نظرات في مسيرة حزب الدعوة الاسلامية --- دراسات ميدانية --- موسوعة الرشيد
دراسات ميدانية
نظرات في مسيرة حزب الدعوة الاسلامية
اضيف بتأريخ : 26/ 06/ 2010

  

 موسوعة الرشيد / خاص

فرات ناجي

 

حزب الدعوة الاسلامية , اول حزب سياسي شيعي في العراق , تأسس في ظل المرجعية ورعايتها , قبل ان يتحول الى ضحيتها الاولى , كان يعرف اولا ب (الحزب الفاطمي) ويدعو الى تجديد المؤسسة الدينية التقليدية .

من الناحية الواقعية , فهو العباءة التي خرج من تحتها كل التشيع الحركي , وبقي وحده في الساحة حتى ثمانينيات القرن الماضي .

في تاريخ تاسيسة عدة اقوال , فمن قائل انه تاسس في 12 تشرين اول 1957 الى قائل انه تاسس بانه ولد بشكله النهائي عام 1968 , الا ان نشاطه الفعلي في الساحة العراقية بدا اوائل السبعينات .

قياديو الحزب ينضرون من المواليد اللاحقة لعام 1957 , خصوصا القول بانه جاء ردة فعل على صعود الشيوعية , وبعد انقلاب 14 تموز 1958 , اذ يرتبط ذلك بتهمة تاريخية توجه للحزب , بان وراء تاسيسه جهد بريطاني – شاهنشاهي مشترك كسلاح في سياق الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي , هذه التهمة قال بها مسؤولون ايرانيون بعد الثورة , بل ينسب الى الخميني قوله بانه تحدث بها , لذا فان الراي السائد الذي تتداوله ادبيات الحزب , واخذ به اكثر الذين كتبوا عن الحزب , انه تاسس عام 1957.

وقد كان النشاط الشيوعي –خصوصا في اربعينيات القرن الماضي- امتد بشكل كبير في الاحياء الشيعية ببغداد وعموم الجنوب العراقي , وامتد لثلاثة عقود , بل كان للحزب الشيوعي وجود حتى في النجف في حين استعصت عليه محافظة الانبار .

ضمت هيئة تاسيس الحزب محمد باقر الصدر , و محمد باقر الحكيم , و مرتضى العسكري , و محمد مهدي الحكيم , و طالب الرفاعي , و محمد صادق القاموسي , وعبد الصاحب دخيل , و محمد صالح الاديب , وفي الاجتماع الاول الذي عقد في منزل المرجع الاعلى محسن الحكيم في النجف , رسمت الخطوط الاولى للتنظيم وحددت اساليب العمل , ولختيرت اول ثيادة للحزب ضمّت محمد باقر الصدر , والاخوين محمد مهدي الحكيم , ومحمد باقر الحكيم , ومرتضى العسكري , ومحمد صادق القاموسي .

كان لقيادات الصف الاول فيه , صلات قوية مع (الاحزاب السنية) : الاخوان المسلمين , وحزب التحرير الاسلامي , اللذين نشطا في الاربعينيات , فكان مرتضى العسكري يقول :( لقد كنت على صلة ببعض الاحزاب الاسلامية , وبانصار مدرسة الخلفاء -يعني اهل السنة- وحزب التحرير الاسلامي والاخوان المسلمين وذلك للقيام بعمل مشابه)) ويمتد الارتباط التنظيمي لبعض مؤسسي الحزب , مثل مرتضى العسكري نفسه , وطالب الرفاعي , والشيخ عارف البصري , وعبد الهادي السبيتي , ولكن ذلك لم يكن يقف حائلا دون نزوع حزب الدعوة عمليا , نزوعا طائفيا ظهر في وقت مبكر من التاسيس لم تخفف من وقعه مواقف وتصريحات لمحمد باقر الصدر وغيره , فقد اثار اختيار السبيتي لقيادة الحزب عام  1963 ازمة داخلية لانه -السبيتي- كان يدعو الى المنهج اللامذهبي في الحزب .

كان اولئك المؤسسون يرون انهم اخذوا فكرة (رفض قصر الاسلام على الشعائر) من الاحزاب السياسية , ولا يذهبون الى ابعد من ذلك في الواقع العملي ,و وعموما فان فكرة تاسيس حزب سياسي كانت مغامرة لولا دعم المرجعية و كتب مرتضى العسكري , ((لقد كان الحديث حول حزب اسلامي في بيئتنا كالحديث عن الكفر))!

مراحل الحزب

مر الحزب باربع مراحل في مسيرته السياسية , تتمحور حول مبدا ولاية الفقيه قربا او ابتعادا

1-     مرحلة نظرية الشورى :

اعتبر الحزب فيها –عبر الصدر الاول-مبدا الشورى هو الاساس في شرعية الحكم الشوروي , ولكنه ليس بالضرورة المبدا الوحيد , ويميل الى منح المجتهد دورا رئيسيا حتى في نظام الشورى , فهو الذي يتولى مسؤولية لا يشاركه فيه الاخرين.

2-     مرحلة نظرية ولاية الفقيه:

في نهاية السبعينيات , تبدلت قناعة محمد باقر الصدر نحو الاخذ بمبدا (ولاية الفقيه ) وقد كتب في تلك المرحلة (لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الاسلامية) الذي صدر بعد انتصار ثورة خميني عام 1979 , وفيه ينطلق الصدر من فكرة ان وجود المجتهد المتصدي للحكم . هو اساس شرعية الحكومة , ومن وجوده تكتسب بقية مؤسسات الدولة شرعيتها , غير انه يرى ان دور الامة لا يقيده وجود الفقيه , وقد كان معروفا ان الاتجاه السائد في ايران الثورة , كان نبذ اية فكرة تتعارض مع ولابة الفقيه , وكان يرفع هناك شعارات (الموت لمن يعارض ولاية الفقيه) .

وهذه النقطة بالذات سببت ضغطا هائلا على الحزب عند هروب قياداته الى ايران واتخذت ذريعة للانشقاقات اللاحقة , وسلاحا بيد خصوم الدعوة , فقد كان محمد باقر الحكيم يتهم الحزب دائما بانه يعادي الجمهورية الاسلامية ولا يؤمن بولاية الفقيه وهي تهمة كان يرددها كل من خرج من الحزب ليعود الى احضان المرجعية او دولة الولي الدينية مثل على الكوراني

3-     الدمج بين الشورى وولاية الفقيه :

بعد عقد على تجربة (الدولة الاسلامية) في ايران , التي تتبنى اطروحة ولاية الفقيه , وبروز مشاكل فقهية اضطرت تحت تاثيرها القيادة الايرانيه الى تعديل الدستور , والفصل بين المرجعية الدينية وولاية الفقيه , وظهور انماط من الاستبداد بالسلطة , فضلا عن استبعاد التعددية السياسية والمذهبية , ادرك الحزب مشاكل نظرية ولاية الفقيه في حال تطبيقها بالعراق المختلف سياسيا ومذهبيا عن ايران , لذل راىالدمج بين النظريتين , واعتبر ان هناك قضية واقعية تعيشها الامة الاسلامية ينبغي ان تلاحظ بدقة وعناية : هي تعدد المذاهب الاسلامية في بعض البلاد الاسلامية مثل العراق.

 4-     النظام البرلماني الدستوري :-

بعد احداث الشغب التي تلت خروج الجيش العراقي من ايران, تحت تاثير الضربات العسكرية من الولايات المتحدة وحلفاؤها , برزت لدى حزب الدعوة الحاجة لتطوير مشروع قادر على استيعاب كل الشعب العراقي , ويلبي حاجات الواقع , فطرح مشروعه الجديد في 1992 بكتيب عنوانه (برامجنا) في بدايته يشير الى الى ان البرنامج السياسي الاسلامي يتمتع بخصوصيتين اساسيتين هما , الصلابة والمرونة فيما تتطلبة الاحكام الثابتة والمرنة , ويكون جديدا باستيعاب كل المتغيرات , ومن موقع الانفتاح على الساحة والعوامل المؤثرة فيها , ويلاحظ ان مشروع الحزب لنظام الحكم في العراق ابتعد كليا عن مبدا ولاية الفقيه , ولم يعد الحزب يذكرها في ادبياته , اذ عاد الى مبدا الشورى الذي كان تبناه في الستينيات , ولم تعد لديه تحفظات على النظام الديمقراطي والتعددية الحزبية بما فيها (العلمانية).

 الوقوع بين مشكلة سلطة الحزب وسلطة المرجع

يلاحظ على مسيرة حزب الدعوة , انها واقفة تحت مبدا ثابت , عرضته طوال تاريخه الى الصدمات والنكسات , وتسببت في انشقاقاته الكثيرة ,هذا المبدا هو الحاجة الى القائد الرمز , ولكن لوحظ ايضا ان الحزب تتوقف مرحليته –مع ذلك- عندما يحالو المرجع ان يتصدى للسلطة او يقف منها موقفا عدائيا واضحا .

ولم يكن الفراغ الذي تركه محمد باقر الصدر باعدامه في نيسان 1980 , بالذي استطاع الحزب ان يملاه , فلا مرتضى العسكري ولا الآصفي ولا الحائري او الكوراني استطاعوا الحلول محل الصدر , برغم انهم تركوا بصمات حادة في مسيرة الدعوة , تلك البصمات اسهمت –في الواقع- بجر الحزب الى ازمات فكرية , وبالطبع فان مبدا (الولاية) كان اول اسباب تلك الازمات.

فضلا على امر نتج عن ذلك , وهو ان القيادات من المعممين كانوا سرعان ما يتركون الحزب , لان طموحهم في القيادة كانت فرصة تحقيقها خارج الحزب اكبر  وفي نطاق المرجعية ومؤسساتها.

بعد اعدام الصدر الاول ثم عارف البصري وعبد الهادي السبيتي , والطبقة الاولى من كوادر الحزب في السبعينات , كان الحزب واقفا يتلقى الصدمات ويحاول امتصاصها فيما بقى من مرحلته التكوينية , وكانت اقوى الضربات بعد اعدام الصدر الاول , اعدام المجموعة التي تعرف في المصادر الشيعية بـ (قبضة الهدى) وهم : عارف البصري وعز الدين القبانجي وحسين جلوخان وعماد الدين الطباطبائي ونوري طعمه.

ومع ان الحزب استطاع كسب الالاف من الشباب الشيعي الى صفوفه , خلال العقد الاول من تاسيسه ,وان سريةالعمل وانسحاب الصدر الاول منه في بدابة الستينات بتوجية من المرجع محسن الحكيم الذي امر ابنيه محمد مهدي الحكيم ومحمد باقر الحكيم بالنسحاب ايضا , ويقال ان الحكيم وجه على مقلدية بعدم الانتماء للحزب , وذلك كله ف ضلا عن الضربات المتلاحقة من الدلوة اضعف الحزب كثيرا , يضاف الى ذلك ايضا , ان محمد باقر الصدر خوفا من الضربات القوية التي كانت تتلقاها قوى حزب الدعوة , منع منتصف السبعينيات اياً من مؤيديه –صراحة- من الانظمام الى اي حزب , حتى ان كان الحزب اسلاميا , وهي اشارة واضحة الى حزب الدعوة.

لم تستطع مرجعية الحكيم التي نشا حزب الدعوة في ظلها ان تقف موقفا بوجه الدولة العراقيه بعد 1968 , مثلما كانت تفعل مع حكم عبد الكريم قاسم والاخوة العارفيين , ولا استطاعت انتقاد قرار لها . او رمز من رموزها .

ويدعي الشيعة ان حزب البعث حاول اجراء حوار مع المرجعية , الا ان الحكيم –كما يقولون- رفض ذلك الحوار , فيما تتحدث المصادر البعثيه عن شئ مختلف.

وعموما فان الاتصالات بين الطرفين لم تنفع , ويقال ان البعث حاول توسيط محسن الحكيم مع الشاه فيما يخص اتفاقية شط العرب , لكن الثابت ان الرئيس صدام حسين , كان يخطط لضرب المؤسسه الشيعية , وباسلوب ذكي بحيث يفرغها من المضمون ويبقيها واجهة تتعاطى الواجبات الاساسية ذات الطابع البعيد عن السياسة والتدخل في الشان العام.

ففي صيف 1968 اغلق الجامعه الشيعية الوحيدة في الكوفة , التي كانت تحت التاسيس , وطرد الطلبة الايرانيين من المدارس الدينية في النجف وكربلاء , ومنع مجلة (الرسالة الاسلامية ) الوحيدة المصرح بها , ووضع الاماكن التي يقدسها الشيعة او تستثمرها المرجعية للابقاء على سلطتها وامتيازاتها تحت اشراف وزارة الاوقاف والشؤون الدينية .

كان على الحكيم ان يتغاضى عن تلك الاجراءات , ولكن تغاضيه لم يكن يعرضه لانتقاد كبار العلماء , او انتقاد حزب الدعوة بسبب مركز المرجعية , وكبر سن المرجع.

اصبحت المؤسسة كيان يتحرك ظاهريا , فهي تقوم بالتدريس وتقبض الخمس , وتمارس ادارة (الشعائر الشيعية) , اما القوة الحركية (وفي مقدمتها حزب الدعوة) فكانت تصفى تدريجيا خلال مرجعية الحكيم وبعده الخوئي ثم السيستاني .

ومن الناحية العملية فان عقدة المؤسسات المرجعية , وولاية الفقيه كان الحزب قد اوجد لها في البداية حلا , بان ترك لاعضائه حرية قبول مبدا ولاية الفقيه او رفضه , ولكن نزوح عدد كبير من اعضائه الى ايران عام 1980 , جعله في موقف مختلف اذ وقع بين مطرقة الايرانيين , وتراث الصدر , وتدريجيا تحول الى قبول (حذر) بذلك المبدا.

ويمكن ادراك ان حجم الازمة التي ضربت حزب الدعوة , ان خلو تنظيماته من القادة الكبار , رافقه عودته اضطرارا الى حضن المؤسسة الدينية التي لم تكن قادرة على حماية احد , وهكذا فان التجاوز الذي كان مطلب الحزب تحول الى الوقوع في اسر المرجعية التقليدية وكانت فترة مرجعية الخوئي التي ابتدات عام 1970 , شهدت تصاعد في عمليات المطاردة والاغتيالات استمرت حتى عام 1980 ,(ما بين اعدام الصدر في نيسان 1980 وقيام الحرب العراقية الايرانية في العام نفسه ضاعفت الدولة العراقية ملاحقتها للاحزاب الشيعية التي تتهم بمولاة ايران , وبتفيذ اعمال عنف وتفجيرات وتخريب لصالحها.

وقد كان اعدام الصدر الاول وسكوت الخوئي الذي عجز عن الوقوف اي موقف مناهض علني لذلك , تاثيرة البالغ في حزب الدعوة , استمر هذا التاثير ليحدث انشقاقات واسعة في صفوف اعضاء الحزب الفارين الى ايران , الذين حاولت الدولة الايرانية تجميع صفوفهم لمقاتلة ابناء وطنهم في الجيش العراقي خلال سنوات الحرب الثمانية .

كانت المعادلة تظهر في شكل صارخ : الدولة تركت المؤسسات الشيعية قائمة شكليا , ولكنها تطارد خارجين وعملاء صريحين , وبهذا بقي الطرفان الدول والمؤسسة الشيعية , في وضع ثابت الى حد ما .فيما كانت الدولة تبحث عن صناعة حوزة عربية بديلة , وهو مطلب لم يكن الحصول علية هينا , وساعد في الهجمة الهائلة التي كان يعيشها الايرانيون وآل الحكيم عبر المجلس الاعلى في ايران , لتسقيط الصدر الثاني محمد صادق الصدر وتقديمه على انه عميل للسلطة البعثية , يضاف الى ذلك ان حزب الدعوة فشل برغم كثرة اتباعه نسبيا في وضع الصدر الاول –في حياته- موضع المرجع الاول وفشل في الاستفادة من من وجود الصدر الثاني في العراق قريبا من الاحداث , وقريبا الى حد ما من السلطة.

تحدثنا عن حاجة حزب الدعوة الى الى الفقيه والمرشد , وهو حاول اقناع الخميني بالتعاون معه , الا ان الاخير رفض , اذ كان تحت بصر السلطات العراقية من جهة , وجواسيس السافاك من جهة اخرى الذين كانو يراقبونه عن كثب , ولم ينقطع نشاطهم بعد تولي الخوئي المرجعية بعد الحكيم , بل ان الخوئي الذي اشتهر بعلاقته الوطيدة بشاه ايران , كانت علاقته سيئة –تبعا لذلك- مع الخميني اللاجئ : فضلا عن سوء العلاقات ايضا مع السيستاني الذي ظهر بعد فشل احداث الشغب في عام 1991 على التلفزيون ليشجبها ويصفها انها من (عمل الغوغاء) حزب الدعوة .

وهي مفارقة لكنها مفهومة , تحمل الموقف – المرفوض شيعيا- الذي وقفه الخوئي من اعدام الصدر الثاني  لكنه عجز عن تفسير ذلك مقنع لذلك , وهو بطبيعة تكوينة لم يحاول التنصل من هذه المسؤولية بنقد الخوئي علنا , فيما كانت قواعده تتداول الموقف المناسب , وتصطدم مع المجلس الاعلى ومع السلطات الايرانية في اكثر من مناسبة تتعلق باعدام محمد صادق الصدر او الموقف من الصدر الاول ومن مرجعيته ! , ومما زاد موقف حزب الدعوة حرجا وتعقيدا , ان قائد الدعوة الثاني بعد محمد باقر الصدر , وهو الاصفي كان يدعو الى تقليد الخوئي , وكان ايضا من اشد الداعين الى ولاية الفقيه بعد ان ترك مواقفه اكثر انفتاحا وراءه في العراق.

وكانت العلاقة الطيبة للخوئي , والمشهورة بالطبع مع شاه ايران وبقاء المرجع مع الشاه حتى ايام الصراع لاسقاط النظام البهلوي عقدة مستحكمة بين قيادات حزب الدعوة وقواعدها , انتقلت من العراق الى ايران وبقيت تاثيراتها لمدة طويلة .

وقد حاول حزب الدعوة الخروج من اشكالية القائد /الرمز/المرجع , والتي عجز عن تحقيقها , واضطر للتنقل بين اكثر من مرجع ان يجد البديل في تاسيس مجلي فقهي , يسد حاجته الى الشرعية المقبولة ,والى القيادة القريبة من المؤسسة , لكن المجلس فشل في القيام بمهمة تبدو الشخصانية شرطا لازما لها , فلم تعمل القيادة الحزبية بوصاياه , وتضاعفت الاشكالية , في ظل رواج مبدا ولاية الفقيه بعد انتصار ثورة خميني , وهكذا بقي الحزب في منطقة وسطى بين سلطة المرجعية , ومساحة التحرك المحدودة لديه , دون ان يستطيع تجاوز الخطوط الحمر التي كانت نصب عينيه منذ التاسيس , في مواجهة مؤسسة بيدها المال والعلاقات الدولية التي كان لها رايها في تنصيب المراجع في صورة من صور التخادم السري. تلعب فيها التوازنات الدولية دورها , هذا فضلا على التاثير الهائل للمرجعية على الملايين من الانصار الجلهة المتعصبين , الذين لا يؤمنون بسلطة عقولهم , غير سلطة المرجعية.

كان انتصار خميني عام 1979 مفاجاة لم يتهيا لها حزب الدعوة بشكل يبقية متماسكا , بل احتمل ايضا نتائج ذلك الانتصار , فلقد كانت التحريضات التي تصدر من قادة ايران الجدد تجعل من الحزب في موقف الخائن العميل , وبالفعل فقد كانت صفة (الحزب العميل) هي الصفة الرائجة لحزب الدعوة سواءا على مستوى الاعلام او على مستوى المخاطبات الرسمية في الدولة العراقية , على مشارف حرب قادمة , وقد تورط الحزب بالقيام ببعض الاعمال الارهابية من تفجيرات وتخريب , وقام بعض اعضائه من افراد القوات المسلحة بقتل زملائهم في وحدتهم , او القيام بعمليات تخريب للجهد العسكري , وهي عمليات كانت تكتشف بسرعة بسبب قوة الاجهزة الامنية , ووجود الجهاز الحزبي البعثي في كل مكان , فضلا على ان حزب الدعوة لم يكن مؤهلا للقيام بعمليات عنف دقيقة وواسعة , بسبب تشرذم تنظيمه , وشدة المراقبة عليه.

اما محاولة اغتيال رئيس الوزراء طارق عزيز عام 1980 في ما يعرف بـ (جريمة المستنصرية) و(محاولة اغتيال الرئيس صدام حسين , بعد ذلك في الدجيل, فقد تبناها اكثر من جهة , وجرى تضخيمها وكان حزب الدعوة راضيا عن ذلك التضخيم في سياق التنافس بين القوى الشيعية , لاثبات ايها اكثر فاعلية في (الداخل) العراقي.

نعم كان للحزب جناح عسكري انشئ عام 1979 بقيادة المهندس هاشم الحكيم جمع 300 عنصر ونشط في مناطق الفرات بالدرجة الاولى , نفذ عمليات منها اقتحام السفارة البريطانية في بغداد في 19 حزيران 1980 , ونسبت اليه عملية الجامعة التكنولوجية , ولكن الدولة قضت عليه نهائيا عام 1981 , وسوى ذلك فكل القوى الشيعية كانت تزايد احداها على الاخرى , بالقيام بعمليات عسكرية ضد النظام , اما في الاهوار فكان بعض الهاربين من الجيش , وفيهم من حزب الدعوة , او غير منتسبين اليه او اعضاء جماعات اخرى يقومون بغارات محدودة على مواقع عسكرية عراقية , او قطع الطريق الدولي بين بغداد والبصرة للتسليب , وعموما فانها بمجملها اعمال قليلة الفعالية , محدودة التاثير.

التحول الاخير في تفكير حزب الدعوة بشان العنف المسلح , برز بعد تشكيل المجاميع القتالية في ايران باسم(قوات الشهيد الصدر) في معسكر خاص بهم بالاحواز.

ومن الناحية العملية فان نهاية عام 1979 شهد قيام تلك القوات بعمليات دفع الحزب ثمنها غاليا.

كانت ذريعة انشاء فيلق بدر الذراع العسكري للمجلس الاعلى ان خميني حرّم دخول الاخزاب السياسية الى القوات المسلحة فاستغل الايرانيون ذلك لانشاء تشكيل خاص يرتبط بهم مباشرة خرج دورة اولى ودورة ثانية عام 1980 من المقاتلين , ثم تشكل باسم قوات الشهيد الصدر , ثم توسع الى الى افواج (بهشتي) و(دستغيب) و(الكاظم) ليصل الى تشكيل لواء , وقد كان الايرانيون يرفدون هذا التشكيل بالجوند العراقيين الهاربين من وحداتهم والاسرى , وبينهم اعداد كبيرة من الضباط , تم زجهم عام 1985 في عمليات (حاج عمران) بشمال العراق

وبسبب كثرة الصراعات والتكتلات , وللتخلص من مشاكل لا تنتهي كان يثيرها المنتسبو الى الفيلق بسبب تعدد ولاءاتهم , اسندت القيادة الى محمد باقر الصدر , في حين كان هناك تيار يريد الارتباط مباشرة بقيادات ايرانية وان تكون حتى الرتب العسكرية مماثلة لما عند الجيش الايراني.

كان الحكيم يحاول اخضاع حزب الدعوة لسلطته داخل المجلس الاعلى , ولما طلب الايرانيون من خلاله ان يقدم الحزب قوائم باسماء اعضائه , رفض الحزب فكانت اول مواجهة بين الطرفين , ادت الى خروج بعض قياداته الى لندن ودمشق.

ولم تنقطع مطبوعات جماعة الحكيم ومنها (المبلغ الرسالي) التي كان يشرف عليها صدر الدين القبانجي عن استفزاز اعضاء حزب الدعوة , ومهاجمة الصدر الاول والثاني وانكار مرجعيتهما , واتهام الصدر الثاني بالعمالة للمخابرات العراقية , وهو ما كان يوغر صدور اعضاء الحزب وغيرهم من مؤيدي منهج الصدرين , هذا فضلا  على التطبيق على اعضاء الحزب , وعلى مقتدى الصدر داخل المعسكرات , وعندما ذهب وفد من اعضاء الحزب لطلب من الحكيم تخفيف ضغطه على الحزب.

 اتهم الحكيم الحزب بانهم ((لا يؤمنون بولاية الفقيه , وان المتحكمين على اعضاء الحزب يرون لقياداتهم صبغة شرعية , مقابل شرعية قيادة المرجعية , وان حزب الدعوة يقف بالضد من الجمهورية الاسلامية )) كما تناقلت اوساط الدعوة ان الحكيم قال : لا بد من تصفية الجهة الخاصة-حزب الدعوة- قبل تصفية صدام , وبسبب الضائقة المالية الناتجة عن ذلك الحصار والمضايقة اضطر الكثير من الكوادر لمغادرة ايران , خلاصا من تلك الاحوال وترفعا عن العمل تحت امرة الحكيم.

كانت ظاهرة الانشقاقات ظاهرة ملازمة لحزب الدعوة الاسلامية بسبب ملابسات لم يكن الحزب يستطيع الافلات منها ومن نتائجها , فحزب الدعوة هو اولا واخيرا وليد المؤسسة الدينية , مما جعله يبقى اسيرا للخط التقليدي في مساره مما اضعف النوعة التجديدية لديه واقصى الخط التجديدي الذي كان اهم منطلقاته الحركية نظريا!.

هذا فضلا على الضغوط التي كان يتعرض لها الحزب , وطبيعة قياداته من المعممين المتصارعين على السلطة والنفوذ , والذين كانوا يتركون الحزب في احلك الضروف للبحث عن طرق اسهل واسلم للوصول الى ما يريدون , جعل من الانشقاقات عملية مستمرة , وكان اول انشقاق للحزب في ايران , هو الذي قاده الاصفي , الذي يعد القائد الثاني بعد الصدر وهو شخصية غريبة طموحة , اذ كان يدعو الى تقليد الخوئي وكان قبلها يميل الى تقليد الحكيم , ويحتفظ بعلاقات طيبه من خميني.

اما سبب انشقاقه المعلن , فهو بسبب عدم خضوع الحزب قيادته وكوادره الى ولاية الفقيه , وقبل انفصاله عن الحزب بالرغم من انتشار كوادر حزب الدعوة في عدة دول , في مقدمتها بريطانيا وايران وسوريا , بالرغم من ان الحزب يتميز –قياسا بالاحزاب الشيعية الاخرى- بكثرة المثقفين والنخب بين صفوفه , فانه لم يكن قوي التاثير في نشاطات المعارضة بالخارج لسببين:-

اولهما :-

هيمنة المجلس الاعلى على قيادة المعارضة الشيعية بفضل الدعم الايراني , والعلاقات المتميزة مع الامريكان

وثانيهما :-

كثرة الصراعات والانشقاقات داخل صفوفه , فضلا عن ان الحزب كان يعلن عدم موافقته على تغيير العراق عن طريق التدخل العسكري الاجنبي , لذلك لم يشارك في مؤتمر لندن الذي عقد اواخر عام 2002 , برغم من دعوته اليه , وشاكره في المقاطعة الحزب الشيوعي مع فصائل معارضة اخرى , وقد صرح د-ابراهيم الجعفري الناطق الرسمي للحزب انذاك , بينا اسباب مقاطعة الحزب للمؤتمر بعدم توفر المؤتمر على مفردات نجاحه , منها استقلالية القرار السياسي العراقي , ومدى تمثيل المؤتمر لاوسع القطاعات الجماهيرية, كما اشار الى ضرورة ان تكون الجهة القائمة على المؤتمر توافقية بين قوى المعارضة وتناى بنفسها عن الصيغة الفوقية الاستئثارية التي تفرض على الاخرين.

كان عبد العزيز الحكيم المبعوث نيابة عن اخية محمد باقر الحكيم  لتمثيل المجلس الاعلى , يناور طول فترة التحضير ونسّق جهوده مع احمد الجلبي زعيم حزب المؤتمر الوطني العراقي , الذي كان زار ال الحكيم في طهران قبل توجهه الى المؤتمر , كما نسق عبد العزيز الحكيم مع حلفائه القدماء  الاكراد واكدا التعهدات المبرمة بين المجلس الاعلى والحزبين الكرديين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكردستاني)و(الاتحاد الوطني الكردستاني) .

وكانت المجموعة التي سميت بمجموعة الستة والتي تضم (المجلس الاعلى للثورة الاسلاميه و المؤتمر الوطني العراقي والحركة الملكية والحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني )كانت سبقت مؤتمر لندن بتلبية دعوة لزيارة واشنطن للتنسيق والتهيئة للمؤتمر , نتج عن تلك الزيارة استئثار هذه القوى الست للمؤتمر عند انعقاده و بدعم كامل من (زلماي خليزاد) الذي مثل الادارة الامريكية فيه وكان المجلس الاعلى يتصرف كانه القيّم على القوى الشيعية المعارضة , وهو السبب الحقيقي  لمقاطعة (حزب الدعوة الاسلامية) للمؤتمر .

 اما القول بان حزب الدعوة كان يرفض التدخل العسكري كوسيلة تغيير في العراق , فهم من التبجحات التي كشفتها الاحداث اللاحقة , ويذكر ان وفدا من حزب الدعوة برئاسة د. ابراهيم الجعفري ذهب الى امريكا بعد انتهاء المؤتمر مما اغضب عبد العزيز الحكيم واخيه محمد باقر الحكيم , فالحزب زايد عليهما في الوطنية ولكنه سلك في النهاية المسلك نفسهّ.

وقد ركزنا على مؤتمر لندن لانه فيما كانت الولايات المتحدة تتهيا لغزو العراق واحتلاله , ولانه من اهم مؤتمرات المعارضة على الاطلاق , والذي كرّس فيما بعد المحاصصة الطائفية والعرقية واختيار القوى التي سوف تقود العراق المحتل.

ولم يشارك الحزب ايضا في مؤتمر لندن في شباط 2003 .


التعليقات
لا يوجد تعليقات

 

(E-mail)

جميع الحقوق محفوضة لموسوعة الرشيد 2008 ©
تابعنا على فيسبوك
الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | خارطة الموقع | مكتبة الميديا | الدراسات | البوم الصور
اشتراك في موسوعة الرشيد
البريد الإلكتروني: