كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
الهويَّة السُّـنِّية… صراعٌ من أجل البقاء --- دراسات قكرية --- موسوعة الرشيد
دراسات قكرية
الهويَّة السُّـنِّية… صراعٌ من أجل البقاء الهويَّة السُّـنِّية… صراعٌ من أجل البقاء
اضيف بتأريخ : 10/ 01/ 2013

لم يكن سهلاً قط، بالنسبة للسُّـنَّة العرب في العراق الحديث عن “هويَّةٍ سُـنَّيةٍ” خاصَّةٍ بهم تميِّزهم عن سواهم من المكوِّنات الأخرى للشعب العراقيّ، فقد كان هذا الحديث بمثابة إقرارٍ ضمنيٍّ بما أصرَّ السُّـنَّة العرب (ولا يزال بعضهم) على رفضه وتجاهله.. لكنَّ السُّـنَّة العراقيين الآن، ونخصُّ بالذكر الآن العرب منهم، أمام مرحلةٍ لم يعد مجدياً الرفض فيها، لأنَّ هويَّتهم ووجودهم صارا مهدَّدين أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، لم يعد أمام السُّـنَّة العرب خيارٌ، إمَّا أن يكون لديهم هويَّةٌ سُـنِّيَّةٌ واضحةٌ معلنةٌ، أو أن يرضخوا لمشروعٍ يستهدف تشييعهم أو على الأقلِّ تذويبهم في المشروع الإيرانيِّ الجاثم على العراق، وهو المشروع الذي لا مفرَّ من الإقرار بتخندقه خلف نسبةٍ لا بأس بها من الشعب العراقيِّ.. (حتى الآن..). السُّـنَّة العرب هم أوَّل من رفض هذا الحديث عن الهويَّة السُّـنِّية، منذ أن بدأ الحديث الطائفيّ والمحاصصة صراحةً بعد الاحتلال، والسُّـنَّة العرب يحاولون عبثاً النأي بأنفسهم عن التصريح بهويَّةٍ طائفيَّةٍ، وبينما سارع الآخرون لإعلان “البيت الشيعيِّ”، كان هؤلاء يحاولون الحديث عن عراقٍ موحَّدٍ يضمُّ الجميع.. جزءٌ من هذا الرفض كان يعود لرواسب الفكر البعثيِّ القوميِّ الوطنيِّ الذي لم يكن من الممكن الحديث معه عن طائفةٍ، ناهيك عن الحديث عن هويَّةٍ طائفيَّةٍ، الأجيال التي نشأت على حكم البعث منذ أواخر الستينات من القرن الماضي تعلَّمت أن ذكر أنك سُنِّيٌّ أو شيعيٌّ “عيبٌ” باعتبار أنَّه “ماكو فرق”.. كان ذلك عهداً انقضى.. ونعرف كيف انقضى.. تلك الأحلام الجميلة والمفعمة بالأناشيد الوطنيَّة لا يمكن لها أن تغيِّر واقعاً كابوسيَّاً جاثماً على صدور العراقيين الآن… إن كنت لا تريد الحديث عن هويَّتك (كي لا تفرِّق ولكي تحافظ على هويَّةٍ وطنيَّةٍ موحَّدةٍ) فهذا شأنك وخيارك.. لا تتوقَّع أن يتَّخذ الآخرون الموقف نفسه مجاملةً لك. وهذا ما حدث.. نأى السُّـنَّة العرب عن الحديث عن هويَّةٍ طائفيَّةٍ صريحةٍ مراعاةً للوحدة الوطنيَّة التي اتَّضح أنَّها مثل الغول والعنقاء والخلِّ الوفيِّ (على الأقلِّ فيما يتعلَّق بشكلها في الدول العربيَّة القديمة).. بينما انهمك “المكوِّن العراقيُّ الآخر” في تثبيت هويَّته والإعلان عنها والتشبُّث بها، وهو ما كان له أثرٌ كبيرٌ لاحقاً على معطيات الأمور، فمن لا يبرز هويَّته يبدو كمن لا وجود له، على العكس من المبرزين لها الذين ظهروا أضعاف حجمهم ونسبتهم الحقيقيَّة بسبب الفراغ الذي أحدثه إحجام الآخرين عن إبراز هويَّتهم.. مشكلة هويَّة الآخر ليس فقط في كونها تُبرِز حجمه وقوَّته أكثر، بل مشكلته أنَّ هويَّته لا معنى لها، بل لا وجود لها، دون أن يكون مهاجماً للسُّـنَّة.. جوهر الهويَّة الشيعيَّة يرتكز على أمرين لا يمكن التخلي عنهما: أوَّلاً- المطالبة بالحقِّ المغتصب (الخلافة بزعمهم) ثانياً- المطالبة بثارات الحسين.. لا حديث عن هويَّةٍ شيعيَّةٍ دون هذين الأمرين. لن يبقى شيءٌ من التاريخ الشيعيِّ إن تمَّ السكوت عن هذين المعتقدين القائمين على الصدام مع السُّـنَّة (باعتبارهم اغتصبوا الخلافة بزعم الشيعة، وباعتبارهم قتلوا الحسين – كذباً وافتراءً)… وفي الحالتين، فإنَّ السُّـنَّة بكلِّ أطيافهم سيجدون أنفسهم في مواجهة هذه الهويَّة الشيعيَّة… ماذا يعني إظهار الهويَّة الشيعيَّة؟ يعني أن تجد نفسك محاصراً طيلة الوقت باللطم على الحسين وفق أنغامٍ تتَّهمك بين لحنٍ وآخر بقتله.. يعني أن تجد المطالبة بالثأر للحسين على الجدران في المؤسسات الحكوميَّة وعلى البيوت وعلى السيارات وفي الشوارع.. أن تجد ابنتك تكتب على رأس ورقة الإملاء “يا لثارات الحسين” لأنَّ كلَّ زميلاتها يفعلن ذلك… في كلِّ خطوةٍ ستجد الهويَّة الشيعيَّة تستهدفك، أن تجد نفسك متَّهماً في جريمةٍ تؤمن أنَّها لم تحدث أصلاً، ويؤمن هؤلاء أنَّها السبب في وجودهم على هذه الكرة الأرضيَّة.. لا جدوى من الإنكار.. لا جدوى من الحديث عن هويَّةٍ وطنيَّةٍ واحدةٍ في هذا السيل الجارف من الهويَّة التي لا تراك إلا عدوَّاً لها، بل ترى في الانتقام منك السبب الذي خلق الله البشريَّة من أجله… بالضدِّ تتميَّز الأشياء، وبالتمايز يكون التعريف، وهذه الهويَّة الشيعيَّة (المدعومة بلا شكٍّ من الحكومة الإيرانيَّة وأجنحتها ولكن أيضاً التي تجد هوى من الشيعة العاديين غير المسيَّسين) هذه الهويَّة لا تنفكُّ تضع السُّـنَّة العرب في العراق في موضعٍ لم يكونوا يريدونه أصلاً، لكنَّه حدث. لم يعد الحديث عن الهويَّة السُّـنِّية خياراً، صار معركة صراعٍ من أجل البقاء، إمَّا أن تتمسَّك بسنيَّتك وتظهرها، أو تذوب في ذلك التيار الجارف، رغم مفارقته لكلِّ ما هو عقلانيٌّ وحضاريٌّ وأخلاقيٌّ… هذه الهويَّة الشيعيَّة لا تقتصر على من هو سُنِّي متديِّن، بل هي تشمل كلَّ سُنِّي ولو كان علمانيَّاً أو ملحداً، كلُّ من ينتمي لأسرةٍ أو عشيرةٍ سُـنِّية الأصل سيجد نفسه معرَّضاً للإقصاء والتهميش (وفي مراحل أخرى للقتل أو الاعتقال)، وهكذا فقد اعتُبر الملحد سنيَّاً، واعتُبر العلمانيُّ سنيَّاً، واعتُبر الليبراليُّ سنيَّاً فقط لأنَّهم ينتمون للقبٍ سُنِّيٍّ، حتى لو لم يشكل شيئاً في أوَّلويَّاتهم وعقيدتهم.. لقد عوقبوا (جماعيَّاً) على اغتصاب الخلافة وقتل الحسين.. (ولا يمكن لك أن تحيِّد نفسك بترك التسنُّن ومظاهره، لكن سينفعك حتماً أن تتشيَّع وتظهر التشيُّع، هذا هو طريق النجاة الوحيد من تهمة قتل الحسين واغتصاب الخلافة…) بهذا المعنى، فالحديث عن الهويَّة السُّـنَّيَّة له ثلاثة مستوياتٍ لا بدَّ من توضيحها: المستوى الأول: الهويَّة السُّـنِّية بمعناها العامِّ جداً، والذي يشمل العلمانيين والليبراليين – وحتى القوميين الذين هم الأشدُّ عداءً لهذا الحديث- شاؤوا الآن أم أبوا، هي هويَّة الانتماء التاريخيِّ للأمَّة الإسلاميَّة وحضارتها.. (بكلِّ ما في هذا التاريخ من منجزاتٍ، وما فيه أيضاً من أخطاء..) الهويَّة الشيعيَّة ترفض هذا التاريخ جملةً وتفصيلاً، وتُصِرُّ على اعتباره مجرَّد غلطةٍ ناتجةٍ عن اغتصاب الخلافة، ولا تقدِّم أيَّ تاريخٍ بديلٍ بالمقابل (لعدم وجوده!).. هذه الهويَّة الأوسع لا تشمل التديُّن السُّنيَّ أو مظاهره أو شعائره (القليلة أصلاً)، بل تشمل الإيمان بالأمَّة الإسلاميَّة بمعناها التاريخيِّ، بقدرة هذه الأمَّة على العطاء والإبداع، وبتاريخٍ مجيدٍ بين تاريخ الأمم، هذه الهويَّة التي تتصادم مع هويَّة اللطم والعويل على التاريخ، يمكن أن يجد العلمانيُّون والليبراليُّون والقوميُّون أنفسهم فيها.. ويجب إبرازها بوجه هويَّةٍ تريد إلغاء التاريخ لصالح جهةٍ معيَّنةٍ كان تاريخها سلسلةً من الفشل المتكرِّر.. إنَّها هويَّة الرشيد، والمأمون، وبيت الحكمة، والمستنصريَّة، والأندلس، وكلِّ المنجزات العلميَّة التي تحقَّقت في العهود الإسلاميَّة اللاحقة التي يرفضها الشيعة جملةً وتفصيلاً.. إنَّها هويَّة العدالة الاجتماعيَّة التي تحقَّقت في عهود الخلافة الراشدة ومستوى العدالة الذي بقي يُعَدُّ قياسيَّاً بالنسبة لتجارب حضاريَّةٍ أخرى.. المستوى الثاني من الهويَّة السُّـنِّية: هي هويَّة أهل السُّـنَّة بالمعنى العريض، والتي تشمل اليوم بعض الفرق التي ليست على وفاقٍ فيما بينها، ولكنَّها بالتأكيد تقف جميعاً بعيداً عن المشروع الشيعيِّ- بمسافةٍ ليست واحدةً، لكن كافيةٌ لكي تتوحَّد فيما بينها… تشمل هذه الهويَّة ما يمكن أن نسمِّيه السُّـنَّة المتديِّنين، بغضِّ النظر عن تصنيفهم في هذا التديُّن (سلفيّ أو صوفيّ، مع وجود تصنيفاتٍ فرعيةٍ لكلِّ تصنيفٍ).. أي سُنِّي متديِّن، مهما كان فهمه بسيطاً أو سطحيَّاً، لا يمكن إلا أن يجد نفسه على صدامٍ مع هويَّةٍ شيعيَّةٍ تعُدُّ أبا بكرٍ وعمر “صنمَي قريشٍ”.. بالنسبة له لم يبلغ الإسلام مداه وعزَّه ومجده، ولم يصل إلى مشارق الأرض ومغاربها إلاَّ عبر هذين الرجلين ومن اتَّبعهما.. فكيف يمكن له إلاَّ أن يجد في الهويَّة الشيعيَّة تهديداً له؟ وكيف يمكن له إلاَّ أن يتمسَّك بهذه الهويةَّ “السُّـنِّية العامَّة”، ويظهرها، عبر التمسُّك بما يمثّله أبو بكر وعمر ومنجزاتهما وسيرتهما، وكلُّ ما حقَّقاه وحُسِب رصيداً للإسلام.. ليس هناك في مواجهة الهويَّة الشيعيَّة إلا إظهار “التمسُّك” بكلِّ مَنْ يعدُّ الشيعةُ سبَّه ولعنه جزءاً من هويَّتهم: أبي بكر، عمر، عائشة… المستوى الثالث من الهويَّة السُّـنِّية: هو الأقلُّ انتشاراً حاليَّاً، ولكنَّه أيضاً الأكثر وعداً بتحقيق ما هو أكثر من مجرَّد ردِّ الفعل الذي يتمثَّل في المستويين الأولين. هذا المستوى يستند على وجود مشروعٍ سُنِّيٍّ حقيقيٍّ، مشروعٍ إسلاميٍّ يجد في الإسلام رؤيةً كونيَّةً –حضاريَّةً – اجتماعيَّةً لبناءٍ جديدٍ.. هذا المستوى يتجاوز العراق وسُـنَّة العراق حتماً.. فهو أكبر من أن يكون مختصَّاً بقطرٍ أو بلدٍ معيَّنٍ، بل هو مسؤوليَّةٌ جماعيَّةٌ.. لكنَّ قُرب العراق وسُنَّته من مشروع الطائفة الأخرى يجعلهم الأكثر تحسُّساً للحاجة إلى هذا المشروع السنيِّ البديل.. المستوى الأولى من الهويَّة السُّـنِّية يستند إلى التاريخ وعمقه، فيجد فيه كلُّ من هو غير إسلاميّ امتداده وجذوره، حتى لو أسكنها لاحقاً في تربةٍ مغايرةٍ لثوابت هذا التاريخ ومقدَّساته.. المستوى الثاني يخصُّ التديُّن في أبسط وأنقى مظاهره، والذي يجد فيه كلُّ ملتزمٍ بأدنى التزامٍ دينيٍّ نفسه بعيداً عن مظاهر الغلوِّ والشرك والباطنيَّة التي جعلت من الإسلام ديناً باطنيَّاً كلُّ النصوص الدينيَّة فيه تعني عكس ما يبدو من ظواهرها.. والمستوى الثالث هو المتَّجه إلى المستقبل… هو الذي يبادر بالفعل والبناء سواءٌ أكان هناك مشروعٌ شيعيٌّ أم لم يكن.. هو الذي يعُدُّ القرآن والسُّـنَّة منصَّة انطلاقه نحو مستقبلٍ أفضل، بالضبط كما كان بالنسبة لأبي بكرٍ وعمر.. المصدر : موقع القران من أجل النهضة


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: