم يظهر عليه سوى أمير المؤمنين  ثم منه إلى باقي الأئمة الطاهرين، وهو الآن محفوظ عند صاحب الزمان جعلت فداه)([47]).

قلت: قليلا من التمعن في هذا الكلام يظهر لك العجائب:

ـ فما معنى نقص القرآن قبل النزول إلى السماء الدنيا؟

ـ ومن الذي أخبر أن هذا القرآن قبل نزوله كان مشتملا على كذا وكذا؟

ـ وما معنى أن يكتم النبي شيئا من القرآن أو التنزيل؟

ـ ثم ما معنى أن يكون الباقي محفوظا عند صاحب الزمان، وهو لن يخرج ـ على فرض وجوده ـ إلا في الأيام الأخيرة من عمر الدنيا، فما فائدته بالنسبة لنا ولمن قبلنا؟

فالشيخ آل كاشف الغطا بقي أسير الروايات، لا يستطيع أن ينفيها لكثرتها، ولا يستطيع أن يقول بأن القرآن الذي بين أيدينا محرف، وهذا إسقاط لدينه الذي يدين الله تعالى به، فتخبط ولم يوفق في التعبير والتوفيق بين المتناقضين.

وكذلك فعل شيخهم الخوئي، فإنه هو الآخر أراد أن يدافع عن شيعته ويدفع عنهم شناعة القول بتحريف القرآن، فقال: ( إن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلا من ضعف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه يجب القول به. والحب يعمي ويصم، وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته )([48]).

إلا أنه لم يستطع أن ينفي هذا الكم الهائل من الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت في مصادر الشيعة، فألقى القول بالتحريف على أهل البيت، ولكنه عاد ليجد له تفسيرا لعله يحل الإشكال، ولكنه لم يُوَفّق: ( إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين عليهم السلام ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر فلا حاجة بنا إلى التكلم في سند كل رواية بخصوصها)([49]).

فهو الآخر كما ترى لم يحالفه الحظ في التوفيق بين نفي القول بتحريف القرآن عن طائفته، وبين كثرة الروايات الصادرة عن أئمة أهل البيت في هذا الشأن، فاعترف أن بعض الروايات قد جاءت بطريق وسند معتبر لا مطعن فيها، وقطع بصدور بعضها من الأئمة.

ثم عاد ليثبت وجود مصحف لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب يغاير هذا المصحف في ترتيب السور، وإشتماله على زيادات أسقطت منه.

ثم عاد مرة أخرى وعلى غرار ما فعله سلفه النوري الطبرسي، ليلقي بتهمة التحريف على أهل السنة، واعتبر قولهم بنسخ التلاوة وبقاء الحكم نوعا من أنواع التحريف.

ولنا عودة على كلام الخوئي في مكان آخر من هذا البحث فإنه فصل القول في التحريف وأطال الكلام فيه في تفسير البيان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

المقصود من التحريف تحريف الكلمات لا تحريف التأويل

عندما رأى بعض علماء الشيعة خطورة القول بوقوع التحريف في كتاب الله تعالى وخطورة نتائجه على الدين والشريعة الإسلامية، لاسيما أمام أعداء الدين من اليهود والنصارى والمستشرقين الذين حاولوا وما زالوا يحاولون التشكيك في سلامة القرآن الكريم من التحريف لكونه المصدر الوحيد الذي حفظ الله تعالى به دين الإسلام على مر الأزمان والعصور، فهو المنهج والمعجزة الأبدية التي عجز البلغاء مجاراته وتحدى الله تعالى عالمي إنسه وجنه على أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وخابوا، قال تعالى: ] قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [[الإسراء : 88]. فعند ذلك أرادوا التخلص من سلطان الروايات الكثيرة، فمالوا إلى القول بأن المراد من التحريف في الروايات هو تحريف المعنى لا تحريف الكلمات توفيقا بين نفي التحريف عقلا وورودها في روايات كثيرة في التراث الشيعي.

إلا أن شيخهم النوري الطبرسي أعنانا عن التكلف في الرد على من يدعي أن المراد بأخبار التحريف الوارد عن الأئمة والعلماء هو تحريف المعنى لا النص، فقال ما نصه:

( أولاً: أنه خلاف ظاهر لفظ التحريف والتبديل. ثانياً: إنه غير قابل للضبط لكثرته وإختلافه بإختلاف الآراء والأفهام، والأخبار الموضوعة والأهواء المشتتة، فلا يكاد يدخل تحت حد قابل لضبطه، بل في الحقيقة هو محتاج لتفسير تمام القرآن، إذ ما من آية إلا وقد خالف بعضهم مدلولها كما أشار إليه بعض المحققين مع أنه قد ذكر لبعض مصنفي تلك الكتب كتاب التفسير أيضا. وثالثا: إنه قد وصل إلينا منها كتاب السياري وهو مقصور على ذكر المواضع المغيرة منه بأنحاء التغيير الجائز فيه خصوصا نقصان الكلمة والكلمتين؛ فيعلم منه حال باقيه، وليس فيه ما يوهم الحمل المذكور).

رابعا: قال وهو يرد على قول المفيد: ( وقد يسمى تأويل القرآن قرآنا؛ قال الله تعالى: ]  وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [[طه : 114]. فسمى تأويل القرآن قرآنا، وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير إختلاف).

 قال الطبرسي: ( وهذا الكلام بمكان من الوهن، أما أولاً: فلأن مجرد إستعمال لفظ القرآن في مورد في تأويل ما نزل إعجازا لا يصح حمل لفظه فيما ورد في سقوط بعض ما فيه، وإلا لم يبق لأصالة الحقيقة مورد يمكن إجرائها فيه، إذ ما من لفظ إلا وقد أستعمل في معنى مجازي له في مورد أو أزيد مع أنه لا رابط في المقام بين الموردين ولا جامع قريب لهما حتى يصير سببا للشك في حمله على معنى حقيقي فضلا عن صرفه عنه. وأما ثانياً: فلأن في الآية وجهين آخرين كليهما أظهر مما ذكره: الأول: على ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره: قال ( كان رسول الله  إذا أنزل عليه القرآن بادر بقراءته قبل تمام نزول الآية والمعنى؛ فأنزل الله عز وجل: ]  وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ … [ أي يفرغ من قراءته … .

وأما ثالثا: فلأن ما ذكره من التفسير خروج عن ظاهر الآية من غير قرينة تصرفها عنه من خبر معتبر، أو إجماع، أو عقل قطعي. وكلها منتفية، وإن نسبه إلى المفسرين؛ إذ لم أجد له قائلا فضلا من إطباقهم.

وأما رابعا: فبعد لزوم ما ذكره بعد تسليم صحته إستعمال لفظ القرآن في تأويله، وإنما هو تصرف في متعلق التعجيل وتعيين لبعض وجوهه، فإن التعجيل بالقرآن يحصل تارة بتعجيل قراءته في نفسه، وأخرى بتعجيل في تأديته إلى غيره … ) أهـ.

خامساً: بعد أن أورد أخبارا كثيرة معتبرة صريحة ـ حسب زعمه ـ في وقوع السقط ودخول النقصان في الموجود من القرآن، قال: ( لابد لنا من حمل التحريف في تلك الأخبار على التحريف اللفظي والتغيير الصوري، لا التحريف المعنوي لقرائن كثيرة:

ـ منها أن الفاء المذكورة في تلك الأخبار من السقط والمحو وغيرها صريحة في المطلوب، فتكون قرينة لحمل التحريف عليه أيضا لوحدة سياق تلك الأخبار مع ما ورد من أخبارهم يفسر بعضها بعضا([50]).

ـ منها: ذكره مع بعض الألفاظ المذكورة، كقوله  : ( لعن الله من أسقطه وبدله وحرفه )، وقوله: ( حرفوه وبدلوه ) وقوعه بيانا له كقوله: ( مُحي من كتاب الله ألف حرف وحرف بألف درهم )، ويظهر منه حال غيره بالتقريب.

ـ ومنها: تمثيله  للآيات المحرفة بما غيرت صورتها وحذف حرف أو كلمة منها، كما في خبر النعماني والشيباني.

ـ منها: إنّا لم نعثر على التحريف المعنوي الذي فعله الخلفاء الذين نسب إليهم التحريف في تلك الأخبار في آية أو أكثر وتفسيرهم لها بغير ما أراد الله تعالى منها. ولو وجد ذلك لكان في غاية القلة، وإنما شاع التحريف المعنوي والتفسير بالرأي والأهواء في الطبقات المتأخرة عنهم من المفسرين الذين عاصروا الأئمة عليهم السلام، كقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل … .

ـ منها: قلة إطلاق التحريف على تغيير المعنى في مقام بيانه مع ذكره بغيره من الألفاظ، كالنهي عنه في أخبار كثيرة … .

ـ منها: ما مرّ من تشبيه تحريف المنافقين بتحريف اليهود والنصارى. ومرّ أن تحريفهم كان تحريفا لفظيا كما هو صريح القرآن في مواضع كثيرة، إلى غير ذلك من القرائن التي يجدها المتأمل المنصف).

إنتهى كلام النوري الطبرسي في الرد على من يقول أن المراد بالتحريف هو تحريف المعنى لا تحريف اللفظ.

قلت: ولا مزيد على هذا الكلام.

 

 

 

الفصل الثالث

هل للشيعة قرآن آخر غير هذا القرآن؟

نحن إذا قلنا أن الشيعة تقول بعدم سلامة القرآن من التحريف، فهل لهم قرآن غير هذا؟ وإذا كان لهم قرآن آخر، فلماذا نراهم يقرأون هذا القرآن؟ وهل لهم كتب أخرى غير السنة النبوية الشريفة؟

الإجابة على هذه التساؤلات تتكون من مبحثين:

المبحث الأول

الكتب الخاصة بالشيعة

وردت روايات في كتب الشيعة ككتاب الكافي أن لديهم كتب مثل: مصحف فاطمة، وكتاب الجفر، والجامعة.

فقد جاء في كتاب الحجة من أصول الكافي روايات صححها علماء الشيعة، نذكر منها:

بَابٌ فِيهِ ذِكْرُ الصَّحِيفَةِ وَالْجَفْرِ وَالْجَامِعَةِ وَمُصْحَفِ فَاطِمَةَ عليها السلام:

1-  عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَجَّالِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ هَاهُنَا أَحَدٌ يَسْمَعُ كَلَامِي قَالَ فَرَفَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ  سِتْراً بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتٍ آخَرَ فَاطَّلَعَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ شِيعَتَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  عَلَّمَ عَلِيّاً  بَاباً يُفْتَحُ لَهُ مِنْهُ أَلْفُ بَابٍ قَالَ فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيّاً  أَلْفَ بَابٍ يُفْتَحُ مِنْ كُلِّ بَابٍ أَلْفُ بَابٍ قَالَ قُلْتُ هَذَا وَاللَّهِ الْعِلْمُ قَالَ فَنَكَتَ سَاعَةً فِي الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَمَا هُوَ بِذَاكَ قَالَ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ وَإِنَّ عِنْدَنَا الْجَامِعَةَ وَمَا يُدْرِيهِمْ مَا الْجَامِعَةُ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا الْجَامِعَةُ قَالَ صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِ رَسُولِ اللَّهِ  وَإِمْلَائِهِ مِنْ فَلْقِ فِيهِ وَخَطِّ عَلِيٍّ بِيَمِينِهِ فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَكُلُّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ حَتَّى الْأَرْشُ فِي الْخَدْشِ([51]) وَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَيَّ فَقَالَ تَأْذَنُ لِي يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّمَا أَنَا لَكَ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ قَالَ فَغَمَزَنِي بِيَدِهِ وَقَالَ حَتَّى أَرْشُ هَذَا كَأَنَّهُ مُغْضَبٌ قَالَ قُلْتُ هَذَا وَاللَّهِ الْعِلْمُ قَالَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَ لَيْسَ بِذَاكَ ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ وَإِنَّ عِنْدَنَا الْجَفْرَ وَمَا يُدْرِيهِمْ مَا الْجَفْرُ قَالَ قُلْتُ وَمَا الْجَفْرُ قَالَ وِعَاءٌ مِنْ أَدَمٍ فِيهِ عِلْمُ النَّبِيِّينَ وَالْوَصِيِّينَ وَعِلْمُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ مَضَوْا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ قُلْتُ إِنَّ هَذَا هُوَ الْعِلْمُ قَالَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَلَيْسَ بِذَاكَ ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ وَإِنَّ عِنْدَنَا لَمُصْحَفَ فَاطِمَةَ  وَمَا يُدْرِيهِمْ مَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ  قَالَ قُلْتُ وَمَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ  قَالَ مُصْحَفٌ فِيهِ مِثْلُ قُرْآنِكُمْ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَاللَّهِ مَا فِيهِ مِنْ قُرْآنِكُمْ حَرْفٌ وَاحِدٌ قَالَ قُلْتُ هَذَا وَاللَّهِ الْعِلْمُ قَالَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَمَا هُوَ بِذَاكَ ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ إِنَّ عِنْدَنَا عِلْمَ مَا كَانَ وَعِلْمَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا وَاللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ قَالَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَ لَيْسَ بِذَاكَ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَأَيُّ شَيْءٍ الْعِلْمُ قَالَ مَا يَحْدُثُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِ الْأَمْرِ وَالشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

2-  عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  يَقُولُ تَظْهَرُ الزَّنَادِقَةُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَذَلِكَ أَنِّي نَظَرْتُ فِي مُصْحَفِ فَاطِمَةَ  قَالَ قُلْتُ وَمَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَبَضَ نَبِيَّهُ  دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ  مِنْ وَفَاتِهِ مِنَ الْحُزْنِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكاً يُسَلِّي غَمَّهَا وَيُحَدِّثُهَا فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ  فَقَالَ إِذَا أَحْسَسْتِ بِذَلِكِ وَسَمِعْتِ الصَّوْتَ قُولِي لِي فَأَعْلَمَتْهُ بِذَلِكَ فَجَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ  يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ حَتَّى أَثْبَتَ مِنْ ذَلِكَ مُصْحَفاً قَالَ ثُمَّ قَالَ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامِ وَلَكِنْ فِيهِ عِلْمُ مَا يَكُونُ.

3-  عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  يَقُولُ إِنَّ عِنْدِي الْجَفْرَ الْأَبْيَضَ قَالَ قُلْتُ فَأَيُّ شَيْءٍ فِيهِ قَالَ زَبُورُ دَاوُدَ وَتَوْرَاةُ مُوسَى وَإِنْجِيلُ عِيسَى وَصُحُفُ إِبْرَاهِيمَ  وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَمُصْحَفُ فَاطِمَةَ مَا أَزْعُمُ أَنَّ فِيهِ قُرْآناً وَفِيهِ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْنَا وَلَا نَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ حَتَّى فِيهِ الْجَلْدَةُ وَنِصْفُ الْجَلْدَةِ وَرُبُعُ الْجَلْدَةِ وَأَرْشُ الْخَدْشِ وَعِنْدِي الْجَفْرَ الْأَحْمَرَ قَالَ قُلْتُ وَأَيُّ شَيْءٍ فِي الْجَفْرِ الْأَحْمَرِ قَالَ السِّلَاحُ وَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُفْتَحُ لِلدَّمِ يَفْتَحُهُ صَاحِبُ السَّيْفِ لِلْقَتْلِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ أَصْلَحَكَ اللَّهُ أَيَعْرِفُ هَذَا بَنُو الْحَسَنِ فَقَالَ إِي وَاللَّهِ كَمَا يَعْرِفُونَ اللَّيْلَ أَنَّهُ لَيْلٌ وَالنَّهَارَ أَنَّهُ نَهَارٌ وَلَكِنَّهُمْ يَحْمِلُهُمُ الْحَسَدُ وَطَلَبُ الدُّنْيَا عَلَى الْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ وَلَوْ طَلَبُوا الْحَقَّ بِالْحَقِّ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ .

4-  عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ  إِنَّ فِي الْجَفْرِ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ لَمَا يَسُوؤُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ فِيهِ فَلْيُخْرِجُوا قَضَايَا عَلِيٍّ وَفَرَائِضَهُ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ وَسَلُوهُمْ عَنِ الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَلْيُخْرِجُوا مُصْحَفَ فَاطِمَةَ  فَإِنَّ فِيهِ وَصِيَّةَ فَاطِمَةَ  وَمَعَهُ سِلَاحُ رَسُولِ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

5-  مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْجَفْرِ فَقَالَ هُوَ جِلْدُ ثَوْرٍ مَمْلُوءٌ عِلْماً قَالَ لَهُ فَالْجَامِعَةُ قَالَ تِلْكَ صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فِي عَرْضِ الْأَدِيمِ مِثْلُ فَخِذِ الْفَالِجِ فِيهَا كُلُّ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ قَضِيَّةٍ إِلَّا وَهِيَ فِيهَا حَتَّى أَرْشُ الْخَدْشِ قَالَ فَمُصْحَفُ فَاطِمَةَ  قَالَ فَسَكَتَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ إِنَّكُمْ لَتَبْحَثُونَ عَمَّا تُرِيدُونَ وَعَمَّا لَا تُرِيدُونَ إِنَّ فَاطِمَةَ مَكَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  خَمْسَةً وَسَبْعِينَ يَوْماً وَكَانَ دَخَلَهَا حُزْنٌ شَدِيدٌ عَلَى أَبِيهَا وَكَانَ جَبْرَئِيلُ  يَأْتِيهَا فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا وَ يُطَيِّبُ نَفْسَهَا وَيُخْبِرُهَا عَنْ أَبِيهَا وَمَكَانِهِ وَيُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا وَكَانَ عَلِيٌّ  يَكْتُبُ ذَلِكَ فَهَذَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ

6-  عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ كَرِبٍ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  يَقُولُ إِنَّ عِنْدَنَا مَا لَا نَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى النَّاسِ وَإِنَّ النَّاسَ لَيَحْتَاجُونَ إِلَيْنَا وَإِنَّ عِنْدَنَا كِتَاباً إِمْلَاءُ رَسُولِ اللَّهِ  وَخَطُّ عَلِيٍّ  صَحِيفَةً فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَّا بِالْأَمْرِ فَنَعْرِفُ إِذَا أَخَذْتُمْ بِهِ وَنَعْرِفُ إِذَا تَرَكْتُمُوهُ.

7-    عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ وَبُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَزُرَارَةَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَعْيَنَ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ  إِنَّ الزَّيْدِيَّةَ وَالْمُعْتَزِلَةَ قَدْ أَطَافُوا بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَهَلْ لَهُ سُلْطَانٌ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنَّ عِنْدِي لَكِتَابَيْنِ فِيهِمَا تَسْمِيَةُ كُلِّ نَبِيٍّ وَكُلِّ مَلِكٍ يَمْلِكُ الْأَرْضَ لَا وَاللَّهِ مَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

8-  مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ سُكَّرَةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  فَقَالَ يَا فُضَيْلُ أَتَدْرِي فِي أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُ أَنْظُرُ قُبَيْلُ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ كُنْتُ أَنْظُرُ فِي كِتَابِ فَاطِمَةَ  لَيْسَ مِنْ مَلِكٍ يَمْلِكُ الْأَرْضَ إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَمَا وَجَدْتُ لِوُلْدِ الْحَسَنِ فِيهِ شَيْئاً.([52])

وإذا حق لنا اليوم أن نتساءل عن مصير هذه الكتب القيمة التي فيها من كل العلوم التي يحتاجها المسلمون، لماذا لم يحافظ عليها الأئمة ولم يُظهروها للناس، لاسيما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي حكم المسلمين ما يقارب الأربع سنوات؛ فإنها فترة زمنية كافية لنشر هذه العلوم وبثها بين الناس لكي يتناقلها الناس فيما بينهم جيلا بعد جيل.

ورغم إني لا أصدق أن رواية واحدة في تحريف القرآن قد صدرت عن أئمة أهل البيت، وأن الروايات الموجودة في كتب الشيعة هي من دس الكذابين والوضاعين الذين إنتحلوا حب أهل البيت لينخروا الأمة الإسلامية من داخلها؛ إلا أن الناقد يستطيع أن يقول:

لماذا نقلت عنهم هذا الكم الهائل من الأحاديث في تحريف القرآن، ولم ينقل عنهم حرف واحد مما في هذه الكتب؟

لماذا لم يستطع أهل البيت وأتباعهم أن يحافظوا على هذه الكتب المقدسة التي ورثوها عن رسول الله  من الضياع؟

فهم إذن ليسوا بأهل لحفظ كتاب الله ولا سنة رسوله  . وحاشا لله تعالى أن يكلف في حفظ دينه وشريعة خاتم أنبيائه مَنْ يعجز عن أداء مهمته، أو يسلبه القدرة على ذلك!

ونحن بدورنا نبرئ أئمة أهل البيت من هذه الكتب التي فيها من الكفريات ـ حسب ما في هذه الروايات ـ ما لا يعلمه إلا الله تعالى. ولو وُجدت لكانوا أهلا لحفظها وإيصالها إلى المسلمين، فدينهم أعز من أنفسهم وبنيهم وأهليهم وأموالهم.

 

المبحث الثاني

مصحف علي بن أبي طالب

يقول أبو القاسم الخوئي: ( إن وجود مصحف لأمير المؤمنين - عليه السلام - يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور مما لا ينبغي الشك فيه، وتسالم العلماء الأعلام على وجوده أغنانا عن التكلف لإثباته، كما أن اشتمال قرآنه - عليه السلام - على زيادات ليست في القرآن الموجود، وإن كان صحيحا إلا أنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن، وقد أسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيرا بعنوان التأويل، وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله شرحا للمراد)([53]).

وقال المجلسي: ( قال شيخنا السديد المفيد روح الله روحه في جواب المسائل السروية أن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله وتنزيله، وليس فيه شيء من كلام البشر وهو جمهور المنزل، والباقي مما أنزله الله تعالى قرآنا عند المستحفظ للشريعة المستودع للأحكام، لم يضع منه شيء، وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع، الأسباب دعته إلى ذلك، منها قصوره عن معرفة بعضه، ومنها ما شك فيه، ومنها ما عمد بنفيه، ومنها ما تعمد إخراجه عنه، وقد جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن المنزل من أوله إلى آخره وألفه بحسب ما وجب من تأليفه، فقدم المكي على المدني والمنسوخ على الناسخ ووضع كل شيء منه في موضعه، فلذلك قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: أما والله لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين كما سمي من كان قبلنا، وساق الكلام إلى أن قال: غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا عليهم السلام أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين وأن لا نتعداه إلى زيادة فيه ولا نقصان منه حتى يقوم القائم عليه السلام، فيقرأ الناس القرآن على ما أنزل الله وجمعه أمير المؤمنين عليه السلام، وإنما نهونا عن قراءة ما وردت به الأخبار من أحرف تزيد على الثابت في المصحف، لأنها لم تأت على التواتر، وإنما جاءت بها الآحاد، والواحد قد يغلط فيما ينقله، ولأنه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين- الدفتين غرر بنفسه من أهل الخلاف وأغرى به الجبارين وعرض نفسه للهلاك فمنعونا عليهم السلام عن قراءة القرآن بخلاف ما ثبت بين الدفتين لما ذكرناه، انتهى)([54]).

وفي الكافي عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا، اقرؤوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم([55]).

وفيه أيضا: عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبدالله عليه السلام وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبدالله عليه السلام: كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم عليه السلام قرأ كتاب الله عز وجل على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله [الله] على محمد صلى الله عليه وآله وقد جمعته من اللوحين فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه)([56]).

قلت: هذه الروايات مشتملة على جملة من الأغلاط:

1-  إذا كان مصحف علي يختلف عن المصحف الذي جمعه عثمان، في ترتيب سوَره أو ترتيب آياته، فلماذا لم يخرجه إلى الناس في خلافته، فدين الله وكتابه أعز من كل شيء.

2-  وإذا قلتم إن مصحف علي كان يشتمل على القرآن الصحيح مع تفاسير الآيات فقط، فلماذا لم يأخذ الصحابة بنص الآيات منه دون التفسير، ولماذا نرى الشيعة يختلفون في تفسير القرآن إلى أكثر من أربعة أو خمسة أراء في الآية الواحدة؟

3-    وأيضا فإن كان لا يختلف عن هذا المصحف، فما فائدة وجوده عند الإمام الغائب؟

4-  وما معنى قول الإمام لأصحابه، وقد أخبروه بإختلاف قراءة الناس عن قراءتهم: كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم عليه السلام قرأ كتاب الله عز وجل على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي u؟

5-  وأخيرا فإن في هذه الروايات القول بوجود قرآن غير هذا القرآن عند الإمام الغائب، وأنه يختلف عن هذا القرآن الموجود بين أيدي الناس وهو قول بالتحريف ضمنا، وأن الإلتزام بقراءة الناس ما هو إلا للحفاظ على أنفسهم من التعرض للهلاك.  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

في ذكر بعض الآيات المحرفة

المبحث الأول: الولاية أساس القول بالتحريف.

قلنا فيما مضى أن سبب القول بتحريف القرآن عند الشيعة يرجع إلى أمر واحد فقط لا غير، ألا وهو الولاية، أو الإمامة الإلهية لسيدنا علي وأحد عشر من أولاده من بعده.

فإعتبار الإمامة أصلا من أصول الدين، وخلو القرآن من الإشارة الصريحة إليها، أمر لا يمكن قبوله مع إشارة القرآن إلى قضايا فقهية كثيرة. لذلك إتجه أنظارهم إلى القرآن ليقولوا أن الإمامة كانت مذكورة في القرآن، إلاّ أن المتصدين لجمعه وترتيبه بعد وفاة النبي  حرفوه وغيروه.

ومن خلال إستقراء الآيات التي قالوا بتحريفها من قبل الصحابة نرى أن أغلبها تتعلق بالولاية. وفيما يلي سنذكر بعضا منها:

1.  سورة الولاية: يعتقد بعض علماء الشيعة أن هذه السورة مما نزل من القرآن على النبي  إلا أن الصحابة لم يثبتوها في القرآن لأنها نص في ولاية علي ـ كما يزعمون ـ فقد ذكر مؤلف كتاب ( دبستان مذاهب ) السيد محسن فاني الكشميري بعد أن ذكر أن من عقائد الشيعة أن عثمان بن عفان عندما قام بإحراق المصاحف أتلف السور التي كانت تسمى بـ ( سورة الولاية ) أو ( سورة النورين ) وهذا نصها: ( بسم الله الرحمن الرحيم  يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم الدين. نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم إن الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات لهم جنات النعيم والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي الرسول أولئك يسقون من حميم إن الله الذي نور السموات والأرض بما شاء واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلقه يفعل الله ما يشاء لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. قد مكر الذين من قبلهم برسلهم فأخذناهم بمكرهم إن أخذي شديد أليم. إن الله قد أهلك عاداً وثمودا بما كسبوا وجعلهم لكم تذكرة أفلا تتقون. وفرعون بما طغى على موسى وأخيه هارون وأغرقناه ومن تبعه أجمعين ليكون لكم آية وإن أكثركم فاسقون. إن الله يجمعهم في يوم الحشر فلا يستطيعون الجواب حين يسألون. إن الجحيم مأواهم وإن الله عليم حكيم يا أيها الرسول بلغ إنذاري فسوف يعلمون. قد خسر الذين كانوا عن آياتي وحكمي معرضون مثل الذين يوفون بعهدك إني جزيتهم جنات النعيم. إن الله لذو مغفرة وأجر عظيم وإن علياً من المتقين وإنا لنوفيه حقه يوم الدين ما نحن عن ظلمه بغافلين وكرمناه على أهلك أجمعين فإنه وذريته لصابرون وأن عدوهم إمام المجرمين. قل للذين كفروا بعد ما آمنوا طلبتم زينة الحياة الدنيا واستعجلتم بها ونسيتم ما وعدكم الله ورسوله ونقضتم العهود من بعد توكيدها وقد ضربنا لكم الأمثال لعلكم تهتدون. يا أيها الرسول قد أنزلنا إليك آيات بينات فيها من يتوفاه مؤمناً ومن يتولاه من بعدك يظهرون فأعرض عنهم إنهم معرضون. إنا لهم محضرون في يوم لا يغني عنهم شيء ولا هم يرحمون إن لهم جهنم مقاماً عنه لا يعدلون فسبح باسم ربك وكن من الساجدين ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا فصبر جميل فجعلنا منهم القردة والخنازير ولعناهم إلى يوم يبعثون فاصبر فسوف يبصرون ولقد آتينا لك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين وجعلنا لك منهم وصياً لعلهم يرجعون ومن يتول عن أمري فإني مرجعه فليتمتعوا بكفرهم قليلاً فلا تسأل عن الناكثين يا أيها الرسول قد جعلنا لك في أعناق الذين آمنوا عهداً فخذه وكن من الشاكرين إن علياً قانتاً بالليل ساجداً يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربه قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون سنجعل الأغلال في أعناقهم وهم على أعمالهم يندمون إنا بشرناك بذريته الصالحين وإنهم لأمرنا لا يخلفون فعليهم مني صلوات ورحمة أحياء وأمواتاً يوم يبعثون وعلى الذين يبغون عليهم من بعدك غضبي إنهم قوم سوء خاسرين وعلى الذين سلكوا مسلكهم مني رحمة وهم في الغرفات آمنون والحمد لله رب العالمين). أهـ نقلا عن فصل الخطاب.

2.  ثم أورد صاحب فصل الخطاب بعد ذلك ما رواه الكليني عن أبي الحسن  قال: ( ولاية علي  مكتوب في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث رسولا إلا بنبوة محمد ووصيه صلى الله عليهما).

قلت: وعلى هذا جرى إعتقاد القوم أنه لابد أن يكون إسم علي  قد ورد صريحا في القرآن إلا إن الظالمين ـ بزعمهم ـ هم الذين أسقطوا إسمه وبدلوا وغيروا؛ إذ لا يعقل أن يكون إسمه مذكورا في جميع صحف الأنبياء ولا يكون مذكورا في القرآن.

3.  الكافي: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ مُنَخَّلٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  قَالَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ  بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ  هَكَذَا بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِي عَلِيٍّ بَغْياً.

4.     الكافي: وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ مُنَخَّلٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ ع بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ هَكَذَا وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فِي عَلِيٍّ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.

5.  الكافي: وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ مُنَخَّلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  قَالَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ  عَلَى مُحَمَّدٍ  بِهَذِهِ الْآيَةِ هَكَذَا يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا فِي عَلِيٍّ نُوراً مُبِيناً.

6.  الكافي: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي طَالِبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ بَكَّارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ فِي عَلِيٍّ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ([57]).

7.  الكافي: أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  قَالَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ  بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ  هَكَذَا فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ([58]).

8.  الكافي: وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  قَالَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ  بِهَذِهِ الْآيَةِ هَكَذَا إِنَّ الَّذِينَ... ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ثُمَّ قَالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فِي وَلَايَةِ عَلِيٍّ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.

9.  الكافي: أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ عَنْ بَكَّارٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  قَالَ هَكَذَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ فِي عَلِيٍّ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ.

10.        الكافي : أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَيَّاحٍ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ قَالَ قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَقَالَ لَيْسَ هَكَذَا هِيَ إِنَّمَا هِيَ وَالْمَأْمُونُونَ فَنَحْنُ الْمَأْمُونُونَ.

11.الكافي : أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  قَالَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَكَذَا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ إِلَّا كُفُوراً قَالَ وَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ  بِهَذِهِ الْآيَةِ هَكَذَا وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فِي وَلَايَةِ عَلِيٍّ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ آلَ مُحَمَّدٍ ناراً.([59])

قلت: وإستقصاء هذه الآيات يطول، وقد أورد النوري الطبرسي حوالي( 1062 ) رواية كلها أو أغلبها في الولاية. فتذكر هذا فإنه مهم لإننا سنجري فيما بعد مقارنة في الهدف من القول بالتحريف بين أهل السنة والشيعة، لنرى الدافع لكل طرف منهما إلى القول بالتحريف.

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

لا يعرف تفسير القرآن إلاّ الأئمة

لقد تمادى الشيعة في هذا الأمر حتى جعلوا كلام الله تعالى لا يفهمه العرب غير أئمتهم، ونسوا أن الله تعالى أنزل كتابا ليكون حجة على خلقه، والحجة إن لم يفهمها المخاطب بها فلا حجة فيها.

نسوا أن الله تعالى قال: ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [[إبراهيم : 4].

ونسوا قوله تعالى: ] وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [[الزمر : 27 ، 28]. وقوله: ] وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [[فصلت : 44]. وقوله:] وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [[الشعراء : 192 - 195].

لذلك فقد أوردوا روايات عن أئمتهم قالوا فيها أن تفسير القرآن ومعرفة ما فيه حكر على أئمتهم فقط. أما باقي الناس فهم رعاع همج.

وهذه هي طريقة القدح في الإسلام، لأن الناس إذا كانوا لا يفهمون القرآن إلا بعد الرجوع إلى الإمام. والإمام قد غاب منذ حوالي ( 1200) سنة، فقد بطل القرآن. وإذا بطل القرآن، ومن قبل أبطلوا سنة النبي  فماذا بقي من الإسلام؟

 يقول قاضي القضاة عبدالجبار المعتزلي: ( فإذا أوجبوا الرجوع إليهم، وإلى الحجة في الزمان؛ وذلك متعذر، فقد سدّوا باب معرفة الإسلام، وطعنوا فيه وأعظم ما يمكن، فعظمت مضرتهم، لأنهم يتسترون بالإسلام، ويظهرون الإنقياد له؛ فإذا أوردوا على الضعفاء هذه الطريقة كان الضرر بقولهم أعظم من الضر بالملحدة، وسائر أعداء الدين الذين ظاهر أحوالهم ينفر عن قولهم)([60]).

ولا أريد أن أطيل في هذا أكثر فإن بطلانه واضح لكل ذي عين وبصيرة، لأنه من غير المعقول أن يكون كلام الله المنزل لهداية الناس ألغازا لا يفهمها المخاطب بها، أو يكون الإمام أقدر على البيان من الله تعالى، وأفصح منه في البلاغة والخطاب!

فمن رواياتهم في هذا الباب:

1.  جاء في أصول الكافي ( 1/250 ) في خبر طويل عن أبي عبدالله  قال: ( إن الناس يكفيهم القرآن لو وجدوا له مفسرا، وأن رسول الله  فسره لرجل واحد، وفسر للأمة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب ).

2.  وذكر صاحب وسائل الشيعة عن النبي  أنه قال: ( إن الله أنزل عليّ القرآن، وهو الذي من خالفه ضل، ومن ابتغى علمه عند غير عليّ هلك).

3.  الكافي: عن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك ما أنتم ؟ قال: نحن خزان علم الله ونحن تراجمة وحي الله ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الأرض.

وهنالك نصوص كثيرة أعرضنا عنها خشية الإطالة.

ولكن لابد من الإشارة هنا، إلى أن الفكر الشيعي جعل نبوة نبينا محمد  خاصة لأهل بيته، ومن خلالهم يجب أن يخرج كل تعاليم الرسول. فلا يحق لأحد من أصحابه وأزواجه أن ينقل للناس قولا أو عملا قام به النبي  ما لم يمر عبر فلتر أهل البيت.

وكم تمنينا ـ يوم أن طعنوا بأحاديث أهل السنة المنقولة عن نبيهم عن طريق أصحابه ـ أن يكون طريقهم غير طريقة أهل السنة في نقل وتدوين الروايات.

فمثلا يقول محمد حسين آل كاشف الغطا في أصل الشيعة وأصولها: ( إن ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الإمامية من الإعتبار مقدار بعوضة )([61]).

وهم وإن حددوا هؤلاء بالأسماء إلا أن جميع مرويات الصحابة وأزواج النبي  مرفوضة عندهم.

وهم قد وضعوا ثقتهم في أصحاب أئمة أهل البيت من أمثال زرارة ومحمد بن مسلم والأحول وهشام بن الحكم وآخرون.

فلسنا ندري ما هو معيار التفضيل والتفرقة عندهم بين أصحاب النبي وبين أصحاب الصادق؟

فلماذا لا يثقون بنقل الأصحاب لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام؟

هل مثلا هؤلاء الذين نقلوا أحاديث الأئمة معصومون؟

أتراهم مثلا يثقون بالإمام الصادق أكثر من ثقتهم بالنبي ؟

أعتقد أن القضية راجعة لعقيدة الإمامة التي يؤمن بها الشيعة، ويفسرون موقف الصحابة من أنهم إغتصبوا الخلافة من صاحبها الشرعي وهو علي بن أبي طالب.

ومع هذا فعندما يكونون في موقف الدفاع عن النبي  وعن الإسلام ضد الملحدين والكفرة، فلابد أن يلجأوا إلى أصول أهل السنة. فمثلا هم لا يعترفون بنقل أزواج النبي لأحاديثه وتصرفاته داخل بيته، وأكثرها منقولة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهم من أشد الناس حقدا عليها لأنها في نظرهم حاربت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ومع هذا فتراهم يدافعون عن تعدد زوجات النبي ضد الطاعنين بأن النبي  إنما تزوج هذا العدد لتتولى أزواجه نقل ما يدور داخل بيته من أحكام النساء.

فهذا علي أكبر الغفاري في تعليقه على كتاب الخصال، وبمناسبة الدفاع عن قول النبي  : ( حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة).

يقول: ( إن الله تعالى أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها وما يستحيا من ذكره وما لا يستحيا منه وكان صلى الله عليه وآله أشد الناس حياء، فجعل الله له نسوة ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله ويسمعنه من أقواله ويذكرنه من سنته في معاشرته معهن التي قد يستحيى من الإفصاح بها بحضرة الرجال وذلك ليكتمل نقل الشريعة. فقد نقلن كثيرا من آدابه في تهجده وسواكه ونومه ويقظته وسائر أموره ما لم يكن ينقله غيرهن وما رأينه في منامه وخلواته من الآيات الباهرات والحجج البالغات على نبوته، ومن جده واجتهاده في العبادة وخشيته من الله وغيرها مما يشهد كل ذي لب أنها لا تكون إلا لنبي وما كان يشاهدها غيرهن، فحصل بذلك خير عظيم. وهذا هو المشاهد لمن سبر كتب الحديث)([62]).

المبحث الثالث

في ذكر تحريفهم لتأويل القرآن

بعدما أثبت شيخهم النوري الطبرسي أن المراد بالتحريف الوارد في الروايات هو تحريف اللفظ والكلمات لا تحريف المعاني والتأويل. إلاّ أن تحريفهم في تأويل القرآن وتفسير آياته بما يتفق مع عقيدة الإمامة أوسع من أن يحيط به هذا البحث، ولكن حسبنا أن نذكر منه ما يُعلم لكل ذي عقل أنه مخالف لأبسط قواعد اللغة والمنطق والعقل.

وقبل هذا نود الإشارة إلى أنهم عندما قالوا لا يعلم تفسير القرآن غير أئمتهم، وأن مصحف علي بن أبي طالب كان مشتملا للتفسير، نراهم من أكثر الناس إختلافاً في التفسير.

ولنأخذ مثالا واحدا يمكن أن يقيس عليه القارئ الكريم غيره، فهذا هو إختلافهم في تفسير ( سورة عبس ) كما نقلناه عن مراجعات في عصمة الأنبياء:

( المحور الثّاني:  اتّجاهات التفسير في {عبس وتولّى}

   ـ  أعلام التفسير: بينَ القَطْع والتّرجيح والتنـزّل

1.     الطبرسي في (جوامع الجامع):  السورة نازلة في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

2.     الطبرسي في (المجمع): العبوسُ ليس ذنباً

3.     ابن أبي جامع العاملي:  نزولها في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

4.     ابن طاووس:  أُسلوب (إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة)

5.     المجلسي:  العِتاب على ترك الأولى

6.     الطّريحي:  الأعمى لا يعلم تشاغل الرّسول

7.     الفراهيدي:  لم يكن عبوس تهاون

8.     محسن الأمين:  القطع بنـزولها في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

9.     هاشم معروف الحسني: لا يتنافى مع مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

10.مغنيّة العاملي:  نزولها في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أرجح وأقوى

11.محمود الطالقاني:  القطع بنـزولها في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

12.نصرت أمين:  المقصود هو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

13.مكارم الشيرازي:  ترك الأولى لا يُنافي العصمة

14.كاظم الحائري:  لا مانع من توجّه الخطاب إلى الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

15.محمّد الكرمي:  الرأي الآخر يتنافى معَ السِّياق

16.شمس الدِّين:  لا مانع من نزولها في الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

17.الجويباري:  القشريّون يمنعون نزولها في الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)!!)([63]).

 فأين هو التفسير المنقول للشيعة عن أئمتهم؟ فإنه إذا فات الإمام الأول أن يفسر لهم، وجب على الثاني، وإذا فات الثاني أيضا وجب على الثالث، وهكذا.

ولست أدري لماذا يتطاولون على غيرهم بأنهم أتباع أهل بيت النبي  ثم يقولون أن ما تركه أئمتهم إما ضاع منهم بسبب الظلم الذي كان يُمارس ضدهم، أو أنه عند الإمام الغائب الذي لا يخرج إلا بعدما يبقى من عمر الدنيا أياما وليالي. أو أنهم ليسوا على يقين من رواياتهم الصحيحة والسقيمة لإمتزاجها بالتقية.

وإليك بعضا من رواياتهم التي تأباها الفطر السليمة والعقول الصحيحة:

1.  أصول الكافي – باب النوادر: عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل * (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) * قال: نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا).

2.  في ومستدرك البحار: روي عن الصّادق (عليه السلام) في قوله تعالى: (ولكلّ اُمّة رسول) قال: أي في كلّ قرن إمام يدعوهم إلى طريق الحقّ. ونحوه في رواية العيّاشي عن جابر، عن الباقر (عليه السلام) في هذه الآية.

3.  تفسير القمي: عن أبي بصير عن أبي عبدالله  في تفسير قوله تعالى: ] ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ[  قال: الكتاب علي  لا شك فيه هدى للمتقين قال بيان لشيعتنا. ومثله في البرهان في تفسير القرآن.

4.  البرهان في تفسير القرآن: روى أبو جعفر الطوسي بإسناده إلى الفضل بن شاذان، عن داود بن كثير، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) أنتم الصلاة في كتاب الله عز وجل، وأنتم الزكاة، وأنتم الحج؟ فقال: «يا داود، نحن الصلاة في كتاب الله عز وجل، ونحن الزكاة، ونحن الصيام، ونحن الحج، ونحن الشهر الحرام، ونحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قبلة الله، ونحن وجه الله، قال الله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، ونحن الآيات، ونحن البينات. وعدونا في كتاب الله: الفحشاء والمنكر والبغي، والخمر والميسر، والأنصاب والأزلام، والأصنام والأوثان، والجبت والطاغوت، والميتة والدم ولحم الخنزير.

ونكتفي بهذا القدر، فإن المقام يطول بنا كثيرا لو تقصينا كل هذه التأويلات التي ما أنزل بها من سلطان، ولكن في هذا كفاية لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ولكن لابد من الإشارة هنا إلى أن بعض العقلاء من الشيعة في ذلك الوقت ربما تنبه إلى عدم مطابقة هذه التأويلات الفاسدة لا للغة ولا لمنطق ولا حتى للذوق العام، فكان لابد من إيجاد مخرج لها لتمرير مثل هذه الروايات فنقلوا عن علي عليه السلام أنه قال: ( إن حديثنا تشمئز منه القلوب، فمن عرف فزيدوهم، ومن أنكر فذروهم )([64]).

وعن سفيان بن السمط قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك إن رجلا يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يقول لك: إني قلت لليل: إنه نهار، أو للنهار: إنه ليل ؟ قال: لا. قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به، فإنك إنما تكذبني)([65]).

وفي الكافي عن عبدالله بن سنان، عن ذريح المحاربي قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إن الله أمرني في كتابه بأمر فأحب أن أعمله، قال: وما ذاك؟ قلت: قول الله عز وجل: " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم " قال ليقضوا تفثهم لقاء الإمام وليوفوا نذورهم تلك المناسك، قال: عبدالله بن سنان فأتيت أبا عبدالله عليه السلام فقلت: جعلت فداك قول الله عز وجل: " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم " قال: أخذ الشارب وقص الإظفار وما أشبه ذلك، قال: قلت: جعلت فداك إن ذريح المحاربي حدثني عنك بأنك قلت له:" ليقضوا تفثهم " لقاء الإمام وليوفوا نذورهم تلك المناسك، فقال: صدق ذريح وصدقت إن للقرآن ظاهرا وباطنا ومن يحتمل ما يحتمل ذريح؟ !)([66]).

وإذا كان هذا قول أئمتهم، فلا يستطيع أحد أن يرد عليهم قولا، أو ينكر لهم حديثا لأن الإمام معصوم، والراد عليه كالراد على، والراد على الله على حد الشرك بالله، فالنتيجة إذن التسليم لهذه الروايات، وطرح العقل جانبا.

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

تأثير عقيدة الإمامة على القرآن ( قراءة شيعية للقرآن )

لما كان كتاب الله تعالى خاليا من النص الصريح على عقيدة الإمامة التي من لم يؤمن بها ـ عند الشيعة ـ كافر ضال مشرك خالد في النار، ولا ينفع المسلم إيمانه بالله تعالى وبالرسل وبالكتب ولا باليوم الآخر ولا عبادته طول عمره([67])، لأنه من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

فأساس قبول أعمال العبد عند الشيعة الولاية، وبدونها لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلاً.

ولو كان القرآن موافقا لعقيدة الشيعة في هذا الأمر لكان لزاما أن نقرأ في القرآن مع الأمر بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، الإيمان بولاية الأئمة. فنقرأ مثلا:

1.  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا  ـ بولاية علي ـ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة : 218].

2.  وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ـ بولاية علي ـ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ ـ بولاية علي ـ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ ـ بولاية علي ـ حَتَّى يُؤْمِنُوا ـ بولايته ـ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ ـ بولاية علي ـ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  [البقرة : 221].

3.     قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ـ بولاية علي ـ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  [آل عمران : 12].

4.     وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ ـ بيت علي ـ  تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران : 121].

قلت: أبدلت مكان ( من أهلك ) بيت علي لأن الأهل في تفسير الشيعة لا يشمل إلا علي وفاطمة والحسن والحسين. أما أزواج النبي الطاهرات فلسن من أهل بيته، لذا فالرسول  يكون قد خرج من بيت علي لا من بيت زوجة من أزواجه لئلا تحشر في زمرة أهل البيت!

5.  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ـ فَإِنْ ـ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  [آل عمران : 144].

قلت: الشيعة الإمامية يقولون: إن الناس كانوا أهل ردة بعد وفاة النبي  إلا ثلاثة أو أربعة، أو بضعة عشر نفسا، ويستدلون بهذه الآية. علما إن هذه الآية نزلت في أو بعد معركة أحد. وقوله تعالى: ] أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  [ ليس بخبر ولا ظاهره الخبر، وإنما ظاهره الإستفهام لدخول ( أ ) الهمزة على ( فإن ) والله تعالى لا يستفهم لأنه بكل شيء عليم، وإنما المراد به التثبت والتنبيه كما قال تعالى: ] وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [ [الأنبياء : 34]. أي لا يخلدون ولا ينبغي لهم الخلود، وكذلك أولئك لا يرتدون ولا ينبغي لهم أن يرتدوا)([68]).

6.  لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ـ بولاية علي ـ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  [آل عمران : 164].

قلت: ولو لم تقرأ الآية هكذا فإنها تدل دلالة أكيدة على إيمان الصحابة دون الإيمان بولاية علي التي لم تكن قد أقرت يوم نزول هذه الآية.

7.  … فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ـ من المؤمنين بولاية علي ـ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [آل عمران : 195].

قلت: أما أبو بكر وعمر وعثمان وسعد وطلحة والزبير وغيرهم من المهاجرين فهم خارجون عن هذا الوعد الإلهي بدخول الجنة، بل هم في نظر البعض من الشيعة أكفر خلق الله ـ والعياذ بالله ـ لعدم إيمانهم بولاية علي.

8.      … فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ـ نكاح متعة ـ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً  [النساء : 24].

قلت: تكملة الآية تتنافى مع نكاح المتعة: ] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ [النساء : 25]. فإذا علمت أن أجر نكاح المتعة يمكن أن يكون على سبيل المثال ( عودا من أراك ) فلماذا خشية العنت؟ ولماذا الصبر خير لكم؟ لاسيما مع الأجر الجزيل للمتعة. فقد روى صاحب مستدرك سفينة البحار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: ما من رجل تمتّع ثمّ اغتسل، إلاّ خلق الله من كلّ قطرة تقطر منه سبعين ملكاً يستغفرون له إلى يوم القيامة، ويلعنون متجنّبها إلى أن تقوم الساعة.

9.  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ـ بولاية علي ـ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ـ والأئمة من أهل البيت ـ  مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ـ والأئمة ـ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء : 59].

10.رُسُلًا ـ وأئمة ـ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ـ والأئمة ـ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا  [النساء : 165].

11.إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ـ وعلي بن أبي طالب ـ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة : 55].

12.قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ـ جئتكم أبلغكم ولاية علي ـ [الأعراف: 158].

13.وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ـ حمزة والمقداد وعلي ـ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ـ من المؤمنين بولاية علي فقط ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 100].

14.النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ ـ ما عدا عائشة وحفصة ـ  أُمَّهَاتُهُمْ  [الأحزاب/6]

15.يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ـ بولاية علي ـ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ـ أبي بكر وعمر وعثمان ـ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب : 45 - 48].

16.وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي ـ والأئمة ـ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ  [غافر : 60].

17.مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ـ من المنافقين ـ أَشِدَّاءُ عَلَى ـ أهل البيت ـ  رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ ـ لا يسجدون ولا يركعون ولا يبتغون فضلا من الله ولا رضوانا ـ  سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ ـ النفاق ـ … [الفتح : 29].

18.وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ ـ والحسينيات ـ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ ـ وأئمة أهل البيت ـ أَحَدًا  [الجن : 18].

19.إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ ـ يخرجون من ـ  دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا  [النصر : 1 ، 2]. فهذه السورة من أواخر ما نزل من القرآن. وعند الشيعة أن الناس إرتدوا بعد وفاة النبي . فلماذا يمتن الله تعالى على رسوله بدخول الناس إلى هذا الدين، ويأمره بالتسبيح والإستغفار، في حين أن الناس كفروا بعد موت النبي  مباشرة!!

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث

موقف أهل السنة والجماعة من تحريف القرآن. وفيه الفصول الآتية:

الفصل الأول

 في طريقة جمع القرآن. وفيه المباحث الآتية:

المبحث الأول:  نزول القرآن وجمعه في عهد النبي الأكرم .( الجمع الأول )

المبحث الثاني:  الجمع الثاني في عهد أبي بكر الصديق t .

المبحث الثالث:  الجمع الثالث في عهد الخليفة عثمان بن عفان t.

الفصل الثاني

 النسخ وأنواعه.

الفصل الثالث

حقيقة الخلاف بين السنة والشيعة والرد على الشبهات

الخاتمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث

موقف أهل السنة والجماعة من تحريف القرآن

مما لاشك فيه أنه لم يرد في كتب أهل السنة ذكر صريح في تحريف القرآن، لا بزيادة ولا نقصان،، وقد أجمع أهل العلم من زمن الصحابة وإلى يومنا هذا أن القرآن الموجود الآن بين المسلمين هو نفسه القرآن الذي أنزله الله تعالى على قلب سيدنا محمد .

ولقد قال بعض علماء الشيعة وصرحوا بمثل إعتقاد أهل السنة، فهذا أبو القاسم الخوئي يقول: (  إن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلا من ضعف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه يجب القول به. والحب يعمي ويصم، وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته).

لكنه عاد ليقول أن إسناد الجمع إلى الخلفاء أمر موهوم، ولكنه برأهم من تحريف القرآن، ولنا وقفة معه عند الكلام في شبهات الشيعة والمستشرقين حول الطعن في جمع القرآن ونسخ التلاوة. 

 

الفصل الأول

مراحل وطريقة جمع القرآن

لقد أكثر الشيعة من الطعن في روايات أهل السنة في طريقة وكيفية جمع الصحابة للقرآن، وقالوا: لو صحت هذه الروايات فمن غير المأمون أن يتطرق النقص أو التحريف للقرآن الكريم لما تضمنته هذه الروايات من الإختلاف والتناقض.

أما هم فقد إنقسموا إلى رأيين:

الرأي الأول: يرى أن القرآن لابد وأن ينقل بطريق التواتر، وقالوا: لا يضر كفر الصحابة في التواتر، لأن التواتر ليس من شرطه إيمان الناقلين. إلا أنهم قالوا: لابد أن يكون أمير المؤمنين علي  قد وافقهم على هذا القرآن كما هو الآن بين الدفتين.

أما أصحاب الرأي الثاني: فقد إستراحوا من العناء والبحث، وقالوا إن أمير المؤمنين قد جمع القرآن كما أنزل على نبينا محمد  بعد وفاته وأخرجه إليهم، فلم يقبلوا به، وهو الآن عند الحجة ( عج ). وقالوا: إنما أُمرنا بقراءة هذا القرآن حتى يخرج صاحب الزمان فيخرج القرآن الصحيح.

وبغض النظر عن إختلاف أحاديث جمع القرآن وتناقضها، إلا أن إعتقاد المسلم يجب أن لا يتزعزع بسلامة القرآن، لأنه بسلامة القرآن يسلم له دينه، وألاّ فلا قرآن يبقى ولا دين يسلم، ولا نبوة تثبت.

يقول أبو القاسم الخوئي: ( قد أطبق المسلمون بجميع نحلهم ومذاهبهم على أن ثبوت القرآن ينحصر طريقه بالتواتر. واستدل كثير من علماء السنة والشيعة على ذلك: بأن القرآن تتوافر الدواعي لنقله، لأنه الأساس للدين الإسلامي، والمعجز الإلهي لدعوة نبي المسلمين، وكل شئ تتوفر الدواعي لنقله لا بد وأن يكون متواترا. وعلى ذلك فما كان نقله بطريق الآحاد لا يكون من القرآن قطعا)([69]).

وبما أن كتب أهل السنة والجماعة جاءت ـ والحمد لله ـ خالية من هذه الفرية، ولا يوجد عالم واحد أو فقيه من أهل السنة يقول بتحريف القرآن، لذلك إخترع علماء الشيعة أسبابا واهية لعلهم يلصقون التهمة إلى أهل السنة فيشتركون معهم في القول بتحريف القرآن، فما كان منهم إلاّ طعنوا في طريقتهم لجمع القرآن، بسبب تضارب وإختلاف بعض الروايات في ذلك. وما نقل عن بعض الصحابة من القول بنسخ التلاوة وبقاء الحكم، فقالوا: ( إن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة - عند علماء أهل السنة - يستلزم اشتهار القول بالتحريف)([70]).

لذلك رأيت أن أبحث وبشكل موجز في طريقة جمع القرآن في عهد النبي  ومن ثم في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق t بإقتراح ومشاورة من عمر t ، ثم الجمع الأخير في عهد الخليفة عثمان بن عفان t.

ثم نبحث في النسخ وأنواعه، وأخيرا في الطعن الموجه إلى أهل السنة في ذلك، ثم نجري مقارنة بين التحريف المنسوب إلى أهل السنة وبين التحريف الذي يقول به الشيعة.

المبحث الأول

نزول القرآن وجمعه في عهد النبي الأكرم  ( الجمع الأول )

مما لاشك فيه أن القرآن الكريم كان مجموعا في صدر النبي  وهي مرحلة سابقة على جمعه في مصحف واحد. وقد دل على هذا الجمع قوله تعالى: ] إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ [[القيامة/17] فهو جمع من الله تعالى له في صدر نبيه عليه السلام منة من الله وفضلا بدون تعب من النبي عليه السلام أو بذل جهد لحفظه، وتلك خاصية اختص بها دون سائر الأمة([71]).

وكان الصحابة بعد ذلك يتسابقون إلى حفظ ما نزل من القرآن في صدورهم. فالعرب بسبب قلة الكتابة فيهم كانوا على درجة كبيرة من قوة الحفظ وسيلان الذاكرة، ( ولذلك كان جل اعتمادهم في تورايخهم وأخبارهم ومعاوضاتهم وسائر أحوالهم على الحفظ حتى قويت هذه الملكة عندهم، وندر أن يقع منهم خطأ أو نسيان لشيء مما حفظوه. بخلاف من يعتمد على الكتابة من الأمم المتعلمة المتمرنة عليها: فإنه تضعف فيهم ملكة الحفظ ويكثر عندهم الخطأ والنسيان لما حفظوه، وهذه الحال مشاهدة فيما بيننا)([72]).

ثم جاءت المرحلة الثانية بعد ذلك وهي جمعه  له في الصحف كتابة، حيث كان رسول الله  إذا نزل عليه شيء من القرآن يدعو بعض من يكتب عنه، وكانوا يكتبونه على: العسب، واللخاف، والرقاع، والكرانيف، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع، والأقتاب.

وقد ورد في قصة إسلام عمر بن الخطاب t أن أوائل سورة (طه) كانت مكتوبة في رقعة في بيت فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، ولم تكن هذه الصحيفة إلا واحدة من صحف كثيرة متداولة بين المسلمين في مكة يقرءون فيها القرآن.

( فإن قال قائل: إذا كان أمر النبي r بكتابة القرآن ليس منشؤه حجيته ولا أن الكتابة مفيدة للقطع، فما الحكمة إذن في هذا الأمر؟ وما الحكمة في أنه لم يأمر بكتابة السُنَّةِ؟.

قلت: الحكمة في أمره بكتابة القرآن هي بيان ترتيب الآيات ووضع بعضها بجانب بعض، فإنه بالاتفاق بين العلماء توقيفي نزل به جبريل في آخر زمنه r. وقد كان القرآن ينزل من قبل نُجُومًا على حسب الوقائع. وبيان ترتيب السور، فإنه اَيْضًا توقيفي على الراجح، وزيادة التأكيد، فإنا لا ننكر أن الكتابة طريق من طرق الإثبات وهي وإن كانت أضعف من السماع - فضلاً عن التواتر اللفظي - إذا انضمت إلى ما هو أقوى منها في الإثبات زادته قوة على قوة.

وإنما احتيج إلى زيادة التأكيد في القرآن لكونه كتاب الله تعالى وأعظم معجزة لسيدنا محمد r المبعوث إلى الخلق كافة إلى يوم القيامة. ولكونه المعجزة الباقية من بين سائر معجزاته إلى يوم الدين. لتكون للمتأخرين دليلاً ساطعًا على نبوته وبرهانًا قاطعًا على رسالته. ولكونه أساس الشريعة الإسلامية وإليه ترجع سائر الأدلة الشرعية في ثبوت اعتبارها في نظر الشارع. وثبتت به جميع العقائد الدينية التي لا بد منها وأمهات الأحكام الفرعية. ويترتب على ضياعه ضياع هذه الأمور كلها وتقويض الشريعة جميعًا. ولكونه قد تعبدنا الله بتلاوة لفظه في الصلاة وغيرها ولم يجز لنا أن نبدل حَرْفًا منه بحرف آخر)([73]).

انقضى العهد النبوي السعيد والقرآن مجموع على هذا النمط، دون أن يجمع ويكتب على الصورة التي نجدها للمصحف اليوم.

قال الخطابي: ( إنما لم يجمع  القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر)([74]).

روى الإمام أحمد في مسنده بأن النبي  كان هو الذي يقرر ترتيب الآيات، فيقول: ( ضعوا الآية كذا في موضع كذا ) أو يقول: ( ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا ). فلم يكن ترتيب الآيات والسور خاضعا للاجتهاد منه عليه الصلاة والسلام لأن جبريل  كان يعارض النبي  بالقرآن مرة في رمضان من كل عام، وفي العام الذي توفي فيه  عارضه به مرتين. فقد روى البخاري عن عائشة عن فاطمة عليها السلام أسر إلي النبي  ( أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي ).

 

المبحث الثاني

الجمع الثاني للقرآن في عهد أبي بكر الصديق t

روى الإمام البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت t قال: ( أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر t إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله  ؟ قال عمر: هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله  فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ؟ قال: هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم }  حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما).

وفي هذه الرواية دلالة على أن القرآن لم يجمع بهذه الصورة من قبل.

ويرجع سبب إختيارهم لزيد دون غيره من حفاظ القرآن لأنه قد شهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها، حتى مات ولذلك اعتمده الصديق في جمعه، وولاه عثمان كتابة المصحف.

قال ابن حجر: ( وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة، أو المراد: أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي r لا مجرد الحفظ)([75]).

وزاد السيوطي في الإتقان فقال: ( أو المراد: أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي r عام وفاته)([76]).

وقال إبن حجر: ( وعند بن أبي داود أيضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه ورجاله ثقات مع انقطاعه وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله  أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي  لا من مجرد الحفظ. قوله: وصدور الرجال أي حيث لا أجد ذلك مكتوبا أو الواو بمعنى مع أي أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدر.… وقوله لم أجدها مع أحد غيره أي مكتوبة لما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي  وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة. … )([77]).

وهكذا جمع أبو بكر الصديق ما كان من القرآن مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسف في موضع واحد مجتمعا، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء.

 

المبحث الثالث

الجمع الثالث للقرآن في زمن عثمان بن عفان t

أولا: دوافع جمع عثمان بن عفان للقرآن([78]):

اتسعت الفتوحات الإسلامية، وامتدت في عهد عثمان بن عفان t، وظهرت في الأمصار الإسلامية مدارس لتعليم القرآن وقراءته، واتسعت حركة نسخ المصاحف في الأمصار، وكان ذلك يتم في ظل رخصة الأحرف السبعة([79]) التي أذن بها النبي  في قراءة القرآن تيسيرا على المسلمين.

وكان أهل كل إقليم من الأقاليم يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة.

واستفحل الداء حتى كفّر بعضهم بعضا، أو كادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير حتى أن الرجل ليقول لصاحبه: إن قراءتي خير من قراءتك، ولم يقف هذا العمل عند حد، بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية حتى الحجاز، والمدينة، وأصاب الصغار والكبار على السواء.

فقد روى البخاري عن الزهري عن أنس بن مالك أنه حدثه: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق). لأن عددا من الصحابة كانوا يتخذون لأنفسهم مصاحف خاصة، ربما رتبوا سورها بإجتهادهم الشخصي، وربما أضافوا إليها تفسير بعض الآيات.

وروى ابن أبي داود عن ابن سيرين عن كثير بن أفلح قال: ( لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف، جمع له اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة([80]) التي في بيت عمر فجيء بها. قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه، قال محمد: فقلت لكثير- وكان فيهم فيمن يكتب-: (هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت ظنا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الآخرة. فيكتبونها على قوله)([81]).

بعد أن أتم عثمان رضي الله عنه نسخ المصحف، رد الصحف إلى حفصة، ثم أرسل إلى كل أفق من الأقطار بمصحف مما نسخوا، وأمر أن يحرق كل ما عداها مما يخالفها، سواء كانت صحفا أو مصاحف؛ وذلك ليقطع عرق النزاع من ناحية، وليحمل المسلمين على الجادة في كتاب الله من ناحية أخرى، فلا يأخذون إلا بتلك المصاحف التي توافر فيها من المزايا ما لم يتوافر في غيرها.

والفرق بين المصحف والمصاحف: ( أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سورا مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفا).

ثانيا: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان:

وربما يسأل سائل ويقول: ما الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله عنهما؟

قال ابن التين وغيره: ( الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان، أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب جملته، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد. فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لآيات السورة، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة)([82]).

 

 

الفصل الثاني

النسخ في القرآن وأنواعه

النسخ لغة: يطلق على عدة معان، منها: الإزالة، والإبطال، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته([83]) ، ومنه قوله تعالى: ] فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ [[الحج : 52] أي يزيله ولا يجعل له شيئا عوضا عنه.

أما النسخ في الاصطلاح: فلقد عرف بتعريفات كثيرة، ولعل أدق تعريف للنسخ منها هو ما اختاره ابن الحاجب: ( رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر)([84]).

وقال الشيخ الطوسي: ( الناسخ فهو كل دليل شرعي يدل على زوال مثل الحكم الثابت بالنص الاول في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الاول مع تراخيه عنه)([85]).

وقال أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفرَّاء البغوي: ( النسخ في اللغة شيئان: أحدهما: بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ. والثاني: يكون بمعنى الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي ذهبت به وأبطلته)([86]).

وجمهور العلماء قالوا بجواز النسخ عقلا ووقوعه شرعا، وذلك لأن نصوص الكتاب والسنة دالة على جواز النسخ ووقوعه، منها قوله سبحانه: ] مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  [[البقرة : 106].

وقوله تعالى: ] وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [ [النحل : 101].

ومن أدلة وقوع النسخ من السنة النبوية، ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ( قال عمر t: أقرأنا أبي وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي، وذلك أن أبيا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله  وقد قال الله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها).

ومن روايات الشيعة ما جاء في الكافي عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يتهمون بالكذب، فيجيئ منكم خلافه؟ قال: ( إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن). وفي هذا إثبات النسخ في القرآن والسنة معاً.

أنواع النسخ:

أما أنواع النسخ في القرآن، فقد ذكر العلماء المثبتون للنسخ أن النسخ في القرآن على ثلاثة أنواع:

الأول: نسخ التلاوة والحكم معا.

الثاني: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة.

الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.

هذا وقد شنّع علماء الشيعة المعاصرين على أهل السنة بقولهم بوقوع ( نسخ التلاوة والحكم، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم ) وقالوا: هذا عين القول بالتحريف.

وبعد الفحص والتدقيق، لم أجد واحدا من علماء الشيعة القدامى قد إعتبروا نسخ التلاوة دون الحكم، أو نسخ التلاوة والحكم هو قول بالتحريف، غير ما قاله الطبرسي في تفسير مجمع البيان بأن النقصان من القرآن هو قول قوم من حشوية العامة، وهذا نص ما قاله: ( الكلام في زيادة القرآن ونقصانه فإنه لا يليق بالتفسير. فأما الزيادة فيه: فمجمع على بطلانه. وأما النقصان منه: فقد روى جماعة من أصحابنا، وقوم من حشوية العامة، أن في القرآن تغييرا أو نقصانا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى، قدس الله روحه، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات، وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن، كالعلم بالبلدان. والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، واشعار العرب المسطورة،  فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كل شئ اختلف فيه من إعرابه، وقراءته، وحروفه، وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا، مع العناية الصادقة، والضبط الشديد)([87]).

فكيف يعتبر نسخ التلاوة والحكم من القول بالتحريف وقد أجاز وقوعه في القرآن ـ كما سيأتي ـ  هو وكبار علماء الشيعة ؟

فهذا من أخص الدلائل أنه لم يقصد بقوله: ( وقوم من حشوية العامة ) نسخ التلاوة دون الحكم أو معاً. ولم يعتبره من القول بتحريف القرآن.

والذي أراه أن الحسين النوري الطبرسي بعد أن ألف كتابه ( فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب ) وقد جمع فيه أكثر من ألف رواية عند الشيعة تقول بوقوع التحريف في القرآن، وكان من الأدلة التي إستدل بها على إمكان وقوع التحريف طريقة جمع القرآن من قبل الصحابة، والقول بنسخ التلاوة دون الحكم أو معا هو قول بالتحريف، أخذها منه علماء الشيعة المعاصرين وطاروا بها في الآفاق، ليتخلصوا من عار تواتر التحريف الذي قال به بعض علمائهم، وليتساوى الشيعة مع أهل السنة في هذا القول، لئلا يستطيل أهل السنة على الشيعة فيه.

 

 

 

 

المبحث الأول

المثبتون لأنواع النسخ من علماء الشيعة

الأول: الشيخ الطوسي: في تفسير التبيان:

قال في تفسير قوله تعالى: ] مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  [[البقرة : 106]: ( فالنسخ في الشرع: على ثلاثة أقسام. نسخ الحكم دون اللفظ، ونسخ اللفظ دون الحكم، ونسخهما معا.

فالاول - كقوله: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ [الأنفال/65، 66] ، فكان الفرض الأول وجوب ثبات الواحد للعشرة، فنسخ بثبوت الواحد للاثنين، وغير ذلك من الاي المنسوخ، حكمها، وتلاوتها ثابتة، كآية العدة، وآية حبس من يأتي بالفاحشة، وغير ذلك.

والثاني - كآية الرجم. قيل إنها كانت منزلة فرفع لفظها وبقي حكمها.

والثالث - هو مجوز وان لم يقطع بأنه كان).

ثم قال: ( وقد أنكر قوم جواز نسخ القرآن، وفيما ذكرناه دليل على بطلان قولهم، وقد جاءت أخبار متظافرة بأنه كانت أشياء في القرآن نسخت تلاوتها، فمنها ما روي عن أبي موسى: أنهم كانوا يقرؤون لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالث، لا يملا جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب. ثم رفع.

وروي عن قتادة قال: حدثنا انس بن مالك أن السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة: - قرأنا فيهم كتابا - بلغوا عنا قومنا إنا لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا، ثم إن ذلك رفع. ومنها الشيخ والشيخة - وهي مشهورة -. ومنها ما روي عن أبى بكر انه قال: كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر.

ومنها ما حكي: إن سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة - في الطول - وغير ذلك من الأخبار المشهورة بين أهل النقل).

ثم بين ما ينسخ به القرآن، فقال: ( فان قيل: هل يجوز نسخ القرآن بالسنة أم لا؟ قلنا فيه خلاف بين الفقهاء، ذكرناه في أصول الفقه، وبين أصحابنا أيضا فيه خلاف، إلا أن يقوى في النفس جواز ذلك.

وقد ذكرنا أدلة الفريقين، الشبه فيها في أصول الفقه – لا يحتمل ذكرها هذا المكان. وإنما أخرنا ذلك، لان تلاوة القرآن، والعمل بما فيه تابع للمصلحة، ولا يمتنع أن تتغير المصلحة، تارة في التلاوة فتنسخ، وتارة في الحكم فينسخ، وتارة فيهما فينسخان. وكذلك لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن تنسخ، تارة بقرآن، وتارة بالسنة المقطوع بها. فذلك موقوف على الأدلة).

وقال في تفسير قوله تعالى: ] وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [ [النحل : 101]: ( يقول الله تعالى: مخبرا عن أحوال الكفار بأنا متى " بدلنا آية مكان آية بأن رفعنا آية ونسخناها، وأتينا بأخرى بدلها، نعلم في ذلك من مصلحة الخلق، وقد يكون تبديلها برفع حكمها مع ثبوت تلاوتها، وقد يكون برفع تلاوتها دون حكمها، وقد يكون برفعهما).

الثاني: أبو على الفضل بن الحسن الطبرسي في تفسير مجمع البيان:

فإنه أثبت نوعين من النسخ عند قوله تعالى: ] وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [ [النحل : 101]: فقال: ( وإذا نسخنا آية وآتيتنا مكانها آية أخرى إما نسخ الحكم والتلاوة وإما نسخ الحكم مع بقاء التلاوة « والله أعلم بما ينزل » معناه والله أعلم بمصالح ما ينزل فينزل كل وقت ما توجبه المصلحة وقد تختلف المصالح باختلاف الأوقات كما تختلف باختلاف الأجناس والصفات « قالوا إنما أنت مفتر » أي قال المشركون إنما أنت كاذب على الله).

الثالث: المحقق الحلي الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الهذلي صاحب الشرائع 602- 676ه‍ 

قال في معارج الأصول: ( المسألة الثانية: النسخ في الشرائع جائز عقلا وشرعا: أما عقلا فلوجهين: أحدهما أن الشرائع تابعة للمصالح، وهي جائزة الاختلاف، فجاز اختلاف ما هو تابع لها. الثاني: أن الدلائل القطعية دلت على نبوة نبينا صلى الله عليه وآله ويلزم من ذلك نسخ شرع من قبله.

وأما شرعا فوجوه: أحدها: ما نقل أن نوحا عليه السلام احل له كل دابة، ثم حرم على لسان موسى عليه السلام كثير من الحيوان. الثاني: قوله تعالى: ] مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  [[البقرة : 106].

الثالث: وقوع النسخ في شرعنا، كنسخ التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة، ونسخ الاعتداد في الوفاة بالحول إلى أربعة أشهر وعشر، ونسخ ثبات الواحد في الجهاد لعشرة إلى ثباته لاثنين.

احتج المانع بوجوه:

الأول: لو جاز النسخ، لزم منه الأمر بالشئ والنهي عنه، لكن ذلك فاسد من وجوه:

الأول: انه يلزم منه البداء.

الثاني: انه يؤدي إلى كون الشئ حسنا وقبيحا.

الثالث: أن يكون الأمر يدل على حسن المأمور، فلو نهى عنه لانتقضت تلك الدلالة.

الوجه الثاني: إن إطلاق الأمر يدل على استمرار الإلزام بالفعل، فلو لم يرد دوامه، لوجب بيان مدته، وإلا لزم الإغراء باعتقاد الجهل.

الوجه الثالث: لو جاز النسخ لزم رفع الثقة بدوام الأحكام، وتمسك اليهود في المسألة بقول موسى عليه السلام: " تمسكوا بالسبت أبدا " وبقوله: " تمسكوا بالسبت مادامت السماوات والأرض ".

والجواب عن الأول أن نقول: لا نسلم  أنه يلزم منه الأمر بالشئ والنهي عنه، لانا بينا أن الدليل الأول تناول غير ما تناوله الثاني وإنما يلزم البداء لو كان الأمر بنفس ما نهى عنه، والوقت والمكلف واحد. قوله: لو نهى عنه لانتقضت دلالة الحسن. قلنا: لا نسلم أن الدليل الثاني دل على قبح ما لم يدل عليه الأول، فلم تنتقض دلالته، وجرى ذلك مجرى ما علم زواله عقلا، فان الشرع إذا دل على وجوب فعل، فإذا عجز عنه المكلف سقط بالعجز، ولا يلزم أن يكون العجز ناقضا لدلالة الوجوب، فكذا مسألتنا. والجواب عن الثاني: قوله لو لم يرد دوامه لبينه والإلزام الإغراء باعتقاد الجهل. قلنا: لا نسلم، لان المكلف يعلم أن تغير المصالح يوجب تغير التكاليف وذلك يمنعه عن القطع باعتقاد الدوام. قوله في الوجه الثالث: يلزم أن لا يحصل الوثوق بدوام شئ من الأحكام. قلنا: نحن نعلم دوام كثير من الأحكام بالضرورة من مقاصد الشرع، فيكون الوثوق بالدوام حيث  يكون الأمر كذلك دون غيره. المسألة الثالثة: الزيادة على النص إن كانت رافعة لمثل الحكم الشرعي المستفاد من الحكم الشرعي، كانت نسخا، وان كانت رافعة لحكم من أحكامه المستفادة من العقل، لم يكن ذلك نسخا. وفائدة ذلك: ما ثبت أن خبر الواحد لا ينسخ به حكم الدليل المقطوع به فكل موضع تعده نسخا لا يجوز استعمال خبر الواحد فيه. وقال  السيد المرتضى ره، وأبو جعفر ره: إن كانت  الزيادة مغيرة للمزيد عليه، بحيث لو فعل كما كان يفعل قبل الزيادة، لم يكن مجزيا، ووجب استئنافه، كان ذلك نسخا، وإلا فلا. لنا: ما بيناه أولا من أن شرط النسخ أن يكون رافعا لمثل الحكم الشرعي المستفاد بالدليل الشرعي، فبتقدير أن يكون ذلك الحكم مستفادا من العقل لا يكون الرفع لمثله نسخا حقيقيا، وإلا لكان كل خبر يرفع البراءة الأصلية نسخا، وهو باطل)([88]).

وقال أيضا: ( المسألة الثانية: يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل، ومنعه قوم. لنا: نسخ الصدقة بين يدي المناجاة لا إلى بدل، ولان النسخ تابع للمصلحة فإذا كان الشئ مصلحة في وقت أمر به، وإذا انقلب إلى مفسدة نهي عنه، ثم لا يلزم البدل)([89]).

وقال: (  المسألة السادسة: نسخ الحكم دون التلاوة جائز، وواقع، كنسخ الاعتداد بالحول، وكنسخ الإمساك في البيوت. كذلك نسخ التلاوة مع بقاء الحكم جائز، وقيل: واقع، كما يقال انه كان في القرآن زيادة نسخت، وهذا وان لم يكن معلوما، فانه يجوز. لا يقال: لو نسخ الحكم لما  بقى في التلاوة فائدة، فانه من الجائز أن يشتمل على مصلحة تقتضي إبقائها، وأما بطلان دلالتها فلا نسلم، فان الدلالة باقية على الحكم، نعم لا يجب العمل به)([90]).

الرابع: الشريف المرتضى أبو القاسم على بن الحسين الموسوي الملقب بـ ( علم الهدى ):

فقد أجاز الأنواع الثلاثة من النسخ، إلاّ أنه قال عن نسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ التلاوة والحكم أنهما لم يقعا إلا بخبر الآحاد. وهذا نص ما قاله: ( فصل في جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دونه اعلم أن الحكم والتلاوة عبادتان يتبعان المصلحة، فجائز دخول النسخ فيهما معا، وفي كل واحدة دون الأخرى، بحسب ما تقتضيه المصلحة. ومثال نسخ الحكم دون التلاوة نسخ الاعتداد بالحول، وتقديم الصدقة أمام المناجاة. ومثال نسخ التلاوة دون الحكم غير مقطوع به، لأنه من جهة خبر الآحاد، وهو ما روى أن من جملة القرآن ( والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ) فنسخت تلاوة ذلك. ومثال نسخ الحكم والتلاوة معا موجود أيضا في أخبار الآحاد، وهو ما روي عن عايشة أنها قالت ( كان فيما أنزل الله سبحانه عشر رضعات يحرمن فنسخ بخمس )([91]).

 

المبحث الثاني

نسخ التلاوة في روايات الشيعة

لقد وردت عدة روايات صحيحة في كتب الشيعة عن أئمتهم تقول بقرآنية آية ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، إلا أنهم كعادتهم تخلصوا منها بنسبتها إلى التقية.

ففي تهذيب الأحكام – كتاب الحدود – باب حدود الزنى: الرواية السابعة: عن عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: الرجم في القرآن قوله تعالى إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فانهما قضيا الشهوة.

وفي كتاب من لا يحضره الفقيه - كتاب الحدود .. باب ما يجب به التعزير والحد والرجم والقتل والنفي في الزنا: روى هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: (قلت لأبي عبدالله عليه السلام: في القرآن رجم؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: (الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فانهما قضيا الشهوة). صححها الخوئي في مباني تكملة المنهاج.

وفي الكافي للكليني - باب الرجم والجلد ومن يجب عليه ذلك: عن عبدالله سنان قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: الرجم في القرآن قول الله عز وجل: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فإنهما قضيا الشهوة. وصححها المجلسي في مرآة العقول.

وفي علل الشرايع للشيخ الصدوق - علل نوادر الحدود: عن إسماعيل بن خالد قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: في القرآن الرجم؟ قال: نعم، قال: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فإنهما قد قضيا الشهوة.

ولكن ماذا يقول علماء الشيعة عن هذه الروايات:

يقول أبو عمر صادق العلائي:[  (ملاحظة مهمة : ( بآية الرجم ): هذه الجملة المتهالكة والمسماة بآية الرجم  وردت في كتب الشيعة الروائية وأقر الإمام جعفر الصادق عليه السلام بوجودها في القرآن، ولا غرابة في ذلك، لأن إنكاره لقرآنية هذه الجملة يعتبر رميا لنفسه في التهلكة، إذ كلما ذكرت هذه المزعومة في محفل اقترن ذِكرها بذكر ابن الخطاب مرسي قواعد الخلافة المناهضة لأهل البيت عليهم السلام والذي كان موضع اعتزاز وتقدير عند أعداء أهل البيت من الخلفاء الأمويين والعباسيين على حد سواء، فيكون إنكاره عليه السلام لوجود مثل هذه الجملة ضمن آيات القرآن إتهاما صريحا لابن الخطاب بالكذب والافتراء على الله عز وجل وهذا مدعاة لتناقل الغوغاء: إن جعفر بن محمد زعم أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ممن قال الله فيهم: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }(الأنعام/93)، وهذه حينئذ فرصة لا تفوت وذريعة جيدة لتخلص خلفاء الجور ممن تلتف المعارضة حوله، وتربص خلفاء الجور بأئمة أهل البيت عليهم السلام لا يمكن إنكاره، وهو ما اضطرهم للعمل بالتقية في أقل الأحكام كأحكام الحيض والنفاس حتى لا يقال: فلان بن فلان شقّ عصا المسلمين ‍! فلا غرابة إذن إن سئل عنها ولم ينف كونها من القرآن]([92]).

ولكن من المؤسف جدا أن يقول الشيعة في كل ما يخالف إعتقادهم اليوم أن ذلك بسبب التقية من الإمام. ولا أدري أيعرفون مآل قولهم هذا، أم لا؟

كان الأجدر أن يقولوا بغير التقية، فإنها أسلم لهم ولإمامهم، لأن القول بتحريف القرآن وإضلال الناس في دينهم أعظم جرما عند الله من الحفاظ على شخص الإمام لاسيما أن الإمام المعصوم هو من يخلف النبي  في بيان الدين، ولا يجزيء المسلم أن يأخذ دينه عن غيرهم!!

وشماعة التقية قد أضرت كثيرا بسمعة أهل البيت، وجعلتهم أجبن من كل جبان على وجه الأرض ـ حاشاهم ـ منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة، وذلك:

1.  فيها تحريف واضح للدين، لأن الشيعة وبحكم تعلقهم ـ بحديث كتاب الله والعترة ـ أوجبوا على مكلف بالرجوع حتما إلى أهل البيت، وقالوا: ( نعتقد: أنّ الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلاّ من نمير مائهم، ولا يصحّ أخذها إلاّ منهم، ولا تفرغ ذمّة المكلَّف بالرجوع إلى غيرهم، ولا يطمئنّ بينه وبين الله إلى أنّه قد أدّى ما عليه من التكاليف المفروضة إلاّ من طريقهم)([93]). فإذا كان المكلف فرض عليه الرجوع إلى الإمام، والإمام قد أخبره بشيء مخالف للحكم الشرعي الصحيح، فمن يتحمل مسؤولية هذا الغلط؟

2.  إن الإمام  لم يبين  للناس أن قوله هذا قد خرج منه تقية، حتى يرجعوا إليه في الوقت المناسب لأخذ الحكم الشرعي الصحيح. وإن كان فيه تكليف ما لا يطاق لأن البعض من هؤلاء المساكين ربما قدم من العراق أو من قم إلى المدينة المنورة حيث يسكن الإمام، فربما إذا خرج منها يطول عودته إليها مرة ثانية، وربما لا تسنح له الفرصة ثانية بلقاء الإمام.

3.  إن أكثر هذه الروايات المجعولة تقية، هي من نقل الأصحاب المقربين للإمام، وربما لم يحضرها أحد من غيرهم، فما وجه التقية فيها؟ ربما يقولون كما يقول إمامهم محمد بحر العلوم في تعليقه على كتاب فرق الشيعة: ( لم يكن إختلاف الأقوال منهم ـ أي الأئمة ـ منحصرا بين سنين متطاولة كما حسب القائل، بل كثيرا ما كانوا يفتون في يوم واحد، أو في مجلس واحد بأنحاء مختلفة رعاية لحال الحضور، أو السائل، أو لمحض إلقاء الخلاف بين أتباعهم لئلا يُعرفوا برأي واحد، وللإمام كلاءة شيعته كيفما رأى المصلحة فيه). أو كما يقول آيتهم الأكبر الخميني في كتابه كشف الأسرار: ( ولذا فإنهم من باب التقية كانوا يصدرون أحيانا أوامر مخالفة لأحكام الله، حتى ينشب الخلاف بين الشيعة أنفسهم لتضليل الآخرين، وتفاديا لوقوعهم في المآزق ).

أهذا هو الإمام الهادي إلى الصراط المستقيم؟

فهنيئا لكم هذا الدين. ولو صح هذا فلا عتب على الإمام البخاري وغيره من أئمة الحديث يوم أن تجنبوا الأخذ برواياتهم غير المأمونة.

4.  أنتم تنقلون رواية عن أئمتكم أنهم قالوا: ( إن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شئ إلا في النبيذ والمسح على الخفين)([94]). ونقلوا عن الإمام أيضا أنه قال: (  ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا: شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج)([95]).

فهل سألتم أنفسكم لماذا لا يتقي الإمام في هذه المسائل الفقهية، ويتقي في أصل الإسلام وأول مصدر من مصادره التشريعية؟

5.  ثم إذا كان الإمام يتقي حتى لا يُعرف أنه من الشيعة، فهل كان سلاطين زمانهم لا يعرفونهم، وهم رؤوس أهل البيت في زمانهم، ويجهلون مذاهبهم في الأحكام؟

ثم ألا يكفي أحدهم أن يَعرف مذهب الإمام من هذه الثلاثة التي لا يتقي فيها أحدا؟

6.  ولماذا جعلتم الإمام يعمل بالتقية في كل صغيرة وكبيرة؟ أليس هناك من الروايات التي قيلت إنها قيلت تقية ما يختلف فيها فقهاء أهل السنة ـ الذين هم جميعا في نظركم علماء لسلاطين الأمويين والعباسيين؟

أليس إمامكم الرضا كان مقربا من الخليفة العباسي المأمون وتزوج إبنته، وجعله ولي عهده، وصك العملة بإسمه؟ فلماذا لم يظهر الروايات الصحيحة وبيّن التقية من غيرها؟

7.  لماذا أنتم الآن تستطيعون إظهار دينكم ومخالفة أهل السنة حتى في الدول التي تحكم سلاطينها على مذهب أهل السنة، وتجعلون من أئمتكم أدنى منكم وأجبن؟

أليس يجب أن يكون الإمام أشجع الناس، وأخشاهم لله؟

أترضون أن يكون الإمام أحمد بن حنبل الذي سجن وعذب وكاد أن يقتل بسبب كلمة واحدة أرادوا أن يقولها وهي ( القرآن مخلوق ) فلم يقلها، وتحمل أنواع العذاب بسببها خشية أن يأخذ العوام بقوله فيتحمل وزرهم أمام الله تعالى يوم القيامة؟

أترضونه أشجع وأتقى وأخشى لله من أئمتكم الذين حرفوا الدين دون وجود ما يبرر ذلك؟

خذ مثلا هذه الرواية: ( عن أبان بن تغلب، عن الربيع بن سليمان وأبان بن أرقم وغيرهم قالوا: أقبلنا من مكّه حتى إذا كنّا بوادي الأخضر إذا نحن برجل يصلّي ونحن ننظر إلى شعاع الشمس، فوجدنا في أنفسنا، فجعل يصلّي ونحن ندعو عليه حتى صلّى ركعة ونحن ندعو عليه ونقول: هذا من شباب أهل المدينة، فلمّا أتيناه إذا هو أبو عبد الله جعفر بن محمد ( عليه السلام )، فنزلنا فصلينا معه وقد فاتتنا ركعة، فلمّا قضينا الصلاة قمنا إليه فقلنا: جعلنا فداك، هذه الساعة تصلّي ؟! فقال: إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت)([96]).

قال المحقق للكتاب: ( أقول صدر الحديث يدلّ على أنّه كان مقرّراً عند الشيعة أنّه لا يدخل الوقت قبل مغيب الحمرة المشرقيّة، ولعلّة ( عليه السلام ) صلّى ذلك الوقت للتقّية، ويحتمل كونه صلّى بعد ذهاب الحمرة بالنسبة إلى الوادي، ويكون الشعاع خلف الجبل إلى ناحية المغرب، وقد رآه الجماعة من أعلى الجبل وقد ذكر ذلك الشيخ أيضاً، والله أعلم).

قلت: ما وجه التقية عند الإمام وهو يصلي بعيدا عن أعين الناس في وادٍ لا يحضره فيه أحد؟

أليس هذا طعنا بالإمام مقابل الحفاظ على الدين الذي يقول: ( ما خالف العامة ففيه الرشاد )؟

8.  وأخيرا: فإذا كان هذا هو حال أئمتكم، يحرفون الدين بالتقية ولا يبينون للناس ذلك فقد دخل الشك في كل ما قاله الإمام، وعندئذ فليس عندكم شيء صحيح مقطوع به يمكن الركون إليه والتعبد به!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

حقيقة الخلاف بين السنة والشيعة في القول بتحريف القرآن

إن أهم ما يسترعي إنتباه الباحث في موضوع تحريف القرآن بين السنة والشيعة، وموقف كل طرف منه، هو عدم وجود الذكر الصريح لتحريف القرآن عند أهل السنة لا بزيادة ولا بنقيصة كما هو الحال في روايات الشيعة، وقد أجمع أهل العلم من زمن الصحابة وإلى يومنا هذا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على سيدنا محمد  هو نفسه القرآن الموجود الآن بين المسلمين.

وهنالك من علماء الشيعة من يقول بنفس هذا القول، بل أن الشيخ الخوئي دافع حتى عن الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا عليا في الخلافة بعدم وجود الدواعي لديهم للقيام بتحريف القرآن.

يقول أبو القاسم الخوئي: ( أن القائل بالتحريف إما أن يدعي وقوعه من الشيخين، بعد وفاة النبي  وإما من عثمان بعد انتهاء الأمر إليه، وإما من شخص آخر بعد انتهاء الدور الأول من الخلافة، وجميع هذه الدعاوى باطلة.

أما دعوى وقوع التحريف من أبي بكر وعمر، فيبطلها أنهما في هذا التحريف إما أن يكونا غير عامدين، وإنما صدر عنهما من جهة عدم وصول القرآن إليهما بتمامه، لأنه لم يكن مجموعا قبل ذلك، وإما أن يكونا متعمدين في هذا التحريف، وإذا كانا عامدين فإما أن يكون التحريف الذي وقع منهما في آيات تمس بزعامتهما وإما أن يكون في آيات ليس لها تعلق بذلك، فالاحتمالات المتصورة ثلاثة :

أما احتمال عدم وصول القرآن إليهما بتمامه فهو ساقط قطعا، فإن اهتمام النبي  بأمر القرآن بحفظه، وقراءته، وترتيل آياته، واهتمام الصحابة بذلك في عهد رسول الله  وبعد وفاته يورث القطع بكون القرآن محفوظا عندهم، جمعا أو متفرقا، حفظا في الصدور، أو تدوينا في القراطيس، وقد اهتموا بحفظ أشعار الجاهلية وخطبها، فكيف لا يهتمون بأمر الكتاب العزيز، الذي عرضوا أنفسهم للقتل في دعوته، وإعلان أحكامه، وهجروا في سبيله أوطانهم، وبذلوا أموالهم، وأعرضوا عن نسائهم وأطفالهم، ووقفوا المواقف التي بيضوا بها وجه التاريخ، وهل يحتمل عاقل مع ذلك كله عدم اعتنائهم بالقرآن؟ حتى يضيع بين الناس، وحتى يحتاج في إثباته إلى شهادة شاهدين؟ وهل هذا إلا كاحتمال الزيادة في القرآن بل كاحتمال عدم بقاء شئ من القرآن المنزل ؟).

وأضاف: ( وأما احتمال تحريف الشيخين للقرآن - عمدا - في الآيات التي لا تمس بزعامتهما، وزعامة أصحابهما فهو بعيد في نفسه، إذ لا غرض لهما في ذلك، على أن ذلك مقطوع بعدمه، وكيف يمكن وقوع التحريف منهما مع أن الخلافة كانت مبتنية على السياسة، وإظهار الاهتمام بأمر الدين؟ وهلا احتج بذلك أحد الممتنعين عن بيعتهما، والمعترضين على أبي بكر في أمر الخلافة كسعد بن عبادة وأصحابه؟

وأما احتمال وقوع التحريف من الشيخين عمدا، في آيات تمس بزعامتهما فهو أيضا مقطوع بعدمه، فإن أمير المؤمنين - عليه السلام - وزوجته الصديقة الطاهرة - عليها السلام - وجماعة من أصحابه قد عارضوا الشيخين في أمر الخلافة، واحتجوا عليهما بما سمعوا من النبي  واستشهدوا على ذلك من شهد من المهاجرين والأنصار، واحتجوا عليه بحديث الغدير وغيره)([97]).

وأضاف قائلا: ( وأما احتمال وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد من الدعوى الأولى:

1 - لان الإسلام قد انتشر في زمان عثمان على نحو ليس في إمكان عثمان أن ينقص من القرآن شيئا، ولا في إمكان من هو أكبر شأنا من عثمان.

2 - ولأن تحريفه إن كان للآيات التي لا ترجع إلى الولاية، ولا تمس زعامة سلفه بشئ، فهو بغير سبب موجب، وإن كان للآيات التي ترجع إلى شئ من ذلك فهو مقطوع بعدمه، لأن القرآن لو اشتمل على شئ من ذلك وانتشر بين الناس لما وصلت الخلافة إلى عثمان.

3 - ولأنه لو كان محرفا للقرآن، لكان في ذلك أوضح حجة، وأكبر عذر لقتلة عثمان في قتله علنا، ولما احتاجوا في الاحتجاج على ذلك إلى مخالفته لسيرة الشيخين في بيت مال المسلمين، وإلى ما سوى ذلك من الحجج.

4 - ولكان من الواجب على علي  بعد عثمان أن يرد القرآن إلى أصله، الذي كان يقرأ به في زمان النبي  وزمان الشيخين ولم يكن عليه في ذلك شئ ينتقد به، بل ولكان ذلك أبلغ أثرا في مقصوده وأظهر لحجته على الثائرين بدم عثمان، ولاسيما أنه  قد أمر بإرجاع القطائع التي أقطعها عثمان. وقال في خطبة له: " والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق ".

هذا أمر علي في الأموال، فكيف يكون أمره في القرآن لو كان محرفا، فيكون إمضاؤه  للقرآن الموجود في عصره، دليلا على عدم وقوع التحريف فيه.

وأما دعوى وقوع التحريف بعد زمان الخلفاء فلم يدعها أحد فيما نعلم، غير أنها نسبت إلى بعض القائلين بالتحريف، فادعى أن الحجاج لما قام بنصرة بني أمية أسقط من القرآن آيات كثيرة كانت قد نزلت فيهم، وزاد فيه ما لم يكن منه، وكتب مصاحف وبعثها إلى مصر، والشام، والحرمين، والبصرة والكوفة، وإن القرآن الموجود اليوم مطابق لتلك المصاحف. وأما المصاحف الأخرى فقد جمعها ولم يبق منها شيئا ولا نسخة واحدة.

وهذه الدعوى تشبه هذيان المحمومين، وخرافات المجانين والأطفال، فإن الحجاج واحد من ولاة بني أمية، وهو أقصر باعا، وأصغر قدرا من أن ينال القرآن بشئ، بل وهو أعجز من أن يغير شيئا من الفروع الإسلامية، فكيف يغير ما هو أساس الدين، وقوام الشريعة؟ ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الإسلام وغيرها مع انتشار القرآن فيها ؟ وكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرخ في تاريخه، ولا ناقد في نقده مع ما فيه من الأهمية، وكثرة الدواعي إلى نقله، وكيف لم يتعرض لنقله واحد من المسلمين في وقته، وكيف أغضى المسلمون عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجاج، وانتهاء سلطته ؟

وهب أنه تمكن من جمع نسخ المصاحف جميعها، ولم تشذ عن قدرته نسخة واحدة من أقطار المسلمين المتباعدة، فهل تمكن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفظة القران؟ وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلا الله، على أن القرآن لو كان في بعض آياته شئ يمس بني أمية، لأهتم معاوية بإسقاطه قبل زمان الحجاج وهو أشد منه قدرة، وأعظم نفوذا، ولأستدل به أصحاب علي  على معاوية، كما احتجوا عليه بما حفظه التاريخ، وكتب الحديث والكلام، وبما قدمناه للقارئ، يتضح له أن من يدعي التحريف يخالف بداهة العقل، وقد قيل في المثل : حدث الرجل بما لا يليق، فإن صدق فهو ليس بعاقل)([98]).

مع هذا الكلام الجميل الذي يبرئ القرآن أولا من التحريف، ويبرئ ساحة الأمة الإسلامية في الصدر الأول من دواعي التحريف، إلا أنه عاد ـ وكعادة كل الذين ينتصرون لمذهبهم في الحق والباطل ـ عاد ليقول إن إعتماد طرق الروايات عند أهل السنة في جمع القرآن لا يثبت صحة هذا القرآن وسلامته من التحريف.

عاد ليقول: إن القول بنسخ التلاوة الذي يقول به أهل السنة هو بعينه القول بالتحريف والإسقاط. أو أن بعض الصحابة كانوا ينكرون كون المعوذيتن من القرآن، أو أن أهل السنة ينكرون كون البسملة آية من كل سورة، وبذلك يكونون قد أسقطوا من القرآن أكثر من مائة آية … إلخ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرد على الشبهات:

هذا ولقد زعم المستشرقون جملة من الطعون في سلامة القرآن من التحريف، وتبعهم الحسين النوري الطبرسي ومن وافقه الرأي من علماء الشيعة، وهي كلها طعون واهية مستندها الوهم والكذب، وسنذكر بعضها ورد أهل السنة عليها:

أولا: يقول النوري الطبرسي: إن اليهود والنصارى غيروا وحرفوا كتب أنبيائهم، فهذه الأمة لابد وأن تغير وتحرف القرآن، عملا بقول النبي  : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ). قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى ؟ قال: ( فمن ؟)([99]).

ليس في هذا الحديث الشريف أن كل ما وقع عند اليهود والنصارى سيقع في هذه الأمة، لأسباب:

1.  إن القرآن مستثنى من هذا العموم، لأن الله تعالى أوكل إلى اليهود والنصارى حفظ كتبهم، فلم يقدروا. في حين أن الله تعالى هو الذي تولى حفظ القرآن، لأنه خاتمة الكتب السماوية، فليس بعد قرآننا كتاب يستدرك ما حرف منه، ولا بعد نبينا نبي يصحح ما قد يقع فيه من تحريف. وهذا معلوم بالعقل قبل أن يعلم بالنقل.

2.  إن هناك أشياء كثيرة وقعت لدى بني إسرائيل لم تقع في أمة محمد  كعبادة العجل، وقتل الأنبياء. فليس معنى الحديث تشابه المسلمين في كل شيء وقع في بني إسرائيل.

3.  إذا كان إستدلال النوري الطبرسي بهذا الحديث يصح، فلماذا يبرئ ساحة الشيعة وأئمتهم من هذا القول؟ أليسوا من ضمن أمة محمد؟ بل في نظر البعض منهم أنهم هم أمة محمد دون من سواهم.

ثانيا: أما قولهم بأن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بتحريف القرآن، فهذا باطل أيضا لأسباب:

1.  إذا ثبت أن القول بنسخ التلاوة هو قول بالتحريف، فهذا أمر مشترك بين الطرفين، فكما نقلنا من قبل، فإن كبار علماء الشيعة قالوا بنسخ التلاوة، ولو جوازا دون الوقوع.

2.  بغض النظر عن كون القول بنسخ التلاوة هو قول بالتحريف من عدمه، فما رأينا أحدا من علماء الشيعة قد قال بأن نسخ التلاوة هو قول بالتحريف! وكيف يصح هذا الكلام مع إثبات هذا النوع من النسخ، وفي الوقت نفسه نفي وقوع التحريف في القرآن؟ ففرق كبير بين الإستدلال بقول أو رأي ومآله إلى التحريف وعدم إلتزام صاحبه بمآل قوله. وبين القول الصريح بوقوع التحريف في القرآن. فجميع الروايات الواردة في نسخ التلاوة عند أهل السنة هو في مقام النسخ. وفرق كبير بين القول بالنسخ، وبين القول بالتحريف.

3.  ما كان من القول بالنسخ فهو منسوب إلى الله تعالى، لا من عمل أحد من البشر. وهذا كلام لا طعن فيه، في حين أن مقصود من يقول بوقوع التحريف في القرآن هو ما كان من فعل البشر، فأين هذا من ذاك؟

قال الله تعالى: ] مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [[النساء/46]: ] يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [ [ المائدة/ 41]. فسواء فسر التحريف هنا باللفظ والمعنى، أو بأحدهما، فهو من فعل البشر. وهذا بعينه ما أراده النوري الطبرسي، حينما قال: ( إن ابن عفان لما جمع القرآن أسقط بعض الكلمات والآيات، وفيه ما أسقطه عثمان وإختلاف مصاحفه وما أخطأ فيه الكتّاب).

فهل لعاقل أن يقول: إن المراد من نسخ التلاوة هو قول بالتحريف سواء بسواء كما قال النوري الطبرسي من وقوع التحريف من عثمان، أو ما أخطأ فيه كتّاب المصاحف؟

4.  نسخ التلاوة حدث في حياة النبي  عندما كان القرآن ينزل والوحي يتتابع، فما ورد عن بعض الصحابة من قولهم: كنا نقرأ كذا وكذا، أو قولهم كنا نجد في السورة الفلانية كذا وكذا، وغير ذلك من الألفاظ، يحمل على أنها كانت من القرآن ثم نسخت في حياة النبي  ، هذا هو مقصود من يقول بالنسخ. فكيف نجعل هذا القول في خانة واحدة مع من يقول: نزلت الآية الفلانية هكذا ولكنهم حذفوها وغيروها، أو قول النوري الطبرسي فيما يرفعه إلى أئمته منسوبا إلى عمرو بن العاص: ( مُحي من كتاب الله ألف حرف وحرف بألف درهم ). ففرق كبير بين إنكار أو إثبات كلمة أو حرف أنفيها قبل جمع القرآن على صورته النهائية؛ وبين حذفها أو إسقاطها بعد تمام الجمع في عهد عثمان t .

5.  بملاحظة الآيات التي قيلت أنها كانت من القرآن ونسخت تلاوتها وحكمها، أو نسخت تلاوتها وبقي حكمها، لا تتجاوز بضع آيات، فإين موقع عدة آيات من الـ ( 1062 ) رواية ذكرها النوري الطبرسي في فصل الخطاب، بل أين موضعها من أكثر من ألفي رواية كما قاله نعمة الله الجزائري، بل أين موضعها مما قاله محمد باقر المجلسي : في معرض شرحه لحديث هشام بن سالم عن أبي عبد الله  قال : إن القرآن الذي جاء به جبرائيل  إلى محمد  سبعة عشر ألف آية " قال عن هذا الحديث : " موثق، وفي بعض النسخ عن هشام بن سالم موضع هارون بن سالم، فالخبر صحيح. ولا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً ، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر ؟)([100])

6.  وأيضا فقد قال كثير من علماء الشيعة أن ترتيب القرآن ليس بصحيح، وذلك لأن ترتيب بعض الآيات وسياقها وعلاقتها بالتي قبلها أو بالتي بعدها لا يخدم عقيدتهم في الإمامة وما يتعلق بها. فهذا شيخهم علي الحسين الميلاني يقول: ( ترون آية المودة مثلاً وضعت في غير موضعها، آية التطهير وضعت في غير موضعها، ترون آية (أكملت لكم دينكم) وضعت في غير موضعها )([101]). فهل في أهل السنة من يقول بمثل هذا القول؟

ثالثا: لو فرضنا جدلا ثبوت القول بالتحريف لكلا الطرفين، فإن الفرق يبقى قائما بينهما، لأن القول بالتحريف لاشك منسوب إلى الإمام المعصوم عند الشيعة، وكما يقول الخوئي: ( إن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين عليهم السلام ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر فلا حاجة بنا إلى التكلم في سند كل رواية بخصوصها)([102]).

فأين المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى من الصحابي، ذلك الإنسان المعرض إلى ما يعتريه ما يعتري بني البشر من سهو ونسيان وخطأ وغفلة؟

فقول الصحابي مردود إذا خالف قطعيا من الكتاب أو السنة أو العقل الصريح. وربما يقال: إجتهد وأخطأ، ولسنا ملزمين بإتباع أحد في كل شيء غير رسول الله  . والحمد لله لم يصدر عن معصومنا شيء يدل على تحريف القرآن.

فجميع ما يستدل به النوري الطبرسي والخوئي من إختلاف مصاحف الصحابة، أو إنكار أحدهم لشيء منه هو من هذا القبيل. أما بعد جمع عثمان للمسلمين على قراءة واحدة، فالحمد لله لم يظهر بين أهل السنة والجماعة من يقول أن هذا القرآن قد حذفت منه سورا أو كلمات أو حروفا كما في روايات الشيعة وأقوال الكثير من علمائهم.

كما أن الفرق يبقى قائما بين من يعتمد على الروايات فقط في نسبة القول بالتحريف إلى أحد، وبين من يقول ويستدل على وقوع التحريف في القرآن. بل ويبطل أدلة من يقول بعدم التحريف، كالنوري الطبرسي ومن لفّ لفه وقد أثبت في كتابه هذا أن القول بالتحريف هو مذهب عامة الشيعة، ولم يستثن منهم غير أربعة، ثم عاد لينقض رأيهم ويتهمهم بالقول بالتحريف بطريقة أو بأخرى.

رابعا وأخيرا: ما هو هدف كل من القائلين بالتحريف؟

هنالك ثلاث جهات طعنت في القرآن: وهم المستشرقون، والشيعة ومن نُسب إليه التحريف من أهل السنة، فما هو هدف كل فريق من هذا الطعن في القرآن؟ وما الذي يريدون أن يتوصلوا إليه؟ فإن الإنسان السوي لا يسعى ولا يتحرك بدون هدف أو نية.

أما بالنسبة للمستشرقين: فهدفهم واضح، ولا يحتاج إلى عناء كبير، ويمكن أن نختصر هدفهم بكلمة واحدة، وهو إسقاط حجية القرآن على نبوة سيدنا محمد r، ليتم من ورائه إسقاط الدين الإسلامي جملة وتفصيلا.

أما الشيعة: فما هو هدف القائلين منهم بالتحريف؟

إن الإنصاف يقتضي منا أن نقول: ليس من المعقول أن ينتمي الشخص إلى جماعة أو دين أو مذهب ثم يطعن فيه. هذا غير متصور إلاّ إذا قلنا أن إنتماء هذا الشخص لهذا الدين نفاق يتظاهر بالإنتماء وهو يريد أن يسقطه، لأنه قد يتهيأ له من الظروف والموضوعية ما لا يتوفر لمن هو في خارجه. فإن المسلم قد يغيظه القول من اليهود والنصارى، ولا يثق بقولهم في دينه. ولكن ربما يتقبل من الداخل فيه، لاسيما إذا غلف إدعائه بكلمات منمقة، وبعبارات رنانة، وتظاهر بحبه لهذا الدين وإقتدائه بأهل بيت نبيه r.

فهل كل القائلين بالتحريف من الشيعة هم من هذا النوع؟

الإنصاف يقتضي أن لا نعمم، فإن كان هدف النوري الطبرسي من كتابه هو إسقاط حجية القرآن، فإن آخرين منهم لا تصح نسبة هذا الهدف إليهم. ولكن من خلال الآيات التي قالوا بتحريفها، أو بأنها ليست في سياقها الصحيح يمكن للمرء أن يتوصل إلى نتيجة مفادها: هي أن إيمانهم بإمامة علي وأحد عشر من ولده من الله ورسوله، وإعتبارهم الإيمان بها من أصول الدين، وخلو القرآن من الإشارة الصريحة إليها، وثبوت نسبة جمع القرآن وحفظه وصيانته من التحريف للخلفاء الذين حكموا قبل علي بن أبي طالب جعلهم يتبنون هذا القول، إذ ليس من المعقول أن لا يحوي القرآن الكريم الذي هو دستور المسلمين وأصل أصول دينهم، أن لا يحوي ولو آية واحدة صريحة في أصل الإمامة. فلهذا ترى أن أكثر الآيات المحرفة عندهم هو في ما يتعلق بالإمامة لا غير.

أما الطرف الثالث: وهم أهل السنة والجماعة:

فمع عدم ثبوت نسبة القول إليهم في التحريف، إلا أن علماء الشيعة الذين نسبوا إليهم هذا القول، نسبوه إستدلالاً على إعتبار أن القول بنسخ التلاوة والحكم، أو نسخ التلاوة وبقاء الحكم هو نوع من القول بالتحريف. ولو أننا تنزلنا واعتبرنا نسخ التلاوة من التحريف، يبقى السؤال قائما: ماذا كان هدف القائلين بنسخ التلاوة، وما هو نوع الآيات التي قالوا بنسخ تلاوتها مع بقاء أو عدم بقاء حكمها؟

ومن خلال دراسة الطعون الموجهة إليهم نرى أن جميعها تدور حول محور آية ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) وأن عمر بن الخطاب قال: ( إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا r بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ r وَرَجَمْنَا مِنْ بَعْدِهِ وَإِنِّى خَشِيتُ - إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ الزَّمَانُ - أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَالرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا كَانَ مُحْصَنًا إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ حَمْلٌ أَوِ اعْتِرَافٌ وَايْمُ اللَّهِ لَوْلاَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَكَتَبْتُهَا).

والثانية آية الرضاع وهي المروية عن عائشة رضي الله عنها: ( كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله r وهن مما يقرأ). وقد قال إبن حجر في فتح الباري في حديث عائشة: ( لا ينتهض للاحتجاج على الأصح من قولي الأصوليين لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر فلم يثبت كونه قرآنا ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه والله أعلم).

ومع كل هذا فما هو الهدف من مثل هذه الأقوال؟ علما أن حكم الرجم ثابت في المحصن والمحصنة في عمل الرسول r وعمل الخلفاء الراشدين من بعده.

وبغض النظر عن ثبوت قرآنية آية الرجم أو عدم ثبوتها، فإنها منقولة في كتب الفريقين، وأن عمر لم يزد في كتاب الله تعالى، بل قوله هذا دليل على ورعه وخشيته أن يزيد في كتاب الله ما ليس منه.

فأين الطعن في كتاب الله؟ وما هدف ونية كل من عمر وعائشة في هذا القول؟ وما الذي يمكن أن يعود عليهما بالفائدة من هذا القول؟

الخاتمة

لما كان القرآن هو المعجزة الخالدة الباقية المحفوظة بحفظ الله تعالى وعنايته الدالة على نبوة نبينا محمد  وهو الدليل القاطع على أن الإسلام هو خاتمة الأديان السماوية، فالطعن فيه لا يقتصر على إعجاز القرآن فقط ـ كما يريد أن يتصوره البعض ـ بل إن التشكيك فيه، أو حتى في حرف أو كلمة من آية فقد ينتهي إلى التشكيك بنبوة محمد ، وأي تشكيك في نبوته ورسالته، فهو يعني التشكيك في الدين الإسلامي.

فالتشكيك وإن بدأ بحرف من القرآن، فإنه لاشك سينتهي بالتشكيك بالدين الإسلامي، لأن فقدان الثقة بحرف من القرآن يشمل كل آية منه، ومن ثم فإن التشكيك يسري مثلا على قوله تعالى: ] مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [ [الفتح/29]، فتبطل نبوة محمد . وقد يسري على قوله تعالى:] قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ [البقرة/144]. فتبطل قبلة المسلمين.

فإذا علمنا أنهم قد طعنوا من قبلُ في أصحاب النبي  ، وطعنوا في السنة النبوية الشريفة، لأنها من نقل الصحابة، والآن طعنوا في القرآن، فماذا بقي من الإسلام؟

ما هو البديل؟

ثم أن هؤلاء الطاعنين في هذه الأمور ماذا كان البديل عندهم؟

فبالنسبة إلى القرآن:

كان البديل عنه القرآن المحفوظ عند الإمام الثاني عشر، وأنه متى خرج ـ ولا أظنه خارجا ـ فإنه سيخرج القرآن الذي معه، وقد مضى عمر الأمة الإسلامية كلها بدون القرآن الصحيح، وهو إذا خرج فإنه سيخرج قبل قيام الساعة بوقت قليل. فماذا إستفادت الأجيال السابقة من قرآن ربهم؟

أما بالنسبة إلى سنة النبي  المنقولة عن طريق الصحابة فهي كلها باطلة جملة وتفصيلا، لأنها من نقل المغتصبين للخلافة، العاصين لأمر النبي  في غدير خم. ولكن ما هو البديل؟

البديل هو السنة المنقولة عن أئمة الشيعة الإثنا عشر، لكن ما حال المنقول منه؟ وما حال الناقلين؟

أما بالنسبة لأئمتهم:

فإنهم يعترفون أنهم عاشوا في خوف وتقية، وكانوا لا يستطيعون تغيير شيء من الدين، حتى وإن كان هو الخليفة، وكان عندهم من العلوم الكثيرة، والكتب القيمة التي فيها كل شيء حتى إرش الخدش، ولكنهم لم يستطيعوا أن يظهروها للناس، وامتزجت أحكام الدين المنقولة عنهم بالتقية، فلم يستطع علماء الشيعة الذين جاءوا بعدهم تمييز الصحيح من السقيم.

أما الناقلين:

فهم مجموعة من الناس مطعون فيهم من قبل أئمتهم، وكانوا يسكنون في الكوفة وإمامهم في المدينة المنورة، وقد طعن الإمام فيهم كثيرا، ولكن العلماء قد قلبوا الذم مدحا والمدح ذما. فمن أقوالهم:

ما جاء عن أبي الحسن  أنه قال: ( لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفة ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد ولو غربلتهم غربلة لم يبق منهم إلا ما كان لي إنهم طال ما اتكوا على الأرائك، فقالوا: نحن شيعة علي، إنما شيعة علي من صدق قوله فعله)([103]).

وعن أبي عبدالله  قال: ( إن ممن ينتحل هذا الأمر لمن هو شر من اليهود، والنصارى، المجوس، والذين أشركوا )([104]).

وأما جابر بن يزيد الجعفي الذي روى عن الأئمة سبعين ألف حديث فقد كان يسكن الكوفة وإمامه سواء محمد الباقر، أو جعفر بن محمد كانا في المدينة المنورة، فقد قال عنه أبو عبدالله  فيما يرويه الكشي عن زرارة قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن أحاديث جابر، فقال: ( ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة، وما دخل على قط ).

ولا أريد أن أطيل أكثر من هذا وحسبي قول نبي الله شعيب :] وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ[ [هود/88].

وقول الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله            عار عليك إذا فعلت عظيم.

أسأل الله تعالى أن يجمع شمل أمة محمد على نصرة كتابه ونصرة نبيه ودينه بالحق إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



 

 

                                                                           الفقير إلى عفو ربه

                                                                     إبن التركماني ( تركمان أوغلو )  

                                                                          1433هـ / 2012م

 

 

                                                                   

 

 

 

 

الفهرس

ت

الموضوع

رقم الصفحة

1

المقدمة

1-2

2

خطة البحث

3

3

الباب الأول

4

4

أهمية القرآن في حياة المسلمين

5-6

5

الفصل الأول: دلالة القرآن على نبوة سيدنا محمد r

7

6

المبحث الأول: الفرق بين معجزة القرآن ومعجزات الأنبياء

7-8

7

المبحث الثاني: دلالة العقل على حفظ القرآن

9

8

الفصل الثاني: خطورة القول بتحريف القرآن

10

9

المبحث الأول: التحريف بين القرآن والسنة

11-15

10

المبحث الثاني: المسلمون بين سنة النبي r وعترته

16-19

11

الفصل الثالث: هل يكفر من يعتقد بوجود التحريف في القرآن؟

20

12

المبحث الأول: هل القول بتحريف القرآن يرجع إلى إنكار الرسالة؟

21

13

مآل القول ولازمه ( لازم المذهب )

23-24

14

الباب الثاني: الشيعة وتحريف القرآن

25

15

الفصل الأول: أضواء على كتاب فصل الخطاب

26

15

المبحث الأول: أقوال علماء الشيعة في مؤلف فصل الخطاب

27-28

16

المبحث الثاني: موجز وملخص لكتاب فصل الخطاب

28-29

17

المبحث الثالث: القائلون بالتحريف من علماء الشيعة

30-35

18

المبحث الرابع: القائلون من الشيعة بسلامة القرآن من التحريف

35-36

19

المبحث الخامس: الحائرون من علماء الشيعة بين التحريف وعدمه

37-38

20

الفصل الثاني: المقصود من التحريف تحريف الكلمات

39-40

21

الفصل الثالث:  هل للشيعة قرآن آخر؟

41

22

المبحث الأول: الكتب الخاصة بالشيعة

41-43

23

المبحث الثاني: مصحف علي بن أبي طالب

44-45

24

الفصل الرابع: في ذكر بعض الآيات المحرفة

46

25

المبحث الأول: الولاية أساس القول بالتحريف

46-48

26

المبحث الثاني: لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة

49-51

27

المبحث الثالث: في ذكر تحريفهم لتأويل القرآن

51-53

28

الفصل الخامس: تأثير الإمامة على قراءة القرآن

54-56

29

الباب الثالث: موقف أهل السنة والجماعة من تحريف القرآن

57

30

الفصل الأول:مراحل وطريقة جمع القرآن

58-59

31

المبحث الأول: نزول القرآن وجمعه في عهد النبي الأكرم r

59-60

32

المبحث الثاني: الجمع الثاني للقرآن في عهد أبي بكر الصديق

61-62

33

الجمع الثالث للقرآن في عهد عثمان بن عفان

62-63

34

الفصل الثاني: النسخ في القرآن وأنواعه

64-65

35

المبحث الأول: المثبتون لأنواع النسخ من علماء الشيعة

66-68

36

المبحث الثاني: نسخ التلاوة في روايات الشيعة والتخلص منها

69-72

37

الفصل الثالث: حقيقة الخلاف بين السنة والشيعة في تحريف القرآن

73-75

38

الرد على الشبهات

76-79

39

الخاتمة

81-81

40

الفهرس

82-83

 


 

[1] - أنظر كتاب ( النبوة والنبي ) لإبراهيم الأميني: ص 138

[2] - صحيح مسلم

[3] - نهج البلاغة: ص253

[4] -  علي بن نايف الشحود : ( هداية القرآن للتي هي أقوم )

[5] - أنظر دلائل النبوة: للدكتور منقذ بن محمود السقار

[6] - رواه الحاكم في المستدرك (2/ 550)، وصححه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في دلائل النبوة (2/ 198).

[7] - رواه البيهقي في دلائل النبوة (2/ 204 - 205) وهو مرسل؛ لأن محمد بن كعب القُرظي تابعي، لكن يعضده رواية أخرى أخرجها البيهقي في الدلائل (2/ 202) وابن إسحاق في السيرة (1/ 187).

[8] - يوميات مسلم ألماني، د. مراد هوفمان (ص122).

[9] - أنظر دلائل النبوة: للدكتور منقذ بن محمود السقار

[10] - الرد على من ينكر حجية السنة للدكتورعبد الغني بن محمد عبد الخالق بن حسن بن مصطفى

[11] - أنظر فتح الباري وشرح النووي، وشرح محمد فؤاد عبدالباقي لصحيح مسلم.

[12] - نهج البلاغة: ص : 327

[13] - أنظر السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي.

[14] - الرد على من ينكر حجية السنة للدكتورعبد الغني بن محمد عبد الخالق بن حسن بن مصطفى

[15] - أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه- والسياق له-، وابن حبان في "صحيحه " عن ابن مسعود.

 

[16] - أصول الفقه:ج/2 ص40-42

[17] - أصول الكافي

[18] - أنظر الكافي، والبحار ، وموسوعة الإمام علي، نهج البلاغة.

[19] - نهج البلاغة: ص435

وإليك طرفا من روايات أئمة أهل البيت التي توصي بعرض ما جاء عنهم إلى سنة النبي r:

  1. نهج البلاغة عن علي (عليه السلام) : فانظر أيّها السائل؛ فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به، واستضئ بنور هدايته، وما كلّفك الشيطان علمه ممّا ليس في الكتاب عليك فرضه ولا في سنّة النبيّ(صلى اللّه عليه وآله وسلم) وأئمّة الهدى أثره، فكِل علمه إلى اللَّه سبحانه؛ فإنّ ذلك منتهى حقّ اللَّه عليك.
  2. الكليني في الكافي: عن أبي يعفور قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا تثق به؟ قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا فالذي جاء كم به أولى به.

[20] - إختلاف الحديث: من محاضرات السيستاني عام 1396هـ/ بقلم العلامة السيد هاشم الهاشمي.

[21] - العروة الوثقى ج1ص67 ط دار الإرشاد

[22] -  تحرير الوسيلة ج1ص118 ط اسماعيليان

[23] - المسائل الواضحة ج1ص22 ط مكتب الإعلام الإسلامي .

[24] - إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف:ص49-50

 

[25] - الدرة فيما يجب اعتقاده ص 218 - 221 = باختصار يسير . نقلا عن نواقض الإيمان القولية والعملية تأليف د. عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف - (ج 2 / ص 397).

[26] - الصارم المسلول: ص 586

[27] - المنهاج في شعب الإيمان 1/320 . نقلا عن نواقض الإيمان القولية والعملية تأليف د. عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف - (ج 2 / ص 399)

[28]- تفسير القرطبي 1/80 ، 81 .

[29] - رسالة في الرد على الرافضة ص 14، نقلا عن نواقض الإيمان القولية والعملية تأليف د. عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف - (ج 2 / ص400)

[30] - أنظر كتاب الكبائر للإمام الذهبي: ص 285

[31] -  الأصول العامة للفقه المقارن

[32] - إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف:ص53

 

[33] - أنظر نواقض الإيمان القولية والعملية: ص 85

[34] - النسخة التي إعتمدتها من كتاب فصل الخطاب، مخطوطة يدوية كتبها إبن ميرزا سيد محمد رضا أحمد الطباطبائي سنة 1292هـ.

[35] - نقلا عن كتاب الشيعة والقرآن للشيخ إحسان إلهي ظهير.

[36] - قلت: هذا الكلام رد على من قال أن صاحب فصل الخطاب إعتمد الأحاديث الضعيفة في كتابه، لأنه إمام أئمة الحديث والرجال في الأعصار المتأخرة.

[37] - لا أدري أهو من الآيات المحرفة أم لا ؟ لأنه قال بتحريف كثير من آيات القرآن.

[38] - نقلا عن الشيعة الإثنى عشرية وتحريف القرآن – للسيد محمد بن عبدالرحمن السيف

[39] - أعيان الشيعة جـ6 ص 143 .

[40] - الكني والألقاب: ترجمة النوري الطبرسي.

[41] - قال الخوئي في معجم رجال الحديث - (1 / 41): ( لذا نحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم الذين روى عنهم في تفسيره مع انتهاء السند إلى أحد المعصومين عليهم السلام. فقد قال في مقدمة تفسيره: ( ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا ، ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين

فرض الله طاعتهم . . ) فإن في هذا الكلام دلالة ظاهرة على أنه لا يروي في كتابه هذا إلا عن ثقة، بل استفاد صاحب الوسائل في الفائدة السادسة في كتابه في ذكر شهادة جمع كثير من علماءنا بصحة الكتب المذكورة وأمثالها وتواترها وثبوتها عن مؤلفيها وثبوت أحاديثها عن أهل بيت العصمة عليهم السلام أن كل من وقع في إسناد روايات تفسير علي بن إبراهيم المنتهية إلى المعصومين عليهم السلام، قد شهد علي بن إبراهيم بوثاقته، حيث قال: ( وشهد علي بن إبراهيم أيضا بثبوت أحاديث تفسيره وأنها مروية عن الثقات عن الائمة عليهم السلام ).

وقال الفيض الكاشاني في التفسير الصافي - (1 / 57): ( وأما اعتقاد مشايخنا (ره) في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي (ره) فان تفسيره مملو منه وله غلو فيه)

[42] ـ قلت: وهذا تصريح بيّن وواضح بنسبة التحريف إلى أئمة أهل البيت.

[43] - الأنوار النعمانية ( 2/360).

[44] - تفسير الصافي: ( 1/49 ).

[45] - قال النوري الطبرسي: وأروى هي أم عثمان بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.

[46] - بلغ عدد الروايات التي أوردها النوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب حول تحريف القرآن حوالي ( 1062 ) رواية. فتأمل.

[47] - كسف الغطا: ص99 / نقلا عن أصول مذهب الشيعة للدكتور ناصر القفاري.

[48] - البيان في تفسير القرآن : 262

[49] - البيان في تفسير القرآن: ص227

[50] - سنأتي على بعض هذه الأخبار لاحقا.

[51] - علّق أحد الأصدقاء هنا بالآتي: الظاهر أنه كان في المدينة معمل لصنع الأوراق كما نصنع الأقمشة في أيامنا هذه!!

[52] - الكافي ج : 1 ص : 239- 363

[53] - البيان:ص224

[54] - مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج 3، ص: 31

[55] - أصول الكافي: ص620

[56] - الكافي: ص633

[57] - الكافي - (ج 1 / ص 417)

[58] - الكافي ج : 1 ص : 424

[59] - الكافي: (1/424)

[60] - إعجاز القرآن ـ وهو الجزء السادس عشر من كتاب المغني في أبواب التوحيد والعدل.

[61] - ص: 237

[62] - كتاب الخصال: ص166

[63] - أبو مالك الموسوي: مراجعات في عصمة الأنبياء:ص421-422

[64] - بحار الأنوار: ( 2/194)

[65] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي - (2 / 212)

[66] - الكافي: باب اتباع الحج الزيارة ـ  ومن لا يحضره الفقيه: باب قضاء التفث ـ  وبحار الأنوار: ( 47/338).

[67] - روى العلامة المجلسي  في بحار الأنوار (27 / 197): عن الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: مر أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة وقنبر معه فرأى رجلا قائما يصلي فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا أحسن صلاة من هذا، فقال أمير المؤمنين: يا قنبر فوالله لرجل على يقين من ولايتنا أهل البيت خير ممن له عبادة ألف سنة، ولو أن عبدا عبد الله ألف سنة لا يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت، ولو أن عبدا عبد الله ألف سنة وجاء بعمل اثنين وسبعين نبيا ما يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت وإلا أكبه الله على منخريه في نار جهنم).

[68] - أنظر تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبدالجبار: ( 2/136).

[69] - البيان في تفسير القرآن:ص 124

[70] - البيان في تفسير القرآن: ص202

[71] - أنظر كتاب جمع القرآن للدكتور أكرم عبد خليفة.

[72] - الرد على من ينكر حجية السنة للدكتور عبد الغني بن محمد عبد الخالق بن حسن بن مصطفى

[73] - الرد على من ينكر حجية السنة للدكتور عبد الغني بن محمد عبد الخالق بن حسن بن مصطفى

[74] - أنظر المصدر أعلاه وقد نقله عن الإتقان للسيوطي: ( 1/126 ).

[75] - فتح الباري: ( 9/17).

[76] - أنظر كتاب جمع القرآن للدكتور أكرم عبد خليفة.

[77] - فتح الباري: ( 9/12-16 ).

[78] - أنظر تفصيل هذا الجمع في كتاب جمع القرآن للدكتور أكرم عبد خليفة.

[79] - لقد إختلف المسلمون في معنى الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن إلى أقوال كثيرة، إلا أن ذلك لا يطعن فيها لأن بعضا من العلماء نصوا على تواتر نزول القرآن على الأحرف السبعة. فكما أن إختلاف الناس في أصل الخط العربي لا يلغي وجوده؛ فكذلك إختلافهم في الأحرف السبعة لا يعني عدم حقيقتها. وهذا ليس من صلب موضوعنا فلا نتوسع فيه.

[80] - قال ابن كثير: الربعة: هي الكتب المجتمعة، وكانت عند حفصة رضي الله عنها، فضائل القرآن: 24.

[81] - أورده الحافظ ابن كثير عن ابن أبي داود، وقال: إسناده صحيح. فضائل القرآن:24/ والحافظ ابن حجر عنه أيضا مختصرا. فتح الباري: 9/ 23

والسيوطي عن أبي داود أيضا مختصرا. الإتقان: 1/ 131؛ وينظر: المصاحف: 1/ 22.

[82] -  كتاب جمع القرآن للدكتور أكرم عبد خليفة. قال: ينظر: فتح الباري: 9/ 26؛ الإتقان: 1/ 131.

 

[83] - لسان العرب، مادة (نسخ): 3/ 61؛ والقاموس المحيط: 1/ 281؛ مختار الصحاح: 656

[84] - فتح المنان في نسخ القرآن، علي حسين العريض: 28

[85] - مقدمة تفسير التبيان.

[86] - تفسير البغوي.

[87] - ص( 1/44 ).

[88] - ص: 163-165

[89] - ص: 168

[90] - ص:171

[91] - الذريعة في أصول الشيعة: ( 1/445 ).

[92] - إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 479

[93] - عقائد الإمامية للمظفر: ص 80

[94] - الكافي: باب التقية ـ ص: 218

[95] - الكافي والإستبصار والتهذيب.

[96] - وسائل الشيعة: ( 4/181 ) قال المحقق للكتاب: ( أقول صدر الحديث يدلّ على أنّه كان مقرّراً عند الشيعة أنّه لا يدخل الوقت قبل مغيب الحمرة المشرقيّة ، ولعلّة ( عليه السلام ) صلّى ذلك الوقت للتقّية ، ويحتمل كونه صلّى بعد ذهاب الحمرة بالنسبة إلى الوادي ، ويكون الشعاع خلف الجبل إلى ناحية المغرب ، وقد رأه الجماعة من أعلى الجبل وقد ذكر ذلك الشيخ أيضاً ، والله أعلم .

 

[97] - إن أهم ما يثير الانتباه هو أن الآيات التي يستدل بها الشيعة على الإمامة بشكل عام وإمامة علي بشكل خاص لم يستدل بها سيدنا علي نفسه ولم يحتج بها على إمامته مما يدل على أنها من تأويلات علماء ومتكلمي الشيعة لاسيما المتأخرين منهم، وكذلك الحال بالنسبة لأغلب الأحاديث التي يستدلون بها فان عليا t لم يستدل بها ولم يشر إليها لا من قريب ولا من بعيد!  وهذه روايات السقيفة وما بعدها في كتب التاريخ، فليخرجوا لنا رواية واحدة صحيحة أن عليا إحتج في زمن الخليفتين أبي بكر وعمر بشيء من هذه الآيات والأحاديث ؛ مما يدل دلالة قاطعة على أنها من إما من وضع رواتهم أو من التأويلات المتعسفة لعلمائهم . وأما ما مذكور في كتبهم من الإحتجاجات في هذا الشأن ـ لاسيما في نهج البلاغة ـ فهي وإن كنا نقطع بعدم صحة نسبتها إليه، إلا أنها كانت متأخرة عن زمن الخلفاء الثلاثة قبله، بل أكثرها وردت في إحتجاجاته مع معاوية.

 

[98] ـ البيان في تفسير القرآن: ص216-220

[99] - صحيح البخاري.

[100] - مرآة العقول الجزء الثاني عشر ص 525 .

[101] - عدم تحريف القرآن: ص14

[102] - البيان في تفسير القرآن: ص 227

[103] - الكافي: ( 8/229).

[104] - أنظر معجم رجال الخوئي.


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: