كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
المناظرة التركمانيةفي إمامة الشيعة الإثنا عشرية --- دراسات ميدانية --- موسوعة الرشيد
دراسات ميدانية
المناظرة التركمانيةفي إمامة الشيعة الإثنا عشرية
اضيف بتأريخ : 05/ 11/ 2012

New Page 1

 

المناظرة التركمانية

في

إمامة الشيعة الإثنا عشرية

في جانبها العقلي

  

 


 

أسبابها، مبرراتها ونتائجها

 

 

 

موسوعة الرشيد / خاص

جمع وتأليف: إبن التركماني( تركمان أوغلو )

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

ألحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن للعقيدة تأثير عجيب على الإنسان وهذا التأثير لا يتوقف عند علاقة الإنسان بالدين الذي يؤمن به فقط، بل يتعدى إلى سلوكه ومبادئه وقيمه وأخلاقه ونهجه في الحياة الدنيا، إذ يتحول إلى آلة صماء، يكاد يتجرد إزاءها عن العقل بصورة كلية، رغم إنك قد تجده عالما أو باحثا متميزا في الطب أو في علم الفلك يصعد إلى السماء الدنيا ليكتشف مجاهيل الكواكب والنجوم، أو عالما من علماء الطبيعة يغوص في أعماق البحار ليكتشف مكنوناتها ومجاهيل عوالمها؛ ومع كل هذا تجده يعبد بقرا أو حجرا أو شجرا أو قبرا، أو فأرا، أو حتى فروج المومسات كما سمعنا بذلك من الفضائيات.

هذا أمر بدهي فإن ذكاء الشخص في العلوم الدنيوية شيء، وإعتقاده شيء آخر. وهذا لا ينكره أحد لأن هذه الأنواع من العقائد مازالت موجودة على وجه هذه البسيطة إلى يومنا هذا رغم التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل الذي تحقق في العالم، وذلك بعد أن إنحرف الناس عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها،« ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ] فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ[ (الروم:30)([1]).

ومما يؤيد صحة هذا الحديث أن الطفل غالبا ما يكون تبعا لأبويه في العقيدة، فقلما تجد طفلا يهوديا أو نصرانيا أو مسلما ينشأ على غير الدين والعقيدة التي عليها آباءه وأجداده. بل قلما تجد طفلا شيعيا ينشأ في عائلة شيعية، يتسنن، أو العكس إلا ما ندر. ولهذا فإن الرسل لما كانوا يخاطبون أقوامهم ويدعونهم إلى الدين الجديد، كانوا يقولون : ] وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [ [لقمان/21].] وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [[المائدة/104].

بعد هذا فهل يصلح العقل لأن يكون دليلا أو أساسا لدين متكامل  يسعد البشرية في الحياتين؟

إعلم أخي هداني الله وإياك إني نظرت إلى الخلاف بين أهل السنة والشيعة فرأيته محصورا في الإمامة أو في من يخلف رسول الله على أمته.

فالشيعة تجعل من إمامة علي بن أبي طالب أصلا من أصول الدين، يكفر من لم يعتقد بها. وقالوا: إن الصحابة إرتدوا أو إنقلبوا على الأعقاب في سقيفة بني ساعدة لما إختاروا غير علي للخلافة.

يقول الشيخ محمد رضا المظفر: ( لا شك عند من يعترف بالقرآن الكريم وحيا إلهيا لا ينطق صاحبه عن الهوى، في أن هذا الحادث التاريخي العظيم بموت منقذ الإنسانية، كان حدا فاصلا بين عهدين يختلفان كل الاختلاف: ذاك إقبال بالنفس والنفيس على الحق تعالى، وهذا انقلاب عنه على الأعقاب. إذن نحن الآن أمام أمر واقع: مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! ولا بد أن يكون المسلمون ( - كلهم ؟ - لا أدري الآن ) قد انقلبوا على أعقابهم. ولكن . . . بأي حادث كان مظهر هذا الانقلاب؟ )([2]).

ويقول شيخهم يوسف البحراني: ( غير خفي - على ذوي العقول من أهل الإيمان وطالبي الحق من ذوي الاذهان - ما بلي به هذا الدين من اولئك المردة المعاندين بعد موت سيد المرسلين، وغصب الخلافة من وصيه أمير المؤمنين، وتواثب أولئك الكفرة عليه، وقصدهم بأنواع الأذى والضرر إليه، وتزايد الأمر شدة بعد موته صلوات الله عليه، وما بلغ إليه حال الأئمة صلوات الله عليهم من الجلوس في زاوية التقية، والاغضاء على كل محنة وبلية)([3]).

فإنقلاب الصحابة عند الشيعة إذن لم يكن عن طريق إختيار الصحابة لدين آخر غير دين الإسلام، أو لجحدهم أمرا معلوما بالضرورة من الدين؛ بل هو قيامهم بإغتصاب حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الخلافة.

فالتشيع إذن مبني على الإمامة، مع ما فيها من غموض في الدلالة والنتائج، ولولاها لرأيت للشيعة تفسيرا آخر للآيات والأحاديث التي يستدلون بها على إرتداد الصحابة، أو نفاقهم، أو كفرهم!

لقد غاضني رأي الشيعة هذا وأدمى قلبي وجعلني أشعر بأسى عميق لا يفارق قلبي وفكري لا في اليقظة ولا في المنام، وأظنه سيلازمني حتى قبري.

فعجيب أن يدعي قوم أنهم من بني جلدتك، وينتمون إلى الدين الذي تنتمي إليه، ومع هذا يطعنون في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين قال المولى عز وجل فيهم: ] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ([4]) وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [[التوبة/100]، ومن سار على هديهم واقتفى أثرهم.

أما لماذا؟

فلأن هؤلاء في رأيهم إغتصبوا الخلافة!

ويا ليث الأمر وقف عند هذا الحد، فإنهم راحوا يشككون المسلمين بقرآنهم، ويقولون أن أولئك الصحابة الذين ارتدوا بعد وفاة النبي كتموا منه آيات، وحرفوا كلام رب العالمين.

فأي إسلام هذا الذي يقول بتحريف كلام رب الأرباب الذي جعله خاتمة الكتب السماوية!

هم يقولون: نحن أتباع أهل بيت النبي r.

أيعني هذا أن غيرهم من المنتسبين إلى الإسلام أتباع اليهود والنصارى؟ أم أنهم أتباع النبي r وأتباع الذين قال الله تعالى فيهم: ] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ [التوبة: 100].

يقول أحدهم: ( وترينا الصورة التي تمخضت عنها مأساة السقيفة من ضلال الناس بعيداً عن الدين، وإذا بالرسالة التي بعثت هدى للعالمين سرعان ما غدت ملهاة بيد من لا خبرة له بعلم، ولا سابقة له في فهم، وليس أدل على ذلك من المهازل الدينية والسياسية التي ارتكبت في زمن الخليفة الأول كالحادثة المفجعة التي تمخضت عنها شهادة الزهراء البتول (عليها السلام) بعد غصب حقوقها المادية في فدك، والوجدانية في حقها بالبكاء على أبيها رسول الله (r) فضلاً عن الدينية بالحفاظ على إمامة الناس في الموضع الذي وضعه الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وآله)، وكذا السياسية بأخذ مشورتها على الأقل فيمن سيخلف الرسول الأعظم، ناهيك عن سائر مآسي أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، والجريمة النكراء بحق الصحابي الجليل مالك بن نويرة، واغتيال سعد بن عبادة، وحرق الفجاءة السلمي، وعشرات غيرها!!.)([5]).

وأذهلني أن لا يكون القرآن الذي قال فيه ربنا تبارك وتعالى: ] وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[ [النحل: 89]. وجعله المرجع والحكم الذي يرجع إليه عند التنازع]  فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [[النساء : 59] يحوي آية واحدة صريحة فيها.

ومع فقدان النص الصريح القاطع على الإمامة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه r  إتجه الفكر الشيعي في إثبات أصول الدين وبالأخص الإمامة إلى العقل ليقولوا للناس أن العقل يقتضي بوجود أئمة معصومين بعد رسول الله r يكونون مرجعا للمسلمين، وحفاظا لدينهم وشريعة نبيهم.

ولذلك قالوا: بأن الأدلة السمعية هي أدلة تكميلية، وأن الأصل والأساس في إثبات الإمامة هو العقل؛ لذا رأيت أن أخاطب العقول، وأجعل بحثي هذا بحثا عقلياً، لا أتطرق إلى الأدلة النقلية إلاّ بقدر الضرورة التي يقتضيها البحث.

أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا البحث من يبتغي رضاء الله تعالى، ويجعل الحق والصواب هدفا له وطريقا يلتمس فيه الهداية، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم القيامة، لأني ـ والله يعلم ذلك من نفسي ـ ما كتبته إلا لنصرة الحق، مدافعا فيه عن الظلم الذي لحق بأصحاب النبي r من جراء عقيدة ما أنزل بها آية واحدة صريحة ومحكمة، حتى يذهب ما قدموه من تضحيات عظيمة، وخدمات جليلة للدين الإسلامي أدراج الرياح، بل ويُطعن فيهم ليلاُ ونهارا حسبة وتقربا إلى الله!

ولكن حسبهم قول الله تعالى: ] وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [[الأحزاب : 58]. والله تعالى أراد أن يزيد أجرهم حينما إنقطع عملهم بعد موتهم، على أن أجرهم لم ولن ينقطع ما دام في الأرض من يعبد الله، لأنهم كانوا السبب في هداية المسلمين جميعا بعد الله تعالى وبعد رسوله r.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خطة البحث

أولا: لما كان البحث في أكثره عقليا، وخطابا للعقلاء، رأيت أن أجعله على شكل مناظرة بين صديقين أحدهما سني والآخر شيعي، على أن أنسب كلام علماء الشيعة إلى صديقي الشيعي، ولا أجعله يستسلم لكل قول يقوله السني، كما فعل صاحب كتاب المراجعات حينما جعل من شيخ الأزهر رجلا أميا وتلميذا صغيرا يستسلم لكل قول يقوله أستاذه، ويطلب من أستاذه المزيد. فابتدأت بتمهيد ينطلق من قرآن المسلمين الذي: ] لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  [[فصلت/42].

 ثانيا: توسعت في مقدمات الدلائل العقلية التي جرى فيها جدلا طويلا وعريضا منذ عصر المعتزلة وإلى يومنا هذا. وبما أن الشيعة تبنت فكر المعتزلة في جعل الدليل العقلي أصلا ومرجعا في الإستدلال الأصولي، فرأيت أن أقدم بحثا عقليا حول علاقة النقل( القرآن والسنة ) بالعقل، وعلاقة التحسين والتقبيح العقلي بالشرعي، لأني وجدت أكثر الشيعة يعطون للعقل أهمية أكثر من النقل ويؤولون الشرع بما يتلاءم وعقولهم، ويجعلون عقولهم حاكمة للشرع، وكأن العقل عندهم شيء واحد متفق عليه بين الجميع، وقابل لأن يتحاكم إليه البشر، ونسوا أو تناسوا أن العقل لو كان مرجعا في الدين، لأمرنا الله تعالى أن نتحاكم إليه. ولكن لما كان أصحاب العقول مختلفين فيما بينهم، فعقل من يكون حجة على الآخر؟ ولكن رأيتهم أبعد الناس عن العقل في قضية الإمامة، والتي بموجبها خرجوا عن إجماع المسلمين، لاسيما في الإمام ( الثاني عشر ) الذي غاب منذ أكثر من ألف ومائتي سنة، ومع هذا يقولون عنه أنه حجة الله على خلقه، وهو لا يُسمَع له رأي ولا يُشاهد له أثر، ولا يُنقل عنه خبر!! وأنّا لا ندري حتى هذه اللحظة عقل مَنْ حدّد الأئمة بإثني عشر، مع أن عمر الدنيا طال بعد آخر أئمتهم أكثر من ألف سنة، وقد يطول آلافا أخرى من السنين([6])! مما دفعهم إلى فتح باب الإجتهاد بعد أن كانوا يعيٍّرون أهل السنة برجوعهم إلى الإجتهاد والقياس، على أساس أن دلالة الإجتهاد على الأحكام ظنية، والظن لا يعتبر دليلا في الشرع؛ فتوسعوا فيه إلى الحد الذي جعلوا إجتهاد الفقيه النائب عن الإمام معصوما لا يجوز الرد عليه، والراد عليه كالراد على الله، وهو على حد الشرك بالله. وحوى هذا كله الباب الثاني في فصول ثلاثة.

ثالثا: لما رأيت الشيعة يجعلون من إجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة، أول بادرة من بوادر إنقلاب الصحابة على الأعقاب، وإرتدادهم عن دين محمد r ـ كما يقولون ـ وبنوا عليها جميع نتائج الأزمات والخلافات التي عصفت  بالأمة إلى يومنا هذا، رأيت أن أبدا من أحداث السقيفة، ليتبين للعاقل أن أبا بكر وعمر لم يكن لهما دخل في هذا الإجتماع، وإنما كان إجتماعا أنصاريا أرادوا فيه مبايعة ( سعد بن عبادة ) t ، ولما علم المهاجرون الخبر ذهبوا إلى السقيفة، وبعد مداولة قصيرة من الأخذ والرد إجتمعوا على أبي بكر t ، وانفض الإجتماع دون حدوث أية مشكلة، أو فتنة.

وبما أن هناك خبراً ملأ كتب الشيعة مفاده: أن النبي r أراد أن يكتب قبل وفاته كتابا بخلافة سيدنا علي، إلا أن عمر بن الخطاب منعه من ذلك، وكان هذا الكتاب في إمامة سيدنا علي. لذا رأيت أن أتطرق إلى هذه الرواية بشيء من الفحص والتدقيق.

رابعا: ثم رأيتهم يقولون: إن النبي r أراد من بعث أسامة أن يخلي المدينة من وجوه الصحابة ويبعدهم عنها حتى تستقر الخلافة لعلي بن أبي طالب دون منازعة أو معارضة، فرأيت أن أبدا بهاتين الحادثتين، قبل أن أدخل في تفاصيل إجتماع السقيفة في الباب الأول، وأسميته بمقدمات تحضير النبي لخلافة علي كما هو معتقد الشيعة.

خامسا: ولما كانت الإمامة عند الشيعة من أصول الدين يكفر من لم يؤمن بها، وأن الإمامة صنو النبوة، وأن الدليل في بعثة الأنبياء هي نفسها معتمدة في وجوب الإمامة بعد نبينا محمد r  وأن الأساس في الإمامة الأدلة العقلية ـ كما سيأتي ـ رأيت أن أبحث في الإمامة من حيث الوجوب العقلي، ومن حيث النتائج واللوازم المترتبة على القول بها في الباب الثالث.

سادسا: ولما توصلت إلى بطلان قول الشيعة بالنص، فلابد من وجود طريق آخر لإختيار المسلمين لخليفتهم، فرأيت أن ما قام به الصحابة من إختيار لخليفتهم بعد إستشارة أهل الحل والعقد ـ على الأقل في زمن الخلفاء الراشدين الأربعة ـ هو الطريق الصحيح الأمثل الذي يتماشى مع روح الإسلام وعالميته، فجعلت الباب الرابع في الشورى وما يتعلق بها.

وقبل هذا وذاك، وحتى لا أظلم الشيعة رأيت أن أفتتح كتابي هذا بمختصر لرأي الشيعة في الإمامة وما يتعلق بها من حيث كونها لطفا أولا، ومن حيث وجوب عصمة الإمام لأن العصمة هي أساس الإمامة.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلني وقارئ كتابي هذا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بين يدي البحث

مختصر آراء الشيعة في الإمامة

قال شيخ الشيعة محمد رضا المظفر في كتابه ( عقائد الإمامية):

عقيدتنا في الإمامة:

نعتقد: أنّ الإمامة أصل من أُصول الدين، لا يتم الإيمان إلاّ بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربّين مهما عظموا وكبروا، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوّة.

وعلى الأقل أنّ الاعتقاد بفراغ ذمّة المكلّف من التكاليف الشرعية المفروضة عليه يتوقّف على الاعتقاد بها إيجابا أو سلباً، فإذا لم تكن أصلاً من الأصول لا يجور فيها التقليد، لكونها أصلاً، فإنّه يجب الاعتقاد بها من هذه الجهة، أي من جهة أنّ فراغ ذمة المكلّف من التكاليف المفروضة عليه قطعاً من الله تعالى واجب عقلاً، وليست كلّها معلومة من طريقة قطعية، فلا بدّ من الرجوع فيها إلى من نقطع بفراغ الذمة بإتباعه، أمّا الإمام على طريقة الإمامية، أو غيره على طريقة غيرهم.

كما نعتقد: أنّها كالنبوّة لطف من الله تعالى، فلابدّ([7]) أن يكون في كل عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر، وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامّة على الناس، لتدبير شؤونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم.

وعلى هذا، فالإمامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب أيضاً نصب الإمام بعد الرسول.

فلذلك نقول: إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنص من الله تعالى على لسان النبي أو لسان الإمام الذي قبله، وليست هي بالاختيار والانتخاب من الناس، فليس لهم إذا شاءوا أن ينصّبوا أحداً نصّبوه، وإذا شاءوا أن يعيّنوا إماماً لهم عيّنوه، ومتى شاءوا أن يتركوا تعيينه تركوه، ليصح لهم البقاء بلا إمام، بل «مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة»، على ما ثبت ذلك عن الرسول الأعظم بالحديث المستفيض.

وعليه لا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى، سواء أبى البشر أم لم يأبوا، وسواء ناصروه أم لم يناصروه، أطاعوه أم لم يطيعوه، وسواء كان حاضراً أم غائباً عن أعين الناس، إذ كما يصح أن يغيب النبي ـ كغيبته في الغار والشعب ـ صحّ أن يغيب الإمام، ولا فرق في حكم العقل بين طول الغيبة وقصرها.

قال الله تعالى: ] وَلِكُلِّ قَوم هَاد[ ( الرعد: 7).

وقال:  ]وإنْ مِنْ أمّة إلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ[ ( فاطر: 24).

عقيدتنا في عصمة الإمام:

ونعتقد: أنّ الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سنِّ الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً.

كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان، لانّ الأئمة حفظة الشرع والقوَّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق.

عقيدتنا في صفات الإمام وعلمه:

ونعتقد: أنّ الإمام كالنبي يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال: من شجاعة([8])، وكرم، وعفّة، وصدق، وعدل، ومن تدبير، وعقل، وحكمة وخلق.

والدليل في النبي هو نفسه الدليل في الامام.

أمّا علمه: فهو يتلقّى المعارف والاحكام الالهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الامام من قبله.

وإذا استجدّ شيء لابدّ أن يعلمه من طريق الالهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإنّ توجّه إلى شيء وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقي، لا يخطئ فيه ولا يشتبه، ولا يحتاج في كلّ ذلك إلى البراهين العقلية، ولا إلى تلقينات المعلّمين.

عقيدتنا في طاعة الأئمة:

ونعتقد: أنّ الأئمة هم أولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وأنّهم الشهداء على الناس، وأنّهم أبواب الله، والسبب إليه، والادلاّء عليه، وأنّهم عيبة علمه، وتراجمة وحيه، وأركان توحيده، وخزّان معرفته، ولذا كانوا أماناً لأهل الارض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، على حد تعبيره (صلى الله عليه وآله وسلم).

وكذلك على حدّ قوله أيضاً: «إنّ مثلهم في هذه الامّة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى».

وأنّهم حسبما جاء في الكتاب المجيد: ] بَل عِبادٌ مُكرَمُونَ لا يَسبِقُونَهُ بالقَولِ وَهُم بأمرهِ يَعمَلُون[.

وأنّهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

بل نعتقد: أنّ أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليّهم وليّه، وعدوّهم عدوّه.

ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول، والراد على الرسول كالراد على الله تعالى.

فيجب التسليم لهم والانقياد لأمرهم والأخذ بقولهم.

ولهذا نعتقد: أنّ الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلاّ من نمير مائهم، ولا يصحّ أخذها إلاّ منهم([9])، ولا تفرغ ذمّة المكلَّف بالرجوع إلى غيرهم، ولا يطمئنّ بينه وبين الله إلى أنّه قد أدّى ما عليه من التكاليف المفروضة إلاّ من طريقهم.

ويقول شيخهم العلامة الحلي في تجريد الإعتقاد:

1.                 الإمام لطف فيجب نصبه على الله تعالى تحصيلا للغرض.

2.      أن وجود الإمام نفسه لطف لوجوه: أحدها: أنه يحفظ الشرائع ويحرسها عن الزيادة والنقصان. وثانيها: أن اعتقاد المكلفين لوجود الإمام وتجويز إنفاذ حكمه عليهم في كل وقت سبب لردعهم عن الفساد ولقربهم إلى الصلاح، وهذا معلوم بالضرورة. وثالثها: أن تصرفه لا شك أنه لطف ولا يتم إلا بوجوده فيكون وجوده نفسه لطفا وتصرفه لطفا آخر.

والتحقيق أن نقول: لطف الإمامة يتم بأمور:

(منها) ما يجب على الله تعالى وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم والنص عليه باسمه ونسبه، وهذا قد فعله الله تعالى.

(ومنها) ما يجب على الإمام وهو تحمله للإمامة وقبوله لها، وهذا قد فعله الإمام. (ومنها) ما يجب على الرعية وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم تفعله الرعية فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام.

3.                 الإمام يجب أن يكون معصوما: والدليل على ذلك وجوه:

الأول: أن الإمام لو لم يكن معصوما لزم التسلسل، والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن المقتضي لوجوب نصب الإمام هو تجويز الخطأ على الرعية، فلو كان هذا المقتضي ثابتا في حق الإمام وجب أن يكون له إمام آخر ويتسلسل أو ينتهي إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ فيكون هو الإمام الأصلي.

الثاني: أن الإمام حافظ للشرع فيجب أن يكون معصوما، أما المقدمة الأولى فلأن الحافظ للشرع ليس هو الكتاب لعدم إحاطته بجميع الأحكام التفصيلية ولا السنة لذلك أيضا ولا إجماع الأمة، لأن كل واحد منهم على تقدير عدم المعصوم فيهم يجوز عليه الخطأ فالمجموع كذلك.

الثالث: أنه لو وقع منه الخطأ لوجب الإنكار عليه وذلك يضاد أمر الطاعة له بقوله تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ [النساء/59].

الرابع: لو وقع منه المعصية لزم نقض الغرض من نصب الإمام، والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن الغرض من إقامته انقياد الأمة له وامتثال أوامره وإتباعه فيما يفعله، فلو وقعت المعصية منه لم يجب شئ من ذلك وهو مناف لنصبه.

الخامس: أنه لو وقع منه المعصية لزم أن يكون أقل درجة من العوام، لأن عقله أشد ومعرفته بالله تعالى وثوابه وعقابه أكثر، فلو وقع منه المعصية كان أقل حالا من رعيته، وكل ذلك باطل قطعا. ولا تنافي العصمة القدرة).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تمهيد

من القرآن كانت البداية

س: ما لي أراك حزينا يا صديقي؟

ش: وكيف لا أكون حزينا، واليوم هو يوم الثامن عشر من ذي الحجة؟

س: ماذا يعني لك هذا اليوم؟

ش: إنه اليوم الذي نصب فيه سيدنا ونبينا محمد r عليا بن أبي طالب u أميرا للمؤمنين وإماما لهم وخليفة عليهم، في غدير خم في السنة العاشرة من الهجرة النبوية في طريق رجوعه من الحج من مكة إلى المدينة.

س: أليس هذا اليوم يوم فرح وسرور عندكم؟

ش: نعم، لولا أن الصحابة بعد وفاة النبي r إغتصبوا الخلافة منه.

س: ولكن أنا أعلم أن الحج عرفة، وعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة. وبينهما تسعة أيام. فلماذا لم ينصبه أمام الحجيج كلهم، قبل أن يفترقوا؟ وكما تعلم فإن كثيرا من الذين حجوا مع النبي r لم يرجعوا معه إلى المدينة بل رجع أهل مكة إلى مكة، وأهل الطائف إلى الطائف، وأهل اليمن إلى اليمن، وأهل البوادي القريبة من ذاك إلى بواديهم؛ وإنما رجع معه أهل المدينة ومن كان قريبا منها. وإمامة المسلمين أمر يخص المسلمين كلهم.

ش: لأن مقر الخلافة والإمامة في المدينة، وأهلها هم المعنيون بهذا الأمر.

س: نعم لو كانت الإمامة على رأينا ليست من أصول الدين وليس مكلفا فيها إلاّ أهل المدينة، لصحّ قولك هذا. أما وإنكم تعتبرون الإمامة من أهم أصول الدين، من لم يؤمن بها كان كافرا ضالاً مخلدا في النار؛ فإن العقل يقتضي أن يكون تبليغها من قبل النبي r للمسلمين كافة، وقد إجتمعوا من كل المدن والقرى الإسلامية يومئذ. علما أن رسول الله r تطرق إلى إلى قضايا كثيرة في خطبة الوداع كلها ليست بأهمية الإمامة عند الشيعة، فكيف يترك الأهم ويتناول غيره من الأمور؟!

س: عذرا يا صديقي، أحب أن أنبه هنا إلى نقطة جوهرية تفصل بين ما يكون من أصول الدين وما لا يكون: وهي أن جميع أصول الدين من ( التوحيد، والنبوة، والمعاد، والإيمان بالكتب وبالملائكة ) قد نزلت في مكة، قبل نزول التكاليف الإسلامية من صلاة وصوم وحج. ونحن نعلم بالإضطرار من دين الإسلام أن النبي r لم يشترط على أحد من الذين دخلوا في الإسلام أفواجا، قبل الهجرة وبعدها؛ الإيمان بالإمامة لا مطلقا ولا معينا.

فالذين استشهدوا من المسلمين في معاركهم قبل غدير خم، هل كانوا يعتقدون أن الإمامة أصل من أصول الدين؟ فلماذا إذاً تأخر أصل الإمامة عن بقية أصول الدين؟

ش: لم يتأخر النبي r في إبلاغ الناس بالإمامة، فقد بينها في مناسبات عديدة، ولكنها كانت عبارة عن إشارات، ربما لم يفهمها بعض الناس، حتى إذا أدرك النبي r قرب رحيله عن الدنيا صدع بها في غدير خم. فكانت هذه المناسبة بمثابة تتويج عملي وإعلان رسمي لإمامة علي u .

ويرجع تأخير النبي لإعلان إمامة علي إلى أن الصحابة كانوا لا يتحملون أن تجتمع النبوة والإمامة في بيت النبوة، ألم يقل الخليفة الثاني لإبن عباس: ( أتدري ما منع قومكم منهم - من بني هاشم - بعد محمد r ؟ قال ابن عباس: فكرهت أن اجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا )([10]).

س: أليست الإمامة عندكم أمر إلهي كالنبوة، يختاره الله تعالى، ولا دخل للبشر فيها؟

ش: بلى، فإن الله تعالى أمر نبيه قبل غدير خم أن يبلغ الناس بإمامة علي، ولكن النبي r كان يخشى إن فعل ذلك أن لا يقبل الناس منه فيرتدوا عن الدين، فتكون البلية أعظم، حتى نزل قوله تعالى: ] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [.

وفي الخبر الصحيح الذي رواه الشيخ الكليني رحمه الله في الكافي ( 1/289) بسنده عن زرارة والفضيل بن يسار وبكير بن أعين ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود، جميعاً عن أبي جعفر عليه السلام قال: ( أمر الله عز وجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه: ] إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [ وفرض ولاية أولي الأمر فلم يدروا ما هي؟ فأمر الله محمداً صلى الله عليه وآله أن يفسر لهم الولاية كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلما أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وتخوف أن يرتدوا عن دينهم ويكذبوه، فضاق صدره وراجع ربه عز وجل فأوحى الله عز وجل إليه: ] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ فصدع بأمر الله تعالى ذكره فقام بولاية علي عليه السلام يوم غدير خم، فنادى الصلاة جامعة، وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب....).

وأيضا([11]): من المعلوم أنّه حينئذ لم تكن لليهود والنصارى شوكة يَخشى منها النبيُّ r أن يُبلّغ ما أُنزل إليه، فالمناسب أنّ النبيّ r خاف منافقي قومه.

ومن الواضح أنّه لا يخشاهم من تبليغ شيء جاء به إلاّ نصب عليّ (عليه السلام) إماماً، عداوةً وحسداً له.

وقد ورد عندنا أنّ جبرئيل  u نزل على النبيّ r في حجّة الوداع بأن ينصب عليّاً خليفةً له، فضاق رسول الله r به ذرعاً مخافة تكذيب أهل الإفك، وقال لجبرئيل: إنّ قومي لم يقرّوا لي بالنبوّة إلاّ بعد أن جاهدت، فكيف يقرّون لعليّ بالإمامة في كلمة واحدة؟! وعزم على نصبه بالمدينة.

فلمّا وصل إلى غدير خُمّ نزل عليه قوله تعالى: ( يا أيُّها الرسولُ بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإنْ لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس... ) الآية([12]).

س: إذا سمحت لي فإن عندي وقفات كثيرة في كلامك هذا فإنك قد أكثرت عليّ.

ش: تفضل هاتها، فإن عندي بإذن الله جواب لكل سؤال، أو إستفسار، وسأوضح لك كل مبهم وغامض.

س: حسناً.

الوقفة الأولى:

سواء أكان الحق في ذلك لعلي u، وقد اغتُصِبَ منه، وأقصي عن منصبٍ هو له، أم لم يكن الأمر كذلك، فإن هذه القضية قد تجاوزتها الأحداث، وأصبحت تاريخاً يحكيه البعض، وينساه آخرون، كأي حدث تاريخي آخر. فلم يعد الوقوف عندها والاهتمام بها مجدياً، ولا مفيداً، إن لم نقل: إن فيه ما يوجب الفرقة، ويرسخ التباعد، بما يثيره من كوامن وضغائن.

ش: لا مجال لهذا القول؛ فإن قضية الغدير، لا تزال ولسوف تبقى هي القضية الأساسية والرئيسة بالنسبة للمسلمين بل للناس جميعاً، وهي المفتاح للباب الذي لا بد من الدخول منه لحل المشاكل المستعصية الكبرى، وبعث الإسلام العزيز من جديد، وبناء قوته، وبث الحياة والحيوية في أبنائه.

وبدون ذلك، فإن على الجميع أن يستعدوا لمواجهة المزيد من المصائب، وأن يقبلوا ـ شاؤوا أم أبوا ـ باستمرار حالة الضعف والتقهقر، بل وانهيار بناء الإسلام الشامخ([13]).

س: عند العودة إلى الاستعمار بشكليه القديم والحديث، نجد أن أفضل آلة بيده، هي إشعال هذه الأحقاد القديمة، وقد دأبت عوامل الاستعمار في جميع البلدان الإسلامية دون استثناء، في ممارسة الفرقة بين المسلمين باسم الدين وبذريعة الحرقة على الإسلام والحرص عليه. فهلا كفانا ما ألمّ بنا وتجرّعناه من هذا السبيل، أم ترانا نستمر على هذا النهج؟ أوَلا يساهم طرح أمثال هذه المسائل في مساعدة الأهداف الاستعمارية؟

ش: نعم، إن أشد ما يحتاج إليه المسلمون في الوقت الحاضر هو الوحدة والانسجام، كما أن هذه الأحقاد القديمة بين المسلمين، هي المعضل الأساسي في العالم الإسلامي، فالعدو يستفيد من هذه الأوضاع دائما. ولكن يبدو أن الأمر قد إلتبس عليك في مفهوم "الوحدة الإسلامية".

إن مفهوم الوحدة الإسلامية الذي طرح في القرن الأخير بين العلماء والفضلاء والمثقفين الإسلاميين، لا يعني أنّ على المذاهب الإسلامية أن تتخلى في هذا السبيل عن أصول معتقداتها، وغير الأصول أيضا، بحيث يؤول الحال إلى أخذ مشتركات الجميع، وإهمال مختصاتهم. فمثل هذا المسعى ليس منطقيا، ولا عمليا أيضا.

كيف يجوز أن يُطلب من أتباع مذهب من المذاهب التخلي عن هذا الأصل الاعتقادي أو العملي الذي يعتقدون ويعملون به، في سبيل وحدة الإسلام والمسلمين، وهم يؤمنون - في كل حال - أنه جزء من صميم الإسلام؟ إنّ هذا الطلب شبيه بأن نريد منهم أن يغضّوا الطرف عن جزء من الإسلام باسم الإسلام!

إن لعملية ربط الناس بأصل مذهبي معين، أو تضعيفه في نفوسهم، سُبلا أخرى، أكثرها طبيعية المنطق والبرهان. ولا يمكن ترسيخ الإيمان بأصل لدى جماعة أو استئصاله منهم، بمحض الرجاء والتمني وباسم المصلحة.

نحن أنفسنا شيعة نفتخر باتباع أهل البيت (عليهم السلام) ولسنا مستعدّين أن نساوم على أصغر شيء حتى لو كان على مستوى أمر بسيط يتمثل بحكم مستحب أو مكروه. فلا نقبل من أحد أن ينتظر منا أن نتنازل، كما لا نتوقع من الآخرين أن ينفضوا أيديهم عن أصل من أصولهم باسم المصلحة وبسبب الوحدة الإسلامية([14]).

س: لم يكن قصدي أن يتنازل الشيعة عن عقائدهم، وإنما أريد أن أقول: فسواء حكم سيدنا علي t بعد النبي مباشرة، أو حكم بعد الخليفة الثالث عثمان بن عفان t فإن الأمر ليس فيه ما يعني الكثير.

ش: لا، ليس الأمر بهذه البساطة، فإنه لو قدر أن عليا حكم بعد النبي r مباشرة وبلا فصل، لتغيرت أمور كثيرة، ولتغير وجه التاريخ.

س: هل لك أن تفصح أكثر وتثبت ما تقوله بالدليل والبرهان؟

ش: لقد تغير في عهد الخلفاء الثلاثة الذين حكموا قبل أمير المؤمنين أمورا وأحكاما كثيرة من الدين، أما فيما يخص حياة المسلمين دنيويا، فإن عليا كان يعطيهم من متاع الدنيا ويعدل بينهم في العطايا، ولا يُظلم عنده أحد.

س: رغم إنك لم تزد على جوابك الإنشائي، فإني والله لا أعلم أن أبابكر أو عمر رضي الله عنهما قد قصرا في شيء مما تقول، بل لقد حاربا المرتدين والمتنبئين ومانعي الزكاة، وجاهدا في الله حق جهاده، حتى فتح الله على أيديهم بلاد فارس والروم، ولم يستأثرا لأنفسهم بشيء من دون المسلمين. ولم يتملكوا القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث.

أما قولك: في تغيير أحكام الدين، فلا أراه أكثر من إدعاء، لاسيما أنكم تقرون بأن عمر كان يستشير عليا في أمور كثيرة، حتى نقلتم عن عمر قوله: ( لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها علي) و ( لا عشت في أمة لست فيها يا أبا حسن) و ( لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو حسن)، و ( لولا علي لهلك عمر ).

وعلى كل حال، فإني لا أريد أن أطيل في هذه الوقفة أكثر من هذا، فلربما يكون لها موضع آخر، أو مناسبة أخرى.

الوقفة الثانية:

الآية تقول: ] بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ فهل إمامة علي نزلت في التنزيل؟ ونحن نعلم أن الذي نزل إلى النبي r هذا القرآن، وليس فيه إمامة علي.

أخبرني، أأنزل الله تعالى آية في القرآن فيها ولاية علي؟ أم أوجب الله تعالى على النبي r أن يخبر المسلمين من عنده، مثلاً ليقول لهم: ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه)؟

ش: أما القرآن ففيه آيات كثيرة على ولاية أمير المؤمنين u ، وتعدادها يطول، ولكن أكتفي بآيتين فقط:

الأولى: قوله تعالى: ] إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [ [المائدة/55].

والثانية قوله تعالى: ] وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[  [البقرة/124].

وأما من أقوال النبي r فيكفي قوله r : ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه).

ش: على أن من قولنا نحن الشيعة: ( أن الأدلة العقلية على الإمامة والولاية مقدَّمة على الأدلة النقلية، لأنه لا بد ابتداءً أن يتم إثبات المسألة بالدليل العقلي ثم يمكن للأدلة النقلية أن تأتي لتؤيد وتدعم ما أثبته العقل)([15]).

س: حسنا، أما أدلتكم النقلية، فليس محلا لنقاشنا هنا لأنها ليست هي الأصل في المسألة. ولكن أجبني عن سؤالي: لماذا لم يصرّح الله سبحانه وتعالى باسم علي في القرآن الكريم، كما قال في نبي الله داود u في قوله تعالى: ] يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[ [ص/26]. أو كما قال في طالوت: ] وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا [[البقرة/247]، علما أن الإمامة عندكم أصل من أصول الدين. ونحن عندنا أن جميع أصول الدين، وأصول الإسلام، وأصول الأخلاق مذكورة بالنص الصريح في كتاب ربنا الذي قال عنه: ] وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [ [النحل/89].

وإن شئتَ قلتُ: هناك من علماء أهل السنة من يقول: أي أصل من أصول الدين لم يذكره الله تعالى في القرآن بدليل واضح وصريح لا يقبل الإحتمال فاضرب به عرض الحائط.

ش: أما لماذا لم يصرّح الله سبحانه وتعالى باسم علي في القرآن الكريم، فإن لعلمائنا عنه أجوبة:

منها: صحيحة أبي بصير في الكافي ( ج : 1 ص287 ) : عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ u عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ] أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ u. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: فَمَا لَهُ لَمْ يُسَمِّ عَلِيّاً وَأَهْلَ بَيْتِهِ u فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ: فَقَالَ: قُولُوا لَهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَزَلَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ لَهُمْ ثَلَاثاً وَلَا أَرْبَعاً حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r هُوَ الَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُمْ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً دِرْهَمٌ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r هُوَ الَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ وَنَزَلَ الْحَجُّ فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ طُوفُوا أُسْبُوعاً حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r هُوَ الَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ وَنَزَلَتْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وَنَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي عَلِيٍّ ( مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ) وَقَالَ r ( أُوصِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَهْلِ بَيْتِي فَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُورِدَهُمَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ) فَأَعْطَانِي ذَلِكَ وَقَالَ: لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ وَقَالَ: إِنَّهُمْ لَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ بَابِ هُدًى وَلَنْ ).

ومنها: لو كانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها في القرآن، فإن أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة كانوا يتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته، ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الإبد، ويلصقون العار - وإلى الأبد - بالمسلمين والقرآن، ويثبتون على القرآن ذلك العيب الذي يأخذه المسلمون على كتب اليهود والنصارى([16]).

س: هذا إعتراف صريح منك ومن علمائك بأن إسم الإمام لم يذكر صراحة في القرآن. مع أن بعضهم يذكر أن إسم الإمام ورد في عدة مواضع من القرآن ولكن الصحابة حينما جمعوا القرآن أسقطوه. ولكن حتى لا نظلمكم فإن شيخكم الخوئي يقول: « وممّا يدلّ على أنّ إسم أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يُذكر صريحاً في القرآن: حديث الغدير، فإنّه صريح في أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) انّما نصب عليّاً بأمر الله، وبعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك، وبعد أن وعده الله بالعصمة من الناس. ولو كان إسم «عليّ» مذكوراً في القرآن لم يحتج إلى ذلك النصب، ولا إلى تهيئة ذلك الإجتماع الحافل بالمسلمين، ولما خشي رسول الله(صلى الله عليه وآله) من إظهار ذلك، ليحتاج إلى التأكيد في أمر التبليغ. وعلى الجملة: فصحة حديث الغدير توجب الحكم بكذب هذه الروايات التي تقول: إنّ أسماء الأئمّة مذكورة في القرآن، ولاسيّما أنّ حديث الغدير كان في حجّة الوداع التي وقعت في أواخر حياة النبي(صلى الله عليه وآله) ونزول عامّة القرآن وشيوعه بين المسلمين...)([17]). إلا أن هذا ليس موضوعنا، فلا نتوسع فيه.

س: لكن أليس من قولكم: أن الإمام يجب أن يكون معصوما، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها([18]). والعصمة أمر خفي لا يعلمها إلا الله تعالى ولذلك لا يكون إلا منصوصا([19]).

ألا تعرف ما معنى النص: فمعنى النص: هو اللفظ المفيد الذي لا يُحمل على غير ما فهم منه، أي اطلاق لفظ يدل على معنى واحد مانع لنقيضه.

ولا يكون اللفظ نصا جليا حتى يكون بالإسم الصريح، وفي قرآن المسلمين، كما ذُكر إسم النبي محمد r.

بل ويتأكد ورود إسم الإمام بالقرآن أكثر من النبي؛ لأن الذين كانوا يعاصرون دعوة النبي r فريقان:

الأول: مؤمن به أنه رسول من الله تعالى ويؤمن بكل ما جاء به جملةً وبما فيها القرآن، سواء ذكر فيه اسم النبي أو لم يذكر، لأنه آمن بصدق النبي r ونبوته أولاً ثم آمن بما جاء به من القرآن، فذكر اسم النبي r في القرآن لا يزيده إيماناً وتصديقاً لأنه قد حصل له التصديق والإيمان دون النظر إلى ورود اسمه في القرآن.

والفريق الآخر: كافر به وبما جاء به جملةً فهو لا يعتقد أنه مرسل من الله تعالى ولا يعتقد أن القرآن من عند الله تعالى بل هو من تأليفه وسحره، فهذا الفريق مكذِّب بالقرآن جملةً، فذكر اسم النبي r في القرآن لا ينفعه ما دام معتقداً أن القرآن من تأليف النبي r وسحره، فتبين أن ذكر اسم النبي r لا ينفع من آمن به ولا من كفر به. وهذا يختلف عن الحاجة إلى ذكر اسم الإمام في القرآن، لأن الإختلاف في إمامته ليس بين المسلمين والكفار بل بين فريقين من أهل القبلة الذين يؤمنون بالله تعالى وبالنبي r وبالقرآن وبما جاء فيه، فالحاجة إلى تعريفهم بإمامهم بعد النبي r ملحة وهو مطلوب لتحصل لهم الهداية إلى معرفته، لذلك فإن الحاجة إلى ذكر اسم الإمام في القرآن أكثر من الحاجة إلى ذكر اسم النبي r.

ولا يكون النص مقبولا إلا بأن يرد ذكره في كتاب الله تعالى ] لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [ [الأنفال : 42] ، لأن المسلمين مختلفون في سنة النبي، وكذلك مختلفون في غيرها من الأمور.

وقد قال الشريف المرتضى بأن نصوص السنة دلالتها خفية فقال: ( والقسم الآخر: لا نقطع على أن سامعيه من الرسول صلى الله عليه وآله علموا النص بالإمامة منه اضطرارا ولا يمتنع عندنا أن يكونوا علموه استدلالا من حيث اعتبار دلالة اللفظ، وما يحسن أن يكون المراد أو لا يحسن. فأما نحن فلا نعلم ثبوته والمراد به إلا استدلالا كقوله صلى الله عليه وآله (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) و (من كنت مولاه فعلي مولاه) وهذا الضرب من النص هو الذي يسميه أصحابنا النص الخفي.)([20]).

 فأين نجد هذا النص الصريح الذي لا يختلف عليه إثنان، كما هو حال المسلمين في نبوة محمد r لاسيما أنكم أوجبتم نصب الإمام على الله تعالى دفعا لإختلاف الناس فيها فيما لو ترك لإختيارهم؟

ش: لقد أجبتك، جوابا كافيا، على أن إمامة أمير المؤمنين وردت من طرقنا بالنص الصريح. ولكنكم لا تأخذون بها.

س: لقد إختلفنا نحن وإياكم، فما هو المرجع الذي نتحاكم إليه، حتى نجد فيه ما يحل إختلافنا؟

    وأنت تحيلنا على رواياتكم، ونحن لا نعترف بها، ليست لأنها عن أئمة أهل البيت، ولكن لأنها لم تصلكم إلاّ عن طريق سلسلة من أشخاص غير معصومين، ومطعون فيهم من قبل أئمتكم، من أمثال زرارة، وهشام بن الحكم، وأبي جعفر الأحول وآخرين.

وأنتم أيضا لا تعترفون برواياتنا، لأنها وردت إلينا من قبل صحابة النبي، وأنتم تطعنون فيهم بسبب إغتصابهم حق علي بن أبي طالب في الخلافة ـ كما تقولون . فما هو الحل إذاً؟

ش: أرى أن نتحاكم إلى العقل. فما يقره العقل الصريح أخذنا به، وإلا فلا.

س: أنا لا أخالفك مبدئيا، ولكن ما هو دور القرآن ومهمته؟ ألم تسمع أن الله تعالى يقول: ] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [[النساء : 59]. ويقول: ] وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [ [الشورى : 10].

ألا يجب أن يكون في كتاب ربنا الذي قال عنه: ] وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [ [النحل : 89]. ما يحل هذا الإشكال بيننا.

ش: نعم، الكتاب والسنة لا يحلان الإشكال بيننا، ولذلك نحن قلنا بوجوب الإمامة المعصومة بعد نبينا حتى يكون الإمام مرجعا لكل المسلمين، الذي عنده من العلم والحكمة ما يكفي لحل جميع مشاكل المسلمين.

س: طيّب، إذا كان الإمام هو الذي نصبه الله تعالى علينا لحل مشاكلنا، فأين دليل هذا النصب؟ وأين هو الإمام؟

ش: رجعنا إلى ما كنا بدأنا به، وهو أننا نفهم من آية الولاية، ومن حديث الغدير، وحديث الثقلين، أن الله تعالى ونبيه r قد نصبا أهل بيت النبي مرجعا وحاكما للمسلمين.

س: أنت لم تجبني على سؤالي: بما أن الإمامة عندكم أصل من أصول الدين، فأين النص الصريح القطعي الذي لا نختلف عليه أنا وأنت؟

وها هنا أمور:

الأول: إنكم تقولون إن في كتاب الله تعالى كل شيء حتى إرش الخدش في الخدش. فكيف يحوي القرآن على أصغر مسألة، ولا يحوي على أهم أصل من أصول الدين؟

الثاني: أنتم أوجبتم على الله تعالى نصب الإمام لأن الاختيار إذا تُرك للمسلمين فإنه يؤدي إلى الفتن والتنازع ووقوع الهرج والمرج بين الأمة وإثارة الفساد. وعدم النص الصريح على إسمه في القرآن هو الذي أوقعنا وإياكم في هذا الإختلاف. ألا تتفق معي أن الذي أوجب على الله تعالى أن ينصب له إماما، كان عليه أن يوجب على الله أيضا أن ينص على إسمه صراحة لتتحقق الغاية من الإمامة، ولا يحصل أي إختلاف؟

الثالث: ألا تتفق معي أن النص الخفي في القرآن، لا يحل الإشكال بيننا؟ ألا تتفق معي أن النص الصريح على إسم الإمام في السنة ـ إذا وردت من طريقكم فقط ـ أيضا لا يحل الإشكال بيننا، لأننا لا نؤمن برواياتكم، ولا أنتم تؤمنون برواياتنا؟

بقي أن أجيبك على قياس الإمامة على الصلاة، وعلى الظن بأن إسم الإمام لو ذكر في القرآن لكان الصحابة يحرفون القرآن ويرفعون منه إسم الإمام.

قياس الإمامة على الصلاة:

إعلم يا صديقي أن قياس الإمامة بالصلاة وعدم ورود أعدادها في القرآن هو قياس فاسد ولا يصح من وجوه:

الأول: إنه قياس مع الفارق، فإن القياس إما يكون بمثيله، أو مساويه، وأنتم ساويتم الإمامة بالنبوة، فكان عليكم قياسها من جميع الوجوه بالنبوة التي وردت ذكرها صريحة في القرآن. مع أن الذي آمن بالنبي في وقته آمن به قبل معرفة ورود إسمه في القرآن. وورود إسمه بالقرآن لم ينفع الذين كفروا به. في حين أن الإمامة خلاف بين المنتسبين إلى الإسلام، فالحاجة إلى ورود ذكر إسمه في القرآن يتأكد أكثر لأن الإمامة تكون بعد وفاة النبي.

الثاني: من حيث الأهمية: فالإمامة أصل من أصول الدين. يكفر من جهلها، أما الصلاة فليست كذلك. وقد قال قائلكم([21]) : (وكيف يجوز عليه تعالى إهمال هذا الواجب العظيم (نصب الإمام) الذي به حياة الشريعة والبشر؟ مع بيانه لأقل الواجبات في الدين حتى الإرش في الخدش وقصاص الضرب والجرح والتعزير على المخالفات البسيطة وحرمة أخذ المال من غير حلِّه ولو كان قنطاراً، والنظر إلى ما لا يحل ولو لحظة والغيبة ولو بكلمة إلى غير ذلك). فكيف تقبل أن ينص الله تعالى صراحة في القرآن على المخالفات البسيطة، ويغفل ـ حاشاه ـ عن ذكر الإمامة صراحة، وهي عندكم أصل من أصول الدين؟

الثالث: الإمامة تثبت عندكم بالعقل وليس كالصلاة بالسمع. وهذا يعني أن الإمامة لو لم تذكر أصلا في القرآن، لا صراحة ولا تلميحا، فلا يغير عندكم شيئا.

الرابع: إن الامامة تختلف عن الصلاة من حيث التفصيل، فالصلاة تفصيلها واسع جداً فلا يسع ذكرها في القرآن، مثل ذكر عدد الصلوات ووقتها وعدد الركعات في كل صلاة وكيفية القيام وبماذا يقرأ وكيفية الركوع والسجود والتشهد وماذا يقول فيها وشروطها وأركانها والتسليم وسجود السهو وقصر الصلاة في السفر إلى آخر هذه التفصيلات، في حين أن تفصيل الإمامة مختصر جداً ويتم بذكر اسم الإمام بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في القرآن وهذا لا يحتاج أكثر من كلمة أو كلمتين أو على الأكثر آية واحدة، أي إن علة التوسع في تفاصيل الصلاة والتي تحول دون ذكرها في القرآن غير موجودة في تفصيل الإمامة لأنها لا تأخذ أكثر من كلمة أو على الأكثر آية واحدة، فالقرآن إذا لم يذكر تفصيل أمر ما - كالصلاة على قولكم - لسعته فلا أدري كيف يستدل بهذا على أن لا يذكر القرآن تفصيل أمر آخر ليس في ذكره ذلك التوسع بل هو مختصر جداً بكلمة أو آية على الأكثر، فتبين بطلان قياسهم من حيث زعموا أن تفصيل الإمامة كتفصيل الصلاة([22]). ومع كل هذا فقد ذكر الشارع الحكيم في القرآن تفاصيل عن الصلاة من الركوع والسجود والقيام، وذكر القصر في الصلاة في السفر، وذكر تفصيلات صلاة الخوف، ومقدار وكيفية القراءة في الصلاة، وذكر تفصيلات شروط الصلاة ومكملاتها من الوضوء وكيفيته، والتيمم وكيفيته، وإستقبال القبلة. . . إلخ.

الخامس: من حيث التكرار: يلزم قياسكم الإمامة بالصلاة، تكرار ذكر الإمامة في القرآن بصراحة واضحة وبتكرار كثير كما هو وارد في الصلاة. فقد ذكر الله تعالى الصلاة في أكثر من خمس وخمسين موضعا من القرآن.

السادس: إفتراقهما في الصفة والعين: قال المرتضى في الرد على قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي ( الصلاة لا يمكن فيها إلا النص على الصفة دون العين لأنها فعل المكلف، ولها أمثال في مقدوره فلا يتميز له صحيحها من فاسدها إلا بالصفة والشرط، والإمام يمكن النص على عينه على وجه يتميز به من غيره فليس يجب أن يكون حكم الإمام حكم الصلاة . . . إنما أردنا بما ذكرناه أن نبين اختلاف حكم الصلاة والإمام في هذا الباب وأن الذي أوجب النص على الصفة دون العين في الصلاة غير حاصل في الإمام، والذي يمنع من أن يكون في الإمام ما جوزناه في الصلاة وإن كان ممكنا خلافه في الإمام ما تقدم ذكره من اختصاص الإمام بصفات وشروط لا تتميز للمكلف ولا سبيل له إليها بالاجتهاد )([23]). فهذا كلام صريح في عدم قياس الإمامة على الصلاة.

السابع: ومن تأمل الفرق بين الإمامة والصلاة وجد أن ذكر الإمامة وتفاصيلها أوجب وآكد من ذكر الصلاة وتفاصيلها، ذلك لأن الصلاة من العبادات اليومية التي تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل، فيكفي فيها أن يتوارثها المسلمون مشاهدة، مع قول نبيهم عليه الصلاة والسلام: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ). فهي أفعال، والأفعال المتكررة أدعى أن يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل. أما الإمامة فليست كذلك، فلا القرآن ذكرها صراحة، ولا النبي نص عليها نصاً جليا. وكما يقول قاضي القضاة عبدالجبار المعتزلي: في رده على إستدلالهم بحديث الغدير، أنه ليس من ألفاظ الإستخلاف لا في لغة ولا في شرع، وليس بين المسلمين من قال بعد النبي من نص على إمام أو أمير، فقال: من كنت مولاه ففلان مولاه، ولعلهم أكثر من ألف أمير.

الثامن: والصحيح في القياس أن تقاس الإمامة بما دونها في الأهمية بقياس الأولى: وبيانها هو أن القرآن قد ذكر وفصّل في أمور هي دون الإمامة بكثير من حيث الأهمية مثل غض البصر وذكر الوضوء والمداينة والحيض والربا وذكر اسم صحابي وهو زيد في مسألة فرعية سهلة، فإذا كان القرآن قد تطرق لذكر هذه الأمور (والتي هي دون الإمامة بكثير من حيث الأهمية) وفصّل فيها فيجب من باب أولى أن يُفَصِّل مسألة الإمامة لأنها خطيرة يكفر الجاهل بها وهي بمنزلة النبوة.

التاسع: لقد ذكر الله تعالى من الترغيب والترهيب بشأن الصلاة ما يطول بيانها هنا، فقد وصف بأن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، وجعل دلالة الإيمان الحق الخشوع في الصلاة إلخ.

كما أنه تعالى جعل إقامة الصلاة علامة الفرق بين المشركين والمؤمنين، وحقن دماء المشركين بها.

أما الوعيد على ترك الصلاة، فقد قال تعالى : ] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [[مريم : 59].

في حين ليس في القرآن أية واحدة في الإمامة لا في الوعد ولا في الوعيد. فكيف يستقيم هذا القياس، وعندكم الإمامة أجل وأشرف من كل العبادات والطاعات؟

لو ذكر إسم الإمام في القرآن لأصابه التحريف:

أما عن قولك بأن مظنة تحريف المسلمين للقرآن هي السبب في عدم ذكر إسم الإمام في القرآن.

فأقول: الرد على هذه الشبهة من وجوه:

الأول: أليس من إعتقاد المسلمين أن الله تعالى لما جعل نبينا محمد r خاتم الأنبياء والمرسلين، وإن شريعته هي الخاتمة لشريعة السماء، فإنه تعالى قد تكفل بحفظه لئلا تطاله الأيدي بالتحريف والتشويه؟ أليس يجب أن يسبق هذا الإعتقاد الإمامة سواء أذكرت في القرآن أم لم تذكر؟

الثاني: أليس من قولكم بأن الشريعة لا تحفظ إلا بوجود الإمام؟ فكيف تجعلون الإمام البشر قادرا على حفظ الشريعة، وتشكون في قدرة الله تعالى على حفظ كتابه الكريم؟

الثالث: أليس من قولكم أن الإمامة لطف واجب على الله تعالى؟ ألا يعني أننا نكون بعدم ذكر إسم الإمام في القرآن ووجوب اللطف على الله بين أمرين:

فإما أن لا يكون لطف الإمامة واجبا على الله تعالى ولهذا لم يذكر إسم الإمام في القرآن.

أو أنّ ذكْر إسم الإمام في القرآن يوجب مفسدة التحريف. وبالتالي فإن هذا اللطف الذي أوجبتموه على الله تعالى قد إنقلب إلى مفسدة، فحتى لا تتحقق هذه المفسدة وجب على الله تعالى عدم ذكر إسم الإمام في القرآن.

الرابع: إن هذا الظن يوجب الشك في قدرة الله تعالى، فكأنك تقول: إن الله تعالى كان بين خيارين: إما أن يذكر إسم الإمام في القرآن، فإذا ذكره بالإسم الصريح فإنه لا يستطيع أن يحفظ القرآن من التحريف.

أو أن لا يذكر إسم الإمام، لكي يستطيع أن يحفظ كتابه من التحريف! فأي عقل هذا الذي يضع الله تعالى بين هذين الخيارين؟

وهناك إلزامات أخرى تركتها لئلا يطول بنا المقام، فإن واحدة من هذه الإلزامات كافية في هذا الباب([24]).

ش: لقد حاول النبي r عدة مرات أن ينصب عليا خليفة من بعده على المسلمين، ولكنه كان يخشى من الصحابة أن لا يقبلوا ذلك، فتكون ردتهم علانية.

فبعد أن نصبه في غدير خم علم أن المسلمين سيغدرون بعلي ويغتصبون حقه في الخلافة، لهذا فإنه r  أراد أن يؤكد ما قاله في غدير خم كتابة، حتى يقطع الطريق على المتربصين بالخلافة، إلا أن عمر بن الخطاب منعه من ذلك، وقال: النبي يهجر، فلما علم النبي r أن لا فائدة من كتابته بعد أن إتهموه بالهجر والهذيان، ترك الكتابة وقال لهم: قوموا عني. وهذا مذكور في صحاحكم.

ولما علم النبي r بدنو أجله، وأنه ميت لا محال، أراد أن يبعد عن المدينة ساعة وفاته من يطمع في الخلافة خشية أن يزيحوها عن صاحبها الذي نصبه في الخلافة. وقد ثبت عنه انه كان يتوجس خيفة على أهل بيته ولاسيما على علي، فوصفهم بأنهم المظلومون من بعده. ولذا نراه أوعب في هذا الجيش كل شخصية معروفة تتطاول إلى الرئاسة، ولم يدخل فيه عليا ولا أحدا ممن يميل إليه الذين كانوا له بعد ذلك شيعة ووافقوه على ترك البيعة لأبي بكر، فلم يذكر واحد منهم في البعث، وهم ليسوا أولئك النكرات الذين لا يذكرون.([25])

فكان الغرض إخلاء المدينة من المزاحمين لعلي ليتم الأمر له، بعد أن إتضح للنبي أن التصريحات بخلافته لا تكفي وحدها للعمل بها عندهم.([26])

وأحسن من كتب في هذا المجال السيد نبيل فياض فبعد أن قدم ملخصا لقصة بعث أسامة، قال:

( من النص السابق يمكن أن نستنتج ما يلي:

١ - عندما أحس النبي بدنو أجله، أصر على إنفاذ سرية أسامة بن زيد التي أشرك فيها معظم وجوه المهاجرين والأنصار ولعن من تخلف عنها لرغبته، على الأرجح، بتسوية أمور خلافته في غياب مراكز القوى التي قد تثير خلافات بعده حول مسألة الحكم:  وهذا ما حصل فعلاً.

٢ - لاختياره أسامة بن زيد الشاب أميرًا على شيوخ المهاجرين والأنصار معنى هام للغاية، فهو تحضير لهم، غالبًا، كي يذعنوا لسلطة من يختاره النبي بعده، أيًا كانت سنه.

٣ - إحساس مراكز القوى بما يخطط له النبي، وتثاقلهم بالتالي عن الخروج في سرية أسامة.

ورغم إلحاح النبي المتواصل، وجدنا هؤلاء، عند وفاة النبي، متناثرين في أرجاء المدينة.)([27]).

لذلك فرغم كل ما فعله النبي r في تثبيت خلافة علي، إلا أن الصحابة ما أن مات النبي r وقبل أن يغسلوا جسده الشريف، ويدفنوه، إجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فتمخض عن إجتماعهم هذا أن ولوا خلافة المسلمين لأبي بكر بمبايعة عمر وأبي عبيدة وعدد من الأنصار، وتركوا وصي النبي في حيرة من أمره، وكما قال هو في نهج البلاغة: ( فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ وَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ وَعَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ).

س: إذاً سأكتب لك بحثا تفصيليا عن هذه الأمور التي ذكرتها، ليتضح لك ولغيرك الأمور جلية، ولتكون على بينة من أمرك، لتعلم يقينا أن النبي r لو أراد أن تكون الخلافة في أهل بيته، لكان الصحابة أطوع له ولمن ولاه من العجينة في يد خبّازها. ثم نمضي في النقاش قدما إلى الأمام، فإنكم تعولون على الأدلة العقلية أكثر من الأدلة النقلية، لينصب نقاشنا على اللطف الذي أوجبتموه على الله تعالى في الإمامة، وعلى ضرورة عصمة من يخلف الرسول r لأن الإمامة عندكم صنو النبوة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الأول

مقدمات تحضير النبي لخلافة علي بن أبي طالب

الفصل الأول: رزية الخميس

الفصل الثاني: بعث أسامة

الفصل الثالث: إجتماع سقيفة بني ساعدة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

رزية الخميس

س: يا صديقي لقد أكثر الشيعة الدندنة حول الحديث الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم عن إبن عباس وسماه بـ ( رزية الخميس ).

فعن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله r وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي r : ( هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده). فقال عمر: إن رسول الله r قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله r. ومنهم يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله r: (  قوموا عني). قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله r وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. 

وفي رواية سليمان بن أبي مسلم الأحول قال ابن عباس:  يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. قلت يا ابن عباس: وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله r وجعه فقال: ( ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا). فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا ما شأنه أهجر ؟ استفهموه فذهبوا يردون عليه. فقال: ( دعوني ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه). فأمرهم بثلاث، فقال: ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. وسكت عن الثالثة، أو قالها فنسيتها. قال سفيان: هذا من قول سليمان . متفق عليه.

وهم يعولون عليها في:

أولا: الطعن في الصحابة، وخاصة في عمر.

ثانيا: إعتبارها دليلا على إمامة علي بن أبي طالب.أو هي من مقدمات التحضير لها.

لقد وردت هذه الرواية بستة صيغ مختلفة عن إبن عباس بطريقين:

الأول: طريق الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن إبن عباس.

الثاني: سعيد بن جبير عن إبن عباس.

وتشترك هذه الصيغ في أمور، وتختلف في أمور:

أما إختلافها فهي:

صيغة ليس فيها ذكر يوم الخميس، والثانية فيها يوم الخميس.

صيغة تقول: إن الرسول r أوصاهم بثلاث، وأخرى لا تذكر الوصية. فالصيغة التي لا تذكر الوصية فيها قول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لإختلافهم ولغطهم. أما التي تذكر الوصية، فهي أيضا مختلفة، فبعضها يوحي أن الرسول أوصى في نفس ذلك المجلس، وبعضها تقول: إنه أوصى عند موته. ومعلوم أن موته كان يوم الإثنين لا يوم الخميس.

صيغة ورد فيها اسم عمر بن الخطاب، وأخرى لا يرد فيها اسم عمر. والصيغة التي فيها اسم عمر تقول:( إن عمر قال: إن رسول الله قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله). أما التي لم يرد فيها اسم عمر، تقول: ( إنهم قالوا: هجر رسول الله) أو ( ما به أهجر ).

ونتيجة للموقف العدائي للشيعة من عمر، فإنهم يقولون: إن القائل في الروايتين هو عمر، ولكن الراوي لم يجرؤ على نسبة كلمة ( هجر ) إليه. وهم يتصورون أن الراوي قد روى الحديث في زمن عمر. وهذا من قلة الإنصاف!

صيغة تقول: إن رسول الله r قال: ( قوموا ). وأخرى تقول: إن رسول الله r قال: ( دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه).

أما المشترك بين هذه الصيغ فهي:

تفرد إبن عباس بالرواية دون باقي الصحابة.

إنه كان في إشتداد المرض برسول الله r .

إن رسول الله r أراد أن يكتب كتابا قال عنه: ( لن تضلوا عنه أبدا ).

حصل إختلاف وتنازع بين الحاضرين وعلى أثره لم يتم إحضار الكتف والدواة، وعليه لم يتم كتابة الكتاب الذي أزمع النبي r كتابته.

وبما أن نقاشنا يا صديقي معك ومع الشيعة، فلسوء ظنكم في عمر لكم في هذه الرواية إدعاءان:

الأول: إن عمر هو الذي قال: النبي يهجر.

الثاني: إن ذلك الكتاب الذي أراد النبي r أن يكتبه كان في خلافة علي.

ورغم عدم صحة هذين الزعمين، فإننا من باب الفرضية ومن أجل ديمومة النقاش والسير فيه قدما، سنسلم لكم هذا الإدعاء، ونجاريكم فيها، وسنبحث الرواية من عدة محاور:

المحور الأول

دفاع عن النبي لا عن عمر

قبل أكثر من ( 15 ) سنة وأنا أقلب نظري في هذه الرواية، ويزدحم فكري فيها بعدد من التساؤلات التي لا أجد في نفسي جوابا مقنعا لها، ولا أجد فيما يقع في يدي من كتب يبحث فيها يشفي غليلي.

وكنت أردد في نفسي: هل يجوز لي أن أقول أن هذه الرواية موضوعة أو ضعيفة رغم ورودها في صحيحي البخاري ومسلم؟

ثم أقول: ومنْ أكون أنا حتى أردّ رواية وردت في الصحيحين؟ وكيف لي أن أحكم بضعف أو وضع هذه الرواية، مع عدم إختصاصي وتضلعي في علم الحديث؟

وكنت أجيب نفسي قائلا: وهل ورود رواية أو عشر روايات ضعيفة على سبيل المثال في كتاب البخاري ينقص من قدر هذا الكتاب، ويؤثر في صحة بقية روايات الكتاب؟

كنت أقول: لماذا لا نكون مثل الشيعة الذين يحكمون بضعف أي رواية لا تتماشى مع الإتجاه العام لمذهبهم؟ بل أحيانا أجدهم يحكمون بصحة سند الرواية، ومع هذا يحكمون عليها بأنها قيلت تقية، ويصححون رواية معلولة الإسناد لأنها في صالح مذهبهم؟ لماذا يقولون في كتاب الكافي: ( هو أجل كتب الشيعة وأكثرها فائدة)([28]) ومع هذا فإن عدد الأحاديث الضعيفة فيه بلغ أكثر من ثلثي الكتاب، ونحن نخشى أن لا يكون في صحيحي البخاري ومسلم حديثا واحدا، أو عشرة أحاديث ضعيفة!

    بقيت على هذا الحال إلى أن وقع بين يدي كتاب السقيفة لشيخ الشيعة محمد رضا المظفر، وقرأته فوجدت أن البحاثة الموصلي المرحوم الأستاذ عبدالله الملاح في رد له على هذا الكتاب قد حكم بوضع هذه الرواية، وفيما يلي نص ما قاله فيما يخص هذه الرواية:

(حديث ( هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا ). لا شك في وضعه أبدا على الرغم من رواية أئمة الحديث له إذ لا يخلو أن يكون ما أراد النبي كتابته حديثا أو قرآنا وقد ظل النبي ثلاثا وعشرين سنة يتحدث ويوحى إليه بالقرآن فلم نره أمر بكتابة شئ من الحديث أما القرآن فلم يكن النبي يقول " هلموا أكتب لكم " بل كان يخبرهم بنزول الوحي عليه ويأمر كتَبَة الوحي بتدوين ما نزل عليه، فإذا كان ما أراد كتابته قرآنا فلماذا لم يدع كتبة الوحي ليضيفوه إلى القرآن؟ أو لماذا لم يتله على الحاضرين على أنه قرآن كما كان يفعل فيحفظه عنه الصحابة كما كانوا يحفظون عنه القرآن فلا يتأتى لأحد الشك فيه؟ ولم يكن لعمر حق منع الوحي من النزول، ولم ينكر أحد جواز نزول الوحي على النبي في مرضه. أما إذا كان حديثا فمتى يا ترى أمر النبي بكتابة الحديث؟ وما الحاجة إلى كتابة هذا الكتاب إذا كان كل ما فيه هو التأكيد على إمامة علي عليه السلام ؟ ألم يسبق أن نص النبي على إمامته يوم الغدير؟ ومن نسي حديث الغدير أو أنكره على قرب العهد به فهو لما في الكتاب المزمع كتابته أشد نسيانا ونكرانا. ثم من هو عمر هذا الذي يأمر وينهي ولا يستطيع أحد مخالفته حتى رسول الله يمنعه عمر من أن يرشد المسلمين إلى أهم أمر من أمور الدين بعد التوحيد. لقد كان عند رسول الله r علي وعبد الله بن العباس وغيرهما من وجوه بني هاشم ولم يزد عمر على أن رأى رأيا حين قال : " إن الرجل قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله ". فلو كان الأمر من الأهمية بحيث كان ابن عباس يبكي حتى يبل الحصباء كلما ذكر ذلك لكان وجب أن يأمر رسول الله بإخراج عمر من عنده ويصر على إملاء ما أراد إملاءه بمحضر ممن يثق بأمانتهم، ولو كان الأمر متعلقا بأمر جوهري من
أمور الدين لما جاز لرسول الله أن يعدل عن تبيانه لمجرد اعتراض عمر، وإلا لترتب على ذلك أن النبي
r كتم كثيرا مما كان يريد تبليغه خشية عمر وغيره ولا أظن أن مؤمنا يقول بذلك)([29]).

فقلت في نفسي: إذن هناك من يقاسمني هذا الرأي، ومع هذا لم أتجرأ أن أقول فيها شيئا. إلى أن وقع في يدي كتاب آخر بعنوان ( سقيفة بني ساعدة بين السنة والشيعة ) من تأليف الدكتور سالم أحمد وتقديم الدكتور محمد طاهر البرزنجي ـ صاحب كتاب صحيح وضعيف الطبري، فوجدت أن المؤلف قد أجاد في البحث فيها، وفي الدفاع عن صحابة نبينا r ودقة إلتزامهم بأوامره.

إلا أنني وجدته هو الآخر أراد أن يقول أن الرواية ضعيفة، ولكنه تراجع عن هذا القول. وفيما يلي نص ما قاله في موضعين من كتابه:

الموضع الأول: قال: ( كنت أول الأمر أقول لابد أن يكون هذا الحديث ضعيفا أو موضوعا رغم وروده في الصحاح، لأن في ظاهره دليل على عصيان الصحابة للرسول وردهم لأمره وإساءة الأدب في حضرته، وهو بهذا مخالف لما عرف عن الصحابة من توقير الرسول وحبه وطاعته، ولكني بعد دراسة متأنية توصلت إلى عكس هذه النتيجة، وهي أن هذه الحادثة تدل على تمام معرفة الصحابة للرسول. . . إلخ).([30])

الموضع الثاني:

قال: ( أما كون الرواية مختلقة فلا يمكن القول به لأنه من رواية البخاري ومسلم. صحيح أنه لم يروها من الصحابة سوى إبن عباس، وكان يتطلب أن يرويها أكثر من واحد لأهميتها ولحدوثها أمام جمع من الناس، ولكن مع ذلك لا نملك ردها لأنها جاءت كما قلت في كتب الصحاح، ولست من أهل الصنعة حتى أتكلم في سندها والذي به صُحح الحديث. يبقى أن نبحث في مدلولها الذي حار فيه كثير من العلماء، فشرّقوا وغرّبوا دون أن يأتوا بتفسير يشفي الغليل! أما الشيعة فقد كفوا أنفسهم عناء البحث وسارعوا إلى القول بأنها كانت في إمامة علي ويجزمون بذلك ويتخذونها كما قلت مطية في الصحابة وإتهامهم بمعصية الرسول والرد عليه في حياته، وبعضهم يذهب إلى أكثر من ذلك حيث يستدل بها على كفر الصحابة لاسيما عمر! أما أنا فقد رأيت فيها غير ما يرى الشيعة وقد فتح الله عليّ فهمها فوجدت فيها دليلا قاطعا على طاعة الصحابة للرسول r والتي أنا بصدد بيانها).([31])

هكذا وجدت معي إثنين من أهل السنة يشاركونني الرأي في إحتمال كون هذه الرواية ضعيفة، ولكنني أختلف مع الدكتور سالم أحمد في سبب تضعيف الرواية، فعندي السبب لا يكمن في كونها دلالة على عصيان الصحابة للرسول r ، فما أيسر الدفاع عن الصحابة، وعن عمر خاصة، ولكني وجدت أن هذه الرواية تحمل في طياتها مطاعن في النبي r مما دفعني إلى الطعن في صحة هذه الرواية رغم ورودها في الصحيحين، رغم أنني إستفدتها من كتاب الدكتور سالم؛ وإليكم البيان:

1.      إن قول النبي r ( أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا) يتعارض مع قول الله تعالى في القرآن: ] الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [[المائدة : 3]. فما هو هذا الشيء الذي يتوقف عليه هداية الأمة ويعصمها من الضلال الأبدي، وهو غير مذكور في القرآن ولو في آية واحدة، حتى إحتاج النبي r إلى كتابته على غير عادته في كتابة الحديث. وإلا فالمنطق يقول: إنه كان يقول لهم بداية، أو بعد وقوع التنازع: عليكم بالآية الفلانية من القرآن.

2.      إنه يتعارض مع سنة النبي r : فهناك أحاديث كثيرة صحيحة وصريحة تبين أن النبي r قد بيّن لهم كل شيء قبل يوم الخميس. منها: ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك )([32]). ومنها: ( ليس من عمل يقرب من الجنة إلا قد أمرتكم به ولا عمل يقرب من النار إلا وقد نهيتكم عنه ).([33]) ومنها: عن سلمان الفارسي قال: ( قيل له لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة قال أجل لقد نهانا r أن نستقبل القبلة بغائط أو بول وأن لا نستنجي باليمين وأن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار أو يستنجي برجيع أو عظم).([34])فكيف نتصور أن نبينا r الذي بيّن لأمته مثل هذه الأمور الفقهية الصغيرة، يأتي في آخر أيام حياته ليقول لهم ( هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا )؟ ثم لا يكتبه!

3.      كيف يقبل العقل أن يؤخر النبي r هذا الكتاب الذي فيه العصمة الأبدية للأمة من الضلال إلى يوم وفاته، لاسيما أنه كان قد علم من قبل أن أجله قد دنا، وأنه لم يبقَ لديه سوى لحوقه بالرفيق الأعلى، وأنه كرر ذلك مرارا، وقد نعي نفسه إليه وأعلم المسلمين بذلك في مواضع عديدة، نذكر منها: ( أن رسول الله r جلس على المنبر قال: ( إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده ) فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا. قال: فعجبنا فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال: فكان رسول الله هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به فقال النبي r : ( إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر). ([35])

4.      إن أمر النبي r بكتابة هذا الكتاب الذي قال عنه: ( لا تضلوا بعده أبدا ) ثم عدم كتابته لأي سبب كان فيه دلالة على أن أمرا مُهِّماً كان يجول في فكر النبي r لكنه إمتنع عنه، بسبب تنازع الصحابة، فما هو هذا الأمر المهم الذي يعصم الأمة من الضلال الأبدي؟ فأما أن يتركه بسبب تنازع الصحابة فهذا لا يتفق مع أهمية هذا الكتاب! لأن في عدم بيانه الضلال الأبدي للأمة.

أكان هذا الكتاب يتعلق بأمر الدين أم بأمر يخص الدنيا؟

فإن كان يتعلق بأمر الدين فالقرآن وأحاديث النبي r كفيلة ببيان ذلك. أما إن كانت من أمور الدنيا، فلا يصح أن يقال عنها لن تضلوا بعده أبدا. لاسيما أن صيغة الرواية التي تذكر أن النبي r عدل عن الكتابة إلى الوصية شفاها ليس فيها ـ أي الوصايا ـ  ما يقال عنها: ( لا تضلوا بعده أبدا ). فقوله r ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) ليس فيه دلالة على عصمة الأمة من الضلال الأبدي. وحتى في عقيدة أهل السنة والجماعة الذين يقولون بأن هناك دلالات واضحة بأن هذا الكتاب كان يتعلق بخلافة أبي بكر الصديق، فحتى هذه لا تتناسب مع قول النبي r ( لن تضلوا بعده أبدا ) لأن إمامة المسلمين في عقيدة أهل السنة والجماعة ليست من أصول الدين، ولا يتعلق بها إيمان وكفر، وليست فيها أن هذه الإمامة أو الخلافة تعصم الأمة من الضلال الأبدي لعدم إستمرارية خلافة أحد من الناس أبد الدهر، وبالتالي فكيف يقال عنها أنها تعصم هذه الأمة من الضلال الأبدي؟ ربما لو قيل: تعصم الأمة من الزوال لأمكن قبوله بإعتبار أن أبا بكر الصديق حارب المرتدين الذين كان خطرهم وشيكا في القضاء على الأمة.

5.      ظاهرٌ أن الأمر الذي يكون في تركه ضلال الأمة لا يكون مباحا، ولا مندوبا، بل من آكد الواجبات والفروض. وترك كتابة مثل هذا الأمر المهم لا يتفق مع سيرة النبي r مع الكفار والمشركين، ولا مع أصحابه. ذلك لأن النبي r منذ أول يوم دعا فيه الناس إلى الإيمان برسالته عارضه المشركون، وعارضه أهل الكتاب، وقالوا عنه: كذاب، ساحر، مجنون، إنما يعلمه بشر . . . إلخ. فما زاده إلاّ قدما في دعوته، وإصرارا في تبليغه. كما أنه تعرض لمعارضة من قبل بعض الصحابة في أمور في السياسة، أو في الحرب، لكنه r أصر على رأيه وأنفذ أمره؛ مثل معارضتهم له في صلح الحديبية، وفي معركة بدر، وفي تأمير أسامة بن زيد وبعثه! فلماذا هنا في هذه الرواية رغم أهمية الأمر الذي كان يدعو إليه، تراجع عن رأيه، لاسيما أن بعض الروايات لا تذكر أنه أوصى بشيء. وحتى الوصية نفسها، لم تكن بهذه الأهمية التي يقال عنها( لن تضلوا بعده أبدا ). كما أن الوصية الثالثة التي سكت عنها النبي r أو نسيها الراوي تدل على أن هناك شيئاً ضاع من مجموع هذا الكتاب الذي كان النبي r قد عزم على كتابتها. فما هو هذا الشيء الذي ضاع والذي فيه عصمة الأمة من الضلال الأبدي. إن واجب النبي r هو أن يبين للناس ويبلغهم شرع ربهم سواء أطاعه الناس أم عصوه، ولو أنه ترك التبليغ من أجل إعتراض من يعترض، أو لعدم طاعتهم له، لوجب أن يترك كثيرا من الأحكام، لأن الكفار، أو المنافقين لا يقبلون منه ويطعنون في حكمه. ولو جاز له r أن يترك شيئا لترك قوله تعالى: ] وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ [الأحزاب/37].

وأما قولكم يا صديقي: بأن النبي r ترك كتابة الكتاب خوفا من تعجيل الفتنة بين المسلمين، وتفريق كلمتهم، فيتسلط بذلك الكفار وأهل الردة عليهم، وينهدم أساس الإسلام، وينقلع دعائم الدين.([36]) فإنه قول بارد وركيك، لأن هذه الخشية قد تحققت بترك هذا الكتاب؛ فعندكم لا فرق بين أن يتسلط الكفار والمشركون على هذه الأمة، وبين تسلط أبي بكر وعمر وعثمان. بل تكفيركم لهم أشد من تكفيركم لأبي جهل وأبي لهب، وعندكم أن إستيلاء هؤلاء على الخلافة أعظم ضررا من الكفر والشرك! ومع هذا فإن ما كان يخشاه النبي r قد وقع عند الشيعة، وارتد الناس إلا ثلاثة أو أربعة. ثم لو أن النبي r كان يخشى على أمته أنهم لا ينصاعون لوصيه فيرتدوا، فلماذا نصبه عليهم في غدير خم، وفي مواطن كثيرة ـ كما تقولون؟

6.      إن تأخير النبي r لهذه الوصية المهمة التي فيها العصمة من الضلال الأبدي إلى مرض وفاته يتعارض مع ما كان يأمر به أصحابه بعدم تأخير الوصية. لاسيما أن وصية النبي هذه لم تكن متعلقة بمال أو بشأن من شؤون الدنيا، لأنها لا تستحق أن يقال عنها ( لن تضلوا بعده ابدا ). فقد جاء في الحديث عن ابن عمر عن النبي r أنه قال: ( ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه إلا وصيته مكتوبة عنده ).([37]) وفي رواية النسائي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ rَ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.

7.      وأخيرا فإن وفاة رسول الله r لم يكن مفاجئا، بل عاش بعد الخميس أربعة أيام، وفي أحد هذه الأيام كانت العافية قد عاودته بحيث خرج إلى الصلاة مع الصحابة، فلماذا لم يكرر طلبه مرة أخرى ليكتب لهم هذا الكتاب الذي يعصمهم من الضلال الأبدي؟ ولماذا لم يذكره أو يسأله أحد الصحابة الذين حضروا هذا المشهد عن هذا الأمر المهم؟

إن كل هذه التساؤلات التي تتعلق بالنبي r يجعل المسلم يتحير أمام هذه الرواية! بالإضافة إلى تساؤلات كثيرة في الرواية نفسها، نذكر منها على سبيل المثال:

·               إن جميع صيغ الرواية متفقة على أن في البيت رجال غير عمر، فلماذا ذكر الراوي عمر ولم يذكر غيره من الصحابة، أو من أهل بيت النبي؟

·               لماذا إنفرد إبن عباس بهذه الرواية ـ رغم حداثة سنه فيها ـ دون غيره من المتواجدين في بيت النبي؟ ألا يقتضي أن أمرا مهما كهذا ـ لو وقع ـ لكانت الدواعي متوافرة لأن ينقلها أكثر من واحد ممن حضرها وشهدها ممن هو أكبر منه سنّا؟

·               لماذا كان ابن عباس يتحسر ويبكي حتى يبل دمعه الحصى، ويقول: ( الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله r وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب )؟ هل كان يعلم ما سيكتبه النبي ولهذا كان يتحسر ويبكي؟ أتراه كان يظن أن هذا الكتاب كان في خلافة علي، لذا كان يتحسر على فوتها؟ أم أنه كان يظن أن هذا الكتاب كان في خلافة أبي بكر، فكان يتحسر على عدم تأكيد النبي لها؟

أما خلافة أبي بكر فإن أحاديث أهل السنة قد دلت على أن النبي r ترك كتابة الكتاب فيها من دون معارضة من أحد، لعلمه r أن المسلمين لا يجتمعون على غيره، فقد جاء في الحديث عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ r في مَرَضِهِ:( ادْعِى لِى أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّى أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ أَنَا أَوْلَى. وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ )([38]). فالنبي r ترك الكتابة هنا دون وجود من يعارضه لأنه عَلِم أن إختيار المسلمين له وعلمه r بذلك أولى من أن يفرضه عليهم، ( ذلك لأن النبي r لو عيّن واحداً فقد يختلف حاله ويجب عزله، فقد كان يولّي في حياته مَنْ يُشكى إليه فيعزله، كما عزل الوليد بن عقبة، وعزل سعد بن عبادة عام الفتح وولى إبنه قيساً؛ وعزل إماما كان يصلي بقوم لما بصق في القبلة. فإذا كان في حياته r مَنْ يوليه ولا يقوم بالواجب فيعزله، أو يأمر بعزله؛ كان لو ولى واحدا بعد موته يمكن فيه أن لا يقوم بالواجب، وحينئذ فيحتاج إلى عزله، فإذا ولته الأمة وعزلته كان خيرا لهم من أن يعزلوا مَنْ ولاه النبي r. وهذا مما يتبين به حكمة ترك الإستخلاف).([39])

ألا ترى أن أبا بكر t أصر على بعث أسامة حال توليه الأمر رغم إعتراض بعض الصحابة، وقال:( والله لا أحل راية عقدها رسول الله r ) لأن النبي r قال قبل موته: ( أنفذوا بعث أسامة ). فلماذا يطيعون النبي r في كل شيء إلاّ في وصيه؟

وأما أن يكون في ظن ابن عباس أن هذا الكتاب كان في خلافة علي، فإن العلاقة الحميمة بين إبن عباس وبين عمر بن الخطاب، وما كان يلقى من تكريمه له وتفضيله على كثير من وجوه الصحابة، لا تؤيد هذا الظن. وأيضا لم تكن العلاقة بين علي وبين ابن عباس بالعلاقة الطيبة التي يتحسر معها في فوت الخلافة لعلي، فإن عليا إتهمه بإختلاس أموال البصرة فعزله عن ولايتها([40]).

نعم لو كان عهد أبي بكر وعمر عهد فتن وإضطرابات، وعهد علي عهد إستقرار وإزدهار، لحق لكل من شهد حادثة الخميس، وظن إنها كانت في علي، أن يذكرها ويتحسر عليها.

لهذه الأسباب وأسباب أخرى تتعلق بعلي نفسه فإني لا أطمئن على صحة هذه الرواية رغم كونها في الصحيحين، وإني لأعلم أني سأكون هدفا لحملة تشهير من طرفين:

طرف يطعن بي وبعلمي، وربما يقول أحدهم: من يكون هذا الصعلوك الذي يطعن في البخاري ومسلم، وما مثله إلا كمثل طفل يرمي البحر، ويقول: نلت منك يا بحر. كما قيل سابقا.

وربما يضيف فيقول: بأني من المتأثرين بالفكر المعتزلي الذي يقدم العقل على النقل و و

وطرف آخر سيتخذ من كلامي هذا ذريعة في الطعن في الصحيحين البخاري ومسلم.

ولكني لا أعتقد أن رد رواية، أو روايتين، أو عشرة من الصحيحين سيؤثر في صحة ومكانة الصحيحين، أو الطعن في أمانة الإمامين الجليلين البخاري ومسلم ودقتهما في قبول أو رفض الروايات، بل أرى أن هذا من مصاديق قول الله عز وجل : ] وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [[النساء/82]. فما دام عملهما في هذا الكتاب وجمعهما لما صح من حديث رسول الله r من فعل البشر، فلابد أن يعتريه بعض النقص والغلط؛ فإن الذي لا يسهو ولا ينسى ولا يغلط ولا يخطأ هو الله تعالى فقط. ولما كانت نسبة الخطأ في الصحيحين لا تتجاوز الواحد من الألف، فليس فيهما مطعن أو مغمز في كونهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.

إلاّ أنني أستدرك وأقول: إننا لو حكمنا بصحة الحديث، وبصحة أن تكون الوصية الثالثة هي في أمر الخلافة، فلابد لنا من القول: بأن الله تعالى هو الذي صرف نبيه عنها ـ كما صرفه في كتابته لهذا الكتاب في خلافة أبي بكر من دون لغط من أحد، أو تنازع بين الصحابة ـ وعندئذ، فيجب عدم الربط بين تنازع الصحابة عنده، وبين نسيانه للوصية الثالثة، أو عدم الإصرار على كتابتها. إذ ليس الأمر إلى النبي r في كل شيء، إنما هو يتبع ما يوحى إليه و] لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ  [ [آل عمران : 128]، ] وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ [يونس : 15].

وعلى هذا تتنزل الرواية التي يرويها إبن أبي الحديد عن إبن عباس ـ إن صحت ـ أنه قال : ( خرجت مع " عمر " إلى الشام في إحدى خرجاته فانفرد يوماً يسير على بعير فاتبعته فقال: يا " ابن عباس " أشكو إليك ابن عمك سألته أن يخرج معي فلم يقبل ولم أزل أراه واجداً، فيم تظن موجدته؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنك لتعلم، قال: أظنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة، قلت: هو ذاك إنه يزعم أن رسول الله أراد الأمر له، فقال: يا " ابن عباس " وأراد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الأمر له فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك، إن رسول الله أراد ذلك وأراد الله غيره فنفذ مراد الله تعالى ولم ينفذ مراد رسول الله أَوَكلُّ ما أراد رسول الله كان؟ إنه أراد إسلام عمّه ولم يُرِدْه الله فلم يسلم)([41]).

يقول الخميني: ( فرأي الاشخاص وحتى رأي الرسول الأكرم r ليس له أي دور في الحكومة والقانون الإلهي، فالجميع تابعون لإرادة الله تعالى)([42]).

ومع هذا فإن قول إبن عباس ( الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله r وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ) لا يسعف هذا التأويل، ويلقي باللوم على تنازع الصحابة!

كما أنني أريد أن أؤكد هنا أنه لا مجال لقياس هذه الحالة بتعيين ليلة القدر حينما أراد النبي r أن يعين لهم ليلة القدر فتلاحى رجلان فرفعت.

فقد جاء في صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله r خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: ( إني خرجت لأخبركم بليلة القدر وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم التمسوها في السبع والتسع والخمس ). أي من بقين من العشر الأواخر.

فهاهنا قال النبي r: وعسى أن يكون خيرا لكم. لذا قال العلماء: الحكمة في اخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد فى التماسها بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها كما تقدم نحوه في ساعة الجمعة([43]).

فترك بيان أو تحديد ليلة القدر ليس فيه الضلال الأبدي. بل ربما كان إبهام ليلة القدر أدعى إلى قيام العشر كله، أو أوتاره في طلبها، فيكون سببا لشدة الاجتهاد وكثرته([44]).

وربما صح القياس بين الحالتين لو لم يكن في ترك أو نسيان الوصية الثالثة في رزية الخميس الضلال الأبدي للأمة.

المحور الثاني

عدم دلالة الرواية على إمامة علي t

س: قلتم يا صديقي إن الشيعة تدعي أن الوصية الثالثة التي يقول الراوي أنه نسيها، في الحقيقة أنه لم ينسها، ولكنه أخفاها عن عمد، لأنها كانت في إمامة علي!

فنقول في الرد:

أولا: إن هذا الإدعاء أولا وقبل كل شيء هو رجم بالغيب، فما الذي يدريكم إنها كانت في خلافة علي؟ ألستم تقولون أن النبي r قد نص على علي في أكثر من موضع، وفي أكثر من مناسبة؟ ألستم تقولون أن النبي r قد نصب عليا خليفة للمسلمين يوم الغدير، فسلم الصحابة عليه واحدا واحداً بخليفة رسول الله، بل تقولون أن عمر قال له: بخ بخ أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن؟ فما حاجة النبي، وما حاجة علي إلى هذا الكتاب؟ ومن أين علمتم أن هذا الكتاب كان في خلافة علي؟ ألديكم قرائن تثبت يقينا هذا الزعم؟ أم أن النبي r أسرّ إليكم هذا؟ وهل يوجد في كتبكم أن عليا إدعى أن هذا الكتاب الذي أراد أن يكتبه النبي r كان في الوصية له بالخلافة؟ وهل إحتج علي في يوم من الأيام في خلافة الصديق أو الفاروق، برزية الخميس؟ فإن كان علي يعلم أن النبي أراد أن يكتب كتابا بخلافته وسكت، فليس في الأرض من هو أضيع حقا من علي لحقه؟ ثم لماذا لا توجد هذه الرواية في كتب الشيعة بسند صحيح مقبول عندهم؟ ولماذا يحتجون برواية لا يعترفون بصحتها عندهم، لأنها وردت في كتب أهل السنة من جهة، ومن جهة أخرى يتهمون الراوي بعدم الأمانة في النقل؟ فالرواية في جميع الموازين ساقطة عن الإحتجاج، فلماذا يأخذونها وكأنها سالمة من كل طعن أو إحتمال؟ ثم إن تأخير النبي r لكتابته إلى آخر أيام حياته، وقوله ( لن تضلوا بعده أبدا ) يدل على أن هذا الكتاب ليس تأكيدا لأمر سابق، وإنما هو شيء جديد، وله من الأهمية بحيث يستحق أن يقول عنه النبي ما قاله! فهل هذا يتناسب مع إدعاء الشيعة أن النبي ما ترك مناسبة إلاّ وأشار فيها إلى إمامة علي؛ إبتداءً من حديث الدار في مكة قبل غدير خم بعشرين سنة، وإنتهاءً بتنصيبه الرسمي في يوم الغدير، وإحتجاجهم بعشرات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في الدلالة على إمامة علي؟ أليس هذا يستلزم أن تكون إمامة علي قد وصلت خلال تلك الفترة الممتدة من بداية دعوة النبي في مكة، وإنتهاء بيوم الخميس قبل وفاة النبي بأربعة أيام إلى مرتبة الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، بحيث لا تخفى مكانته عند الصحابة، ويوجب على المسلمين أن يتعاملوا معه كنائب للنبي وولي عهده من بعده، وأنه معصوم في ما يقوله ويفعله؟ فهل مثل هذا الأمر يحتاج إلى كتابة؟ ولكن حسب علمي المتواضع لم أجد في التاريخ لا عند السنة ولا عند الشيعة من يذكر أن أحدا من الصحابة، حتى من الموالين لعلي عند الشيعة كان ينظر إلى علي في حياة النبي أو بعد وفاته بأنه معصوم، وأنه وليُّ عهده من بعده. كل الذي عندهم أن بعض الصحابة وعددهم لا يتجاوز العشرة من بين الآلاف كانوا يظنون أن عليا هو الأولى بالخلافة، وفرق كبير بين الإعتقاد بالنص والعصمة والظن بالأولوية!

إن مقارنة بسيطة بين الوصيتين اللتين ذكرهما الراوي، وبين ما تذهبون إليه من كون إمامة علي أصل من أصول الدين؛ لا يتناسبان في المقام. فأين إخراج المشركين وإجازة الوفد، وهما من المسائل الفرعية، من الإمامة التي من لم يؤمن بها كان كافراً ضالا مستحقا للخلود في جهنم ـ كما تقولون؟

ألم يكن من المناسب أن تكون إمامة علي الوصية الأولى من بين هذه الوصايا؟

ثانيا: من المعلوم أن الرواية التي فيها أن الراوي نسي الوصية الثالثة، هو التابعي الجليل ( سعيد بن جبير ) وهو من الثائرين على بني أمية، وأنتم لا تطعنون فيه، كما أنه لم يكن خارجيا من النواصب الذين يبغضون عليا t حتى يُقال أنه أخفى الوصية لأغراض سياسية، أو خوفا من السلطان! ولو أراد أن يخفي الوصية الثالثة، فما الذي منعه من تحريفها وجعلها في أبي بكر أو عمر أو غيرهما من الصحابة؟ ثم لماذا يرويها من الأساس؟ ألم يكن بإمكانه أن لا يحدِّث بها أصلاً بدل أن يخفي منها جزءاً؟ لاسيما أن هذه الصيغة التي فيها أن الراوي نسي الوصية الثالثة لا يرويها غيره!

ثالثا: قلنا إن جميع صيغ الرواية تذكر أن في البيت رجالا غير عمر، ولابد أن يكون أهل البيت وبالأخص علي متواجدا عند رسول الله، لأنه هو المعني بالأمر ـ حسب قولكم ـ  يؤيده قول ابن عباس: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، وقوله: وكثر اللغط وأكثرو اللغو والإختلاف. فما الذي منعه هو ومن معه من بني هاشم من الوقوف في وجه عمر وغير عمر، وإجابة النبي r إلى ما طلبه، لاسيما أنه لم يوجه كلامه إلى عمر فقط؟ بل قال: ( هلموا أكتب لكم ).

رابعا: من المعلوم أن هذه الحادثة كانت قد وقعت يوم الخميس، ويدل عليها قول ابن عباس ( يوم الخميس وما يوم الخميس ) وأنتم تسمونها اليوم بـ ( رزية الخميس ) أكان وفاة النبي r في نفس اليوم الذي وقعت فيه هذه الحادثة بحيث لم يجد النبي r متسعاً من الوقت ليكرر طلبه في كتابة هذا الكتاب؟ أم أنكم تعترفون أنه عاش بعده ثلاثة أيام أو أربعة؟

فلماذا لم يكرر طلبه مرة ثانية؟

هل كان خائفا ـ حاشاه ـ من عمر؟

وهل كان عمر ملازما له حتى وفاته بحيث لم يجد فرصة للخلاص منه ليكتب لهم ذلك الكتاب؟

خامسا:  ثم إذا كان عمر قد منع النبي r من كتابة الكتاب؛ فهل منعه من القول شفاهاً؟ لاسيما أن الأمر لا يتطلب أكثر من الكلمات التي قالها النبي r! فكان يقول لهم: علي خليفتكم من بعدي.

بحسب ما يعتقده الشيعة يا صديقي، فإن النبي r كان يعلم بإستيلاء الشيخين على الخلافة وإغتصابهم لحق علي فيها([45]) فكان عليه أن يتخذ إجراءات أكثر صرامة مما فعل: كأن يأمر بكتابة ذلك الكتاب قبل ذلك اليوم، أي في أيام صحته، لا يوم يشتد به المرض، ولا يقوى على الحركة! أو يجمع الناس في المسجد ويبلغهم صراحة وبوضوح دون لبس بأن عليا خليفته من بعده! ليقطع الطريق على المعارضين، وعندئذ فلا عمر ولا ملء الأرض من أمثال عمر وغير عمر ما كانوا يستطيعون تبديل وصية رسول الله r! أو يدعو بعض أصحابه ممن عرفوا بالولاء لعلي كالعباس، وأبي سفيان، وأبي ذر والمقداد وغيرهم، ويملي عليهم الكتاب ويأمرهم بقراءته على الناس قبل أو بعد وفاته! أو يقول كما قال في بعث أسامة ( أنفذوا بعث أسامة ) فيقول: وَلّوا عليا بعدي.

سادساً وأخيرا: فإن الواقع أثبت بأن خلافة علي لم تعصم الأمة من الضلال، بل كان المسلمون في عهد أبي بكر وعمر أقرب إلى الصلاح والإستقامة من عهد علي. ولا ينفع الشيعة قولهم أن عليا لو تولى الخلافة بعد رسول الله r مباشرة دون فصل لغيّر وجه التاريخ، ولأصبح المسلمون في خير كثير. لأنهم يعترفون أن جل الصحابة، بما فيهم المهاجرين والأنصار؛ حتى أصحاب علي كانوا من المؤمنين بخلافة الخلفاء الذين سبقوه، وكانوا يعتقدون أن الخلافة شورى بين المسلمين، حتى أن عليا لم يستطع إظهار النص عليه لا في حياتهم ولا بعد مماتهم، وكان يأمر ولاته وقضاته بعدم مخالفة أحكام من سبقوه من الخلفاء([46]).

إن مجرد إدعاء ما لم يقع أو يحدث لا يكفي لفرض نظرية مثالية على أرض الواقع. فما الذي كان بوسع علي أن يفعله أكثر مما فعله أبو بكر أو عمر؟

ألم ينفذ أبو بكر جيش أسامة تنفيذا لوصية رسول الله ( أنفذوا بعث أسامة )؟

ألم يحارب المرتدين والمتنبئين؟

ألم يطهر عمر جزيرة العرب من دنس المشركين تنفيذا لوصية رسول الله ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب )؟

ألم يفتح عمر بلاد الروم والعراق وبلاد فارس وأذل قيصر وكسرى، ووزع تاج كسرى وكنوزه بين المسلمين؟ ألم يطهر عمر بيت المقدس من دنس الصليبيين؟

فما الذي قصّر فيه من سبقه من الخلفاء حتى يظن الظان أن عليا كان بمقدوره أن يفعل أكثر مما فعلوه؟

المحور الثالث

موقف عمر من رزية الخميس

تقول الشيعة يا صديقي: إن النبي r أراد أن يكتب كتابا بإمامة علي، ولكن عمر لما علم بذلك منع النبي r أو كان هو السبب في عدم كتابة هذا الكتاب بقوله: ( النبي يهجر ) فكان سببا في عدم إصرار النبي r على كتابته.

فأقول: رغم أننا أثبتنا شكوكنا في عدم صحة هذه الرواية، لأنها تحمل في طياتها طعونا في النبي r قبل أن تتوجه الطعون إلى عمر، ومع هذا فإن أيا من صيغة الرواية لم تذكر أن عمر هو الذي قال بأن النبي يهجر، بل إنه قال: النبي غلبه الوجع وعندكم كتاب الله. وكان من حرصه على النبي r لأنه رآه يعاني من شدة المرض، إلاّ أننا نوافقهم هذا الرأي جدلا، ونقول:

على فرض أن عمر هو الذي قال: النبي يهجر([47])، فإننا سنواجه تساؤلات كثيرة، يجب الخروج منها، قبل توجيه الطعن إلى عمر:

منها: من أين علم عمر أن هذا الكتاب الذي أراد النبي r أن يكتبه كان في خلافة علي، ولهذا قال ما قاله؟

أعندكم من دليل قاطع؟ أم هو مجرد الظن والتخمين والرجم بالغيب؟

ومنها: هل كان عمر يعلم أن النبي r سيموت في مرضه هذا، فحال بينه وبين كتابة الكتاب في تلك الساعة؟

ومنها: هل كان عمر يعلم ـ حين منع النبي من كتابة الكتاب ـ أن النبي سيمتنع بالتصريح مشافهة بما عزم على كتابته؟ فما الذي منع النبي من المشافهة؟

إننا في الوقت الذي لا ندعي العصمة لأحد بعد رسول الله r، فإن قول عمر لا يفهم منه الرد على رسول الله r وعصيانه، ومع هذا فإننا لا ندعي أن عمرا كان مصيباً فيما قاله، ولكننا نعتقد أنه ما كان يعلم الغيب، وبالتالي لا يمكن الجزم بأنه كان يعلم أن هذا الكتاب كان في خلافة علي، بل ولا كان يعلم ما كان يريد أن يكتبه النبي r ، فكل الدلائل تشير إلى أنه لم يكن له غرض([48]) سوى أنه كان مشفقاً لحال النبي r وما كان يعانيه من شدة المرض؛ لاسيما أن إحدى صيغ الرواية تقول ( إشتد برسول الله r الوجع )، وأنه كان يقول في مرضه ذلك: ( إن للموت سكرات، اللهم أعني على سكرات الموت ). وسكرة الموت تعني أن الإنسان يكون كالسكران الذي لا يعي ما يقول([49])، ولهذا ظن عمر أن رسول الله r بشر يعتريه ما يعتري سائر البشر من الأمراض والأسقام.

فالمرض جائز على الأنبياء، والشك جائز على عمر لاسيما في مثل هذه الحالة التي كان النبي r يعاني من المرض، وقد جاء في الرواية عن عبدالله بن مسعود قال: دخلت على رسول الله r وهو يوعك فقلت يا رسول الله: انك توعك وعكا شديدا فقال رسول الله r : ( إني أوعك وعك رجلين منكم ) قلت: بأن لك أجرين قال: ( نعم أو أجل ) ثم قال: (  ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا حط الله عز وجل عنه خطاياه كما تحت الشجرة ورقها).([50])

فهل هذا الشك في مثل هذا الموضع يخرج عمر من الإسلام؟

ألم يقل إخوة يوسف لأبيهم: ] إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [[يوسف/8]، وقالوا: ] تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ [[يوسف/95]. ومع هذا قالوا لأبيهم: ] قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ [يوسف/97، 98]. وقال لهم يوسف: ] لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ [يوسف/92].

ثم هل ثبت أن النبي r غضب من عمر، أو قال فيه شيئا، كلا، بل قال للجميع: ( قوموا ) أو ( دعوني فالذي أنا فيه خير )، وإنما ترك كتابة الكتاب لإختلافهم ولغطهم لا لأجل عمر. كما أن إبن عباس لم يقل أن الرزية في حق عمر.

بقي أن اقول لك: لماذا تعتقد الشيعة في جميع رواياتهم المشتركة مع أهل السنة التي لا تتوافق مع مذهبهم، بأنها قيلت تقية، ثم يأتون إلى الحديث الذي يرويه أهل السنة ـ وهم لا يعترفون بصحة جميع ما عند أهل السنة من أحاديث ـ الذي يتوافق مع أهوائهم فيأخذونه على أنه الصحيح الذي ما بعده صحيح؟

متى أقاموا وزنا للإمام البخاري، وما يرويه في صحيحه، حتى يجعلوا ما فيه حجة لهم على أهل السنة؟

وهذا آخر ما أردت قوله في هذا الموضوع، وإن كان يتحمل الكثير.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

بعث أسامة

ملخص القصة:

اليوم يوم الإثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول الله r  أمر رسول الله r  الناس بالتهيؤ لغزو الروم، إنتقاما لمقتل القادة الثلاثة في معركة مؤتة( زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن رواحة ) فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال : سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءً بيده ثم قال: أغز بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله !

خرج أسامة ومن معه في نفس اليوم وأمره الرسول r أن يعسكر بالجرف، وفي الجيش كبار الصحابة منهم: عمر، وأبي عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد.

فتكلم قوم: وقالوا : يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين ! فغضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غضباً شديداً فخرج وقد عصب على رأسه عصابةً وعليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله ! وايم الله إن كان للإمارة لخليقاً وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي، ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله r ويمضون إلى العسكر بالجرف، وثقل رسول الله r فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة ! فلما كان يوم الأحد اشتد برسول اللهr  وجعه فدخل أسامة من معسكره والنبي مغمور، وهو اليوم الذي لدوه فيه، فطأطأ أسامة فقبله ورسول الله r لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة، قال: فعرفت أنه يدعو لي؛ ورجع أسامة إلى معسكره ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله r  مفيقاً، صلوات الله عليه وبركاته، فقال له: أغد على بركة الله ! فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل؛ فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله يموت ! فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة فانتهوا إلى رسول اللهr   وهو يموت فتوفي r  حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.

دلالات بعث أسامة بين السنة والشيعة:

لقد أكثر الشيعة يا صديقي من القول في هذا البعث، وجعلوه من دلالات تحضير النبي r وتوطئته لخلافة علي. ولقد قلت:

أراد النبي r أن يبعد عن المدينة ساعة وفاته من يطمع في الخلافة خشية أن يزيحوها عن صاحبها الذي نصبه في الخلافة. وقد ثبت عنه انه كان يتوجس خيفة على أهل بيته ولاسيما على علي، فوصفهم بأنهم المظلومون من بعده. ولذا نراه أوعب في هذا الجيش كل شخصية معروفة تتطاول إلى الرئاسة، ولم يدخل فيه عليا ولا أحدا ممن يميل إليه الذين كانوا له بعد ذلك شيعة ووافقوه على ترك البيعة لأبي بكر، فلم يذكر واحدا منهم في البعث، وهم ليسوا أولئك النكرات الذين لا يذكرون.([51])

فكان الغرض إخلاء المدينة من المزاحمين لعلي ليتم الأمر له، بعد أن إتضح للنبي أن التصريحات بخلافته لا تكفي وحدها للعمل بها عندهم.([52])

ونقلت عن نبيل فياض أنه أحسن من كتب في دلالة بعث أسامة.

وأنتم تلقون باللوم في عدم نجاح خطة النبي r في إبعاد كبار الصحابة عن المدينة على أبي بكر وعمر، مع أن قائد الجيش كان أسامة، ولهذا فهم يقولون أن النبي r لعن من تخلف عن هذا الجيش.

وقبل الرد عليكم يا صديقي أقول: إن هذا القول الشنيع في النبي r ليستحي الإنسان المسلم أن يذكره أمام المسلمين وغير المسلمين، فإنه يُظهر أن النبي r لم يكن مطاعا من قبل الصحابة، وأن كلمته ما كانت نافذة فيهم، وأنه لم يكن بتلك الشخصية المؤثرة فيهم، لذلك لجأ إلى هذا الأسلوب الملتوي ـ لتحقيق أهدافه ( وانه لجأ إلى المكر والخديعة ـ حاشاه ـ فجهز جيشا بحجة تأديب الروم والعرب والنصارى، وزج فيه كبار الصحابة، وهو في الحقيقة لا يريد سوى إبعادهم ليخلي الجو لإبن عمه علي كي يتولى الحكم من بعده، دون مقاومة من أحد! وهذا شبيه بإتهام اليهود لداود u بأنه أُعجب بزوجة أحد جنوده، فأرسله في غزوة ثم أوعز إلى قائد الجيش أن يقدمه للمهالك حتى يُقتل فيتزوج زوجته! حاشاهما مما يتهمان به، سبحنك هذا بهتان عظيم)([53]).

وفي الرد نقول:

1.                 لم تكن عادة النبي r في سراياه، بل ولا في مغازيه أن يعين كل من يخرج معه في الغزو بأسمائهم، ولكن يندب الناس ندبا عاما مطلقا فتارة يعلمون منه أنه لم يأمر كل أحد بالخروج معه ولكن يندب الناس ندبا عاما مطلقا تارة، ويأمر أناسا بصفة مخصوصة تارة أخرى، أو يستنفرهم نفيرا عاما، ولا يأذن لأحد في التخلف كما في غزوة تبوك. ولم يثبت في رواية صحيحة، أن أبا بكر كان في ذلك الجيش، لأن النبي r أمره أن يصلي بالناس في مرضه. ولو قدر أنه أمره بالخروج مع أسامة قبل مرضه، لكان أمره بالصلاة تلك المدة مع إذنه لأسامة أن يسافر في مرضه موجبا لنسخ أمرة أسامة.

2.      وأيضا لم تكن الصحابة مكتوبين عند النبي r في ديوان فيخرجهم بأسمائهم وأعيانهم، بل كان يؤمر الأمير، فإذا إجتمع معه من يحصل بهم المقصود أرسلهم. وروي أن عمر بن الخطاب كان ممن انتدب مع أسامة، لا أن النبي r عيّن عمر ولا غير عمر للخروج معه. ([54])

3.      لم يثبت بإسناد صحيح أن النبي r لعن من تخلف عن جيش أسامة، لأن البعثة أصلا كانت في مهمة وقائية تأديبية، وهي من مضامين جهاد الفتح الذي فيه السعة والمرونة، لا كجهاد الدفع عن هجوم وقع من الروم ولا يجوز التأخر فيه. ثم أنه لم يتخلف أحد عن هذا الجيش، بل الجيش كله توقف لما توقف قائدهم في الخروج عندما أتاه خبر النبي r . ولو ذهب أسامة ( القائد ) وتخلف عنه أحد لوجب اللوم على هذا المتخلف.

4.                 إن تأمير أسامة ـ ذلك القائد الذي لم يبلغ العشرين من عمره ـ على جيش فيه كبار الصحابة يدل على أمور عظيمة:

منها: هيمنة النبي r على أصحابه هيمنة روحية، فإنه رغم إعتراض البعض([55]) من الصحابة، فإن النبي r أصر على تأميره، ولم يثنه ذلك الإعتراض إلى إلغاء البعث، ولا إلى تبديل أسامة بقائد آخر.

منها: أن دخول كبار الصحابة في جيش أسامة لدليل صارخ على طاعة الصحابة لنبيهم، وخضوعهم لأوامره، ولولا علم النبي r بطاعة الصحابة له لما أمّر عليهم قائدا حدث السن من الأصل. أو لما أصرّ عليه حين طعن بعضهم في إمارته؛ ولكنه لما علم أن الأغلبية منهم سيطيعونه، لم يلتفت إلى المعارضين. ولعل هذا البعض من المعترضين، نظر إلى سن القائد، دون النظر إلى العوامل الأخرى التي منها عامل الثأر لمقتل أبيه زيد. ومع هذا فإن الرسول r لم يغضب على أسامة، بل كان يدعو له كما تقول الروايات.

ومنها: لو فرضنا صحة طعن الشيعة بالصحابة بعدم إمتثالهم لأوامر الرسول r مما إضطره إلى اللجوء إلى الحيلة والمكر ـ حاشاه ـ فما الذي جعل أبا بكر الصديق يصر على إنفاذ بعث أسامة بعد وفاة النبي r وقوله: ( والله لا أحل راية عقدها رسول الله r ). أو قل ما الذي جعله يتمسك بأمرة أسامة لهذا الجيش، لولا حبه وإنقياده لرسول الله r حيّا وميّتا!

دلالات التفسير الشيعي لبعث أسامة:

أما إذا بحثنا عن دلالات قول الشيعة في الغاية من بعث أسامة، وما يثيره من تساؤلات، لطال بنا المقام، وحسبك منه أن فيه من الطعن في رسول الله r بأنه:

لما فشل في تربية أصحابه على قبولهم لأوامره وتعليماته، لاسيما في خليفته من بعده، لجأ إلى المكر والخديعة، فجهز جيشا بقيادة أسامة، وعبأ فيه كبار أصحابه؛ في الظاهر الغاية منه تأديب الروم، وهو في الحقيقة لا يريد إلاّ إخلاء الجو لإبن عمه وزوج إبنته علي بن أبي طالب. ولا ندري هل يجوز لنبي بعث رحمة للعالمين ] وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمين [ وصاحب أخلاق رفيعة قال عنه ربه عز وجل ] وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم [ هل يجوز له أن يبعث جيشا فيه كبار أصحابه الذين آمنوا به ودافعوا عنه وعن دينه طيلة ( 23 ) عاما وتحملوا من الظلم والأذى ومرارة البلوى ما لا يعلمه إلا الله تعالى، ثم أنه لما حان ساعة رحيله من الدنيا أراد أن لا يخرج ملكه من بيته فيبعث أصحابه إلى المهالك والمخاطر ـ وربما سيُقتلوا عن آخرهم ـ دون حاجة لقتال الروم أو نصارى العرب؟!

هل هذا عمل إنساني نبيل يليق بأعظم نبي وأعظم بشر؟

ومع هذا فإنه فشل في هذه الخطة، ولم يتم له ما أراد، لأنه كان المفروض عليه ـ حسب التفسير الشيعي طبعا ـ أن يجعل على رأس هذه البعثة رجلا قويا مطاعا نافذ الكلمة، لا أن يجعل عليها شابا صغيرا!

أما التساؤلات التي تتبادر إلى ذهن الإنسان ـ على فرض صحة قول الشيعة ـ في الغاية من البعثة فكثيرة جدا، نذكر منها:

ماذا لو علم الصحابة بمؤامرة النبي r ضدهم، من أنه أرسلهم إلى الموت والقتل، لا لشيء سوى أن يُخلي الجو لإبن عمه علي بن أبي طالب من المنافسين له على الخلافة؟ هل أن النبي r كان خائفا إلى درجة بحيث أنه لم يستطع أن يقول لأصحابه إن الله تعالى أمرني أن أنصب عليا خليفة عليكم من بعدي؟ لماذا لم يقل هذا الكلام مرة واحدة في حياته؟ مع أنه واجه المشركين وأهل الكتاب والمنافقين بأن سفّه أحلامهم، وأستهزأ بآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله! أليس هذا دليل على أن النبي r كان يخشى من أصحابه أكثر مما كان يخشى من الكفار والمشركين وأهل الكتاب؟ أليس قول الشيعة يتناقض مع نفسه، ذلك لو كان الرسول r قادراً على أن يزج كبار صحابته في جيش تحت أمرة ( شاب حدث مجرد من الحسب والنسب والعشيرة)([56])؛ فكيف لا يقدر على تولية علي بن أبي طالب إبن الواحد والثلاثين عاما، وهو القرشي الهاشمي البطل الشجاع، وزوج بضعة الرسول فاطمة الزهراء البتول؟ اللهم إنا نجل رسولك وأصحابه وأهل بيته من كل ما يشينهم، ولولا شناءة قول الشيعة فيهم ما اضطررنا إلى هذه الأقوال.

ألم يفكر النبي r بأن هذا الجيش ـ إذا علم نواياه ـ وقد بعثهم إلى المهالك، ربما يحتلون المدينة بالقوة، فيعود التدبير الذي ظنه حكيما شرا على المسلمين؟ أترى أن الذي يخالف النبي وهو في المدينة، يعجز أن يخالفه وهو في جيش يؤيد رأيه في عدم قبول إمامة علي؟

هل كان قائد هذا الجيش يعلم بتدبير رسول الله r؟ إن الإجابة على هذا السؤال بالنفي أو الإيجاب تحمل في طياتها تساؤلات كثيرة.

إذا كان يعلم بهذا الأمر، وكان من حزب علي بن أبي طالب، فلمَ لمْ يُسرع في الخروج؟ أم كان هو الآخر متواطئاً مع أبي بكر وعمر؟ وإذا كان متواطئاً فلم أصر النبي على قيادته لهذا الجيش؟

إننا نعلن أن قول الشيعة في نوايا رسول الله من الرجم بالغيب، وإلاّ من أين علم الشيعة أن النبي r كان يقصد من وراء هذا البعث إبعاد كبار الصحابة من المدينة؟ ولا ندري هل كان علي يعلم ما علمه الشيعة بعد أربعة عشر قرنا من الزمان، أم لا؟ وإذا كان علي على علم بهذا الأمر فلماذا لم يحتج عليهم بهذا؟ ولماذا لم يطبق مثل هذا المكر والخديعة مع الخلفاء الذين سبقوه في الحكم؟([57])

إننا لو تجردنا عن الإنصاف والتقوى ـ كالشيعة ـ لقلنا إن رسول الله r كان يعلم أن عليا لو تسلم الخلافة بعده سوف تحدث مشاكل بين المسلمين، ويفتتن الناس به ويؤلهونه؛ لذا أراد أن يتخلص منه يوم الهجرة حين أمره أن يبيت في فراشه، ثم إنه حين فاته ذلك أراد أن يحرمه من الحكم من بعده، لذلك أمره أن يتكفل غسله وتكفينه إلى أن ينتهي المسلمون من إختيار خليفتهم. فهذا من ذاك، ولا فرق بينهما. فإما أن نرفضهما جميعا، أو نتقبلهما جميعا، ولا مرجح لأحدهما على الآخر. مع إعتذارنا الشديد لأمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب t فإنه أكرم وأتقى لله من أن يُطعن فيه أو أن يُقال فيه وفي غيره من الصحابة ما يسوء إليهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

سقيفة بني ساعدة

اليوم يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ للهجرة بعد الزوال، من أشد الأيام سواداً ووحشة ومصابا على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، إنه اليوم الذي إنتقل فيه رسول الله r إلى الرفيق الأعلى، وبقي المسلمون لا يدرون ما يفعلون، حتى جاء رجل المهمات الصعبة، فيمم وجهه شطر بيت إبنته أم المؤمنين عائشة، حيث الرسول r مُغشّى بثوب حِبَرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متها، ثم خرج إلى الناس، فقام في الناس خطيباً وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال:

أما بعد: فإن من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية:] وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ[ (آل عمران: 144).

بينما هم كذلك حتى جاء اثنان من الأنصار مسرعين إلى دار النبي ، وهما معن بن عدي وعويم بن ساعدة، فأخبرا عمر بن الخطاب بإجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليرشحوا سعد بن عبادة الخزرجي لخلافة المسلمين بعد رسول الله r. وأخبر عمر أبا بكر بما يجري فذهبا إلى السقيفة، وتبعهما أبو عبيدة بن الجراح.

ولا أريد أن أطيل على القاريء في سرد الروايات التاريخية، إلاّ أن الذي يهمنا من أمر السقيفة، هو المشترك والمتفق عليه بين السنة والشيعة، وهو كما يلي:

إن الأنصار هم الذين إجتمعوا باديء ذي بدء في سقيفة بني ساعدة، وكانوا مزمعين على إختيار سعد بن عبادة.

لم يكن المهاجرون يعلمون بإجتماع الأنصار في السقيفة حتى أتاهم الخبر. وأن الذي أتى بالخبر أخبر عمرا، ثم أخبر عمر بدوره أبا بكر.

بعد وصول أبي بكر وعمر وأبي عبيدة إلى السقيفة حدث خلاف بينهم وبين الأنصار في أول الأمر، ثم إنتهى بمبايعة الحاضرين لأبي بكر، غير سعد بن عبادة في بعض الروايات.

لم يحضر علي بن أبي طالب إجتماع السقيفة ذلك اليوم لإنشغاله بغسل رسول الله r وتجهيزه.

لم يذكر أحد من المجتمعين في السقيفة في ذلك اليوم لا من المهاجرين ولا من الأنصار بأن هناك وصية من رسول الله r بأن يكون الخليفة من بعده علي بن أبي طالب. ولا إحتج علي بالوصية ولا أحد من بني هاشم بآية من كتاب الله تعالى، ولا برواية عن النبي r يستدل بها على عصمة علي، ولا إمامته.

بايع أبا بكر في اليوم الثاني في مسجد رسول الله r جميع الصحابة بمن فيهم بنو هاشم، عدا سعد بن عبادة في بعض الروايات كما قلنا.

لم تحدث أية مشكلة أو فتنة بين المسلمين، لا في المدينة، ولا في غيرها حول الخلافة، حتى مضت خلافة أبي بكر وخلافة عمر، وست سنوات من خلافة عثمان.

ولأجل بيان دور كل جهة في إجتماع السقيفة، إرتأينا أن نقسم الكلام فيه إلى المحاور التالية:

المحور الأول

دور الأنصار في إجتماع السقيفة

قلنا أنه من الثابت تاريخيا أن الأنصار هم الذي سارعوا إلى إجتماع السقيفة، فيا ترى: ما الذي دعا الأنصار إلى الإجتماع في سقيفة بني ساعدة بهذه السرعة؟ وما الذي كان يحدث لو أن أبا بكر وعمر لم يحضرا هذا الإجتماع؟

بقدر تعلق الأمر بأهل السنة والجماعة، فليست لديهم أي إشكال مهما كان غرض الأنصار من هذا الإجتماع، ذلك لأن إيمان الأنصار وجهادهم وصدق سريرتهم، ومدح الله تعالى لهم وتزكيتهم في آيات الذكر الحكيم، وتزكية النبي r لهم كفيلة بتبديد كل سوء نية لهم من وراء هذا الإجتماع. لهذا يقتضي أن يحمل تسارعهم لهذا الإجتماع على أحسن صورة يمكن أن يتصوره المسلم. ألا وهو الإحساس العميق بالمخاطر التي تواجهها دولتهم الفتية، وهم من أووا ونصروا الرسول والمهاجرين في مدينتهم التي أصبحت عاصمة للدولة الإسلامية، ولأن هناك من كلفه النبي r بغسله وتكفينه والفراغ منه، وهم أهل بيته r ، فما علاقة إجتماع الأنصار والمهاجرين في السقيفة بتجهيز رسول الله؟ فمن غير المعقول أن يشترك جميع الأنصار والمهاجرين في تجهيزه r .

يقول القاضي عبدالجبار المعتزلي مدافعا عن الأنصار:

( وما أراد الأنصار بالبدار إلى إقامة أمير يكون على الناس إلا اللّه، وإلا إحياء الإسلام وقمع أعداء رسول اللّه r، لينضبط الأمر ولا ينشر([58] )؛ فقد كان معهم وحولهم اليهود وقبائل العرب من النصارى، وقد كانوا راسلوا ملوك الروم وأطمعوهم في الإسلام، ومسيلمة مقيم على حربهم وكذا طليحة، وقد ارتد من ارتدّ، فكان الصواب في المبادرة إلى إقامة أمير، فلما قيل لهم: إن رسول اللّه r قد قال: الأئمة من قريش سمعوا وأطاعوا، وقصدوا إلى أفضل قريش في أنفسهم فعقدوا له وقاتلوا بين يديه كما كانوا يقاتلون بين يدي رسول اللّه، وتفانوا في طاعته؛ ولو أرادوا الملك والدنيا لما أطاعهم المهاجرون ولا غيرهم، فإن البلاد بلادهم، والبادية باديتهم، والبأس والنجدة والكثرة لهم وفيهم، وإنما المهاجرون ضيفانهم ونزال عليهم، وبهم عزّوا، وبهم صار رسول اللّه r في عساكر وجماعات، وبهم غزا العدو وقد كان r وهو مقيم بمكة منذ دعا إلى النبوة خمسة عشر سنة يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، ويتلو القرآن، ويدعو إلى اللّه؛ فسمعته قبائل الأوس والخزرج، وأصغوا إلى دعوته، وأجابوه إلى معاداة ملوك الأمم وجبابرة الأرض في طاعته، وأن ينفقوا أموالهم، ويسفكوا دماءهم في نصرة دينه، وأن يطيعوه حيا وميتا. فلما أجابوه إلى ذلك، أمر أصحابه بالهجرة إليهم، فقبلوهم وأظهروا الإسلام في المدينة وفي قبائلهم وبواديهم، فهاجروا إليهم فوفوا بجميع ذلك، وكان باطنهم في الإيمان كظاهرهم، فلهذا أسماهم اللّه الأنصار وكذا المهاجرون، ولهذا قال اللّه: ﴿ لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ فأخبر عزّ وجل عن صحة نياتهم وصدق ضمائرهم، وشهد لهم بالصدق، ثم ذكر الأنصار وقال: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، لأن الأنصار كانوا بالمدينة قبل المهاجرين، فلما جاءهم المهاجرون أحباب رسول اللّه r آثروهم على أنفسهم بمنازلهم، وشاطروهم أموالهم بطيب من أنفسهم، فشهد لهم بالفلاح، وفرض على من جاء من بعدهم مولاتهم والاستغفار لهم فقال: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ (الحشر: 10) ، وأمرهم بالتعوذ من بغضهم وعداوتهم، فهؤلاء الذين قاموا بدين رسول اللّه r بعده، وهم الذين اختاروا أبا بكر، والقرآن مملوء بمدحهم والثناء عليهم، وأنت تحفظه؛ فارجع إلى ما في سورة بعد سورة من ذلك وتدبره، فذكر جميعه يطول ولا يحتمله هذا الموضع.

 فهم لما بايعوا أبا بكر سكنت نفوسهم، وباتوا وكأن رسول اللّه r لم يمت ولم يفقد من بينهم، فهذا الذي قصدوا بالبدار، وهم كانوا أعلم بما يباشرونه ويقولونه، وقد علموا أنهم قد وتروا الأمم كلها في طاعة رسول اللّه r؛ فقد خلفهم ولا أمير عليهم، فخافوا أن يبيتوا وقد فقدوا نبيهم وليس عليهم أمير فينشر أمرهم، فلشدة اهتمام هؤلاء بحراسة الإسلام بادروا إلى من يعقدون له، وإنما ذكرت لك هذا لتعرف الحال فإن من لا يعلم ومن همه الطعن في الإسلام يدعي عليهم أنهم إنما فعلوا ذلك حبا للدنيا ولسرورهم بموت رسول اللّه r، ولاغتباطهم بالراحة. وأنت تجدهم وقد شهدت أفعالهم بأنهم بعد موته اشد حبا له، وأشد بصيرة في دينه)([59]).

هذا ما يتعلق بأهل السنة والجماعة في تسارع الأنصار للإجتماع في السقيفة، وهذا هو رأيهم فيه.

أما بخصوص الشيعة، فالذي يهمنا هو الجواب على هذا السؤال:

هل كان مسارعة الأنصار للإجتماع مؤامرة على علي بن أبي طالب الذي تدعي له الشيعة أنه هو المنصوب من قبل رسول الله r يوم غدير خم؟ ولماذا؟

يجيب شيخ الشيعة محمد رضا المظفر على هذا السؤال قائلاً: وتحت عنوان ( نفسية الأنصار):

( حاولنا في البحث السابق أن نتشبث بما يرفع الأنصار عن سوء النية والقصد، ولكنا نؤمن بأن ما قلنا عنهم لا يخرج عن عده من الوساوس التي لا تبرر عمل المرء من الناحية الدينية. على إنا نرجو أن يكونوا معذورين فيما عملوا لئلا نخسر عددا وفيرا من الصحابة. أما نفس عملهم - سواء كانوا بسوء نية أم لا - فلا يسعنا أن نحكم بصحته، فإنا مهما فرضنا الحقيقة من جهة النص على الإمام فإن استبدادهم هذا وتسرعهم في عقد اجتماعهم لنصب خليفة منهم لا يخرج عن عدة خيانة للإسلام وتفريطا في حقوق المسلمين بلا مبرر، وفي وقت قد دهمت الإسلام فيه هذه الفاجعة الدهيماء، والمسلمون كالمذهولين بمصابهم لا يعلمون ماذا سيلاقون من العرب وأعداء الإسلام.)([60]).

فأنت ترى قد عد إجتماعهم هذا خيانة للإسلام وتفريطا في حقوق المسلمين بلا مبرر. ولكن يبقى السؤال قائما: إذا لماذا يخون أنصار الله ورسوله الإسلام، ثم ما أن لبث أن جاءهم ثلاثة من المهاجرين، تنازلوا لهم عن الخلافة؟ فلماذا خانوا؟ ولماذا تنازلوا وهم أهل القوة والمنعة؟

إسمع إليه وهو يقول: ( ونحن إذا فهمنا جيدا هذه البديهيات عن روحية الجماعات، ولاحظنا توفر شروط الجماعة الاجتماعية في جماعة السقيفة، نفهم معنى تلك الأساليب التي اتبعها أبو بكر وصاحبه - كما سترى - للتأثير على المجتمعين يومئذ ونفهم سر تأثر جماعة الأنصار وانقلابهم الفجائي على أنفسهم، فأخذ أبو بكر وعمر الأمر من أيديهم باختيارهم. على أنهما في جنب قوة الأنصار واعتزازهم بجمعهم تلك الساعة لا يعدان شيئا، وليس من المهاجرين معهما إلا أبو عبيدة بن الجراح كما سبق وسالم مولى أبي حذيفة على رواية)([61]).

ويضيف قائلا: ( ولذلك لم نجد معارضة من القوم، بل الأوس ذهبت جميعها مسرعة للبيعة من غير تردد ولا تلكؤ يقدمها أسيد بن حضير بعد أن قالت ما قالت. ثم تبعهم جميع الأنصار ما عدا سعدا ومن كان شديد التعصب له كابنه قيس والحباب. ولا شك أن للعدوى أثرها الفعال في الجماعات فتسري سريان النار في الهشيم، أو تيار الكهرباء في سلكه، فقد وجدنا كيف كان هلعهم في تزاحمهم على البيعة وتسابقهم إليها، كأنما تفوت دونها الفرصة، فأقبلوا من كل جانب يبايعون أبا بكر، حتى ازدحموا على سعد بن عبادة السيد المطاع في الخزرج بل الأنصار كلهم، هذا الزعيم الذي كان قبل ساعة مرشحا للبيعة خليفة للنبي وأميرا على جميع المسلمين، وكادوا يطأونه فيقتلونه وهو مزمل وجع، فحمل إلى داره صفر اليدين)([62]).

فهل يرى القارئ الكريم إنسجاما بين عد الشيخ إجتماع الأنصار خيانة للإسلام وبين تنازلهم عن الخلافة لثلاثة من المهاجرين ليس معهم قوة ولا عدد وليس معهم لا بنو هاشم ولا بنو أمية، وهما أقوى وأكبر بطون قريش؟!

فما الذي جرى في الدنيا؟

وماذا جرى للناس؟

لماذا لا يتذكر الأنصار بأوسهم وخزرجهم وصية النبي لعلي بن أبي طالب؟

ولماذا يسكت بنو هاشم وبنو أمية عن حق علي في الخلافة؟

دعنا نذهب إلى أكثر من هذا فنقول: هل يمكننا أن نقول: أن خيانة الأنصار للإسلام كانت بالإتفاق مع المهاجرين؟

لا أعتقد أن أحدا يستطيع إثبات وجود تواطؤ بين الطرفين، لاسيما أن تلسلسل الأحداث يأبى ذلك. خاصة مع إمتناع سعد بن عبادة عن البيعة لأبي بكر وعمر.

لذا فإننا أمام موقف يكاد ينطق بنفسه، ليقول للشيعة: إن عدم وجود نص من رسول الله r لأحد بعده بالخلافة، ولشدة حرص الأنصار على الإسلام وما يحيط بهم من مخاطر، ولأيمانهم العميق بأهلية خلافة الصديق بعد رسول الله، وإنصياعهم إلى الحق، هو الذي دفعهم إلى التسليم بخلافة الصديق.

وإلا فالعقل والمنطق يقولان: إن الأنصار لو كانوا طلاب دنيا لكان لهم شأنا آخر مع ثلاثة مستضعفين من المهاجرين قدموا إلى مدينتهم، ليس معهم قوة ولا عدد، وهم أهل قوة وعشيرة، والمدينة مدينتهم، وهم من آووهم ونصروهم في حال ضعفهم.

بل المنطق ينادي ويصيح بأعلى صوته: لو أن الأنصار لم تكن غايتهم الله ورسوله منذ البداية، لسارعوا بالرجوع إلى الحق، ولقالوا: أين أنتم من وصي رسول الله، المعصوم الذي نزل فيه قوله تعالى ] إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [ [الأحزاب/33]، وقوله تعالى: ] إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [ [المائدة/55].

أما واقعة غدير خم فلا أعتقد أن أحدا من الأنصار ولا من المهاجرين قد نسيها، لأنه ليس بينهم وبينها زمن طويل. فلما لم يقل أحد بهذا ولا بتلك، وليس بمستطاع بشر كائنا من كان أن يثيت تواطؤ الأنصار فيما بينهم، أو مع المهاجرين على إنكار النص على علي بن أبي طالب؛ فدل سكوتهم في الحالين عن النص على عدمه رغم أنف الشيعة!

 

المحور الثاني

دور أبي بكر وعمر في السقيفة

من الغريب جدا أن تتوجه الشيعة باللوم والطعن والتآمر على الخلافة على أبي بكر وعمر، وهما لم يكونا بدءآ إجتماع السقيفة، ولا كان لهما علم بذلك، ولولا إثنان من الأنصار الذين أخبرا أبا بكر وعمر، لتمت البيعة من قبل الأنصار على سعد بن عبادة؛ ولكن الله تعالى أراد أن لا تكون فتنة بين المسلمين، فأتمها بالشكل الذي حدث!

فهل لو قدر أن تمت البيعة لسعد بن عبادة، أكان يرضى بها علي بن أبي طالب؟

نعتقد أن علي بن أبي طالب يكون من أول المعترضين لها، لأنه كان يرى أن الإمارة ليست فيهم بدليل قوله: ( لَوْ كَانَتِ الإمارة فِيهمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ)([63])

وهذا كان رأي صاحب الشريعة رسول الله r حينما قال: ( لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ)([64]).

تقول الشيعة في تخوين عمر ويتهمونه بأن جميع تحركاته قبل وفاة النبي r كانت بالإتفاق مع أبي بكر من أجل الخلافة: ( نظراً إلى القرائن التاريخيّة، ومواقف هذين الرجلين، وسكوت عمر المطلق بعد وصول أبي بكر وكان قد أثار ما أثار من الضجيج واللغط، كلّ أولئك لا يَدَع مجالاً للشّك في أنّ موقف عمر كان تحرّكاً سياسيّاً للتمهيد من أجل الشيء الذي امتنع بسببه من الذهاب مع جيش اُسامة، مخالفاً لنصّ نبوي صريح وأمر رسالي أكيد. وكان النبيّ r نفسه يتحدّث عن نهاية حياته، وأبلغ الجميع بذلك. وكان عمر قبل هذا الوقت وحين منع من كتابة الوصيّة يردّد شعار «حسبنا كتاب اللَّه»، أي: إنّ كلمة «حسبنا...» تتحقّق بعد وفاة النبيّ r ويمكن القول مبدئيّاً إنّ نصّ القرآن الكريم على وفاته وعدم خلوده r يدلّ على أنّ نفي وفاته لم يكن عقيدةً راسخةً يتبنّاها المؤمنون قطّ، وأوضح من ذلك كلّه كلام عمر نفسه عندما نصب أبا بكر في الخلافة وأجلسه على عرشها، فقد صرّح بخطأ مقاله ووهنه قائلاً: «أمّا بعد، فإنّي قلتُ لكم أمس مقالةً لم تكن كما قلت. وإنّي واللَّه ما وجدتها في كتاب أنزله اللَّه ولا في عهد عهده إليّ رسول اللَّه r، ولكنّي كنتُ أرجو أن يعيش رسول اللَّه r - فقال كلمة يريد - حتى يكون آخرنا، فاختار اللَّه لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى اللَّه به رسولكم، فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسول اللَّه.

إنّ هذا كلّه يدلّ على أنّه كان يمهّد الأرضيّة للقبض على السلطة، ويهيّئ الاُمور لخلافة أبي بكر حتى يتسنّى له أن يحكم بعده. وما أبلغ كلام الإمام أمير المؤمنين r حين قال له: "أحلب حَلْباً لك شَطْره").([65])

وهذا الهذيان هو ديدن من ينتصر للباطل دون أدنى عقل وإنصاف! فكما قلنا سابقا: هل كان عمر يعلم أن رسول الله r يموت في مرضه هذا حتى منع رسول الله r من كتابة كتاب يوم الخميس؟

وهل كان عمر يعلم الغيب بأن أبا بكر سيموت قبله، ثم يكون هو الخليفة بعده؟

ومتى تأخر عمر عن جيش أسامة؟ ومن أين لكم هذا؟

وهل كان إنكار عمر لوفاة النبي r بعد إجتماع السقيفة، حتى يقال أنه كان ينتظر أمرا ما؟

أكان هو الذي بدأ إجتماع السقيفة حتى يقال إنه كان متآمرا؟ أم أن الأنصار هم الذين سارعوا إلى السقيفة دون علم المهاجرين؟ فأين هي المؤامرة أيها الشيعة؟

أما قول علي: "أحلب حَلْباً لك شَطْره" فهذا من تناقضات نهج البلاغة، مما يثبت أن عليا لم يقله.

فمرة يمدح عمر ويقول: " لِلَّهِ بَلاَءُ بِلاَدُ فُلاَنٍ فَلَقَدْ قَوَّمَ اَلْأَوَدَ وَدَاوَى اَلْعَمَدَ وَأَقَامَ اَلسُّنَّةَ وَخَلَّفَ اَلْفِتْنَةَ ذَهَبَ نَقِيُّ اَلثَّوْبِ قَلِيلَ اَلْعَيْبِ أَصَابَ خَيْرَهَا وَسَبَقَ شَرَّهَا. أَدَّى إِلَى اَللَّهِ طَاعَتَهُ وَاِتَّقَاهُ بِحَقِّهِ "([66])

وأخرى يطعن فيهم ويذمهم.

ثم أن جميع نصوص نهج البلاغة بما فيها " الخطبة الشقشقية " ليس فيها ما يدل على النص والوصية، وغاية ما فيها أن عليا كان يرى أن الخلافة لا تخرج منه إلى غيره بسبب كونه إبن عم رسول الله وزوج إبنته البتول.

ثم أن سيرة علي مع الخلفاء الذين قبله، لا تدل على سوء العلاقة بينهم، بل كان وزيرا وناصحا لهم، وكان عزيزا كريما عندهم.

ولقد قلنا من قبل وسنظل نقولها حتى نقف بين يدي ربنا عز وجل، من أن سيرة الشيخين قبل الخلافة وأثناءها لا تدل لا من قريب ولا من بعيد أنهما كانا من طلاب الدنيا، ولم يسيرا في المسلمين سيرة الملوك والجبابرة، ولا جعلوها قيصرية وكسروية في أبنائهم وأقاربهم. فلماذا هذا التجني وقلة الإنصاف؟

وأيضاً فقد ثبت بما لا يقبل الشك أن الأنصار لم يكونوا متآمرين فيما بينهم على علي، ولم يثبت ولن يثبت إلى يوم الدين، وجود مؤامرة بين المهاجرين والأنصار على إزاحة علي من الخلافة! ويكفي في نفي التآمر، إمتناع سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر وعن وجود إتفاق بين سعد والشيخين.

ويكفي في هذا المقام أن عليا لم يحمِّل سعد بن عبادة وولده قيس نتيجة ما جرى في السقيفة، بل فإن قيسا كان من أخلص أتباع علي وموضع ثقته ومن كبار قادته!

ولا تستطيع الشيعة اليوم ولا من قبل ولا من بعد أن يثبتوا وجود مؤامرة بين أبي بكر وعمر على علي، ذلك لأنهما لم يكونا من المجتمعين بداية، ثم أنهما لما وصلا إلى السقيفة، لم تكن لهم قوة تخيف الأنصار وتجبرهم على التنازل، لاسيما وهما من أضعف بطون قريش، ولم يكن يؤيدهم لا بنو هاشم ولا بنو أمية.

كما أن السرعة التي حدثت بها إجتماع السقيفة، والرسول r لم يغسل ولم يكفن، وسرعة إجماع المجتمعين على أبي بكر، لمن أعظم الدلائل التي تشير على عدم وجود المؤامرة.

وفي هذا الشأن تحاول الشيعة أن تبين للناس بأن الإتفاق بين أبي بكر وعمر قد كان موجودا من قبل وأن الأنصار كانوا منقسمين، ولهذا سهل على أبي بكر وعمر إستمالة الأنصار إلى جانبهم.

وهذا كله من الكذب الذي يأباه كل منصف نظر إلى ما جرى بعين التجرد والعدل.

إن سرعة إنصياع الأنصار جميعا، أوسهم وخزرجهم لتدل دلالة قاطعة على إستشعارهم بفضل أبي بكر ولياقته وأحقيته لمنصب الخلافة بعد رسول الله r. ومن هنا نفهم ما يعنيه عمر حينما قال: ( إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِى بَكْرٍ فَلْتَةً وَتَمَّتْ، أَلا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الأعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِى بَكْر … وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِى بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ، وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ، فَيَكُونُ فَسَادٌ)([67]). فهل أكثر من هذا دلالة على أن البيعة تمت من دون تحضير سابق لها، وهذا يدل على عدم وجود إتفاق مسبق بين أبي بكر وعمر.

فمتى تم الإتفاق بين أبي بكر وعمر، والأمر قد حدث بهذه السرعة؟ ثم هل إتفاق شخصين من بين الآلاف المؤلفة يكفي للإنتصار عليهم، وأخذ الخلافة منهم؟

ومتى كان الأنصار منقسمين بعد أن ألف الله تعالى بينهم؟ ألم يقل ربنا تبارك وتعالى فيهم: ] هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [[الأنفال : 62 ، 63]. وقوله تعالى : ] وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [[آل عمران : 103] وقوله تعالى: ] مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29].

وأيضا فإن الذي حدث في السقيفة كان مجرد ترشيح لأبي بكر، ولولا أن المسلمين بايعوه في اليوم الثاني في مسجد رسول الله r بيعة عامة، لما صار أبو بكر خليفة شرعية للمسلمين.

ثم إننا إذا رجعنا إلى ما هو معلوم من التواتر وما يعلم من العقول والعادات وما دلت عليه النصوص المتفق عليها بين أهل العلم بالمنقولات والسير لوجدنا([68]):

1.      أن أبا بكر رضي الله عنه لم يطلب الخلافة لا برغبة ولا برهبة لا بذل فيها ما يرغب الناس به ولا شهر عليهم سيفا يرهبهم به.

2.                 ولا كانت له قبيلة ولا موالون ينصرونه ويؤيدونه في ذلك كما جرت عادة الملوك أن أقاربهم ومواليهم يعاونونهم.

3.      ولا طلبها أيضا بلسانه ولا قال بايعوني بل أمر بمبايعة عمر وأبي عبيدة ومن تخلف عن بيعته كسعد بن عبادة لم يؤذه ولا اكرهه على المبايعة ولا منعه حقا له ولا حرك عليهم ساكنا وهذا غاية في عدم إكراه الناس على المبايعة.

4.      ثم إن المسلمين بايعوه ودخلوا في طاعته والذين بايعوه هم الذين بايعوا رسول الله r تحت الشجرة وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وهم أهل الإيمان والهجرة والجهاد.

5.      ولم يتخلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة وأما علي وسائر بني هاشم فلا خلاف بين الناس أنهم بايعوه لكن تخلف علي فترة من الزمن فانه كان يريد الإمرة لنفسه رضي الله عنهم أجمعين.

6.      ثم انه في مدة ولايته قاتل بهم المرتدين والمشركين لم يقاتل مسلمين بل أعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الردة واتسعت رقعة الإسلام جغرافيا بالفتوحات الكثيرة، وشرع في قتال فارس والروم ومات والمسلمون محاصرو دمشق.

7.      وخرج منها ازهد مما دخل فيها لم يستأثر عنهم بشيء ولا أمّر له قرابة ثم ولي عليهم عمر بن الخطاب ففتح الأمصار وقهر الكفار واعز أهل الإيمان وأذل أهل النفاق والعدوان ونشر الإسلام والدين وبسط العدل في العالمين ووضع ديوان الخراج والعطاء لأهل الدين ومصر الأمصار للمسلمين وخرج منها ازهد مما دخل فيها لم يتلوث لهم بمال ولا ولى أحدا من أقاربه ولاية فهذا أمر يعرفه كل أحد.

وهنا أريد أن أبين أن أبابكر وعمر كانا من أشد الناس إلتزاما لأوامر رسول الله r ومن أبعد الناس عن مخالفة أمره r ، وهذه هي الأدلة:

1.          ( إنّ أبا بكر وعمر كانا يقولان بأنّ حكمهما ربّما كان خطأ، وربّما كان صوابا، ويلتمسان من الصحابة وسائر من حضرهما أن ينبّهوهما على الخطإ، ولا يقرّروا ولا يداهنوا، ولقد كانت المداهنة من القوم في شأنهما والإغضاء على خطئهما أقلّ بالنسبة إليه صلّى اللّه عليه وآله، والاحتشام منهم لهما دون الاحتشام له صلّى اللّه عليه وآله)([69]). ووجه الدلالة هنا: أنهما لو تعمدا مخالفة أوامر رسول الله r لم يكن لإلتماسهما من الصحابة أن ينبّهوهما على الخطأ. وبإعتراف المجلسي، فإن الصحابة لم يكونوا بالمداهنين لهما.

2.          ما تواتر عن الخليفتين أنهما كانا يقولان في أكثر من مناسبة برأيهم لعدم وجود نص فيها، مثل قول أبي بكر: ( أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابا فمن اللّه، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، واللّه ورسوله منه بريئان)، وإنما يدل هذا على أنهما كانا يتحريان حكم رسول الله r في كل مسألة، حتى إذا لم يجدا قالا برأيهما، وبيّنا ذلك للمسلمين. يؤيده

3.          إعتراض بعض المسلمين على الخلفاء في أمور صغيرة أخطأوا فيها، وعدم التقية فيها والخوف من مقام الخليفة، كما وقع لعمر بن الخطاب حينما أراد أن يحدد مهر النساء، فاعترضت عليه إمرأة، وتلت عليه قول الله تبارك وتعالى: ] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا[[النساء : 20]. فرجع عمر عن رأيه وقال: أخطأ عمر وأصابت إمرأة. وكم له مع آحاد المسلمين من مثل هذه المسائل، ولم تنازعه علو رتبته ومنصبه أن يأنف عن قبول الحق. وكم له من مسائل كان يترك فيها رأيه وإجتهاده بخبر الواحد عن رسول الله r. فكيف نجيز له مخالفة النبي r في مسألة الإمامة التي هي عند الشيعة من أصول الدين؟ فإن مَنْ يخشى أن يخالف النبي في مسألة فقهية صغيرة، ربما للإجتهاد فيها نظر، إلى الإمتناع عن مخالفته في كبار المسائل أكثر خشية.

ولو أردنا أن نستقصي إعتراض أحاد المسلمين وعامتهم على الخلفاء في مسائل كثيرة، هي بالإتفاق أقل أهمية من مسألة الإمامة عند الشيعة، وعدم خوفهم وخشيتهم من مقام الخليفة وهيبتهم لسلطانه، لأحوجنا ذلك إلى مجلد كبير. ولكن في هذا كفاية لمن له عقل يحجزه عن سوء الظن والتهمة بغير دليل.

وكيف يحتمل عقل عاقل، أو يشتبه على بر أو فاجر إلا من أراد الله فتنته أن المهاجرين والأنصار وجميع التابعين لهم بإحسان علموا أن رسول الله r قد نص على علي بن أبي طالب، وأمرهم أن يوالوه فعصوه وتركوا أمر الرسول r، وأمرهم أبو بكر أن يولوا عمر بن الخطاب فاتبعوه وأطاعوه، وأمرهم عمر بن الخطاب أن يولوا الستة فلم يخالفوه ولم يعصوه؟

وكيف يتصور أن يقوم المسلمون بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغيرها من فرائض الإسلام ويعترضون على الخليفة في أمور ليست من أصول الدين ويتركون فريضة واحدة تحبط عملهم كله وهي بيعة علي، وأي مصلحة لهم في مبايعة أبي بكر وترك مبايعة علي؟

من الممكن أن نتصور هذا الأمر في حالة واحدة، وهي حالة ما إذا كان علي بن أبي طالب والمسلمون يخافون من عمر حتى وهو ميت مدفون! ( لأن الذي يقرأ كتب الشيعة يرى أن عليا t كان من أجبن خلق الله ـ حاشاه ـ  حتى إنه لم يستطع أن يدافع عن زوجته، وغصب عمر بنته أم كلثوم، ولم يستطع أن يُظهر النص على نفسه، ولم يستطع أن يغير الأحكام التي بدلها عمر أيام خلافته، ولم يستطع أن يمنع الناس من صلاة التراويح، ولم يستطع أن يحل نكاح المتعة بعد أن حرمها عمر، ولم يستطع أن يظهر القرآن الصحيح كما أنزل و و . )

ولا يجوز أن يظنّ مسلم بعليّ t أنّه أمسك عن ذكر النّصّ عليه والدفاع عن عرضه وشرفه خوف الموت، وهو الأسد شجاعة، وقد عرض نفسه للموت بين يدي رسول الله r مرّات، ثم يوم الجمل، وصفّين، فما الذي ( جَبّنه وألجأه إلى التّقية ). اللهم إنّا نشهدك أن شيئا من هذا لم يقع، وأن الصحابة من المهاجرين والأنصار كانوا إخوة متحابين ومتعاونين، ولم يكن بينهم وبين أهل بيت نبيهم r ما افتراه عليهم الحاقدون على الإسلام وأهله من البغض والكراهية. فهم كانوا بحق وحقيقة كما وصفهم ربهم جل شأنه : ] مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [[الفتح/29].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحور الثالث

دور علي بن أبي طالب في السقيفة

يتفق السنة والشيعة على أن علي بن أبي طالب لم يحضر إجتماع السقيفة لإنشغاله بتجهيز رسول الله r، لذا فإنه لا شأن له في أحداث السقيفة، ولكن لننظر ماذا كان رد فعله حينما سمع به، وكيف تصرف في اليوم الثاني حينما بايع الناس أبا بكر بيعة عامة في المسجد؟

ولأهمية هذا الموضوع، ولأنه محور الإنقسام بين السنة والشيعة، فسنبحثه بشيء من التفصيل في النقاط التالية:

أولا: ما هو رد فعل علي حينما سمع بإجتماع السقيفة؟

     يكفي أن نقرأ في نهج البلاغة، ما قاله علي بعد سماعه لنبأ السقيفة أنه لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين u أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله r ، قال u  ما قالت الانصار؟

قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير.

قال u: فَهَلاَّ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ: بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ r  وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهمْ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟ قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟

فقال u : لَوْ كَانَتِ الامارة فِيهمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ.

ثم قال: فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ؟ قالوا: احتجت بأَنها شجرة الرسول r.

فقال u : احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الَّثمَرَةَ.)([70])

1.      إن أول ما يسترعي الإنتباه في كلام علي، أنه لم يحتج بالوصية. ولا قال: أين أنتم من الآية أو الرواية الفلانية؟ ولا قال: إني معصوم ولا يجوز أن يتولى أمر المسلمين غير معصوم!

2.                 إنه أخرج الأنصار من الإمارة، وهذا هو الذي قاله أبو بكر للأنصار:( نحن الأمراء وأنتم الوزراء ).

3.      إنه كان يعتقد في نفسه أنه هو الثمرة التي أضاعوها. لأنه كان يعتقد أن الخلافة فيه لأنه إبن عم الرسول وزوج إبنته. ولا يفهم من هذا الكلام أنه كان هو الموصى به من قبل رسول الله r. وأنه في هذا كسعد بن عبادة الذي رشح نفسه للإمارة، وكان يظن أن الأنصار لا يتخلون عنه. ولو كانت الإمامة بالقرابة لكان أولى الناس بها فاطمة عليها السلام، ولكان الحسن والحسين أولى من أمير المؤمنينu ، بل العباس أقرب إلى رسول الله منه، والعم صنو الأبوة كما يُقال.

4.      ومع أن كلامه هذا لا يفهم منه النص والوصية، إلا أنه لم يقلها في وجه أبي بكر وعمر. بل قاله للذين نقلوا له خبر السقيفة.

5.                 لم يذهب لا إلى أبي بكر ولا إلى الأنصار، ليوبخهم على فعلهم هذا.

 

 

ثانيا: لماذا لم يحتج عليهم بالنص والوصية؟

      لو إفترضنا بوجود نص ووصية من النبي r لعلي بالخلافة من بعده، فلماذا لم يطالب علي بالنص؟ ولماذا لم يستشهد بالآيات والأحاديث التي يحتج بها الشيعة اليوم في الدلالة على النص والوصية؟ ما طبيعة هذه الوصية؟ أهي حق شخصي لعلي يستطيع أن يتنازل عنه، أم هي حق المسلمين عليه، وبالتالي لا يحق له التنازل عنه؟

أهي واجب وتكليف وفرض حتمي كفرضية الصلاة والصوم؟ أم هي واجب كفائي؟

ثالثا: أسباب سكوت علي عن المطالبة بالخلافة

يظهر من أقوال علي ودفاع الشيعة عنه، أن عليا سكت عن المطالبة بحقه لسببين:

الأول: لأنه لم يجد له ناصرا.

نقرأ في نهج البلاغة: ومن كلام له r  لمّا قبض رسول الله r وخاطبه العباس وأبو سفيان في أن يبايعا له بالخلافة: [ وذلك بعد أن تمّت البيعة لأبي بكر في السقيفة، وفيها ينهى عن الفتنة ويبين عن خلقه وعلمه]: ( أَيُّها النَّاسُ، شُقُّوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَريقِ الـمُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ الـمُفَاخَرَةِ. أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاح، أوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ، مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا، وَمُجْتَنِي الَّثمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كالزَّارعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ)([71]).

قال الحائري: (والمعنى: أن طلب الخلافة بغير جناح أي بلا ناصر ومعين كقطف الثمرة قبل إدراكها. وملخص الكلام بأن هذا الزمان ليس وقت طلب الخلافة، والقيام بهكذا أمور والحال هذه)([72]).

ومن كلام له أيضا: ( فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي وَإِذَا اَلْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي ).

قال صاحب( في ظلال نهج البلاغة ): ( يريد ببيعتي مبايعته الخلفاء من قبله، وبطاعتي طاعته للنبي r حيث أوصاه بالصبر وعدم المقاومة، والمعنى انه ما أعلن الحرب على من اغتصب حقه في الخلافة لأن النبي r أوصاه بالصبر على دائه، وليس في وسعه إلا أن يسمع ويطيع لأن طاعة الرسول أمانة في عنقه)([73]).

ومن خطبة له u : ( فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ وَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ وَعَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ).

ومن خطبة له (عليه السلام) المعروفة بالشِّقْشِقِيَّة: [وتشتمل على الشكوى من أمر الخلافة ثم ترجيح صبره عنها ثم مبايعة الناس له]:

( أَمَا وَالله لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَا، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَد جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فيهَا الكَبيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ.

فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرتُ وَفي الْعَيْنِ قَذىً، وَفي الحَلْقِ شَجاً، أرى تُرَاثي نَهْباً، حَتَّى مَضَى الاَْوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَاإِلَى فلان بَعْدَهُ.

ثم تمثل بقول الاعشى:

شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا * وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ

فَيَا عَجَباً!! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لاخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ـ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا ! ـ فَصَيَّرَهَا في حَوْزَة خَشْنَاءَ، يَغْلُظُ كَلْمُهَا، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا، وَيَكْثُرُ العِثَارُ [فِيهَا] وَالاْعْتَذَارُ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ، إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ، فَمُنِيَ النَّاسُ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ بِخَبْط وَشِمَاس، وَتَلَوُّن وَاعْتِرَاض.

فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الِْمحْنَةِ، حَتَّى إِذا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا في جَمَاعَة زَعَمَ أَنَّي أَحَدُهُمْ. فَيَاللهِ وَلِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الاَْوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هذِهِ النَّظَائِرِ! لكِنِّي أَسفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا، فَصَغَا رَجُلُ مِنْهُمْ لِضِغْنِه، وَمَالَ الاْخَرُ  لِصِهْرهِ، مَعَ هَن وَهَن.

إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ، نَافِجَاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلهِ وَمُعْتَلَفِهِ، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللهِ خَضْمَ الاِْبِل نِبْتَةَ الرَّبِيعِ، إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ. فَمَا رَاعَنِي إلاَّ وَالنَّاسُ إليَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِب، حَتَّى لَقَدْ وُطِىءَ الحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ.

فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالاَْمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَفَسَقَ [وقسط ]آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ] تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَاِ للَّذِينَ لاَ يُريدُونَ عُلُوّاً في الاَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[ ، بَلَى! وَاللهِ لَقَدْ  سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتَ الدُّنْيَا في أَعْيُنِهمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا!

أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلا سَغَبِ مَظْلُوم، لاََلقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، وَلاََلفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز!)([74]).

واضح من هذا الكلام أنه كان بعد تسلمه للخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان. ومع هذا فليس فيه تصريح بأنه هو المنصوص عليه من رسول الله r. لأنه لم يصرح بلفظ علمه بالإمامة، وإنما ذكر أنه علم أنه محلها ومستحقها، ومن يعتذر له يقول: إنه لا يشك في ذلك، وإنما تقدم وقَبِل البيعة مخافة الفتنة([75]).

ولكن الذي يعنينا هنا أن عليا لم يحتج لا على أبي بكر ولا على عمر بالنص أو الوصية. وقد يكون السبب عند الشيعة كما قلنا أنه لم يجد ناصراً. ومع أن هذا ليس بعذر، فإن على المرء أن يطالب بحقه، فإن رأى أنه لا يقدر على تحصيله سكت. أما أن لا يطالب بحقه وهو ذو عشيرة وقوة، والناس إليه أميل بسبب مكانته من النبي r من جهة القرابة والنسابة، فهو المضيع لحقه، ولا لوم لمن تصدى للخلافة، ولا لمن لم يدافع عنه!

يقول محمد رضا المظفر: ( يظهر للمتتبع أن الإمام كان يرى وجوب مناهضة القوم حتى يأخذ حقه منهم ويستشعر ذلك من سيرته معهم ومن كثير من أقواله التي منها قوله في الشقشقية عن حربه لأهل الجمل ومعاوية : « أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ؛ لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ». فانظر إلى موقع كلمته : « لسقيت آخرها بكأس أولها »، فانه يريد أن يقول : إن زهدي بالدنيا يدعو إلى أن أترك حقي في المرة الأخيرة كما تركته في المرة الأولى، ولكن الفرق كبير بين الحالين: ففي الأولى لم تقم علي الحجة في القتال لفقدان الناصر دون هذه المرة، فلا يسعني أن اعرض عنها هذه المرة واسقيها بالكأس الذي سقيت به أولها يوم طويت عنها كشحا وصبرت على القذى. وأصرح من ذلك ما كان يقوله: « لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم»([76])

يظهر من هذا الكلام: أن سبب سكوت علي لأنه لم يجد له أعوانا على طلب حقه.

ولكن هناك من شيوخ الشيعة من يقول بغير هذا، ومنهم شيخ الشيعة كاشف الغطاء، في كتابه ( أصل الشيعة وأصولها )، قال: ( ولو أردتُ أنْ أعدَ عليك الشِّيعة من الصحابة، وإثبات تشيّعهم من نفس كتب السنَّة لأحوجني ذلك إلى إفراد كتاب ضخم ، وقد كفاني مؤونة ذلك علماء الشيعة). ويعدد أحمد الوائلي في كتابه ( هوية التشيع ) حوالي ( 133 ) ويقول عنهم إنهم شريحة أو نماذج من رواد الشيعة الأوائل مؤكدا أن جميع هؤلاء كانوا من الذاهبين إلى أولوية الإِمام عليٍّ عليه السلام بالخلافة بأنّه الإِمام المفترض الطاعة المنصوص عليه واعتقادهم بأنّ من تقدم عليه أخذ ما ليس له وامتناع كثير منهم من البيعة للخليفة الأول. ولا أعتقد أن أبا بكر وعمر كان معهما هذا العدد، لاسيما يوم وفاة النبي r بحيث لم يقدر على تحشيد المهاجرين والأنصار إلى جانبه! وإذا أضفنا إليهم المرتدين الذين لم يرتدوا  ـ على رأي الشيعة ـ وإنما كانوا من المعارضين لخلافة أبي بكر، مع مانعي الزكاة، وعلى رأسهم مالك بن نويرة وعشيرته، فكم سيصبح عددهم. فلماذا سكت كل هؤلاء، ونطق أبو بكر وعمر؟

إن عليا حين إمتنع عن النكير، كان عليه أن لا يُظهر معاضدة ولا معاونة للمغتصبين حقه في الخلافة؛ لما فيه من إيهام كونهم محقين. فإنه إن لم يكن قادرا على محاربتهم وإزالتهم عن هذا الأمر، فلا أقل من أن يظهر النكير بأقوى ما يمكنه. وقد كان يجب أن تكون هذه طريقته في عمر وعثمان، لأن العلة واحدة.

فإن إحتجوا على أخبار الآحاد في حصول الإكراه على علي، فيجوز لغيرهم أن يحتج بأخبار ظاهرة تدل على أن عليا t كان يقول بإمامته وتقديم بيعته([77]).

كما أن المتعالم من أحوال علي التشدد في نصرة الدين والقيام بحق الله، لا تأخذه في ذلك لومة لائم. فكيف يُقال إنه كان يستعمل التقية في طول أيام أبي بكر وعمر وعثمان؟ وأكثر من هذا فقد إدعوا أن عليا كان في تقية في أيام خلافته. يقول المرتضى: ( فلعمري إن كثيرا من التقية زال عنه في أيام إمامته بزوال أسبابها، وبقي كثير من التقية لبقاء أسبابها، وبهذا لم ينقض جميع أحكام من تقدم ولا فسخ عقدهم، وأين أنصاره وأعوانه في الكثرة والتظاهر، والتوازر في أيام إمامته من أنصاره فيما تقدم)([78]).

ويقول الشيخ الطوسي في تلخيص الشافي: ( وليس لأحد أن يقول: إنه كان بعيدا من التقية لما إنتهت الإمامة إليه، وحين ناضل أهل البصرة وصفين، وكان واجد الأنصار، فكان يجب أن يظهر النكير. وذلك إن كثيرا من التقية ـ وإن كان زال في أيامه ـ فقد بقي كثير منها، لأن أكثر من كان معه يعتقد إمامة المتقدمين([79])، وإن إمامته ـ كما ثبت إمامة من تقدمه ـ بالإختيار، فلأجل ذلك لم يتمكن من إظهار جميع ما في نفسه، ولم ينقض أحكام القوم، وأمر قضاته أن يحكموا بما كانوا يحكمون)([80]).

ولا يخفى على اللبيب العاقل أنه لا يجوز التعلق بالتقية ولا يصح إدعاؤها متى لم يكن لها سبب معلوم، وهو الخوف الشديد وظهور إمارات ذلك، وكلها منتفية في عهد أبي بكر وعمر، وهم يعترفون بحرية اليهود والنصارى في عهد من سبق عليا، وإنهم لم يكونوا مستبدين، وكانوا متى ظهر لهم خطؤهم يتراجعون عنه، بل حتى المرأة تعارضهم فينزلون على رأيها([81]).

ثم إنه متى وقع الإكراه على علي مع القول بأنه تأخر ستة أشهر عن بيعة أبي بكر؟

الثاني: لأنه خاف أن يرتد المسلمون:

يقول الشريف المرتضى: (ما المنكر من أن يكون خاف من الإنكار من ارتداد القوم عن الدين وخروجهم عن الإسلام ونبذهم شعار الشريعة، فرأى أن الإغضاء أصلح في الدين من حيث كان يجر الإنكار ضررا فيه لا يتلافى)([82]).

وهذا القول من عجائب ما يذهب إليه الشيعة، لأن هذه الخشية قد تحققت بترك النكير؛ فعندكم  يا معشر الشيعة لا فرق بين أن يتسلط الكفار والمشركون على هذه الأمة، وبين تسلط أبي بكر وعمر وعثمان. بل تكفيركم لهم أشد من تكفيركم لأبي جهل وأبي لهب، وعندكم أن إستيلاء هؤلاء على الخلافة أعظم ضررا من الكفر والشرك! ومع هذا فإن ما كان يخشاه النبي r قد وقع عند الشيعة، وارتد الناس إلا ثلاثة أو أربعة. ثم لو أن النبي r كان يخشى على أمته أنهم لا ينصاعون لوصيه فيرتدوا، فلماذا نصبه عليهم في غدير خم، وفي مواطن كثيرة ـ كما تقولون؟

أما لماذا لم يجد علي بن أبي طالب أنصارا له وأعوانا على الحق؟

فهذا له جوابان:

الأول: أنه لما سكت عن المطالبة بأمر الخلافة، ولم يستشهد لا بالنص، ولا بالوصية، ولا بآية أو برواية تدل على أنه المعين من قبل رسول الله r، لم يعرف الناس بأمر الوصية. وكيف يطلب الإنسان حقاً لا يعرفه، ولم يطالب به صاحبه؟! وهذا الجواب لا يقبل به الشيعة لأنهم يقولون: إن الصحابة لم تكن بالتي نسيت واقعة الغدير.

الثاني: لعدم وجود النص من جهة، ولعدم كون علي هو الأصلح من بين المسلمين لأمر الخلافة. ولهذا بايعوا أبا بكر. ولو أننا فرضنا أن عمرا وأبا بكر إغتصبا حق علي في الخلافة؛ فما بال بقية المهاجرين وما بال الأنصار الذين ليس لهم في الخلافة لا ناقة ولا جمل، يسكتون عن وصية رسولهم! 

رابعا: الخلافة حق شخصي أم تكليف؟

يظهر من نصوص نهج البلاغة، ومن ردود الشيعة ودفاعهم عن علي، أنهم جميعا يعتقدون أن الخلافة حق شخصي لعلي، وأن هذا الحق هو هبة له من الله ورسوله، وليس تكليفا أو فرضا عليه من جهة؛ ولا هي لطف من الله تعالى منّ بها لعباده حتى يدركوا على نحو صحيح طريق السعادة والكمال.

ونحن لو إعتبرنا أن الخلافة حق شخصي لعلي يستطيع أن يتصرف بها كيف ما شاء. وأنه تنازل عنها، سواء بمحض إرادته، أم لعدم وجود الأعوان والأنصار، أو أنه سكت عن حقه لئلا يرتد الناس عن الإسلام ـ مع أنهم إرتدوا جميعا إلا ثلاثة أو أربعة حسب رأي الشيعة ـ فهذا يوجب على الشيعة أن لا يطالبوا بحق تنازل عنه صاحبه قبل أكثر من ( 1400 ) سنة، وقد ذهب صاحب الحق مع المغتصبين له إلى رب عزيز لا يضيع عنده حق، ولا يخشى الناس منه ظلما ولا هضما.

أما إن كانت الخلافة واجبا وتكليفا وفرضا من الله تعالى ورسوله، فكان لزاما على علي أن يقوم بهذا الواجب، ولو على كل الإحتمالات([83]). فإن الله تعالى مدح الذين يخشونه ولا يخشون أحدا من الناس: ] الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [ [الأحزاب/39] وقال:  ] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [[آل عمران/146]. وهذا أليق بعلي بن أبي طالب القائل: ( واللّه لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها). ومهما يقال عنه فإنه كان أقوى وأشجع من إبنه الحسين الذي لما رأى أن الذي تقلد أمر الخلافة ليس بأهل لها لم يسكت وقاتل بأهله وعياله، حتى ذهب شهيدا إلى ربه وصار سيد شباب أهل الجنة كما أخبر به الصادق المصدوق r.

كما أن بقية الصحابة لم يسكتوا حين تولى عليهم يزيد، لأنه في قناعتهم لم يكن أهلاً لهذا المنصب. فلما رأينا عليا سكت، وسكت معه الصحابة علمنا أنهم لم يكونوا ليجمعوا على الباطل.

أما إذا إعتبرنا الإمامة كالنبوة، وإنها لطف خاص أخص من النبوة، فهي إذن تكليف وواجب وفرض، لا يحق لعلي ولا للحسن ولا لغيره من الأئمة المكلفين بواجب الإمامة أن يتنازلوا عنها لأحد وتحت كل الظروف والإحتمالات.

فهل رأيت نبيا تنازل عن نبوته، أو أخفاها عن الناس، ولم يقل إني رسول الله إليكم، خوفا من الناس؟

ولماذا قُتل الأنبياء والصالحون في الأمم التي سبقتنا؟ أليس لدعوتهم الناس إلى الحق؟

يقول القاضي عبدالجبار المعتزلي:

( إن الرسالة ليست مستحقة، وإنها تكليف لأمر تعظم فيه المشقة، وإنه يستحق الرفعة لقيامه بذلك، وتوطينه النفس على الصبر عند العوارض، وبما يقدم من طاعاته).([84])

فإذا كانت الإمامة عند الشيعة كالنبوة، وقد علمنا أن الإمام لم يقم بواجب الإمامة كما ينبغي، فلمَ صار يستحق المدح؟

لقد رأينا عليا يقول: ( دعوني والتمسوا غيري فإني لكم وزيرا خير لكم مني أميرا) (نهج البلاغة 181-182):( والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة. ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها ) (نهج البلاغة 322.).

ورأينا الحسن بن علي تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان الذي يكفرونه. فكيف يجوز للمعصوم تسليم مقاليد الأمة الإسلامية التي جاهد الرسول في سبيلها ( 23 ) سنة، ثم قاتل من دونها أبوه علي ] لئلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله [!

ثم رأينا أن الخلافة أتت علي الرضا راغمة من قبل الخليفة العباسي الذي تنازل عنها بمحض إرادته، ولكنه أباها وقبل بولاية العهد بشرط أن لا يأمر ولا ينهى!

فإذا كانت الخلافة وإمامة المسلمين تخص المسلمين، لأنها تخرجهم من الظلمات إلى النور، فحق على كل الأجيال المسلمة التي أتت إلى الدنيا بعد الأئمة أن تقاضي الذين فرطوا فيها، لأنهم تقاعسوا عن الطلب بها؛ أو أنهم تنازلوا عنها حين جاءتهم، لأنهم ـ حسب رأي الشيعة ـ كانوا سيغيرون وجه التاريخ، ويجلبون كل الخير للمسلمين!

 

المحور الرابع

 دور المعارضين لأبي بكر في السقيفة

     لم يسجل التاريخ إعتراضا على بيعة أبي بكر في السقيفة سوى من أربعة أو خمسة أشخاص، وهم:

1.      علي بن أبي طالب: أجمعت الأمة أن عليا بايع أبا بكر بعد ستة أشهر من وفاة النبي r . هذا لا إشكال فيه. أما بيعته لأبي بكر عند البيعة العامة في المسجد فقد إختلفت الآراء فيها، وللتوفيق بين هذه الآراء المختلفة، لابد من تدقيق سند هذه الروايات ومتنها من ناحية الصحة أولاً، ثم من ناحية ملاءمتها لموقف علي t من الخلافة، ونظرته لها على أنها ليست غاية ولا مغنما، وإنما وسيلة لإحقاق الحق وإيصاله إلى أهله، وقمع الباطل وإزهاقه.

والذي يتلاءم مع كل ما أسلفنا، هو أن عليا بايع أبا بكر بيعة المسجد، إلا أن الخلاف على فدك بين فاطمة وبين أبي بكر، أو ربما إنشغاله بتمريض فاطمة وإبتعاده عن مسرح الأحداث قليلا هو الذي جعل الناس يظنون أنه مقاطع للقوم؛ فلما توفيت فاطمة بايع مرة ثانية، وكانت هذه البيعة بعد ستة أشهر.

ومهما يكن الأمر فإن عليا بن أبي طالب ترك النكير على أبي بكر وعمر، ولم يحدث شرخاً بين المسلمين، ولا دعا الناس إلى الفتنة. بل الأحداث تدل على أنه كان مستشاراً لأبي بكر وعمر طيلة خلافتهما، ونصوص نهج البلاغة تشهد بذلك. لاسيما أنه زوج إبنته ( أم كلثوم ) من عمر بعد هذه الأحداث كلها. وهذا يعني أن عليا لم يكن يرى مغتصبي الخلافة كفارا ولا فساقا، كما هو رأي الشيعة اليوم. لاسيما مع قول المرتضى: ( أن الكثير من أصحابنا لا يقولون إن تعظيمه لأبي بكر وعمر كان على وجه التقية، بل كان على ما يقتضيه الحال من ظاهرهما)([85]).

وكيف لا يكون أصحاب محمد r  مسلمين مؤمنين، ولم يظهر منهم ما يدل على الكفر والردة والفسوق، لا في زمن النبي ولا بعد وفاته. إسمع إلى الشريف المرتضى وهو يقول: ( لأن المعلوم من حال الناس أن صلاح سرائرهم كالتابع لصلاح ظواهرهم، واستقامة أمورهم. وحسن طريقتهم فيما يقع من أفعالهم الظاهرة من أبر الدواعي إلى استقامة ضمائرهم أيضا)([86]).

ويقول أيضا: ( وليس بنا أن نضيف مثل هذه المذاهب القبيحة إلى من لم يكن متظاهرا بها، ولا مجاهرا باعتقادها. وإن لم يكن يتبرأ منها، ويتبرأ من أهلها. لأن الدين يحجز عن ذلك ويمنع منه، ولا نعمل إلا على الظاهر)([87]).

فما الذي ظهر منهم ـ لو إستثنينا الإمامة ـ يدل على كفرهم وردتهم؟

لو كانت الصحابة وعلى رأسهم أبي بكر وعمر وعثمان منافقين ـ كما تدعي الشيعة ـ لكان رسول الله r يخصهم بالتقدير والإحترام والإختصاص ويتزوج منهم ويزوجهم خوفاً منهم، أو تقيةً؛ وحاشا رسول الله r من هذا، لـ( أن أحد ما ينفر عن النبي نفاق من يختص به وكفره، لأنه متى كان من يختص به الإختصاص الشديد ويظاهره، ويستشيره منافقا، لم تسكن النفوس إليه)([88])؛ فإن الله تعالى أمره أن يجاهد الكفار والمنافقين، في غير موضع من القرآن، لا أن يتخذهم بطانة له، ويختص بهم الإختصاص الشديد الذي لا ينكره إلاّ من أعمى الله بصيرته، ونكس قلبه، فقال تعالى: ] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ [التوبة/73]و[ التحريم/9].

كما أن من يطلع على حال أبي بكر وعمر وبقية الصحابة، يعلم يقيناً أنهم كانوا أعزةً في حياة رسول الله r وبعده، والله تعالى وصف المؤمنين بالعزة ووصف المنافقين بالذلة، فقال تعالى: ] وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [ [المنافقون/8]. وقال في المنافقين: ] لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا[[الأحزاب/60-62].

فلما لم يقتلهم تقتيلا، بل كانوا يجاورون النبي r في المدينة، فدل على أن هؤلاء المنافقين قد إنتهو، فيمتنع أن تكون الصحابة الذين كانوا أعز المسلمين من المنافقين؛ بل ذلك يقتضي أن من كان أعز كان أعظم إيمانا كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومنهم الخلفاء الراشدين الذين حاربوا المنافقين والمرتدين بعد رسول الله r.

على أننا نستدرك لنقول: إن تأخر علي عن البيعة ستة أشهر لم يكن لأن عليا كان يرى أنه المنصوص عليه بالخلافة، ولكن كان تأخره بسبب عدم المشورة. فقد أخرج الدارقطني وروي معناه من طرق كثيرة عن علي أنه قال « والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إلي رسول الله r عهداً لجاهدت عليه ولو لم أجد إلا ردائي ولم أترك إبن أبي قحافة يصعد درجة واحدة من منبر رسول الله r ولكنه r رأي موضعي وموضعه فقال له: قم وصل بالناس وتركني ورضينا به لدنيانا كما رضى به رسول الله r لديننا»([89])

ولو تكلمنا بلغة الشيعة لقلنا: إن بيعة علي لأبي بكر سواء في أول الأمر، أو بعد ستة أشهر يدل على أنه قد جعل السبيل عليه بإظهاره البيعة، وقد نقل عنه مثل هذا الكلام في إحتجاجه على طلحة والزبير: ( وإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة وإسراركم المعصية)([90]).

2.      العباس بن عبدالمطلب ( عم النبي ): كان العباس يود أن يكون عليا هو الخليفة بعد النبي r  ولهذا فقبل وفاة النبي إقترح على علي أن يذهبا إلى النبي r فيسألاه عن هذا الأمر. قال العباس لعلي u : " ادخل بنا عليه نسأله عن هذا الأمر فإن كان لنا بينه وإن كان لغيرنا وصى الناس بنا " فامتنع. ولما قبض رسول الله r قال العباس لعلي u " امدد يدك أبايعك فيقول الناس: هذا عم رسول الله r قد بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان ". فامتنع أيضا. ومعلوم أن عليا u لو كان منصوصا عليه لكان العباس أعرف الناس بذلك فكان لا يقول مثل هذا الكلام.

3.      أبو سفيان بن حرب: لما بويع أبو بكر، جاء أبو سفيان إلى علي u، فقال : وليتم على هذا الأمر أذل ببت قريش، أما والله لئن شئت لأملأنها على أبي فضيل خيلا ورجلا، فقال علي u: طالما غششت الاسلام وأهله، فما ضررتهم شيئا لا حاجة لنا الى خيلك ورجلك، لولا انا رأينا أبا بكر لها أهلا لما تركناه.([91])

والشيعة تقول: إن عليا u رفض إقتراح أبي سفيان بحجة أنه كان يريد إيقاع الفتنة بين المسلمين فقالوا : ( وهل آل الامر بعلي بن أبي طالب أن ينتصر لدين الله بعدوّ الله أبي سفيان!).([92])

قلت: وهل عند الشيعة أن أبا بكر أو عمرأً أقل كفرا أو جرما اليوم من أبي سفيان، أو حتى من أبي جهل وأبي لهب؟ فلماذا لم يحارب أعداء الله بأعدائه، ويضرب بعضهم ببعض، وهو القائل: ( الحرب خدعة )؟ فما هذا الإحتجاج البارد؟!

ولماذا يطالب غير علي بحقه، وهو ساكت؟ أليس هو القائل: ( وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الحَقَّ، وَخَابَطَ الغَيَّ، مِنْ إِدْهَان وَلاَ إِيهَان. . . )؟

فإن قلتم : إنه سكت خوفا على الإسلام، ودرءا للفتنة.

قلنا: فالذين يطالبون بحق علي بعده ـ رغم أنه لا يجدي نفعا، لأن فات أوانه ـ إذن هم من الذين يبغون الفتنة بالإسلام ويريدون إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين. هذا هو مفهوم المخالفة لسكوت علي عن حقه.

4.      سعد بن عبادة: وقد تقدم قصته كاملا، من أنه لما خسر البيعة في السقيفة إعتزلهم ولم يبايع أبا بكر، ولا عمرا في رواية. وفي رواية أخرى: ( عن أحمد:... فتكلم أبو بكر t فلم يترك شيئاً أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله r من شأنهم إلا وذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله  r قال: لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله r قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فَبَرُّ الناس تبع لبّرِّهم، وفاجر الناس تبع لفاجرهم، قال فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء)([93]). ومهما يكن فالرجل لما خذله عشيرته ولم يبايعوه، تركهم ولم يحدث شقاقا بين المسلمين.

5.      الزبير بن العوام: قيل عنه أنه أمسك عن البيعة في بداية الأمر حتى أرسل إليه أبو بكر، وكان تأخره بسبب عدم مشاورته في الأمر. ثم بايع طائعا غير مكره.

وأما ما يُقال عن إعتراض أبي ذر وسلمان والمقداد وعمار، فلم يصح ولم يُنقل عنهم ما يُثبت ذلك؛ بل المنقول عنهم موالاة أبي بكر وعمر، لاسيما قبول عمار وسلمان الولاية في عهد عمر. مع أن المعروف عن أبي ذر عدم سكوته على أدنى المخالفات، ومواقفه إزاء معاوية وإعتراضه الدائم عليه معروفة. فمثل أبي ذر لا يمكن أن يسكت عن نقض البيعة لعلي ـ لو وجد ـ ولو سكت كل الناس لما سكت أبو ذر.

فكل المعترضين لم يكن إعتراضهم بسبب النص والوصية على علي، إنما كان بعضه بسبب عدم المشورة، والآخر لأسباب ومنطلقات عشائرية وقبلية.

فسواء أثبت وجود مخالفين لأبي بكر أو لم يثبت، فإن هذا لا ينفع الشيعة، لأن أحدا منهم لم يقل بالنص على علي. وتأخير البيان عن وقت الحاجة مع إرتفاع الإكراه يدل على عدمه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثاني

العقل والدين

الفصل الأول: العقل بين السنة والشيعة

الفصل الثاني: التحسين والتقبيح العقلي والشرعي

الفصل الثالث: الإجتهاد بين السنة والشيعة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

العقل بين السنة والشيعة

س: يا صديقي وقبل أن نبدأ نقاشنا في الأدلة العقلية على الإمامة، أحببت أن أذكر لك فصلا في علاقة النقل بالعقل، وفي التحسين والتقبيح العقليين، وفي وجوب الأصلح على الله للعباد، وفي الإجتهاد بين السنة والشيعة. فإن فهم هذه الأمور، ومعرفة الأختلاف بينهما، أمر لابد منه لمن أراد أن يقف على حقيقة أدلتكم العقلية على الإمامة والتي جعلتموها مقدما على الأدلة السمعية ( أعني الكتاب والسنة ).

منزلة العقل في الإسلام:

الإسلام جعل للعقل مكانة متميزة وأهمية عظيمة في مجال التدبر والتفكر ومجال الاستنباط وعمران الأرض ووردت الآيات القرآنية بذلك بوجوه مختلفة ومنها:

1.      خص الله أصحاب العقول بالمعرفة التامة لمقاصد العبادة: وقصر الله الانتفاع بالذكر والموعظة على أصحاب العقول: ] لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [  [يوسف/111] [ [يوسف:111]، ] وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ [العنكبوت/35].

2.       كرم الله العقل وجعله مناط التكليف فعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r: ( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِل)([94]).

3.      ذم الله المقلدين لآبائهم، وذلك حين ألغوا عقولهم وتنكروا لأحكامها:] وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [[البقرة/170].

4.                 حرم الإسلام الاعتداء على العقل فحرم المسكر والمفتر، ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ [المائدة/90]، وعن أم سلمة قالت: (نهى رسول الله r عن كل مسكر ومفتر) رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني.

5.       شدد الإسلام في النهي عن تعاطي ما تنكره العقول، وتنفر منه كالتطير والتشاؤم والاعتماد على الكهنة والعرافين والمنجمين، وكذلك النهي عن الرمل والودع والخرافات والأوهام بكل صورها وأشكالها.

أما ما هو العقل في إصطلاح اللغويين، وفي إصطلاع الأصوليين، فهذا ما سنتعرف عليه في السطور القادمة، فنقول وبالله التوفيق:

تعريف العقل:

العقل في اللغة يطلق على معانٍ متعددة، نكتفي بذكر ثلاثة منها([95]):

الِحْجرُ ( الحبس ) والنُّهَى والجمع: وهو ضِدُّ الحُمْق. يقال: (رَجُلُُ عاَِقلُُ)، أي: جامع لأمره ورأيه، مأخوذ من: (عَقَلْتَ الْبَعِيْرَ) إذا: جَمَعْتَ قوائمه. والْحَبْسُ، مأخوذ من قولهم: (قد اعْتُقلَ لسانُهُ) إذا حُبِسَ ومُنِعَ الكلامَ.

وأما في الإصطلاح: فقد صرَّح بعض الأصوليين بأنه من الصعوبة بمكان بيان حقيقة (العقل) من الناحية الاصطلاحية. إلا أن التعريف الراجح والذي يتناسب مع المعاني اللغوية، هو قول السرخسي رحمه الله تعالى: بأنه ( نور إلهي يقذفه الحق تبارك وتعالى في القلب ليتمكن به من المعرفة والإدراك)([96]).

وبيَّن الإمام الغزالي أن العقل يطلق بالاشتراك على أربعة معانٍ أولها: الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم، وهو الذي استعدَّ به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية، وثانيها: العلوم الضرورية كالعلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وثالثها: العلوم المستفادة من التجارب بمجاري الأحوال، ورابعها: معرفة عواقب الأمور التي تفضي إلى قَمْع الشهوة وقَهْرها)([97]).

معاني العقل:

إذا أطلق لفظ العقل في اللغة والشرع، فله معنيان:

الأول: الملكة ( الغريزة ) التي أعطاها الله سبحانه وتعالى للبشر، وميزه عن الحيوانات([98])، وهو بهذا المعنى مناط التكليف، لأنه وهبي من الله تعالى، ويتساوى الناس فيه من حيث التكليف، وهو شرط في كل علم عقلي ونقلي، وما كان شرطا في الشيء إمتنع أن يكون منافيا له، وهو بهذا المعنى يضاده الجنون. وهذا المعنى ليس مرادا عند الأصوليين عند قولهم: إتفق العقلاء على كذا، وكذا. بل لابد من أمر زائد على مجرد هذه الغريزة.

وهو المعنى الثاني للعقل الذي هو عبارة عن مجموع علوم إذا اجتمعت، سميت عقلا، وسميت هذه العلوم عقلاً لأن العلوم الإستدلالية لا يصح حصولها إلاّ بعد تقدمها، فهي مرتبطة بها، والعقل بهذا المعنى يقابله الجهل، وهو ليس شرطا في التكليف، وإنما قد يكون فقده مانعا من ترتب الأحكام، وهو ما يصطلح عليه بـ( العذر بالجهل ). وبطبيعة الحال فالناس لا يتساوون في هذه العلوم لأنه كسبي، فمن علم شيئا من خلال الدراسة أو التجربة وجهله الآخرون أعتبر أكثر عقلا ( علما ) عن غيره، ] وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [[يوسف : 76].

وليس للعقل دور في كل العلوم العقلية المكتسبة على سواء فالعلوم ثلاثة أقسام:

أولا: العلوم الضرورية:

وهي التي لا يمكن التشكيك فيها إذ أنها تلزم جميع العقلاء ولا تنفك عنهم كعلم الإنسان بوجوده وأن اثنين أكثر من الواحد وأن السماء فوقنا والأرض تحتنا إلى غير ذلك مما يسمى بقوانين العقل الضرورية.

ثانيا: العلوم النظرية:

وهي التي تكتسب بالنظر والاستدلال وهذا النظر لابد في تحصيله من علم ضروري يستند إليه، حتى يعرف وجه الصواب فيه ويدخل في هذا القسم كثير من العلوم كالطبيعيات والطب والصناعات، فهذه العقل له مجال رحب في معرفتها وإدراكها والتوسع فيها.

ثالثا: العلوم الغيبية:

وهذه لا تعلم بواسطة العقل المجرد وحده، بل لابد للعقل إذا أراد أن يعلمها أن يكون له طريق آخر للعلم به كعلمه بما يكون في البلد القاصي عنه وعلمه بما في اليوم الآخر من بعث وحساب وجزاء وهذا لا يعلم إلا عن طريق الخبر ويدخل في هذا القسم كثير من مسائل الاعتقاد لاسيما التفصيلية منها، فهذه لا يستقل العقل بمعرفتها بل لابد من اعتماده على الوحي.

العقل أساس لفهم النقل:

إن أعظم حقيقتين من حقائق الدين، بل من حقائق الوجود قامتا على العقل: وهو الإيمان بوجود الله تعالى، والإيمان بالنبوة. لذلك يجب أن يسبق العقل النقل، لأن فاقد العقل غير مخاطب، وغير مكلف. وعلى هذا الأساس فالعقل أساس النقل، لأنه الآلة والوسيلة لفهم النقل.([99])

فالإنسان العاقل الذي لم تفسد فطرته لسبب من الأسباب يستدل على وجود الله تعالى بعقله، كما إستدل الإعرابي الذي قال :

( إنّ البعرة تدلّ على البعير، وأثر الأقدام يدلّ على المسير، فهذه السماء ذات أبراج والأرض ذات حركة وإرتجاج ألا تدلاّن على وجود الخبير البصير)([100]).

ولكن مجرد حصول اليقين بوجود الله تعالى لا يكفي في الإيمان، بل لابد من تخصيص الخالق المنعم بالشكر والعرفان( العبادة )، وهنا يأتي دور النبوة. وهذا هو معنى القول المنسوب إلى سيدنا علي t : ( عرفت ربي بربي، ومحمد بلغني مراد ربي). ولهذا قيل أن العبادات توقيفية، أي بتوقيف من الشارع الحكيم، ولولا ذلك لكان كل إنسان يخترع نوعا من الأقوال والأفعال بحسب ما يراه بعقله، ويسميه عبادة. ولذلك قال رسول الله r : { مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ }([101]).

وسائل الهداية الإلهية:

خلق الله تعالى الإنسان وهو أعلم به من نفسه، وهو الخبير بشؤونه عليم بما يصلح حياته وبما يفسدها في دنياه وآخرته، لذلك تفضل عليه وأكرمه بثلاث هدايات، لئلا يحتج عليه أحد بأنه ما دلهم ولا أرشدهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم، وهو القائل: ] إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [[الإنسان/3]. وهذه الهدايات المتمثلة بـ ( الحواس والعقل وهداية الرسل ) هي وسائل للمعرفة وطرق لكسب العلم.

الأولى: هداية الحواس: فبالحواس يرى الإنسان ويسمع ويشم، ويحس، ولكن ثبت بالتجربة والمشاهدة أن هذه الحواس قد تخطيء أحيانا.

كما أن كل حاسة لها طاقة محدودة مقدرة معينة لا تستطيع تجاوزها فكل حاسة تتجاوز مجال قدرتها لا تصل إلى المراد ويلحقها الضرر، فعلى سبيل المثال العين تبصر وترى الأشياء لكنها رغم سلامتها لا تستطيع أن ترى الميكروبات الدقيقة رغم أنها موجودة، ولا تستطيع أن ترى الأشعة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية وهكذا، فإن لها مجال وقدرة محددة، وإذا أرادت أن تخرج عن هذا أصابها الضرر ولم يتحقق المقصود، فلو أن إنساناً أصرّ على أن يعرف حقيقة الشمس بعينه وحدّق فيها في وقت الظهيرة فإنه لن يصل إلى مبتغاه وسوف يضر عينه، وهكذا بقية الحواس كالأذن وغيرها.

 الثانية: هداية العقل: فالعقل هداية أعلى مرتبة من هداية الحواس، فإذا أخطأت الحواس صوبها العقل. ولكن العقل أيضا يتميز بالقصور والمحدودية، وثبت أنه أيضاً يخطيء في أشياء كثيرة، ولا أدل على ذلك من إختلاف الفلاسفة فيما بينهم، فترى أحدهم يثبت ما نقضه الآخر، ويأتي الثالث فينقض ما أثبته الثاني، وهكذا دواليك. ومما يدل على قصور العقل ومحدودية أفقه، أنه لا يعلم بأمر روحه التي بين جنبيه، والتي تلازمه طيلة حياته، ولا تفارقه إلاّ عند الموت. فكيف يراد له أن يعلم كل شئ؟ اللهم إلاّ إذا ربطنا الأدلة العقلية بالأدلة النقلية ( هداية الوحي )، أمكن حينئذ تفادي خطأ العقل وقصوره. ( ففتح الباب له على مصراعيه يشكل الخطر العظيم على الشريعة)([102]).

كما أن من رحمة الله تعالى بعقل الإنسان، هو تقبله لكثير من الأمور التي يستعملها، أو يستخدمها دون أن يُخضعها لعقله، لمعرفة كُنهها، وطريقة صنعها وعملها. فالكثير من البشر يستخدمون الهواتف الخلوية، ويقضون ساعات من أوقاتهم أمام شاشات الفضائيات، ولكن كم منهم يعرف كيف يعمل هذا الهاتف، أو كيف تستقبل الشاشات الفضائية الصور والكلام عبر الأقمار الإصطناعية. وكم منهم بحث فيها قبل أن يستخدمها. وكم منهم إمتنع عن إستخدام هذه الأشياء حتى يعرف طبيعة عملها؟

وهكذا يجب أن يكون العقل مع الوحيين ( الكتاب والسنة )،فليس من الحكمة رد أمر ما جهلت عقولنا حكمته أو علته، أو إرجاء الإيمان به حتى ينجلي الأمر ويتوضح لنا، بل إذا جاء الأمر من الله تعالى أو من رسوله r أن نقول: سمعنا وأطعنا، وهذا هو ديدن الراسخين في العلم الذين يقولون: ] آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [[آل عمران : 7].

الثالثة: هداية النبوة: أمام تناقض العقل ومحدودية مجاله، وأخطاء الحواس وقصورها، كان لابد من هداية أعلى من هداية العقل والحواس، فكانت هداية النبوة. وهداية النبوة لا تكون بمعزل عن هداية العقل، ولا يتناقض معها، لأنهما صادران من مشكاة واحدة، وهما من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه. ولكن هداية النبوة ( النقل ) قد تأتي بمحارات العقول، أي بما يتحير معه بعض العقول. أما أن تتناقض هداية النبوة مع هداية بعض العقول، أو بعبارة أخرى أن يتناقض عقل صريح مع نقل صحيح، فهذا من المحال.

دلالة القرآن على الأصول العقلية:

أقوى طرق الدلالة، هو أن يتفق الحس والعقل والنقل، أو أن يتفق العقل والنقل، لأن إتفاقهما على قضية ينتج معلومة يقينية.

ولهذا كانت أصول الدين عند أهل السنة والجماعة سمعية وعقلية. أي يتفق السمع والعقل في بيانها.

يقول الدكتور عبدالله بن محمد القرني: ( أساس منهج الإستدلال على مسائل الإعتقاد عند أهل السنة هو إشتراط أن يكون الإستدلال شرعيا في دلائله كما يكون شرعيا في مسائله، وأنه لا يمكن وجود مسألة إعتقادية ليس لها دليل شرعي، فكذلك لا يمكن وجود مسألة إعتقادية لا تكون بنصوص الكتاب والسنة كافية في الدلالة عليها. والمسائل الإعتقادية إما أن تكون خبرية، بحيث لا يمكن الإستدلال عليها إلا من جهة النص، وإما أن يكون الإستدلال عليها ممكنا بالعقل، لكن لابد مع ذلك من ورود النص عليها، وإشتماله على الدلالة العقلية إذ ليست أخبارا محضة بل أدلة نقلية عقلية.  وينبني على هذا الأصل وجوب التسليم بكل ما ثبت بالكتاب والسنة وإعتقاد عدم إمكان التعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، وبيان ما تضمنته الأدلة النقلية من الحجة العقلية، وإعتقاد كفايتها في الدلالة على مسائلها)([103]).

وقد حوى القرآن الكريم أدلة عقلية كثيرة تثبت أصول الدين، مثل قوله تعالى: ] أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [[الأنبياء : 21 - 24]، وقوله : ] وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا [[الإسراء : 41 - 43]. فهذه أدلة عقلية ثتبت وجود الله تعالى ووحدانيته، وتصلح للإحتجاج حتى مع الكافر الذي لا يؤمن بأن هذا القرآن من عند الله.

وبعد أن يتيقن العقل من وجود الخالق المنعم المتفضل علينا بسائر النعم، يجب عليه شكر المنعم، ومعرفة حقه، ولكن أكثر الناس يقر بوجود الخالق، ويعترف أنه هو المنعم المتفضل، وهو مع هذا يتكبر عن عبادته، أو يعبد من دونه، أو يشرك غيره معه في العبادة، ولهذا خاطب الله تعالى هؤلاء، بما إلتزموه من عقولهم، أو ذكّرهم بأمر عقلي ليكون مقدمة لأمر نقلي يوجب عليهم الإلتزام به. قال تعالى: ] أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [[يونس : 66]، وقال: ] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [[النحل : 73 ، 74]، وقال أيضا: ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ [الحج : 73 ، 74]. وهناك عشرات الآيات مثل هذه. 

ويقول شيخ الإسلام إبن تيمية في هذا الصدد: ( وَاعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ الْكِبَارِ؛ مِثْلَ الْإِقْرَارِ بِوُجُودِ الْخَالِقِ وَبِوَحْدَانِيّتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِالثَّوَابِ وَبِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ r وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ: قَدْ دَلَّ الشَّارِعُ عَلَى أَدِلَّتِهِ الْعَقْلِيَّةِ. وَهَذِهِ الْأُصُولُ الَّتِي يُسَمِّيهَا أَهْلُ الْكَلَامِ الْعَقْلِيَّاتِ وَهِيَ مَا تُعْلَمُ بِالْعَقْلِ فَإِنَّهَا تُعْلَمُ بِالشَّرْعِ لَا أَعْنِي بِمُجَرَّدِ إخْبَارِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ فَالْعِلْمُ بِهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَبِالرِّسَالَةِ وَإِنَّمَا أَعْنِي بِدَلَالَتِهِ وَهِدَايَتِهِ كَمَا أَنَّ مَا يَتَعَلَّمُهُ الْمُتَعَلِّمُونَ بِبَيَانِ الْمُعَلِّمِينَ وَتَصْنِيفِ الْمُصَنِّفِينَ إنَّمَا هُوَ لِمَا بَيَّنُوهُ لِلْعُقُولِ مِنْ الْأَدِلَّةِ. فَهَذَا مَوْضِعٌ يَجِبُ التَّفَطُّنُ لَهُ … إلى أن قال: تَدَبَّرْت عَامَّةَ مَا يَذْكُرُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ وَالْمُتَكَلِّمَةُ وَالدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ فَوَجَدْت دَلَائِلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَأْتِي بِخُلَاصَتِهِ الصَّافِيَةِ عَنْ الْكَدَرِ)([104]).

ويقول أيضا: ( فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَظُنُّ طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ والمتفلسفة أَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ الصَّادِقِ. فَدَلَالَتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ وَيَجْعَلُونَ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ مَعْقُولَاتٍ مَحْضَةً. فَقَدْ غَلِطُوا فِي ذَلِكَ غَلَطًا عَظِيمًا؛ بَلْ ضَلُّوا ضَلَالًا مُبِينًا فِي ظَنِّهِمْ: أَنَّ دَلَالَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إنَّمَا هِيَ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ الْمُجَرَّدِ؛ بَلْ الْأَمْرُ مَا عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا - أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ - مِنْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ مَا لَا يُقَدِّرُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْرَهُ. وَنِهَايَةُ مَا يَذْكُرُونَهُ جَاءَ الْقُرْآنُ بِخُلَاصَتِهِ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ وَذَلِكَ كَالْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الَّتِي قَالَ فِيهَا ] وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [ فَإِنَّ الْأَمْثَالَ الْمَضْرُوبَةَ هِيَ " الْأَقْيِسَةُ الْعَقْلِيَّةُ " سَوَاءٌ كَانَتْ قِيَاسَ شُمُولٍ أَوْ قِيَاسَ تَمْثِيلٍ )([105]).

ولنا في المحاججة العقلية بين نبي الله إبراهيم u وبين نمرود الطاغية، حجة في أن الأنبياء كانوا يلجأون إلى إبهات خصمهم بالطرق العقلانية، يقول الله تعالى: ] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [[البقرة/258].

يقول الإمام إبن كثير: ( وكأنه طلب من إبراهيم دليلا على وجود الرب الذي يدعو إليه فقال إبراهيم: ] رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [ أي: الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها. وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج  - وهو النمروذ -: ] أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [ قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وبالعفو عن الآخر فلا يقتل. فذلك معنى الإحياء والإماتة.

والظاهر - والله أعلم - أنه ما أراد هذا؛ لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع. وإنما أراد أن يَدّعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ] مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [ ولهذا قال له إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة: ] فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [ أي: إذا كنت كما تدعي من أنك أنت الذي تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب. فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي: أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة. قال الله تعالى ] وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد.

وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين: أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية. وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويُبَيّن بطلان ما ادعاه نمروذ في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة)([106]).

أما الغيبيات، وكذلك فروع الشريعة، فإن السمع يكفي في إثباتها، وإن كانت عامة العبادات في الإسلام معللة، فقوله تعالى : ] وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [[العنكبوت : 45]، علل الصلاة بأنها تنهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر. وقوله تعالى : ] وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ [البقرة : 179]. فالشارع الحكيم خاطب الناس بما يوافق عقولهم. على أن العقل له مجال محدد، إذا خرج عنه تاه وضل، كما يحدث للفلاسفة والمفكرين الذين يبحثون فيما وراء الطبيعة والعالم المحسوس.

أما الشيعة، فقد جعلوا مصدرهم الوحيد في معرفة أصول الدين هو العقل، وفي هذا يقول شيخهم محسن غرويان: ( أنا أعتقد أن الأدلة العقلية على الإمامة والولاية مقدَّمة على الأدلة النقلية، لأنه لابد ابتداءً أن يتم إثبات المسألة بالدليل العقلي ثم يمكن للأدلة النقلية أن تأتي لتؤيد وتدعم ما أثبته العقل)([107]). فإن كان قصدهم بهذا هو حصول اليقين الجازم في الإعتقاد، لا على أساس التقليد الأعمى الذي لا يعرف دليله، فهذا صحيح.

وأما إن كان قصدهم، إنفكاك الإستدلال الأصولي العقلي بمعزل عن القرآن الكريم، فهذا غير صحيح لأسباب:

·       منها: إن النظر العقلي المجرد هو إجتهاد، والإجتهاد قد يصيب وقد يخطئ؛ اللهم إلاّ في المسائل الرياضية، والبدهيات العقلية. وهذا لا علاقة له بالمسائل العقدية.

·       ومنها: عدم قيام الحجة على مَنْ لم يتوصل بعقله إلى هذه الأصول. ذلك لأن المرء هنا لا يؤمن بمجرد خبر الشارع الحكيم، وإنما يعلقه على عدم مخالفته لدليل عقلي، والإيمان الموقوف على الشرط باطل. فرجع الأمر إلى أن العقل أصبح حاكما على الشرع.

·       ومنها: إسقاط حجية القرآن من الإستدلال على شيء من أصول الدين، لأن العقل حسب هذا الرأي قادر على وضع وإستنباط أصول الدين. ولو صحت هذه النظرية، لاستغنى العقلاء عن بعثة الأنبياء، وإلى شرائعهم. ولما صح إحتجاج المهلكين : ] وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [[طه/134]. ولأصبح كلام الله تعالى تابعا للعقل البشري، يقبله إذا وافق عقله، ويرفضه إذا ناقض عقله. وهذا ما فعله الشيعة في عصمة الأنبياء.

·       ومنها: إنا رأينا أن الذين آمنوا بنبينا محمد r كانوا عقلاء زمانهم، وقد توقف قسم منهم عن الإيمان بدعوة النبي فترة من الزمن ثم قبلها ودخل الإسلام كعمي النبي الحمزة والعباس وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وآخرون، أيقال إستجد لهم عقل جديد حتى دفعهم إلى الإيمان، أم أنهم إقتنعوا بما جاء به النبي r من أدلة سمعية وعقلية في القرآن الكريم؟ فعقل هؤلاء هو نفسه قبل الإيمان وبعد الإيمان؛ ولكن الذي يحدث أن العقول تنحرف عن الفطرة السليمة التي فطرها الله عليها لأسباب كثيرة، كالتقليد الأعمى للآباء والأجداد، والنشأة في البيئة والمحيط الفاسد عقديا، وتزيين الشيطان، وإتباع الهوى إلخ.

فهذه الأسباب كلها لها تأثير في إنحراف العقول عن فطرتها، فبتذكير النبي ومن بعده العلماء وتشخيصهم لهذه العلل في العقول يهتدي الإنسان إلى الطريق الصحيح.

فكم رأينا من علماء الملة النصرانية صاحب إكتشافات فلكية أو طبية يهتدي إلى الإسلام بعد عمر مديد. وقُلْ هكذا في تحول الشيعة إلى السنة أو العكس، فلو كان وجود العقل وحده كافيا في الإهتداء لأهتدى أصحاب العقول إلى الإسلام دون الحاجة إلى الأنبياء والرسل.

وبهذا يتبين إن عدم جواز التقليد في أصول الدين، لا يشمل إتباع آيات القرآن الكريم الذي هو وحي من الله تعالى على رسوله، والوحي كما أسلفنا طريقة أعلى من الحواس والعقل في كسب العلم؛ ولأن القرآن يشمل الدلائل العقلية، وهو نفسه دلائل نقلية على أصول الدين.

يقول شيخ الإسلام إبن تيمية: ( وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ الْجُهَّالُ الضُّلَّالُ مِنْ الْكُفَّارِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمَةِ مَنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ جَاءَ بِالطَّرِيقَةِ الخطابية وَعَرِيَ عَنْ الْبُرْهَانِيَّةِ أَوْ اشْتَمَلَ عَلَى قَلِيلٍ مِنْهَا بَلْ جَمِيعُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ هُوَ الطَّرِيقَةُ الْبُرْهَانِيَّةُ وَتَكُونُ تَارَةً خطابية وَتَارَةً جَدَلِيَّةً مَعَ كَوْنِهَا بُرْهَانِيَّةً . وَالْأَقْيِسَةُ الْعَقْلِيَّةُ - الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ - هِيَ الْغَايَةُ فِي دَعْوَةِ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ كَمَا قَالَ : ] وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [ فِي أَوَّلِ سُبْحَانَ وَآخِرِهَا وَسُورَةِ الْكَهْفِ وَالْمَثَلُ هُوَ الْقِيَاسُ ؛ وَلِهَذَا اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ عَلَى خُلَاصَةِ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي كَلَامِ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْمُتَكَلِّمَةِ والمتفلسفة وَغَيْرِهِمْ . وَنَزَّهَ اللَّهُ عَمَّا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ ؛ مِنْ الطُّرُقِ الْفَاسِدَةِ وَيُوجَدُ فِيهِ مِنْ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْبَشَرِ بِحَالِ )([108]).

وهنا أمر مهم لابد من أخذه بنظر الإعتبار، هو التفريق بين المعاني العامة التي يعرفها العقل، وبين المعاني الخاصة التي يلزمنا بها الشرع.

يقول الدكتور طه الدليمي: ( أن العقل الإنساني مهما نظر واجتهد في التعرف على الأصول، فإنه لا يستطيع إثبات أكثر من معان عامة. بينما الشرع يلزمنا بمعان خاصة محددة. مثلاً: العقل يثبت النبوة. ولكن النبوة التي يثبتها العقل نبوة عامة غير محددة بشخص معين بينما الشرع يلزمنا بالإيمان بنبوة شخص معين محدد هو محمد  r ، فلو قال إنسان: أنا أؤمن بأن لله أنبياء لكنه لم يثبت نبوة محمد - r ، فإيمانه هذا غير معتبر أي باطل شرعاً وصاحبه كافر ما لم ينتقل من المعنى العام للنبوة إلى المعنى الخاص لها. وإثبات المعنى الخاص لا يمكن تحقيقه بالنظر العقلي المجرد عن النص الديني. إذ لولا نصوص القرآن لما استطعنا بعقولنا أن نثبت أن محمداً نبي. ولا غيره من الأنبياء. وقد عاش النبي محمد  r أربعين سنة بين قوم عقلاء حكماء، لكن أحداً منهم لم يخطر بباله أن هذا الرجل نبي. رغم أنهم كانوا ينتظرون النبي الخاتم، ويترقبون بعثته! … ثم قال: والنتيجة الحتمية التي نصل إليها هي: إما أن نعتمد النظرية الإمامية في الأصول، أي النظر العقلي. وهو لا يُثبت سوى معان عامة - فتبطل جميع المذاهب الإمامية. فلا إثنى عشرية. ولا إسماعيلية. ولا غيرهما من المذاهب التي التزمت وألزمت غيرها بـ(أئمة) محددين. وإما أن نقول بضرورة الالتزام بمذهب معين كالإثنى عشري بناءً على ما جاء بالنصوص الدينية -فتبطل النظرية الإمامية في الأصول. ولا بد لهم من اختيار أحد الأمرين، والخروج من أحد السبيلين.)([109]).

العقل أساس النقل:

 ولأهمية هذا الموضوع، وجهل الكثيرين من المسلمين به، أعني ( العقل أساس النقل )، سنبحث فيه بشئ من التفصيل، فنقول:

إن القول بأن العقل أصل النقل إما أن يراد به:

أن العقل أصل في ثبوته في نفس الأمر.

 أو أصل في علمنا بصحته.

 فالأول: لا يقوله عاقل، فإن ما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفا على علمنا به فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر. فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه كما أن رسول الله حق وإن كذبه من كذبه كما أن وجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه. فلا يتوقف ذلك على وجودنا فضلا عن علومنا وعقولنا، فالشرع المنزل من عند الله مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه بعقولنا فإذا علم العقل ذلك حصل له كمال لم يكن قبل ذلك وإذا فقده كان ناقصا جاهلا.

وأما إن يراد به أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته وهذا هو مراد من يقول هذا القول.

فيقال له: أتعني بالعقل هنا القوة والغريزة التي فينا؟ أم العلوم المستفادة بتلك الغريزة؟

فالأول: لم ترده وتمتنع إرادته بأن تلك الغريزة ليست علما يمكن معارضته للنقل وإن كانت شرطا في كل علم عقلي أو سمعي وما كان شرطا في الشيء امتنع أن يكون منافيا له. وقد بيّنّا ذلك في معنى العقل.

وإن أردت العلم والمعرفة الحاصلة بالعقل. قيل لك: ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول من العقليات وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول بل ذلك يعلم بالآيات والبراهين الدالة على صدقه.

ومتى ما تيقن العقل وحدث له العلم اليقيني بالنبوة بالمعجز، وجب عليه أن ينقاد له، ويصدقه في كل ما يخبر به النبي، لأن الرسل لا تأتي بمحالات العقول، بل قد يأتون بأمور يُحار فيها العقل، ولا يستقل بمعرفته.

إذن فهل يتعارض العقل مع النقل؟

إن وظيفة العقل إنما هي الفهم عن الله تبارك وتعالى لأوامره، وترك تعدي حدوده، والإقرار بأنه سبحانه فعال لما يشاء، بعد أن يستيقن ويؤمن بالله تعالى ورسوله. فليس له أن يعارض أو يحلل ويحرم، فهذا من التقديم بين يدي الله تعالى ورسوله r ، وهو محرم على المؤمن بموجب قوله تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [[الحجرات : 1].

وقول البعض: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا إبطالهما ولا تقديم النقل لأن العقل أصل النقل فلو قدمنا عليه النقل لبطل العقل وهو أصل النقل فلزم بطلان النقل فيلزم من تقديم النقل بطلان العقل والنقل فتعين القسم الرابع وهو تقديم العقل.

إن هذا الإطلاق ليس بصحيح، لأن العقل شرط في العلوم، وما كان شرطا في الشيء إمتنع أن يتعارض معه، ولكن الصحيح أن يقال: إذا تعارض دليلان سمعيان أو عقليان أو سمعي وعقلي فإما أن يكونا قطعيين وإما أن يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا. فأما القطعيان فلا يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعا فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين وهذا لا يشك فيه أحد من العقلاء. وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا تعين تقديم القطعي منهما.

 أما إن كانا ظنيين صرنا إلى الترجيح ووجب تقديم الراجح منهما سمعيا كان أو عقليا. فهذا تقسيم واضح متفق على مضمونه بين العقلاء. فإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي فعلم أن تقديم العقلي مطلقا خطأ وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليا خطأ وأن جعل سبب التأخير والاطراح كونه نقليا خطأ.

لذا فإن العقل وإن كان أصل النقل، وجب تقديم النقل عليه عند تصور وقوع التناقض بينهما، مع أن الأصل والأساس عدم وقوع التناقض بين عقل صريح ونقل صحيح، وذلك للأسباب التالية:

1.      إن المسائل المعلومة بصريح العقل التي يستقل فيها العقل وهي والمدركات العقلية التي
يتطابق عليها العقلاء ـ بما أنهم عقلاء
ـ كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات اليقينية، كعلمنا أن الكل أكثر من الجزء، وأن كل شخص فهو غير الشخص الآخر، وأن الشيء لا يكون قائماً قاعداً في حال واحدة، وكإستحالة تواجد الشيء الواحد في مكانين مختلفين؛ لم يأت وبحمد الله تبارك وتعالى لا في القرآن ولا في السنة، حرف واحد يخالف العقل فيها. وما جاء من ذلك فهو مكذوب ومفترى. وتصور التعارض هنا وهمي غير صحيح. يقول شيخ الإسلام: ( فَإِنَّ مَا خَالَفَ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ بَاطِلٌ )([110]).

2.      لأن العقل قد صدّق الشرع، ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، لأنه إذا صدق السمع في كل ما يخبر به، ثم شهد بأنه أخبر بخلاف الحق فقد تناقض. ولذلك قال بعض أهل الإيمان: يكفيك من العقل أن يعرفك صدق الرسول ومعاني كلامه، ثم يخلي بينك وبينه.

3.      تصور المعارضة بين النقل والعقل يعني: معارضة بين شريعة الله تعالى على لسان أكمل الخلق عقلا وأعظمهم معرفة، وأتمهم يقينا، وبين عقليات قاصرة ( لو استشرفتها ـ أي الأحكام ـ واطلعت على واقعها لأقرتها حتما. ولكن قصورها عن ذلك الإدراك وتطفلها على ما لا تحسن القول فيه، هوالذي أوقع بعض أربابها في كثير من المفارقات. ومن هنا ورد عن أهل البيت عليهم السلام: ( أن دين الله لا يصاب بالعقول)، أي ما ثبت أنه من الدين لا يمكن للعقول أن تدرك فلسفته ككل لقصور إمكاناتها عنها في مجالات الادراك)([111]). وبما أنه ثبت أن العقل يغلط كما يغلط الحس، أما النقل فهو وحي الله تعالى، وهو معصوم، وجب إتباع المعصوم دون المشكوك في عصمته. ولأن البراهين العقلية في العلوم النظرية، وإن كان صاحبها يظن إنها صحيحة وسالمة من كل عارض، لكن الأيام قد تكشف خطأها فيما بعد. وفي هذا يقول أبو القاسم الخوئي: ( ولذلك نجد كل من ألف في علم من العلوم النظرية، لا تمضي على مؤلفه مدة حتى يتضح بطلان كثير من آرائه. فإن العلوم النظرية كلما ازداد البحث فيها وكثر، ازدادت الحقائق فيها وضوحا، وظهر للمتأخر خلاف ما أثبته المتقدم، والحقيقة - كما يقولون - بنت البحث، وكم ترك الاول للآخر، ولهذا نرى كتب الفلاسفة الاقدمين، ومن تأخر عنهم من أهل التحقيق والنظر قد صارت عرضة لسهام النقد ممن تأخر، حتى أن بعض ما اعتقده السابقون برهانا يقينيا، أصبح بعد نقده وهما من الاومام، وخيالا من الاخيلة)([112]).

4.      القدح في النقل وتقديم العقل عليه يتضمن القدح في العقل والشرع معا، لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه، وبالتالي فلا يجوز أن يعارضه.

5.      لو قدم العقل على النقل لوجب التحاكم إلى العقل عند وقوع التنازع، ولما كانت العقول مختلفة فما يثبته زيد بعقله ينفيه عبيد بعقله، فكما أن من عارض أمر الرسل بعقله لم يؤمن بهم وبما جاءوا به فكذلك من عارض خبرهم بعقله ولا فرق بين الأمرين أصلا يوضحه أن الله سبحانه وتعالى حكى عن الكفار معارضة أمره بعقولهم كما حكى عنهم معارضة خبره بعقولهم.

أما الأول: ففي قوله تعالى ] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا[ [البقرة:275] فعارضوا تحريمه للربا بعقولهم التي سوت بين الربا والبيع فهذا معارضة النص بالرأي ونظير ذلك مما عارضوا به تحريم الميتة بقياسها على المذكي وقالوا تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله وفي ذلك أنزل الله: ] وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [ [الأنعام:121].

وعارضوا أمره بتحويل القبلة بعقولهم وقالوا إن كانت القبلة الأولى حقا فقد تركت الحق وإن كانت باطلا فقد كنت على باطل. وإمام هؤلاء شيخ الطريقة إبليس عدو الله فإنه أول من عارض أمر الله بعقله وزعم أن العقل يقتضي خلافه.

وأما الثاني: وهو معارضة خبره بالعقل فكما حكى سبحانه عن منكري المعاد أنهم عارضوا ما أخبر به عنه بعقولهم فقال تعالى: ] وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ[  [يس:78] وأخبر سبحانه أنهم عارضوا ما أخبر به من التوحيد بعقولهم وعارضوا أخباره عن النبوات بعقولهم وعارضوا بعض الأمثال التي ضربها بعقولهم وعارضوا أدلة نبوة رسوله بمعارضة عقلية وهي قولهم:  ]لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ [الزخرف:31].

فعقل مَنْ حجة على الآخر؟ أعقل الذي لا يؤمن، أم عقل الذي يؤمن ببعض ويكفر ببعض؟ أم عقل الذين قالوا لنبي الله لوط u : ] أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل/56]. أم عقل الذين إستكبروا عنادا عن متابعة محمد r الذي كانوا يسمونه بالصادق الأمين قبل البعثة؟!

أما الوحي: فهو قول الصادق، وهو صفة لازمة لا تختلف بإختلاف الناس، والرد إليه أمر ممكن، ولهذا جاء الوحي من الله تعالى برد الناس إلى كتابه وسنة رسوله كما قال تعالى: ] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[ [النساء : 59]. وهذا أمر مضطرد في تاريخ البشر، فإن الله تعالى لما أهبط أبوي البشر من الجنة عهد إليهما عهدا تناولهما وتناول ذريتهما إلى يوم القيامة، وضمن لمن تمسك بعهده أنه لا يضل ولا يشقى، ولمن أعرض عنه الضلال والشقاء، فقال تعالى : ] قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[  [طه : 123 ، 124]. وهذا ما شهد به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حيث يقول: ( وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ وَالْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ وَلَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْغَيُّ وَالضَّلَالُ فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ وَلَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ …)([113]).

6.      إذا قيل بتقديم العقل مطلقا في كل ما يخبر به النقل، وجب أن لا يثبت من النقل إلاّ ما أقر به وأثبته العقل. وهذا يعني: أن العقل هو الأساس، وبإمكانه أن يستغني عن النقل، لأن النقل إذا أخبره بما لا يوافق العقل طرحه، وإذا أخبره بما يوافق العقل، كان بإمكانه أن يستغني عن النقل، لأنه أمر يُعرف بالعقل قبل ورود النقل.

ولقد أورد حجة الله نيكوئي تعليلا رائعا حول عصمة الإمام بين النقل والعقل، فقال: ( إذا كان لدينا كلام منسجم مع العقل والمنطق ويتفق مع القرآن ولا يخالفه، فإننا نقبله حتى لو كان صادراً عن شخص غير معصوم مثل سلمان أو أبي ذر. بعبارة أخرى إن عصمة صاحب الكلام أو عدم عصمته ليس لها تأثير في قبولنا لكلامه أو عدم قبولنا له. إذا كان لدينا كلامٌ معقولٌ ومنطقيٌّ وموافقٌ للقرآن فإننا نقبله حتى لو كان قائله معاوية، وإذا كان لدينا كلامٌ غيرُ معقول وغيرُ منطقي ومخالفٌ للقرآن فإننا لا نقبله حتى لو نُقل إلينا عن لسان الإمام عليٍّ u. ومعنى هذا أن اعتقاد الشيعة بإمامة عليٍّ u وأولاده وعصمتهم اعتقادٌ لا فائدة منه ولا يقدِّم ولا يؤخِّر، لأن الإيمان بالإمامة وعصمة أولئك الأجلاء الكرام ليس له عملياً أي تأثير في دراسة الروايات. إذا كنا لا نعتقد بإمامتهم وعصمتهم فإننا سنقبل رغم ذلك ـ الكلام المعقول والموافق للقرآن الذي يُنقل إلينا عنهم، والآن ونحن نعتقد بعصمتهم لا نقبل أيَّ كلام غير معقول ومخالف للقرآن يُنقل لنا عنهم، إذن الاعتقاد بإمامتهم وعصمتهم وعدم الاعتقاد بذلك سِيَّان)([114]).

ويقول الملا صدر المتألهين الشيرازي: ( فإن قيل: ما بالُ زلاّت الأنبياء (عليهم السلام) قد حكيت حيث يُقرأ بأعلى الصوت على وجه الزمان، معَ أنّ الله غفّار ستّار قد أمرَ بالستر على من ارتكب ذنباً ؟

قُلنا: ليدلَّ على صدق الأنبياء (عليهم السلام)، وكون ما يتلقّون بأمر من الله، من غير إخفاء لشيء، وليكون امتحاناً للاُمم كيف بأنبيائهم بعد الاطّلاع على زلاّتهم، وليعلموا أنّ الأنبياء (عليهم السلام) مع جلالة أقدارهم وكثرة طاعاتهم كيف التجأوا إلى التضرّع والاستغفار في أدنى زلّة وأقل تقصير)([115]).

ثم يُقال لمن صدّق الرسول ثم عارض بعض ما أخبر به الرسول بعقله: يلزمك في هذا أمور:

الأول: إن هذا يخرج صاحبه من الإيمان، كما قال تعالى: ] أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [[البقرة : 85].

الثاني: أن يعتقد أن العقل يخالف بعض ظواهر النقل، ولا يستقيم عنده النقل مع العقل إلا بنوع من التحريف، أو التأويل الباطل([116]). وقد ذم الله تعالى من فعل هذا بقوله: ] أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ [البقرة : 75].

الثالث: يلزمك أن تقول: إن الوحي أخطأ في التعبير واللفظ. أو أنه أخبر شيئاً وأراد منّا خلافه، وهذا يعني أنه أراد الإضلال لنا. ثم إن الناس صنفان في هذا المراد: العلماء والعامة.

فأما العلماء: فقد عرفوا بعقولهم أن الرسول أخبر شيئا وأراد منا خلافه، فلم تكن معرفتهم من جهة الرسول، بل من قبل عقولهم، فانتفت الحاجة بالنسبة إليهم إلى إخبار الرسول.

وأما العامة: فهم يعتقدون ما تدل عليه ألفاظ الوحي، وهو إعتقاد خاطئ، لأن الرسول لم يرد منا ما أخبر به، وإنما أراد خلافه؛ فهؤلاء أيضا لم ينتفعوا من الرسول.

الرابع: يلزمك أن تقول: أنه ليس بإمكان الوحي الإفصاح عن الحق، كما يفعل أهل العقول في زماننا وغير زماننا. ومن أعظم المحال أن يكون المصنفون في جميع العلوم قد بيّنوا مرادهم، وعلم الناس مرادهم منها يقينا، ويكون الله ورسوله لم يبين مراده بكلامه، ولا تيقنت الأمة إلى الآن ما أراد بكلامه. فهذا لا يقوله إلا من هو أجهل الناس بالله ورسوله وكلامه. وإن كان قادرا عن الإفصاح عن الحق ولم يفعل فقد إتهمته بالتقصير في البلاغ، أو بالغش والخيانة، وحاشا لله تعالى ورسوله من هذا كله.

هذا هو مختصر نافع بإذن الله تعالى في التوفيق بين التعارض الذي يمكن أن يقع بين العقل والنقل. إختصرته من كتب عديدة، منها الصواعق المرسلة لإبن القيم، وكتب شيخ الإسلام إبن تيمية، ورسائل وبحوث أخرى.

وفهم هذا الموضوع ضروري كمقدمة ومدخل لفهم ما سنتناوله عند مناقشتنا لأدلة الشيعة العقلية في الإمامة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

التحسين والتقبيح العقليين

النزاع بين أهل السنة والشيعة في الحسن والقبح إنما هو بمعنى استحقاق فاعل الأول للمدح والثواب عند الله، واستحقاق فاعل الثاني للذم والعقاب عند الله، لا بمعنى ملائمة الأول للطبع وموافقته له، ومنافرة الثاني للطبع وعدم موافقته له، فإنها بهذا الاعتبار لم يختلف أحد في كونهما عقليين، لأن إثبات الحسن والقبح الذاتي هو مقتضى الضرورة الفطرية التي قلنا أن الله تعالى فطر الخلق عليها، من حيث ملاءمتها أو منافرتها لها. فالحسن ما كان ملائما للفطرة، والقبيح ما كان منافرا لها.

والقول بفطرية التحسين والتقبيح يستند إلى كونه هو مقتضى الضرورة النفسية، كما هو مقتضى دلالة النصوص الشرعية.

يقول العلامة إبن القيم: ( فإن الله سبحانه فطر عباده على استحسان الصدق والعدل والعفة والإحسان ومقابلة النعم بالشكر وفطرهم على استقباح أضدادها ونسبة هذا إلى فطرهم وعقولهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم وكنسبة رائحة المسك ورائحة النتن إلى مشامهم وكنسبة الصوت اللذيذ وضده إلى أسماعهم وكذلك كل ما يدركونه بمشاعرهم الظاهرة والباطنة فيفرقون بين طيبه وخبيثه ونافعه وضاره)([117]).

المحور الأول

التحسين والتقبيح عند أهل السنة والجماعة

يتفق أهل السنة والجماعة ( إلا الأشاعرة ) مع الشيعة على أن للأشياء والأفعال حسنا ذاتيا أو قبحا ذاتيا، ولكنهما يتنازعان في:

هل كل ما حسّنه العقل يستحق الثواب من الله؟

وهل كل ما تبين قبحه بالعقل يستحق العقاب من الله؟

فذهب أكثر الشيعة إلى الملازمة بينهما. في حين نفى أهل السنة هذه الملازمة.

وللوقوف على مذهب أهل السنة في هذه المسألة نرى أن نحدد أبرز سمات رأيهم، ثم نتطرق إلى الخلاف بينهم وبين الشيعة؛ فتحرير محل النزاع في المسألة ومعرفة رأي كل فريق بدقة يحل الإشكال، فنقول وبالله التوفيق:

السمة الأولى: أن العقل عندهم يحسَّن ويقبَّح:

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( القائلون بالتحسين والتقبيح من أهل السنة والجماعة من السلف والخلف يثبتون القدر والصفات ونحوهما مما يخالف فيه المعتزلة أهل السنة، ويقولون مع هذا بإثبات الحسن والقبح العقليين، … فنَفْيُ الحسن والقبح العقليين مطلقاً لم يقله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، بل ما يؤخذ من كلام الأئمة والسلف في تعليل الأحكام وبيان حكمة الله في خلقه وأمره، وبيان ما في ما أمر الله به من الحسن الذي يعلم بالعقل، وما في مناهيه من القبح المعلوم بالعقل ينافي قول النفاة )([118]). ولا يختلف رأي الشيعة في هذا كثيرا.

السمة الثانية: أن الثواب والعقاب على حسن الفعل وقبحه ثابتان عندهم بالشرع لا بالعقل:

 قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ( الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة … ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحاً موجباً للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل وقد دل القرآن أنه لا تلازم بين الأمرين وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل وأن الفعل نفسه حسن وقبيح ونحن نبين دلالته على الأمرين.

أما الأول: ففي قوله تعالى: ]  وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ [الإسراء : 15] وفي قوله : ] رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ [النساء : 165]  وقوله:] كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [ [الملك : 8 ، 9]. فلم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل بل للنذر وبذلك دخلوا النار. وأما الأصل الثاني وهو دلالته على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح فكثير جدا كقوله تعالى: ]  وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)  يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [ [الأعراف : 28- 33] ، فأخبر سبحانه أن فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه وأمر بإجتنابه بأخذ الزينة و(الفاحشة) ههنا هي طوافهم بالبيت عراة الرجال والنساء غير قريش. ثم قال تعالى: ] إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء [ أي لا يأمر بما هو فاحشة في العقول والفطر ولو كان إنما علم وإنه لا معنى لكونه فاحشة إلا تعلق النهي به لصار معنى الكلام: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه وهذا يصان عن التكلم به آحاد العقلاء فضلا عن كلام العزيز الحكيم وأي فائدة في قوله: "إن الله لا يأمر بما ينهى عنه"؟ فإنه ليس لمعنى كونه (فاحشة) عندهم إلا أنه منهي عنه لا أن العقول تستفحشه.

ثم قال تعالى: ] قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [ والقسط عندهم: هو المأمور به لا أنه قسط في نفسه فحقيقة الكلام: قل أمر ربي بما أمر به.

ثم قال:  ] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق [ دل على أنه طيب قبل التحريم وأن وصف الطيب فيه مانع من تحريمه مناف للحكمة.

ثم قال:  ] قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [ ولو كان كونها فواحش إنما هو لتعلق التحريم بها وليست فواحش قبل ذلك لكان حاصل الكلام قل إنما حرم ربي ما حرم وكذلك تحريم الإثم والبغي فكون ذلك فاحشة وإثما وبغيا بمنزلة كون الشرك شركا فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده.

فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي فهو بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركا بعد النهي وليس شركا قبل ذلك.

ومعلوم أن هذا وهذا مكابره صريحة للعقل والفطرة فالظلم ظلم في نفسه قبل النهي وبعده والقبيح قبيح في نفسه قبل النهي وبعده والفاحشة كذلك وكذلك الشرك لا أن هذه الحقائق صارت بالشرع كذلك.

نعم الشارع كساها بنهيه عنها قبحا إلى قبحها فكان قبحها من ذاتها وازدادت قبحا عند العقل بنهي الرب تعالى عنها وذمه لها وإخباره ببغضها وبغض فاعلها كما أن العدل والصدق والتوحيد ومقابلة نعم المنعم بالثناء والشكر حسن في نفسه وازداد حسنا إلى حسنه بأمر الرب به وثنائه على فاعله وإخباره بمحبته ذلك ومحبة فاعله.

بل من أعلام نبوة محمد r: أنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.

فلو كان كونه معروفا ومنكرا وخبيثا وطيبا إنما هو لتعلق الأمر والنهي والحل والتحريم به لكان بمنزلة أن يقال يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ينهاهم عنه ويحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم وأي فائدة في هذا وأي علم يبقى فيه لنبوته؟ وكلام الله يصان عن ذلك وأن يظن به ذلك وإنما المدح والثناء والعلم الدال على نبوته: أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة حسنه وكونه معروفا وما ينهى عنه تشهد قبحه وكونه منكرا وما يحله تشهد كونه طيبا وما يحرمه تشهد كونه خبيثا وهذه دعوة جميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهي بخلاف دعوة المتغلبين المبطلين والكذابين والسحرة فإنهم يدعون إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كل قبيح ومنكر وبغي وإثم وظلم.

ولهذا قيل لبعض الأعراب وقد أسلم لما عرف دعوته r عن أي شيء وما رأيت منه مما دلك على أنه رسول الله؟ قال: "ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به ولا أحل شيئا فقال العقل: ليته حرمه ولا حرم شيئا فقال العقل: ليته أباحه" فانظر إلى هذا الأعرابي وصحة عقله وفطرته وقوة إيمانه واستدلاله على صحة دعوته بمطابقة أمره لكل ما حسن في العقل وكذلك مطابقة تحليلة وتحريمه ولو كان جهة الحسن والقبح والطيب والخبث مجرد تعلق الأمر والنهي والإباحة والتحريم به: لم يحسن منه هذا الجواب ولكان بمنزلة أن يقول وجدته يأمر وينهى ويبيح ويحرم وأي دليل في هذا؟)([119]). والشيعة تخالف أهل السنة في هذا وتقول بالملازمة.

 

 

السمة الثالثة: أن العقل عندهم لا يهتدي إلى تفاصيل النافع والضار إلا بالشرع:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد، فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف مِنَّة عليهم أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم الصراط المستقيم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم، بل أشر حالاً منها، فمن قَبِلَ رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية)([120]).

قلت: وإن كان فيلسوفا، أو عالما في الطب أو الفلك. فالعبرة هنا الشرع لا العقل.

السمة الرابعة: أن العقل الصريح عندهم لا يعارض النقل الصحيح:

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولا يوجد نص يخالف قياسياً صحيحاً، كما لا يوجد معقول صريح يخالف المنقول الصحيح)([121]).ولذلك فقد ألف رحمه الله تعالى كتاباً أسماه: " درء تعارض العقل والنقل " )([122]).

 

المحور الثاني

الإختلاف في الملازمة

بين الحسن والقبح العقلي والشرعي

لابد من الإعتراف أولا بأن الأمور التي تخص حياة البشر وتصرفاته تنقسم إلى قسمين: قسم لا يُدرك بالعقل حسنه وقبحه مطلقا، كأوقات الصلوات وأعدادها، وإفراد شهر رمضان بالصيام من بين سائر أشهر السنة إلى غيرها من العبادات والأحكام، وهذا لا دخل للعقل فيها.

والقسم الثاني: وهو ما يدرك العقل حسنه وقبحه، وهذا هو الذي وقع النزاع فيه بين الملازمة وعدمه.

وقبل الخوض في تفاصيل هذه المسألة، لابد من وقفة جادة أمام لفظ ( العقلاء ). لنرى من هم العقلاء المعوّل عليهم في التحسين والتقبيح، لاسيما في قضايا الإعتقاد؟

أهم عقلاء النصارى الذين يقولون بأن الله ثالث ثلاثة؟

أم هم عقلاء الملحدين الذين ينكرون وجود الله تعالى أصلا؟

أهم عقلاء المجوس والهندوس الذين يعبدون النار والبقر؟

أم هم عقلاء المشركين الذين يعبدون الحجر والمنحوتات التي ينحتونها بأيديهم؟

أهم العقلاء الذين يستحلون الزنا والخمر والميسر؟

أم هم العقلاء الذين يستحلون تبادل الزوجات، والأخوات؟

أم هم عقلاء المسلمين من أهل السنة الذين ينكرون الملازمة بين الحسن والقبح العقلي وبين إستحقاق الثواب والعقاب الشرعي، أم هم عقلاء الشيعة الذين يجعلون شرع الله تعالى تابعا لعقولهم ويقولون بعدم الإنفكاك بين الحسن والقبلح العقلي والشرعي؟

فعقل من هو الحجة على الآخر في الشرعيات؟

العقل والشرك:

لقد رأيت جميع الذين يقررون الحسن والقبح الذاتي في الأفعال قبل ورود الشرع يجعلون من العدل والظلم مثالا للحسن والقبح العقليين، فالعدل حسن مقرر لدى جميع العقلاء، والظلم مستقبح عند الكل.

ولكن هل تنبه العقلاء إلى حكم الشرك بالله تعالى، أو مع الله تعالى الواضح والمستقر في العقول؟ أليس قرآن المسلمين يقول: ] إنّ الشِِركَ لَظُلْمٌ عَظيمٌ [ ؟

فلماذا لا يتفق العقلاء من كل الملل والأديان والمذاهب على هذا الظلم بحق الله تعالى الذي هو قمة الظلم. لأن فيه مساواة الخالق العظيم بالعبد المخلوق الضعيف.

حتى الشيعة الذين يحسبون أنفسهم من العدلية، ومن خاصة المسلمين، ويظنون أنفسهم أعقل الناس وأصوبهم في العقيدة والعمل، لهم من الظلم لحق الإله النصيب الأكبر! فقد ذهبوا بها عريضة في حق أئمة أهل البيت الذين هم عباد مكرمون، ونحلوهم من الخصائص الإلهية ما لا يتسع المقام لذكره.

ولا يقال هنا: إن تقرير العقل شيء وتصرفات العقلاء شيء آخر. لأن العقل شيء إعتباري لا وجود له في الخارج بمعزل عن الإنسان الذي يترجم حقيقته الواقعة من خلال السلوك والتصرفات.

وليسوا هم شواذ الناس وأقلية قليلة حتى يقال إنهم شواذ القاعدة.

فلو كان العقل أصلا في التحسين والتقبيح لأهتدى جميع الناس إلى عدم الشرك بالله تعالى لأنه ظلم عظيم.

نعم ربما لو ترك العقل البشري على الفطرة التي خلقه الله تعالى عليها لأهتدى إلى حسن التوحيد وقبح الشرك، ولكن أين هذا العقل الفطري أمام الأهواء والرغبات وإغواء الشيطان وتزيينه الباطل والقبائح في العقول؟ هل يستطيع أن يقول أحد أن الهنود الذين يعبدون البقر الآن ليسوا عقلاء؟ هل يستطيع أحد أن يقول بعدم وجود عقلاء في دول أوربا التي تدين بالنصرانية، وتقول: إن الله ثالث ثلاثة، هذا إذا فسرنا العقل وحددنا مجاله بالعلوم المنطقية والضرورية التي لا يختلف عليها إثنان؟

مذهب أهل السنة في الملازمة:

لقد تقرر عند أهل السنة أن للأفعال حسنا وقبحا ذاتيين يمكن إدراكه بالعقل، ولكن العقل قد يطرأ عليه عوامل الإنحراف من الغفلة والشبهات والأهواء، لذلك فإن العقل يجب أن يكون تابعا للشرع، فإذا نبهه الشارع الحكيم إلى أمر ما سلم قياده إليه، لأنه أدنى منزلة من عقل الشارع الحكيم، وليس له من العلم ما به يستطيع إدراك حكمة أوامر ونواهي الشارع الحكيم.

ولكن العقل مهما بلغ من الكمال والدقة والإتقان في الكشف عن حقائق الأمور وإدراك طبائعها فإنه قاصر عن الإحاطة بما يحقق مصلحة النفس البشرية في العاجلة والآجلة، والإحاطة بذلك كله إنما هو شأن العليم الخبير الذي وسع علمه كل شيء كما قال سبحانه: ] إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [[طه/98]

وإذا كان الشارع الحكيم قد نبَّه العقلاء إلى خطأ ما استحسنته عقولهم فإن ذلك دليل على أن العقل ليس مستقلاً وحده بإدراك الحُسن والقبح.

وعلى هذا فمذهب أهل السنة أنه لا ملازمة بين حسن الأشياء وقبحها وبين إستحقاق الثواب والعقاب ولا الأجر والثواب، وذلك للأسباب التالية:

1.      العقل يحكم حكما قطعيا بقبح الحكم والتكليف مع عدم البيان، لأنه تكليف ما لا يطاق. يقول الرب عز وجل : ] وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ [الإسراء : 15]. وهذا العذاب لا يشمل العذاب الدنيوي فقط كما يقوله البعض، بل يشمل عذاب الآخرة أيضا؛ يقول الرب عز وجل: ] كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [[الملك : 8 - 10]. فالخزنة لم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل، بل سألوهم عن مخالفتهم النذير، بل هم أنفسهم إعترفوا بأنهم لم يكونوا عقلاء، إذ لو كانوا عقلاء لأهتدوا إلى قبح الشرك وأتبعوا النذير. ومن المعلوم أن نفيهم للعقل لا يعني أنهم كانوا فاقدين للعقل، لأن فقدان العقل مانع من موانع التكليف والعقاب. إن الحق تبارك وتعالى بين لنا في كتابه الكريم أنه لو عذب الناس على فعل ما تقَّرر في قضايا العقول قُبْحُه لاحتجوا عليه بمؤاخذته إياهم على شيء لم يثبت قُبْحهُ شرعاً لا بإرسال رسول ولا بإنزال كتاب وإنما بمجرد دلالة العقل، ولو كان العقل حقاً مستقلاً بذلك لما صح منهم هذا الاحتجاج، وفي ذلك يقول سبحانه:] وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [[طه : 134].

2.      القول بالملازمة يعني تقديم العقل على الشرع، ذلك لأن الله تعالى خلق البشر وكرمه بالعقل، فالعقل سابق على إنذار الرسل، وهذا يعني: أن الحجة تقوم بدون الرسل، وهذا باطل بمقتضى قوله تعالى: ] رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ([123]) [[النساء : 165]. ويعني أيضا جعل العقل أصلا للشرع، وهذا يفضي إلى نسف الشرائع من أصلها، ويعني بإمكان العقل الإستغناء عن الرسل والكتب، وبالتالي إعتباره حاكما على الشرع ومقدما عليه. وهذا بلا شك مزلة قدم خطيرة لما عرفت من قصور العقل وتناقض العقلاء فيما بينهم. يوضحه:

3.      أن عقل الإنسان أقصر من أن ينال المعارف الحقة، أو يهتدي إلى طريق السعادة في الحياة بالإعتماد على عقله والإستغناء عن التعليم السماوي. فإن العقل وإن كان مدركا للمصالح والمفاسد، ولكن ليس من شأنه الإحاطة بالموانع والمزاحمات التي يعلمها الشارع، فإذا جاء في الشارع ما يخالف العقل ظاهرا فلقصور العقل عن إدراك الحكمة والعلة في الحكم بدليل قول الله تعالى للملائكة : ] إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [ وأين علم المخلوق الذي قال عنه المولى تبارك وتعالى: ] وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[الإسراء : 85].مع علم الله الذي وسع كل شيء علما. فالعقل مهما بلغ من الكمال والدقة والإتقان في الكشف عن حقائق الأمور وإدراك طبائعها، فإنه قاصر عن الإحاطة بما يحقق مصلحة النفس البشرية في العاجلة.

4.      إيجاب الشيعة لطف النبوة والإمامة على الله تعالى، وما ذلك إلا لقصور العقل لوحده عن إدراك السعادة للبشرية وما يحتاجه الإنسان في تنظيم شتى مناحي حياته. يقول محمد رضا المظفر: ( أنّ الانسان لقصوره وعدم اطّلاعه على جميع الحقائق وأسرار الاشياء المحيطة به والمنبثقة من نفسه، لا يستطيع أن يعرف بنفسه كل ما يضرّه وينفعه، ولا كل ما يسعده ويشقيه، لا فيما يتعلّق بخاصّة نفسه، ولا فيما يتعلّق بالنوع الانساني ومجتمعه ومحيطه، بل لا يزال جاهلاً بنفسه، ويزيد جهلاً أو إدراكاً لجهله بنفسه كلّما تقدّم العلم عنده بالاشياء الطبيعية والكائنات المادية. وعلى هذا، فالانسان في أشّد الحاجة ليبلغ درجات السعادة الى من ينصب له الطريق اللاحب، والنهج الواضح إلى الرشاد واتّباع الهدى ; لتقوى بذلك جنود العقل، حتى يتمكن من التغلب على خصمه اللّدود اللجوج عندما يهيئ الانسان نفسه لدخول المعركة الفاصلة بين العقل والعاطفة.

وأكثر ما تشتد حاجته إلى من يأخذ بيده إلى الخير والصلاح عندما تخادعه العاطفة وتراوغه ـ وكثيراً ما تفعل ـ فتزيِّن له أعماله وتحسن لنفسه انحرافاتها، إذ تريه ما هو حسن قبيحاً، أو ما هو قبيح حسناً، وتلبس على العقل طريقه إلى الصلاح والسعادة والنعيم، في وقت ليس له تلك المعرفة التي تميّز له كلّ ما هو حسن ونافع وكل ما هو قبيح وضار، وكل واحد منّا صريع لهذه المعركة

من حيث يدري ولا يدري، إلاّ من عصمه الله. ولأجل هذا يعسر على الإنسان المتمدِّن المثقَّف ـ فضلاً عن الوحشي الجاهل ـ أن يصل بنفسه إلى جميع طريق الخير والصلاح، ومعرفة جميع ما ينفعه ويضّره في دنياه وآخرته، فيما يتعلَّق بخاصة نفسه أو بمجتمعه ومحيطه، مهما تعاضد مع غيره من أبناء نوعه ممّن هو على شاكلته وتكاشف معهم، ومهما أقام بالاشتراك معهم المؤتمرات والمجالس والاستشارات. فوجب أن يبعث الله تعالى في الناس رحمة لهم ولطفاً بهم (رَسُولاً مِنهُم يَتلوُا عَلَيهِم ءايتهِ وَيُزكِّيهِم ويُعلّمُهُمُ الكِتَابَ والحِكمَةَ) ، وينذرهم عمّا فيه فسادهم، ويبشّرهم بما فيه صلاحهم وسعادتهم)([124]).

فالشيعة في الأصل وبحكم إعتقادهم بوجوب وجود أئمة بعد نبينا محمد r ضد إعمال العقل في الشريعة، فهم ينقلون عن أئمتهم القول بـ( أن دين الله لا يصاب بالعقل )، وأن من حكم في الشرع بموجب عقله دون أن يسند حكمه إلى الكتاب والسنة، إن أصاب حكم العقل عنده حكم الشرع لم يؤجر، وإن أخطأ كذب على الله عز وجل([125]).

ويأتي هذا الحكم على أساس كفاية الشريعة وكمالها وإستيعابها وشمولها عند الشيعة لمختلف مجالات الحياة، لا على أساس وجودها في الكتاب والسنة، وإنما على أساس أن النبي r ترك عند أئمة أهل البيت كل ما يحتاجه الناس حتى الإرش في الخدس. على أنك ستنصدم عندما تراهم يقولون : ( فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج اخباره باخبار التقية، كما قد اعترف بذلك ثقة الاسلام وعلم الاعلام (محمد بن يعقوب الكليني نور الله تعالى مرقده) في جامعه الكافي، حتى انه (قدس سره) تخطأ العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الاخبار، والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للائمة الابرار. فصاروا صلوات الله عليهم - محافظة على انفسهم وشيعتهم - يخالفون بين الاحكام وان لم يحضرهم أحد من اولئك الانام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة باجوبة متعددة وان لم يكن بها قائل من المخالفين، كما هو ظاهر لمن تتبع قصصهم واخبارهم وتحدى  سيرهم وآثارهم. وحيث ان اصحابنا رضوان الله عليهم خصوا الحمل على التقية بوجود قائل من العامة، وهو خلاف ما أدى إليه الفهم الكليل والفكر العليل من اخبارهم صلوات الله عليهم )([126]).

وفي معرض إنتقاصهم من الإمام أبي حنيفة النعمان في إعماله العقل في إستنباط الأحكام ينقلون محاورة جرت بينه وبين الإمام جعفر بن محمد جاء فيها: ( عن ابن شبرمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمّد (عليه السلام) فقال لأبي حنيفة: اتّق الله ولا تقس في الدين برأيك فإنّ أوّل من قاس إبليس (إلى أن قال): «ويحك أيّهما أعظم قتل النفس أو الزنا قال: قتل النفس قال: فإنّ الله عزّ وجلّ قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلاّ أربعة، ثمّ أيّهما أعظم الصّلاة أم الصّوم؟ قال: الصّلاة، قال: فما بال الحائض تقضي الصّيام ولا تقضي الصّلاة؟ فكيف يقوم لك القياس؟ فاتّق الله ولا تقس»([127]).

وأنا أرى أن هذه المحاورة ـ إن صحت ـ دليل على أن جعفر بن محمد لم يكن يقدم العقل على الشرع ولم يكن يساوي بينهما، ولم يكن يعتقد أن العقل يستقل في معرفة الشرع وعلل الأحكام. فضلا عن أن يستقل العقل بمعرفة أصول الدين.

5.      لو كان هناك تلازما بين حكم العقل بالحسن والقبح وبين حكم الشرع بالثواب والعقاب، لكان العقل صالحا لأن ينتج شرعا يضاهي شرع الله تعالى وصالحا لأن يرد إليه نزاعات البشر. يقول الباري عز وجل: ] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [[النساء : 59]. ويؤكد هذا أن الله تعالى علق السعادة البشرية في الدنيا والآخرة على إتباع الأنبياء وشرائعهم، ولم يعلقها على إتباع العقول، فقال تعالى : ] فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [[طه : 123]. ولم يجعل للعقل مجالا في رد الأحكام أو قبولها، فقال تعالى: ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [ [الأحزاب : 36]، وقال: ] فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [[النور : 63] ، وقال: ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [  [النساء : 64 ، 65].

نخلص من كل ما سبق أن الله تعالى لما وهب للإنسان العقل وجعله مناط الحكم ليس ليتأله على الله تعالى، فيحلل ويحرم ويوجب على الله تعالى ما يستحسنه، بل جعل العقل فيه لفهم مراد الله سبحانه وتعالى من النصوص الشرعية، فما علم منها من الحكمة والعلة قال بها، وما جهلها فوض علمها إلى الله تعالى العليم الخبير، لأنه مكلف لأن يتبع شرع الله على كل حال.

نتائج الإختلاف:

لو لا أن لإختلاف السنة والشيعة في هذه المسألة من نتائج عملية لا نزال نعاني من آثارها إلى يومنا هذا، لقلنا إن البحث في هذا الخلاف القديم عبث لا جدوى فيه.

ومن أهم نتائج هذا الخلاف هو إعتماد الشيعة على عقولهم في الإيجاب على الله تعالى بضرورة نصب أئمة معصومين بعد خاتم النبيين محمد r ، يكونون مرجعا للأمة في بيان الشرع وحفظه وذلك لعدم أهلية الأمة في حفظ شريعة نبيها لعدم العصمة في كل فرد من أفرادها، ولأن الكتاب والسنة قاصران في بيان جميع ما تحتاجه الأمة إلى قيام الساعة كما سننقل عن الشهيد المنتظري وغيره من علماء الشيعة، لذا لابد أن ينصب الله تعالى أئمة لهذا الغرض، ويقولون بأن هذا مستقر بالعقول والفطر كالتوحيد والنبوة.

 

حق الأئمة ومسمار جحى:

لماذا الإصرار من قبل الشيعة على حق الأئمة في الحكم؟

لعل الإجابة على هذا السؤال هو أهم ما في موضوع الإمامة التي أصرت الشيعة ولا تزال تصر على المطالبة بحق أئمة أهل البيت في خلافة المسلمين، وعدم شرعية أية حكومة تنبثق من غير الشيعة في أي قطر من أقطار المسلمين في مشارق الأرض أو مغاربها.

إن إصرار الشيعة على مطالبة حق الأئمة المغتصب من قبل أبي بكر وعمر وعثمان، ومن بعدهم بني أمية وبني العباس والسلاطين العثمانيين، وإلى يومنا هذا ما هو إلاّ حجة في السيطرة على كل ديار المسلمين، والسيادة عليهم بإسم الحق المغتصب لأهل بيت النبي الأكرم r . فحق الأئمة المغتصب صار عند الشيعة كمسمار جحى، كلما تكلم أحد أو قال قائل، إحتجوا عليه بأن النبي r هو الذي عين عليا وأحد عشر من بنيه لحكم المسلمين، وأن كل سلطان من غيرهم أو راية ترفع من غير الولي الفقيه النائب عن الإمام فصاحبها طاغوت وقد أُمرنا أن نكفر به ولايجوز التعامل معه ولا الإحتكام إليه لا في صغيرة ولا كبيرة.

وإذا علمت أن فقهاء الشيعة أفتوا بأن ذمة المكلف لا تبرأ ما لم يعتقد بإمامة أئمتهم ولم يأخذ دينه منهم عرفت أن حكم أهل السنة عندهم حكم الكفار حكامهم وعامتهم، قال المجلسي في بحاره : ( اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده u وفضل عليهم غيرهم يدل على أنهم كفار مخلدون في النار) ونقل عن الشيخ المفيد قوله في كتاب المسائل : ( اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار).

إذا عرفت هذا، فاعلم أن الشيعة اليوم تخطط للسيطرة على ديار المسلمين وحكمهم بإسم النيابة عن الإمام الغائب، وبالتالي فالحاكم الشرعي الوحيد هو الولي الفقيه المتمثل اليوم بآية الله خامنئي، فعلى جميع الحكومات في البلدان الإسلامية أن تدين بالولاء التام للولي الفقيه، وأن تأتمر بأوامره وأن تعتنق مذهب الإمامية لأنه مذهب أهل البيت وهو المذهب الشرعي الوحيد الصحيح وما عداه باطل. وهذا هو الخطر القائم الدائم القادم الذي لا مفر منه. اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

الإجتهاد بين السنة والشيعة

قلنا فيما سبق  أن العقل عبارة عن مجموع علوم إذا اجتمعت، سميت عقلا، وسميت هذه العلوم عقلاً لأن العلوم الإستدلالية لا يصح حصولها إلاّ بعد تقدمها، فهي مرتبطة بها، والعقل بهذا المعنى يقابله الجهل، وهو ليس شرطا في التكليف، وإنما قد يكون فقده مانعا من ترتب الأحكام، وهو ما يصطلح عليه بـ( العذر بالجهل ). وبطبيعة الحال فالناس لا يتساوون في هذه العلوم لأنه كسبي، فمن علم شيئا من خلال الدراسة أو التجربة أو الممارسة وجهله الآخرون أعتبر أكثر عقلا ( علما ) عن غيره، ] وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [[يوسف : 76].

والإجتهاد عند الفقهاء عبارة عن إعمال العقل والفكر لإستنباط الأدلة في أمر لا يدخل صراحة تحت حكم نص من الكتاب والسنة.

يقول الشريف المرتضى: ( فأما الاجتهاد، فموضوع في اللغة لبذل الوسع والطاقة في الفعل الذي يلحق في التوصل إليه بالمشقة، كحمل الثقيل وما جرى مجراه ثم استعمل فيما يتوصل به إلى الأحكام من الأدلة على وجه يشق. وفي الفقهاء من فصل بين القياس والاجتهاد، وجعل القياس ما تعين أصله الذي يقاس عليه، والاجتهاد ما لم يتعين فيه أصل يشار إليه، كالاجتهاد في طلب القبلة، وفي قيم المتلفات، وأرش الجنايات. وفيهم من أدخل القياس في الاجتهاد، وجعل الاجتهاد أعم منه)([128]).

وأصول العقائد الإسلامية رغم إنها تعرف بالعقل الفطري السليم الذي لم تعبث به الأهواء والعواطف ، إلا أن القرآن الكريم نص عليها نصاًّ قطعياً بحيث لا مجال لردها. يقول الله تعالى: ] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ[ [آل عمران : 7].

فلا إجتهاد أمام النص القطعي الذي دل على أصول العقائد ( التوحيد، والنبوة، والمعاد ).

قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن:

( ومسائل معرفة الله ووجوب توحيده، وإسلام الوجه له وحده لا شريك له، ومسائل ربوبيته واختصاصه بالخلق والإيجاد والتدبير، ونحو ذلك، مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، كصَمَدِيَّته تعالى، ونفي الكفء والصاحبة والولد، وغناه بذاته ومباينته لمخلوقاته، وعموم قدرته وإحاطة سمعه وبصره وعلمه بجميع المعلومات والمبصرات والمسموعات، ونحو ذلك من أصول الدين.

فكل الرسل متفقون عليه، وجميع الكتب داعية إليه والعقول الصحيحة حاكمة به، فكل اجتهاد خالفه فباطل مردود لا يسوغ العمل به في شريعة من الشرائع، ولا عند عالم من العلماء ولا فقيه من الفقهاء.)([129]).

أما ما عدا أصول العقائد وأصول الإسلام ومحكماته من العبادات وأصول الأخلاق، فلا ضير إذا إختلف المسلمون فيها، لأن أدلتها قد تكون ظنية من حيث الثبوت، أو الدلالة. والعلماء يختلفون في مداركهم وليسوا على حد سواء، فهم يختلفون في قوة الاستنباط وفي كثرة العلم وقلته. وهذا الإختلاف طبيعي ما لم يصحبه تضليل وتفسيق وتعصب.

ولو شاء الله تعالى أن لا يختلف المسلمون في شيء من أمورهم لجعل جميع آيات القرآن من المحكمات. وهو القادر على ذلك. ولكن عالمية الإسلام، وصلاحيته لكل زمان ومكان، جعله يترك مساحة من الفراغ لأن يتحرك فقهاء المسلمين فيه بحرية، ضمن دائرة الأصول، بعملية الإجتهاد الذي هو استعمال العقل في استنباط الأحكام من الأدلة التفصيلية لملء الفراغ فيما لا نص فيه، وعليه يتنزل قول الرسول r : ( إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)([130]).

يقول حجة الله نيكوئي: ( إن الله تعالى لم يجعل فهم الناس لدينهم بشكل كامل وصحيح مئة بالمئة ودون أي خطأ أو نقص وعلمهم بجميع أحكامه صغيرها وكبيرها وتطبيقهم لها بحذافيرها شرطاً للسعادة والكمال والقرب منه سبحانه وتعالى. لأنه لو كان يريد ذلك لخلق جميع الناس منذ البداية معصومين عن الخطأ. ودليلنا على ادعائنا هذا أن وضع مثل هذا الشـرط بالنسبة لأناس غير معصومين هو في الحقيقة تكليف بما لا يطاق وهو أمر - بمعزل عن قبحه - يؤدي إلى حرمان جميع الناس من السعادة والكمال. وثانياً: حتى لو كان هذا الشرط قابلاً للتحقّق ولم يكن خارجاً عن طاقة البشر فإن لازمه الضروري على الأقل وجود مرجع معصوم وحضوره في جميع العصور إلى يوم القيامة. لكننا نرى اليوم أن مثل هذا اللازم أو الشرط غير متحقِّق   فإن مثل هذا الغرض لا يمكن تحصيله حتى مع نَصْب أئمة معصومين وحضورهم بين الناس في جميع العصور. لأنه حتى لو وُجد إمام معصوم في كل عصر كي يبين للناس حقائق الدين وأحكام الله بشكل صحيح مئة بالمئة، فإن الناس رغم ذلك قد يقعون في الخطأ والاشتباه في فهمهم لكلام المعصوم وفي ضبطهم له أو أثناء نقلهم كلامه إلى الآخرين مما سيعرِّض تعاليم المعصوم إلى التشويه والتحريف أو الدس والوضع. ألا يختلف علماء الشيعة ذاتهم في عصـرنا الحاضر في فهمهم لكلام المعصوم؟ ألا يقدِّم كل واحدٍ من هؤلاء الفقهاء فهمه إلى الناس على أنه كلام المعصوم ذاته وحقيقة الدين؟)([131]).

ولقد كان الصحابة يجتهدون في زمن الرسول r إما بحضرته، وإما في وقت غيابهم عنه، حيث يضيق الوقت ولابد من حكم فوري في المسألة لا يتسع الوقت فيها بالرجوع إلى النبي r نذكر منها على سبيل المثال:

يقول محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى : 1393هـ):

( اعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجتهدون في مسائل الفقه في حياة النَّبي r ولم ينكر عليهم، وبعد وفاته من غير نكير. وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى أمثلة كثيرة لذلك.

فمن ذلك أمره r أصحابه أن يصلوا العصر في بني قريظة ، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق وقال: لم يرد منا تأخير العصر، وإنما أراد سرعة النهوض. فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلاً. وقد نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر. وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس.

ومنها أن علياً t لما كان باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام. فقال كل منهم: هو ابني. فأقرع بينهم، فجعل الولد للقارع وجعل عليه الرجلين الآخرين ثلثي الدية. فبلغ ذلك النَّبي r فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي رضي الله عنه.

ومنها اجتهاد سعد بن معاذ t في حكمه في بني قريظة، وقد صوبه النَّبي r وقال: « لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات ».

ومنها اجتهاد الصحابيين اللذين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر. فصوبهما النَّبي r، وقال للذي لم يعد « أصبت السنة وأجزأتك صلاتك » ، وقال للآخر: « لك الأجر مرتين » .

ومنها اجتهاد مجزز المدلجي بالقيافة، قوال: إن أقدام زيد وأسامة بعضها من بعض، وقد سر النَّبي r بذلك حتى برقت أسارير وجهه. وذلك دليل على صحة إلحاق ذلك القائف الفرع بالأصل، مع أن زيداً أبيض وأسامه أسود. فألحق هذا القائف الفرع بنظيره وأصله. وألغى وصف السواد والبياض الذي لا تأثير له في الحكم.

ومنها اجتهاد أبي بكر الصديق t في الكلالة قال: أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ( أراه ما خلا الوالد والولد )([132]).

لذا كان العمل عند أهل السنة، وبعد فقد نبيهم r التوجه نحو الإجتهاد وإعمال العقل في القضايا المستجدة التي ليس فيها نص من الكتاب والسنة.

فهذه أدلة ثابتة في إقرار الرسول r على إجتهاد الصحابة في حياته، فكيف لا يجتهدون بع وفاته؟

فـ( عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى به قضى به بينهم، وإن لم يجد في كتاب الله نظر هل كانت من النبي r فيه سنة فإن علمها قضى بها، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين، فقال: أتاني كذا وكذا فنظرت في كتاب الله وفي سنة رسول الله r فلم أجد في ذلك شيئا فهل تعلمون أن النبي r قضى في ذلك بقضاء؟ فربما قام إليه الرهط، فقالوا: نعم: قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله r يقول عند ذلك: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، وإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به وإن عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن أو السنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء فإن وجد أبا بكر قد قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم فإذا اجتمعوا على الأمر قضى بينهم)([133]).

فالنظر في الكتاب والسنة، وإيجاد الحكم منها كانت تتم عن طريق الإجتهاد والقياس الذي هو فرع من الإجتهاد، وعن طريق إجماع العلماء.

إن العقل الصحيح يضد هذه الأدلة، إذ ليس من المعقول أن تتوقف حياة الناس وتتعطل مصالحهم بسبب بعدهم عن مركز الدولة أو السلطان وصعوبة إنتظار الأوامر والنواهي والأحكام في كل صغيرة وكبيرة من قبل النبي أو الخليفة.

فإذا كان الأمر على هذا الحال فما حاجة الناس إلى إمام معصوم بعد النبي r ؟ فوجود النبي لا يلغي إجتهاد المسلمين في الفقه والقضاء، والإمام لا يحتاج إليه في الأصول لأنها عند الشيعة عقلية، فأين الحاجة إلى الإمام المعصوم؟

وليس الأمر كما يقوله شيخ الشيعة محمد باقر الصدر من أن علماء أهل السنة إنما إتجهوا إلى الإجتهاد لإعتقادهم بقصورية الكتاب والسنة وعدم إشتمالهما لكثير من الأحكام، فيقول: ( والفكرة الأساسية التي دعت إلى قيام هذه المدرسة وتبني العقل المنفتح بوصفه وسيلة رئيسية للإثبات ومصدرا لاستنباط الحكم هي الفكرة الشائعة في صفوف تلك المدرسة التي كانت تقول: " إن البيان الشرعي المتمثل في الكتاب والسنة قاصر لا يشتمل إلا على أحكام قضايا محدودة، ولا يتسع لتعيين الحكم الشرعي في كثير من القضايا والمسائل ". وقد ساعد على شيوع هذه الفكرة في صفوف فقهاء العامة اتجاههم المذهبي السني، إذ كانوا يعتقدون أن البيان الشرعي يتمثل في الكتاب والسنة النبوية المأثورة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) فقط، ولما كان هذا لا يفي إلا بجزء من حاجات الاستنباط اتجهوا إلى علاج الموقف وإشباع هذه الحاجات عن طريق تمطيط العقل والمناداة بمبدأ الاجتهاد. وأما فقهاء الإمامية فقد كانوا على العكس من ذلك بحكم موقفهم المذهبي، لأنهم كانوا يؤمنون بأن البيان الشرعي لا يزال مستمرا باستمرار الأئمة (عليهم السلام) فلم يوجد لديهم أي دافع نفسي للتوسع غير المشروع في نطاق العقل. وعلى أي حال فقد شاعت فكرة عدم كفاية الكتاب والسنة لإشباع حاجات الاستنباط، ولعبت دورا خطيرا في عقلية كثير من فقهاء العامة ووجهتهم نحو الاتجاه العقلي المتطرف. وتطورت هذه الفكرة وتفاقم خطرها بالتدريج، إذ انتقلت الفكرة من اتهام القرآن والسنة - أي البيان الشرعي - بالنقص وعدم الدلالة على الحكم في كثير من القضايا، إلى اتهام نفس الشريعة بالنقص وعدم استيعابها لمختلف شؤون الحياة، فلم تعد المسألة مسألة نقصان في البيان والتوضيح بل في التشريع الإلهي بالذات. ودليلهم على النقص المزعوم في الشريعة هو أنها لم تشرع لتبقى في ضمير الغيب محجوبة عن المسلمين، وإنما شرعت وبينت عن طريق الكتاب والسنة لكي يعمل بها وتصبح منهاجا للأمة في حياتها ولما كانت نصوص الكتاب والسنة في رأي العامة لا تشمل على أحكام كثير من القضايا والمسائل، فيدل ذلك على نقص الشريعة وأن الله لم يشرع في الإسلام إلا أحكاما معدودة، وهي الأحكام التي جاء بيانها في الكتاب والسنة وترك التشريع في سائر المجالات الأخرى إلى الناس أو إلى الفقهاء من الناس بتعمير أخص ليشرعوا الأحكام على أساس الاجتهاد والاستحسان، على شرط أن لا يعارضوا في تشريعهم تلك الأحكام الشرعية المحدودة المشرعة في الكتاب والسنة النبوية)([134]).

فهو يقرر أن الشيعة وبحكم إيمانهم بإثني عشر إماما معصومين بعد نبينا محمد r، فإنهم لم يحتاجوا إلى إعمال العقل ( الإجتهاد ) لأن الإمام المعصوم كان بينهم، فما أشكل عليهم من شيء، أو إستجدت لهم مسألة سألوا الإمام فأفتاهم دون أن يضطروا إلى الإجتهاد وإعمال العقل والفكر فيها.

ففي التاريخ التشريعي الشيعي أن عصر النص امتد منذ بعثة النبي r حتى الغيبة الكبرى أي حوالي ثلاثة قرون ونصف تقريباً، رفض الاتجاه العام في الفكر الشيعي أي اجتهاد.

يقول شيخهم جلال الدين علي الصغير:

 (وواضح أن (التصويب) هنا يبتني نفسه على أساس ما يتعارف الأصوليون على تسميته بحالة (الانسداد)، أي عدم وجود طريق للوصول إلى الحكم الإلهي بعد غياب المشرع وانقطاعه، وهذه المشكلة التي واجهت الفقه السني وضربت بأطنابها الثقيلة عليه منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، لذا عمد هذا الفقه للاستعانة بطرق متعددة كسنة الصحابة وطرق الرأي والقياس والمصالح المرسلة وما إلى ذلك، فيما لم تواجه هذه المشكلة الفقه الشيعي أبداً، لأن فترة الوجود الواقعي للمشرع امتدت إلى حلول فترة الغيبة الكبرى للإمام (عليه السلام) أي عام 329 هـ وهي فترة كافية لأن يجد الحكم الإلهي الواقعي طريقه إلى الناس)([135]).

ولكن إذا سألناهم: أين هي تعاليم أئمتكم الواصلة إليكم؟ ولماذا أضطررتم إلى العمل بالإجتهاد؟

لقالوا على لسان شيخهم يوسف البحراني: ( غير خفي - على ذوي العقول من أهل الإيمان وطالبي الحق من ذوي الأذهان - ما بلي به هذا الدين من أولئك المردة المعاندين بعد موت سيد المرسلين، وغصب الخلافة من وصيه أمير المؤمنين، وتواثب أولئك الكفرة عليه، وقصدهم بأنواع الأذى والضرر إليه، وتزايد الأمر شدة بعد موته صلوات الله عليه، وما بلغ إليه حال الأئمة صلوات الله عليهم من الجلوس في زاوية التقية، والإغضاء على كل محنة وبلية. وحث الشيعة على استشعار شعار التقية، والتدين بما عليه تلك الفرقة الغوية، حتى كورت شمس الدين النيرة، وخسفت كواكبه المقمرة، فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج أخباره بأخبار التقية، كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام وعلم الأعلام (محمد بن يعقوب الكليني نور الله تعالى مرقده) في جامعه الكافي، حتى انه (قدس سره) تخطأ العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الأخبار، والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للائمة الأبرار. فصاروا صلوات الله عليهم - محافظة على أنفسهم وشيعتهم - يخالفون بين الأحكام وان لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعددة وان لم يكن بها قائل من المخالفين، كما هو ظاهر لمن تتبع قصصهم وأخبارهم وتحدى([136])  سيرهم وآثارهم)([137]).

وقالوا على لسان شيخهم الطوسي: ( ذاكرني بعض الاصدقاء أيده الله ممن أوجب حقه علينا بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ورحم السلف منهم، وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد، حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبازائه ما يضاده ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا، وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا، وذكروا أنه لم يزل شيوخكم السلف والخلف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الذى يدينون الله تعالى به ويشنعون عليهم بافتراق كلمتهم في الفروع، ويذكرون أن هذا مما لا يجوز أن يتعبد به الحكيم، ولا أن يبيح العمل به العليم، وقد وجدناكم أشد اختلافا من مخالفيكم وأكثر تباينا من مباينيكم، ووجود هذا الاختلاف منكم مع اعتقادكم بطلان ذلك دليل على فساد الاصل حتى دخل على جماعة ممن ليس لهم قوة في العلم ولا بصيرة بوجوه النظر ومعاني الالفاظ شبهة، وكثير منهم رجع عن اعتقاد الحق لما اشتبه عليه الوجه في ذلك، وعجز عن حل الشبهة فيه، سمعت شيخنا أبا عبدالله أيده الله يذكر أن أبا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب ودان بغيره لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها)([138]).

ونحن نقول: لا يخفى على اللبيب العاقل أن أئمة الشيعة ـ كما هم يدعون ـ عاشوا في خوف وتقية، والحاضر منهم كان ينفي إمامته أمام الناس، بل وأمام أقرب الناس إليه، وكانوا يفتون الناس بالتقية، وغائبهم ليس له أثر، ولا يسمع له أمر ولا نهي. بل أنتم أيها الشيعة أوجبتم على الله تعالى إماما معصوما لقصور الكتاب والسنة عن تفاصيل الأحكام الجزئية الواقعة إلى يوم القيامة على لسان شيخكم إبن مطهر الحلي الذي رد عليه أهل السنة على لسان شيخهم إبن تيمية قائلا: ( العلم الديني الذي يحتاج إليه الأئمة والأمة نوعان: علم كلي كإيجاب الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان والزكاة والحج وتحريم الزنا والسرقة والخمر ونحو ذلك وعلم جزئي كوجوب الزكاة على هذا ووجوب إقامة الحد على هذا ونحو ذلك؛ فأما الأول فالشريعة مستقلة به لا تحتاج فيه إلى الإمام، فإن النبي إما أن يكون قد نص على كليات الشريعة التي لا بد منها أو ترك منها ما يحتاج إلى القياس، فإن كان الأول ثبت المقصود. وإن كان الثاني فذلك القدر يحصل بالقياس، وإن قيل بل ترك فيها مالا يعلم بنصه ولا بالقياس بل بمجرد قول المعصوم كان هذا المعصوم شريكا في النبوة لم يكن نائبا فإنه إذا كان يوجب ويحرم من غير إسناد إلى نصوص النبي كان مستقلا لم يكن متبعا له، وهذا لا يكون إلا نبيا فأما من لا يكون إلا خليفة لنبي فلا يستقل دونه.

وأيضا فالقياس إن كان حجة جاز إحالة الناس عليه وإن لم يكن حجة وجب أن ينص النبي على الكليات.

وأيضا فقد قال تعالى: ] الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً[ [سورة المائدة:3] وهذا نص في أن الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره والناس في هذا الأصل على ثلاثة أقوال:

منهم من يقول: النصوص قد انتظمت جميع كليات الشريعة فلا حاجة إلى القياس بل لا يجوز القياس.

ومنهم من يقول: بل كثير من الحوادث لا يتناولها النصوص فالحاجة داعية إلى القياس ومن هؤلاء من قد يدعي أن أكثر الحوادث كذلك وهذا سرف منهم.

ومنهم من يقول: بل النصوص تناولت الحوادث بطرق جلية أو خفية فمن الناس من لا يفهم تلك الأدلة أو لا يبلغه النص فيحتاج إلى القياس وإن كانت الحوادث قد تناولها النص أو يقول إن كل واحد من عموم النص القطعي والقياس المعنوي حجة وطريق يسلك السالك إليه ما أمكنه وهما متفقان لا يتناقضان إلا لفساد أحدهما وهذا القول أقرب من غيره.

وأما الجزئيات فهذه لا يمكن النص على أعيانها، بل لا بد فيها من الاجتهاد المسمى بتحقيق المناط، كما أن الشارع لا يمكن أن ينص لكل مصل على جهة القبلة في حقه ولكل حاكم على عدالة كل شاهد وأمثال ذلك إلى أن قال: الوجه العاشر: أن يقال قولك: "لانقطاع الوحى وقصور النصوص عن تفاصيل الأحكام" أتريد به قصورها عن بيان جزئى جزئى بعينه أو قصورها عن البيان الكلي المتناول للجزئيات، فإن ادعيت الأول قيل لك: وكلام الإمام وكل أحد بهذه المنزلة فإن الأمير إذا خاطب الناس فلا بد أن يخاطبهم بكلام عام يعم الأعيان والأفعال وغير ذلك فإنه من الممتنع أن يعين بخطابه كل فعل من كل فاعل في كل وقت فإن هذا غير ممكن، فإذا لا يمكنه إلا الخطاب العام الكلي والخطاب العام الكلي ممكن من الرسول وإن ادعيت أن نفس نصوص الرسول ليست عامة كلية قيل لك هذا ممنوع وبتقدير أن يمنع هذا في نصوص الرسول الذي هو أكمل من الإمام فمنع ذلك من نصوص الإمام أولى وأحرى فأنت مضطر في خطاب الإمام إلى أحد أمرين: إما ثبوت عموم الألفاظ، وإما ثبوت عموم المعاني بالاعتبار، وأيهما كان أمكن إثباته في خطاب الرسول فلا يحتاج في بيانه الأحكام إلى الإمام.

الوجه الحادي عشر: أن يقال وقد قال تعالى: ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[  [سورة إبراهيم:4] وقال تعالى: ] لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[  [سورة النساء:165] وقال تعالى: ] وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [ [سورة النور:54] وأمثال ذلك فيقال وهل قامت الحجة على الخلق ببيان الرسوم أم لا؟ فإن لم تقم بطلت هذه الآيات وما كان في معناها وإن قامت الحجة ببيان الرسول علم أنه لا يحتاج إلى معين آخر يفتقر الناس إلى بيانه فضلا عن حفظ تبليغه وأن ما جعل الله في الإنسان من القوة الناقلة لكلام الرسول وبيانه كافية من ذلك لاسيما وقد ضمن الله حفظ ما أنزله من الذكر فصار ذلك مأمونا أن يبدل أو يغير)([139]).

ولكن الشيخ محمد مهدي النراقي يقول: ( إنّ اعتقادنا انّ النبيّ r أودع جميع الشّرائع والأحكام وكلّ ما يتعلّق بالحلال والحرام عند أهل بيته الكرام عليهم صلوات اللَّه الملك العلامّ بحيث لم يشذّ عنه شيء حتّى ارش الخدش واقلّ ولكنّهم (عليهم السّلام) ما تمكّنوا من إظهار الجميع لخوف التقيّة ولظهور الفتنة وغير ذلك. مع انّ الأحكام الّتي أظهروها لم يصل كلّها إلينا لظهور الفساد والفتنة بعدهم (عليهم السّلام) واعتراء الاختلال والاندراس في الكتب الأربعمائة)([140]).

وعلى كل حال فهم كما قال القائل: رمتني بدائها وانسلت. فلو لم يكن أئمتهم عاشوا في تقية، وكانوا قد تركوا للناس ما يزيل إختلافهم، وكان آخرهم حاضرا بين الناس يرجعون إليه متى شاءوا لحُقّ لهم أن يتبجحوا على غيرهم. أما إذا فرضوا واقعا مثاليا، وإماما معصوما، لم يحقق على أرض الواقع إلا ما هو الأسوأ وزاد الطين بِلّةً، ولبّس على الناس دينهم حين لجأ إلى التقية، فبدلا من أن يكون هاديا صارملبسا لهم دينهم؛ فلعمر الله إنما هي سفسطة لا وزن لها عند المسلمين الذين أمروا برد نزاعاتهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم: ] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[[النساء : 59].

نرجع الآن إلى تكملة موضوعنا بقول الشريف المرتضى في رده على القاضي عبدالجبار المعتزلي:

( فقد دلت الأدلة الواضحة عندنا على إبطال ما تسميه اجتهادا، وأحد ما يدل على ذلك، أن الاجتهاد في الشريعة عندكم هو طلب غلبة الظن فيما لا دليل عليه، والظن لا مجال له في الشريعة، ولا يصح أن يغلب في الظن تحريم شئ منها أو تحليله، لأن الشريعة مبنية على ما يعلمه الله تعالى من مصالحنا التي لا عهد لنا فيها ولا عادة ولا تجربة. ألا ترى أنه تعالى قد حرم شيئا وأباح مثله، وما هو من جنسه وأباح شيئا وحظر مثله، وما صفاته كصفاته، فكيف يمكن أن يستدرك بالظن الحلال والحرام من هذه الشريعة، وما يوجب الظن ويقتضيه مفقود فيها؟)([141]).

ويقول أيضا: ( وأما الاجتهاد والقياس فقد دللنا على بطلانهما في الشريعة وأنهما لا ينتجان علما ولا فائدة)([142]).

ولهذا كان فقهاء الشيعة القدماء من أشد الناس مقتاً لأهل القياس والإجتهاد.

يقول شيخهم المفيد:

( القول في الاجتهاد والقياس: أقول: إن الاجتهاد والقياس في الحوادث لا يسوغان للمجتهد ولا للقائس، وإن كل حادثة ترد فعليها نص من الصادقين - عليهم السلام - يحكم به فيها ولا يتعدى إلى غيرها، بذلك جاءت الأخبار الصحيحة والآثار الواضحة عنهم - صلوات الله عليهم - وهذا مذهب الإمامية خاصة، ويخالف فيه جمهور المتكلمين وفقهاء الأمصار.)([143]).

ويقول شيخهم عبدالحسين شرف الدين: (وكان الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والسيد المرتضى ينكرون الاجتهاد والرأي والقياس والاستحسان وأن هذه الأمور ليست من مذهب الإمامية. ولهذا أنكروا على ابن أبي الجنيد عمله بالقياس إلى حد رفضوا فتاويه)([144]).

( وقال الصدوق في العلل بعد ذكر حديث موسى والخضر إن موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر حتى اشتبه عليه وجه الأمر به فإذا لم يجز لأنبياء الله تعالى ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان من دونهم من الأمم أولى بان لا يجوز لهم ذلك)([145]).

ويقول شيخهم الطوسي: ( وأما القياس والاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين، بل محظور استعمالهما).([146])

ويقول أيضا: ( ما كلف الله تعالى إلا ما مكن من الوصول إليه من شريعة وغيرها، فما نقل من الشريعة عن الرسول صلى الله عليه وآله نقلا يقطع العذر كلفنا فيه الرجوع إلى النقل، وما لم يكن فيه نقل ولا ما يقوم مقامه من الحجج السمعية أما لأن الناس عدلوا عن نقله، أو لأنهم لم يخاطبوا به وعول بهم على قول الإمام القائم مقام الرسول عليه السلام كلفنا فيه الرجوع إلى أقوال الأئمة المستخلفين بعد الرسول، ولهذا تجد الحكم في جميع ما يحتاج إليه في الحوادث موجودا فيما ينقله الشيعة عن أئمتهم عليهم السلام، وكل ما تكلف فيه خصومنا القياس والاجتهاد وطرق الظن عند الشيعة فيه نص إما مجمل أو مفصل.)([147]).

ويقول علامتهم الحلي: ( الوقايع غير محصورة، والحوادث غير مضبوطة، والكتاب والسنة لا يفيان بها، فلابد من إمام منصوب من قبل الله تعالى معصوم من الزلل والخطأ، يعرفنا الأحكام ويحفظ الشرع، لئلا يترك بعض الأحكام أو يزيد فيها عمدا أو سهوا، أو يبدلها، وظاهر أن غير المعصوم لا يقوم مقامه في ذلك)([148]).

ويقول محمد الحسين المظفري في معرض دفاعه عن ضرورة الإمامة المعصومة: ( لأن الكتاب والسنة وحدهما غير كافيين في بيان كل ما يحتاج إليه الناس من فروع الأحكام والحوادث المستجدة، وإلاّ لماذا إلتجأ الباحثون عن الأحكام إلى الإجماع والعقل والقياس والإستحسان. ولا يسعنا أن نقول إن النبي r ترك البيان عماّ تحتاج إليه الأمة، لأن هذا الترك إخلال بوظيفته، وإهمال لنصح الأمة وإرشادهم. والإخلال والإهمال منه محال؛ وإنما نقول: إنه قام بجميع وظائفه، وأبان كل ما تحتاج إليه الناس، غير أنه أودع ذلك عند خلفائه، وأبانه لأوصيائه)([149]).

ويقول محمد الحسين آل كاشف الغطاء: ( وبقيت أحكام كثيرة لم تحصل الدواعي والبواعث لبيانها، أما لعدم الابتلاء بها في عصر النبوة، أو لعدم اقتضاء المصلحة لنشرها. والحاصل: إن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه سلام الله عليه أودعها عند أوصيائه، كل وصي يعهد بها إلى الآخر لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة، من عام مخصص، أو مطلق مقيد، أو مجمل مبين، إلى أمثال ذلك)([150]).

ويقول شيخهم الشهيد المنتظري: ( إن الله عز وجل لم يقبض نبيه(صلى الله عليه وآله) حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء، بين فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً، فقال عز وجل (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وأنزل في حجّة الوداع وهي أخر عمره(صلى الله عليه وآله): الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ [[المائدة/3]. وأمْر الإمامة من تمام الدين، ولم يمضِ (صلى الله عليه وآله) حتى بين لأمته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد سبيل الحق، وأقام لهم عليا (عليه السلام) علَماً وإماماً ".

خلاصة ما ينتهي إليه منطق القرآن، أنه يذكر بمنتهى الصراحة بيانه لكل شيء.

والسؤال: هل توفر كتاب الله على بيان الجزئيات والتفاصيل أيضا، أم أنه اقتصر على الكلّيات والأصول العامة مما يحتاج الناس إليه؟

إن واحدة مما توفر القرآن على بيانها، أنه نصَّب للناس مرجعا بعد النبي، يعودون إليه في تفسير القرآن وتوضيح معانيه، وبيان أصوله العامة وتفصيلها. وهذا المرجع لا يفعل ذلك من تلقاء رأيه أو باجتهاده حتى يصيب في شيء مما يبينه، ويخطئ في بعض، بل هو يمارس وظيفته من خلال العلم الإلهي، وأن لديه حقيقة الإسلام.

في ضوء ذلك، يتبين ما أراده القرآن من بيانه لكل شيء، فهو قد بينه بالنحو الذي توفر فيه على ذكر الأصول والكليات من جهة، وبين التفاصيل والجزئيات من جهة ثانية، وأوكل علمها للمرجع المنصوب الذي يكون بين الناس دائما وهو يحمل الإسلام بتمامه.

وبذلك لم يبق شيء وراء ذلك، بعد أن احتوى القرآن الكليات وأوكل التفاصيل إلى المرجع- الإمام، وبهذا المعنى يكون قد بين كل شيء)([151]).

ويقول في موضع آخر من كتابه: ( هل دلت هذه الحياة ـ حياة النبي ـ على أن الفرصة توفرت للنبي كافية، كي يعلم الناس الإسلام كاملا بكل ما ينطوي عليه من سعة وشمول؟

عندما نعود إلى التاريخ، نجد أن مثل هذه الفرصة لم تتوفر لرسول الله r خلال السنوات الثلاث والعشرين من سني البعثة)([152]).

هكذا إذن فسروا قول الله تعالى: ] الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ [[المائدة/3]، بأن النبي r أودع عند أوصيائه ما يحتاجه الناس إليه في أمورهم المستقبلية، فلم يبينه لعدم الحاجة إليها في وقته، وإنما ترك بيان ذلك للإمام.

وقبل أن نسترسل في الموضوع، نسأل: ما هو الشيء الذي تركه الرسول r عند أوصيائه؟

أهو من الحلال والحرام؟

وقد ورد عن أئمة أهل البيت في كتب الشيعة: ( بَابُ الرَّدِّ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ إِلَّا وَقَدْ جَاءَ فِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ )([153]).

 أهو من الفروع أم من الأصول؟

وعندكم الأصول عقلية لا يحتاج فيها إلى الإمام!

ثم أليس الله تعالى بقادر على أن يمد في عمر النبي r كما مد في عمر نوح حتى يتم إكمال تبليغ كافة أحكام الإسلام إلى الناس؟

لماذا يمد في عمر المهدي أكثر من ألف سنة وهو لا أمر له ولا نهي، في حين يقصر في عمر النبي والخلق محتاجون إليه؟

أليس عهد الأئمة ووجودهم مع الشيعة دامت لـ( 256 ) سنة فقط، فما الذي أضافوه إلى هذا الدين في هذه الفترة؟

لماذا لا يوجد لديكم كتاب واحد عن أحد عشر إماما عاشوا بينكم بخط يدهم، أو بخط تلاميذهم المباشرين؟

إذن لم يبق أمامنا إلا أن يكون المودع لدى الإمام من الفروع؟ وهذا لا يمكن لا للإمام ولا لأي من الناس أن ينص عليها لأنها خارجة عن الحصر. ثم إنها لا تتعلق بها إيمان أو كفر، فلماذا هذا التهويل والتشنيع؟

إذن فمع وجود الإمام المعصوم عندهم لم يحتاجوا إلى شيء من الإجتهاد وإعمال الفكر. حتى بعد وقوع الغيبة الصغرى، فقد كان البوابون الأربعة الذين تناوبوا على بابية ( الإمام الثاني عشر )، كانوا يأخذون من الناس أسئلتهم على شكل رقع مكتوبة، ويأتون بالإجوبة من عند الإمام الذي لا يراه غيرهم، في مهزلة لا يؤمن بها إلاّ المجانين!

ولكن بعد مرور قترة طويلة من الزمان من غيبة الإمام u وانقطاع الاتصال بمصدر العلم الإلهي، وحدوث مسائل جمة جديدة لم يتحمل جانب من الشيعة التوقف والتثبت على ما عليه حتى يظهر له الإمام u مرة أخرى، بل رأى أن يلحق بمسيرة أهل الخلاف في فتح باب الاجتهاد والقول والعمل بالقياس، وكان رائد هذه المسيرة في أواسط القرن الرابع الهجري الحسن بن عقيل العماني الذي يصفه الشيخ عباس القمي في: ( الكنى والألقاب ): بأنه أول من هذب الفقه، واستعمل النظر، وفتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى، وكان يرى القول بالقياس، ويقول باجتهاد الرأي، كما يقول النجاشي في رجاله ... وأول من أبدع أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة كما يقول الخونساري في: ( روضات الجنات ) .. وكان يشاركه في تلك المدرسة الاجتهادية: محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي ـ وهو من مشايخ المفيد ـ الذي يصفه الخونساري في ( روضات الجنات ) بأنه قد عمل صريحاً بالقياسات الحنفية، واعتمد على الاستنتاجات الظنية. يقول شيخهم نعمة الله الجزائري: ( إن أكثر أصحابنا ـ الشيعة الأصوليين ـ قد تبعوا جماعة من المخالفين من أهل الرأي والقياس ومن أهل الطبيعة والفلاسفة وغيرهم من الذين اعتمدوا على العقول واستدلالاتها، وطرحوا ما جاءت به الأنبياء ( عليهم السلام ) حيث لم يأت وفق عقولهم ... والحاصل إنهم ما اعتمدوا في شيء من أمورهم إلا على العقل، فتابعهم بعض أصحابنا وإن لم يعترفوا بالمتابعة، فقالوا: أنه إذا تعارض الدليل العقلي والنقلي، طرحنا النقلي أو تأولناه بما يرجع إلى العقل .. ومن هنا تراهم في مسائل الأصول يذهبون إلي أشياء كثيرة قد قامت الدلائل النقلية على خلافها، لوجود ما تخيلوا أنه دليل عقلي)([154]) .

ولعل أكثر الشيعة إعترافا بحقيقة هذا الموضوع هو السيد محسن الاعرجي وهو من أكبر محققي الشيعة الأصوليين حيث يقول :( إن المخالفين لما احتاجوا إلى مراعاة هذه الأمور ـ أصول الفقه وعلومه ـ قبل أن نحتاج إليها سبقوا إلى التدوين لبعدهم عن عصر الصحابة .. فافتتحوا باباً عظيماً لاستنباط الأحكام ، كثيرة المباحث، دقيق المسارب جم التفاصيل وهو القياس ، فاضطروا إلي التدوين أشد ضرورة ، ونحن مستغنون بأرباب الشريعة وأئمة الهدى نأخذ منهم الأحكام مشافهة ، ونعرف ما يريدون بديهية إلي أن وقعت الغيبة وحيل بيننا وبين إمام العصر u فاحتجنا إلي تلك المباحث وألف فيها متقدمونا ... أترانا نعرض عن مراعاتها مع مسيس الحاجة لأن سبقنا إليها المخالفون)([155]) .

فبعد أن شنعوا على أهل السنة إستعمالهم القياس والإجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية، ما لبثوا يمارسونها.

فهذا الشريف المرتضى بعد قوله ( وأما الاجتهاد والقياس فقد دللنا على بطلانهما في الشريعة وأنهما لا ينتجان علما ولا فائدة) يقول: ( فصل في جواز التعبد بالقياس: اعلم أنا إذا بينا أن القياس الشرعي يمكن أن يكون طريقا إلى معرفة الأحكام الشرعية، فقد جرى القياس مجرى الأدلة الشرعية كلها من نص و غيره فمن منع مع ثبوت ذلك من أن يدل الله تعالى به، كما يدل بالنص على الأحكام، فهو مقترح لا يلتفت إلى خلافه .والذي يدل على صحة معرفة الأحكام به أنه لا فرق في صحة معرفتنا بتحريم النبيذ المسكر بين أن ينص الله تعالى على تحريم كل مسكر، وبين أن ينص على تحريم الخمر بعينها، ثم ينص على أن العلة في حريمها شدتها، ولا فرق بين أن ينص على العلة، وبين أن يدلنا بدليل غير النص على أنه حرم الخمر لشدتها، أو ينصب لنا أمارة يغلب عندها في ظنوننا أن تحريم الخمر لهذه العلة، مع إيجابه القياس علينا في هذه الوجوه كلها، لان كل طريق منها يوصل إلى المعرفة بتحريم  النبيذ المسكر، فدافع جواز العبادة بأحدها كدافع جواز ورودها بباقيها. وفي العقليات مثال لذلك… )([156]).

وفي نهاية القرن السادس الهجري أيد الشيخ محمد بن إدريس الحلي ( ت698 هـ) في مقدمته ( السرائر ) طريق الاجتهاد، وقال: ( إذا فقدت الثلاثة _ الكتاب والسنة والإجماع ) فالمعتمد عند المحققين التمسك بدليل العقل فيها .. وفي مؤلفه: ( معارج الأصول ) اعترف بالقياس ودافع عنه وأخذ به([157])!!

ثم تطور الأمر وظهر بعد ذلك مرجعية الفقيه المجتهد، ودور النيابة عن المعصوم، ثم تعدى ذلك خلال عصرنا الحالي بفتح الاجتهاد على مصراعيه حتى وصل الأمر بأن صار حكومة الشيعة القائمة الآن شعبة من ولاية رسول الله r المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج ... بتبني نظرية جديدة في الاجتهاد على أساس المصلحة العامة التي يقررها الحاكم خلال عصور الغيبة ...

ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة ما كان يملكه الرسول r وأمير المؤمنين u ونفس ولاية وحاكمية الرسول r موجودة لدى الفقيه المجتهد !! ...

وبما أن الفقيه ليس نبياً، فهو إذاً وصي نبي!! وفي عصر الغيبة يكون هو إمام المسلمين وقائدهم وحاكمهم !!

ثم تطور الأمر أكثر فأكثر حتى أصبح التشيع دين أصولي عقلي إنساني لا مجال فيه للقرآن والسنة وأخبار الأئمة المعصومين، وانقطع صلته بالسماء ليصبح دين الرجال والفقهاء المعصومين، وأصبح ( الراد على الفقيه الحاكم يعد راداً على الإمام، والرد على الإمام رد على الله، والرد على الله يقع في حد الشرك بالله).([158])

وهكذا حاز الفقيه العصمة واقعاً، وإن قالوا بعدم عصمته. والفقيه لا يعد أكثر من كونه مجتهدا، فربما أصاب، وربما أخطأ، ولكن هذه التناقضات من رفض الإجتهاد والعقل أولاً، ثم جعله أساس الدين، ليدل دلالة قاطعة على أنه ليس من عند الله تعالى، ولا من عند أهل بيت النبي r!

أما عند أهل السنة فلا قداسة لأحد بعد رسول الله r ، فكما قال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ : ( ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر " يعني النبي صلى الله عليه وسلم).

وجملة القول: فأهل السنة والجماعة، علموا أن الحوادث متناهية ولا يمكن التنصيص على أعيانها بالتفصيل، لا في القرآن ولا في السنة، وحتى مع وجود المعصوم يجب المصير إلى الإجتهاد، لاسيما بعد توسع الدولة الإسلامية، ووجوب تعيين الولاة والقضاة في كل الأمصار الإسلامية التي تبعد عن مكان المعصوم، بحيث يتعذر الرجوع إليه من قبل كل الولاة والقضاة في جميع القضايا التي ينظرونها. بل لابد من الإجتهاد في تنزيل كلام المعصوم على الواقع، لأنه لابد أن يكون كلامه مجملا يعالج قضايا كلية فيحتاج إلى تفسير وتوضيح.

أما الشيعة فقالوا بوجوب الرجوع إلى المعصومين، لأن الإجتهاد ظني الدلالة، والله تعالى لم يتعبد المسلمين بالظن، فلابد أن يكون لكل واقعة أو حادثة من حكم واقعي عند الإمام المعصوم يعلمه من كتاب الله وسنة نبيه. فعن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: قلت: أكل شئ في كتاب الله وسنته أم تقولون فيه؟ فقال: ( بل كل شئ في كتاب الله وسنة نبيه)([159]).

لذا كانوا يشنعون على أهل الإجتهاد من إعمال عقولهم في معرفة الدلالة على بعض الأحكام. وكان مستندهم في هذا أن الإجتهاد يؤدي إلى الإختلاف، والله تعالى أمرنا بالوحدة والإئتلاف، ونهانا عن التفرق والإختلاف.

وهنا فاتَهم أن الذي كلفنا الله تعالى في الإجتهاد ليس هو الإتفاق، وإلا كان لابد من أن يكون على كل مسألة دليل قاطع كالأصول التي لا يجب الإختلاف فيها، لأن دلائلها نصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة. وعدم إثبات الإجتهاد عند الشيعة يلزم منه أمور:

1.                 وجود الإمام وظهوره، دائما وأبدا.

2.                 تمكن كل مكلف من ملاقاة الإمام.

3.                 وجود إمام حجة في كل بلد، وعند كل فريق، لتعذر الوصول إلى الإمام.

4.                 إبطال فتاوى العلماء غير المعصومين، لجواز الغلط عليهم.

5.                 وجوب أن لا يفتي ولا يحكم إلا الإمام.

وبعد غياب ( إمامهم الثاني عشر )، وإنقطاع صلة الشيعة به، إضطروا إلى فتح باب الإجتهاد، ثم شيئاً فشيئاً غلوا فيه، حتى نبذوا كتاب الله تعالى وسنة المعصومين وراء ظهورهم، لاسيما بعد أن ثبت أن أكثر مما في أيديهم من سنة المعصومين، إما موضوعة، أو ضعيفة، أو منقولة عن الغلاة، إضافة إلى إعمالهم لمعاول الهدم والإقصاء لكل ما هو مشترك عندهم مع أهل السنة والجماعة، بإسم التقية، وبإسم ( ما خالف العامة ففيه الرشاد). فصار التشيع دينا آخر يختلف إختلافا كليا عن دين أهل السنة والجماعة. بل التشيع نفسه صار دينين مختلفين، دين الإخباريين الذين يعتقدون بصحة كل ما في كتبهم عن الأئمة، ودين الأصوليين الذين قضوا على ثلاثة أرباع موروث ائمتهم([160])، ثم جنحوا إلى العقل البشري، وربما إقتبسوا ما عند المعتزلة من المعقولات التي أخذوها من أمثال أرسطو، وأضافوا إليها من عند أنفسهم، فأبدلوا ما قال الله والرسول إلى سفسطات عقلية، فغيروا معنى ظاهر الآيات والأحاديث إلى ما تتوافق مع عقولهم القاصرة. وقد بينّا فيما سبق مثالاً على ذلك من أن ذكر الله تعالى لمعاصي الأنبياء في القرآن الكريم، إما يراد به أن نعتقد ذلك في حقهم، وبالتالي لا يؤثر في عصمتهم؛ أو أن ذلك لغو لا يجب أن نعتقده، وحاشا لله من ذلك.

فبعد هذا كله، نتساءل: أي الفريقين من الشيعة يمثل منهج أهل بيت النبي r الذين أمر الله تعالى الشيعة أن يتمسكوا بهم، وبما جاءوا به؟ أهم الأخباريون الذين يتمسكون بما نقل إليهم من أئمتهم عن طريق الكذابين من أمثال زرارة وهشام بن الحكم؟ أم هم الأصوليون الذين جعلوا الفقيه معصوما لا يجوز الرد عليه، لأن الراد عليه كالراد على الله، والراد على الله على حد الشرك بالله؟

وخلاصة الكلام في هذه المسألة أن نقول:

1.          بدأ التشيع على ضرورة وجود العالم الرباني المعصوم بين المسلمين دائما وأبدا لأن أحكام ونصوص الكتاب والسنة متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى. لذا لم يكن تحديد الأئمة بإثني عشر إماما واردا عند قدماء الشيعة.

2.                             لما غاب ( إمامهم الثاني عشر ) عن الناس، إخترعوا له بوابا يكون سفيرا بينهم وبين الناس الذين يحتاجون الإمام في أمور دينهم. فوضعوا ثقتهم المطلقة في شخص واحد غير معصوم، ينقل لهم من الإمام جوابات أسئلتهم. مع أنه لا طريق إلى معرفة صدقه من كذبه، لأنه الشخص الوحيد الذي يرى الإمام ويتصل به من دون الناس.

3.          إستمر عهد السفراء بين الإمام الغائب وبين شيعته مدة من الزمن، ولما رأى مخترع السفارة، أن الأمر لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، فلابد من أن يأتي يوم لا يصدقه الناس وينكشف كذبه لهذا إضطر رابعهم إلى إنهاء السفارة بين الشيعة وبين إمامهم بوقوع الغيبة الكبرى، وإنقطاع الصلة بالإمام إلى حين يعجل الله فرجه ويخرج ويعلن عن إمامته ويدعو الناس إليه.

4.          بعد أن إنقطعت صلة الناس بالإمام إستجدت عندهم مسائل ووقائع لم يجدوا لها حلا فيما نقل إليهم من أئمتهم، فاضطروا إلى فتح باب الإجتهاد في المسائل الدينية فقط. فاخترعوا رواية عن إمامهم الغائب يوصيهم فيها بالرجوع إلى رواة أحاديثهم. فعمموا ذلك ليشمل فقهاء الشيعة جميعا.

5.          ثم أنهم لما رأوا أن غيبة الإمام قد تطول لآلاف السنين، وحكم الأمة في يد أهل السنة والجماعة، إضطروا إلى إختراع ولاية الفقيه، ليكون الفقيه الشيعي نائبا عن الإمام يحكم بإسمه، ويتولى كافة صلاحيات الإمام في الإفتاء والقضاء والسياسة.

6.          وأخيرا حل الفقيه الشيعي مكان الإمام، بعد أن إنتقلت إليه سلطانه الديني والسياسي، وأمكن للشيعة الإستغناء عن الإمام المعصوم. إذ لا حاجة لهم به بعد أن أصبح الراد على الفقيه كالراد على الله وهو على حد الشرك بالله. بل إن ظهور الإمام بعد هذا اليوم ليس في صالحهم، لأنهم يحكمون بإسمه، ويقولون ما يشاءون، ويفعلون ما يشاءون، كل ذلك بإسم أئمة أهل البيت، وبإسم إمامهم الثاني عشر الغائب، ولهذا فإنه متى سيخرج ـ إن كان سيخرج ـ فالشيعة وخاصة فقهاؤهم وحكامهم يكونون أول من يكذبونه ويحاربونه، ومهما حاول إثبات إمامته وأنه هو المهدي المنتظر الموعود فإنهم لا يصدقونه.

 

الفصل الرابع

الإمامة والقياس

تقول الشيعة إن القياس محرم في دين الله، وأن أول من إستعمل القياس هو إبليس، ثم إبي حنيفة، تشبيها له ـ حاشاه ـ بإبليس. ولكنهم ما برحوا يستعملون القياس حتى في أصول دينهم. فإذا كان أبو حنيفة النعمان يستعمل القياس في القضايا الفقهية التي لم يرد فيها نص صريح من الكتاب والسنة، فالشيعة وبحكم ضعف أدلتهم في الإمامة وفي غيبة الإمام لم يتوانوا في إستعمالها للدفاع عن عقيدتهم، وفي أهم أصل من أصول دينهم. وربما كان هذا من إفلاسهم في إيجاد دليل مقنع من كتاب الله تعالى وسنة نبيه r على الإمامة.

ومن عجائب الشيعة أنهم في الوقت الذي يقولون بضرورة وجود إمام حي بين الناس لإرشادهم إلى الطريق الصحيح وحفظ الشريعة من التحريف، تراهم لا يتوانون عن القول بغيبة الإمام عن الناس، ويسلكون شتى الطرق والوسائل لإثباتها، مع أن غيبة الإمام عن الناس وإنقطاع العلم به وبأوامره ونواهيه تناقض فلسفة الإمامة وضرورتها.

المبحث الأول

قياسهم غيبة الإمام بالشمس المحتجبة خلف الغيوم

وهذا القياس باطل لوجوه:

الأول: إنه قياس مع الفارق، ذلك لأن ضرورة وجود الشمس هي لعلة الحرارة والنور اللذان يصلان منها إلى الأرض، ولما كانت الغيوم غير قادرة على منع نور الشمس وحرارتها بشكل كامل من الوصول إلى الأرض، فآثارها موجودة رغم إحتجابها، أما غيبة الإمام عن الناس فهي كلية. وبدون آثار مفيدة على المكلفين. فالشمس عندما تكون خلف الغيوم تتمتع بكامل خواصها السابقة ذاتها -النور والحرارة- ولكن بمقدار أقل. وبعبارة أخرى عندما تذهب الشمس وراء الغيوم لا نقول إن نورها وحرارتها ذهبا ولكن بقيت لها فوائد أخرى يمكننا أن نستفيد منها! فهل يملك الإمام الذي غاب عن الناس خواصه السابقة ذاتها (أي هداية الناس وإرشادهم، وبيان الأحكام الإلهية، وبكلمة جامعة المرجعية الدينية والدنيوية) ولو بشكل أقل أو محدود؟

فمهما تجللت الغيوم أمام الشمس، فلا يمكنها أن تحول النهار إلى الليل.

الثاني: إن إحتجاب الشمس وراء الغيوم عادة ما تكون لفترة قصيرة ومؤقتة، وليس آلاف السنين؛ ولا تعم كامل الأرض، وهذا لا يتنافى مع فلسفة وجود الشمس. في حين أن غياب الإمام عن الناس منذ ( 1200 ) سنة يتنافى مع فلسفة الإمامة القائمة على كون الإمامة لطف، وبدون الإمام لا يستطيع الناس الوصول إلى الكمال والسعادة، ويؤدي غيابه إلى تحريف دين الله أو محوه.

الثالث: إن إنكار الشمس حتى في طلوعها وظهورها لا يعد من نواقض الإيمان. في حين إن إنكار وجود المهدي مع غيابه عن الناس، وعدم دلالة العقول عليه يعد ناقضا من نواقض الإيمان عند الشيعة.

الرابع: والأهم من كل هذا وذاك فإن إحتجاب الشمس وراء الغيوم قد تكون لفائدة الخلق، وقد تكون أسبابها لحفظ التوازن بين الحرارة والبرودة، وبين الرطوبة والجفاف في الأرض، فهل يملك الذين ينظرون لغياب الإمام أن يقولوا: إن غيبة الإمام وإحتجابه عن الناس كل هذه الفترة الطويلة فيها مصلحة للمكلفين؟ إذن تبطل العلة التي بسببها أوجبتم الإمامة!

المبحث الثاني

قياسهم غيبة الإمام بإستتار النبي r بالغار

الاختفاء مناف لمنصب الإمامة الذي مبناه على الشجاعة والجرأة فهلا خرج وصبر واستقام إلى أن ظفر وهلا كان القوم الذين قال الله تعالى فيهم:] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [ [آل عمران/146] ثم ما حكى أولاً من قصة الغار واستتار سيد الأبرار من خوف الكفار فكلام واقع في غير موقعه لأن استتاره عليه الصلاة والسلام لم يكن لإخفاء دعوى النبوة بل كان من جنس التورية في الحرب لأجل أن الكفار لا يطلعون على مقصده ولا يسدون الطريق عليه وهذا أيضاً كان ثلاثة أيام فقياس ما نحن فيه عليه غاية الحماقة والوقاحة ففرق واضح لا يخفى على من له أدنى عقل بين الاختفاء الذي كان مقدمة لظهور الدين والغلبة على الكافرين وبين الاختفاء الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان؟

ورسول الله r إنما إستتار في الغار في طريق فراره من مكة إلى المدينة بعد وقوع الطلب عليه، وإرادة قتله. في حين أن إمامكم إستتار عن الناس قبل أن يطلبه أحد؟ ولست أدري لماذا يطلب الخليفة طفلا عمره خمس سنوات، ويترك آباءه وأجداده طليقين؟

وأعلم يا صديقي أن قول الله تعالى: ] ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [[البقرة/246] وقوله تعالى: ]  الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [[الحج/41] وقوله تعالى: ] وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا[ [السجدة/24] إلى غير ذلك من الآيات تدل على أن هداية الناس والصبر على مشقة مخالطتهم من لوازم الإمامة، وكذا الجهاد في سبيل الله، والعقل يحكم بذلك.

المبحث الثالث

قياسهم معرفة الإمام الغائب بمعرفة الله في باب اللطف

يقول العلامة الحلي: ( أن الإمام لطف في حال غيبته وظهوره، أما مع ظهوره فلما مر، وأما عند غيبته فلأنه يجوز المكلف ظهوره كل لحظة فيمتنع من الإقدام على المعاصي، وبذلك يكون لطفا . لا يقال تصرف الإمام إن كان شرطا في كونه لطفا وجب على الله تعالى فعله وتمكينه وإلا فلا لطف، لأنا نقول: إن تصرفه لا بد منه في كونه لطفا ولا نسلم أنه يجب عليه تعالى تمكينه لأن اللطف إنما يجب إذا لم يناف التكليف، فخلق الله تعالى الأعوان للإمام ينافي التكليف وإنما لطف الإمام يحصل ويتم بأمور، منها:

خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلوم والنص عليه باسمه ونسبه، وهذا يجب عليه تعالى وقد فعله ومنها: تحمل الإمامة وقبولها، وهذا يجب على الإمام وقد فعله.

ومنها: النصرة والذب عنه، وامتثال أوامره، وقبول قوله، وهذا يجب على الرعية)([161]).

سبق وأن قلنا أن تمكين الإمام من الإمامة وبسط سلطانه وحفظه من شر الأشرار لا ينافي التكليف، فليس الإمام أفضل حالا من النبي في وجوب الإقتداء، ومع هذا فقد عصم الله تعالى نبيه من الأعداء والمنافقين حتى أتم رسالته.

 ويقول شيخ الإسلام إبن تيمية في الرد على إبن المطهر الحلي: ( ثم أورد طائفة منهم على أنفسهم سؤالا، فقالوا : إذا قلتم : إن الإمام لطف، وهو غائب عنكم، فأين اللطف الحاصل مع غيبته ؟ وإذا لم يكن لطفه حاصلا مع الغيبة، وجاز التكليف، بطل أن يكون الإمام لطفاً في الدين. وحينئذ يفسد القول بإمامة المعصوم.

وقالوا في الجواب عن هذا السؤال: إنَّا نقول: إن لطف الإمام حاصل في حالة الغيبة للعارفين به في حال الظهور. وإنما فات اللطف لمن لم يَقُل بإمامته. كما أن لطف المعرفة لم يحصل لمن لم يعرف الله تعالى، وحصل لمن كان عارفا به. قالوا : وهذا يُسقط هذا السؤال، ويوجب القول بإمامة المعصومين)([162]).

ثم أجاب شيخ الإسلام بأن هذا القياس قياس فاسد، وذلك من وجوه:

( إن المعرفة بأن الله موجود حيّ قادر، يأمر بالطاعة ويثيب عليها، وينهى عن المعصية ويعاقب عليها، من أعظم الأسباب في الرغبة والرهبة منه، فتكون هذه المعرفة داعية إلى الرغبة في ثوابه، بفعل المأمور وترك المحظور، والرهبة من عقابه إذا عصى، لعلم العبد بأنه عالم قادر، وأنه قد جرت سنته بإثابة المطيعين وعقوبة العاصين. وأما شخص يعرف الناس أنه مفقود من أكثر من أربعمائة سنة، وأنه لم يعاقب أحداً، وأنه لم يثب أحداً، بل هو خائف على نفسه إذا ظهر، فضلا عن أن يأمر وينهى، فكيف تكون المعرفة به داعية إلى فعل ما أمر وترك ما حظر، بل المعرفة بعجزه وخوفه توجب الإقدام على فعل القبائح، لاسيما مع طول الزمان وتوالي الأوقات وقتا بعد وقت، وهو لم يعاقب أحداً ولم يثب أحداً)([163]).

إن اللطف الذي تدعونه لم يحصل مع وجود إمام حي ظاهر ذي سلطان كعلي بن أبي طالب، فكيف يكون اللطف حاصلا للمكلفين مع غياب الإمام، ومع عدم قدرته على الظهور؟

إن مجرد وجود الله تعالى ليس بحجة على المكلفين، ومحاسبتهم على أفعالهم، وإن كانت العقول تقر بوجوده تعالى، حتى يبعث رسلا مبشرين ومنذرين] لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ [النساء : 165].و ] وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ [الإسراء : 15]. فكيف تريدون من الناس الإيمان بشخص غائب لا يُعرف له أمر ولا نهي، وتجعلونه حجة على الناس من لم يؤمن به فهو كافر؟

فالله تعالى موجود، ولا يحتاج إلى برهان، إذ كل ما في الوجود دال عليه سبحانه وتعالى، أما الإمام فالناس يحتاجون إلى معرفته بظهوره وإدعائه للإمامة. أما الموجود الذي لا يدّعي الإمامة، أو الغائب الذي لا يعرف له أثر، فكيف السبيل إلى معرفته من قبل المكلفين؟

فلو سلم قياسكم هذا، وجب أن يكون للإمام الغائب رسلا ومبعوثين من جهته إلى الخلق، ولا يكون الرسول رسولا حتى يكون صادقا، ولا يعلم صدقه وإدعاؤه للرسالة إلا بالمعجز! فأين هم رسل الإمام الغائب؟

إن مجرد وجود الإمام لا يكفي في إزاحة علة المكلفين، وإلا وجب كون العلة مزاحة عن المكلفين بوجود الله تعالى. وكذلك لا تقوم معرفة الإمام مقام معرفة الله تعالى، لأن الله تعالى قادر على عقاب الظالم وإن لم يكن على ظلمه شاهد، إما في الدنيا وإما في الآخرة. وليس كذلك الإمام. وغاية ما يقوم به الإمام هو التخويف من رب العالمين، وهو هنا مبلِّغ لا يختلف عن غيره من العلماء والحكماء.

المبحث الرابع

قياسهم الإمام بقلب الإنسان

من قياسات الشيعة الباطلة، والتي يتبجحون بها وينقلونها في كتبهم وكأنها مسلمات بين المسلمين، هي تلك المناظرات المنتحلة لهشام بن الحكم مع غيرهم من أتباع الفرق الأخرى.

منها على سبيل المثال: مناظرة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد ( أبو مروان ) وتشبهه للإمام بالقلب بين أعضاء الجسم، قائلا: ( يَا أَبَا مَرْوَانَ فَاللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ جَوَارِحَكَ حَتَّى جَعَلَ لَهَا إِمَاماً يُصَحِّحُ لَهَا الصَّحِيحَ ويَتَيَقَّنُ بِهِ مَا شُكَّ فِيهِ ويَتْرُكُ هَذَا الخَلْقَ كُلَّهُمْ فِي حَيْرَتِهِمْ وَشَكِّهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ لَا يُقِيمُ لَـهُمْ إِمَاماً يَرُدُّونَ إِلَيْهِ شَكَّهُمْ وحَيْرَتَهُمْ ويُقِيمُ لَكَ إِمَاماً لِجَوَارِحِكَ تَرُدُّ إِلَيْهِ حَيْرَتَكَ وشَكَّك؟!‏»([164]).

وهذا القياس من أبطل ما يكون، وذلك لأن هشام: ( في هذا الاستدلال افُترض أن مكانة العقل (القلب) في بدن الإنسان هي أنه عندما تخطئ إحدى الحواس أو تشك في إدراكها ترجع إلى العقل فيزيل العقلُ الخطأ أو الشك. فهل مكانة العقل هي حقيقةً كذلك؟ إذا كان الأمر كذلك فإن العقل بسبب أخطائه هو أيضاً لا يمكنه أن يؤدي هذا الدور المصون من الخطأ، ونحن نرى بوضوح أن حواسنا تخطئ أحياناً. إذن لم يجعل الله تعالى في جسمنا مرجعاً معصوماً عن الخطأ لترجع إليه الحواس الخمس ولا يمكن القول إن الله الذي وضع في جسمنا العقل لرفع شك الحواس وترددها فيما تدركه يستحيل أن لا ينصّب أئمة معصومين على المجتمع الإسلامي بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لأن هذا سيكون قياساً مع الفارق. وبغض النظر عن ذلك فإن العلاقة بين العقل والحواس علاقة تكوينية ولا إرادية وعضوية. فحاسَّة اللمس لدى الإنسان ليست كائناً مختاراً عندما تصادف شيئاً حاراً ترجع إلى العقل وتجثو على ركبتيها أمامه وتسأله: يا حضرة العقل! هل هذا الشيء الذي ألمسه الآن حار حقيقة أم أنني أتخيله حاراً؟ فيجيبها العقل إجابةً حقيقيَّةً فتشكره حاسة اللمس على أنه أزال ترددها وتستأذنه بالذهاب حتى لقاء آخر! هذا بعكس الناس الذين لهم عقل وإرادة، فقياس الناس في المجتمع على الحواس في الجسم قياس مع الفارق. ثم لنفرض جدلاً أن جميع الإشكالات التي أوردناها على الاستدلال المذكور غير واردة، فهل يمكننا أن نسأل: إذا كان وجود الإمام المعصوم - طبقاً للاستدلال المذكور- ضرورياً لأجل حلّ الاختلافات وإزالة الشك والترديد فلماذا غاب الإمام الثاني عشر؟ لماذا وَكَل الله تعالى - الذي وضع العقل في الإنسان ليزيل بواسطته أخطاء الحواس وشكِّها - مجتمعَ المسلمين في عصر الغيبة إلى نفسه وتركه في حيرته وشكه وخطئه؟)([165]).

وهل كان وجود الإمام بين الناس يرفع عنهم الإختلاف، حتى يكون الغائب الذي لا يعرف أحد شخصه ولا مكانه هو الذي يزيل إختلاف الناس؟

لماذا لا يزيل الإمام إختلاف الشيعة في الإمامة بين إمامية وزيدية وإسماعيلية وفطحية وناووسية وإخبارية وأصولية، دع عنك إختلافهم في الأحكام فإنها أكثر من أن تحصى؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث

اللطف والأصلح والعصمة

بين الإمامة والنبوة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

وجوب اللطف والأصلح على الله

أوجب الشيعة ـ وبحكم عقولهم ـ على الله تعالى أمورا: منها: اللطف، ومنها: أن يفعل بالمكلف ما هو الأصلح له.

وسنتناول هذين الوضوعين في مبحثين مستقلين بشيء من التفصيل.

المبحث الأول

وجوب اللطف على الله تعالى

ش: ( اللطف هو ما يقرب المكلف معه من الطاعة ويبعد عن المعصية ولا حظ له في التمكين ولم يبلغ الإلجاء)[166]. ( وإنّما كان اللطف من الله تعالى واجباً، فلانّ اللطف بالعباد من كماله المطلق، وهو اللطيف بعباده الجواد الكريم، فإذا كان المحل قابلاً ومستعداً لفيض الجود واللطف، فإنّه تعالى لابد أن يفيض لطفه، إذ لا بخل في ساحة رحمته، ولا نقص في جوده وكرمه. وليس معنى الوجوب هنا أنّ أحداً يأمره بذلك فيجب عليه أن يطيع، تعالى عن ذلك، بل معنى الوجوب في ذلك هو كمعنى الوجوب في قولك: إنّه واجب الوجود، أي: اللزوم واستحالة الانفكاك)([167]).

س: أنا لا أعتقد أن معنى اللطف هو ما تفضلت به بأنه كل ما من شأنه أن يقرب الإنسان من الطاعة، ويبعده عن المعصية. بل اللطف بهذا المعنى لا يتعدى كونه مرتبة من مراتب الهداية الإلهية، فإن مراتب الهدى أربعة:إحداها: الهدى العام وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها وهذا أعم مراتبه، المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده وهذا خاص بالمكلفين وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى وأعم من الثالثة، المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء وهي هداية التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار.

فاللطف الذي يقول به الشيعة لا يتعدى المرتبتين الأوليتين، لأن الثالثة لا يقدر عليها إلا الله تعالى، والرابعة لا دخل لها في حياتنا لأنها يوم المعاد.

وأما الأولى فمختص بجميع الخلق، وهي مذكورة في قوله تعالى: ] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [ [الأعلى/1-3]. فهذه الهداية عامة للإنسان والحيوان كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم ، فهي هداية التعليم والدلالة على سبيل بقاء أنواع الدواب والطير وما يحفظه ويقيمه.

وهذه الهداية ليست من لطف الإمامة في شيء.

وأما المرتبة الثانية: فهي التي أثبتها لرسوله حيث قال: ] وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[  ونفى عنه ملك الهداية الموجبة وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله: ] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت[ ولهذا قال : ( بعثت داعيا ومبلغا وليس إليّ من الهداية شيء وبعث إبليس مزينا ومغويا وليس إليه من الضلالة شيء). 

فهي هداية الرسل التي قلنا عنها في بحثنا عن وسائل الهداية الإلهية الثلاث( الإدراك والعقل وهداية الرسل )، وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدا إلا بعد إقامتها عليه قال تعالى: ] وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[ وقال: ] رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[ وقال: ] كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ[.

فحكمته تعالى قضت أن يرسل الرسل وأن يعذر إلى الخلق فلا يعذب أحدا إلا على مخالفته لرسله : ] ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [ [الأنعام/131] ، وهذا من تفضله وكرمه على عباده ولطفه بهم. بل انّ العقل يحكم حكماً قطعيّاً بقبح الحكم والتكليف مع عدم البيان لانّه تكليف ما لا يطاق وهو محال على اللَّه تعالى.

المبحث الثاني

لطف الإمام بين النظرية والتطبيق

س: إن كان بعثة الرسل هي اللطف المقصود من تعبير عمائكم، فما هو اللطف الذي تدعونه في الإمام وأوجبتموه على الله تعالى، وقلتم عنه: هو ما يقرب معه العبد من الطاعة ويبعد من المعصية.

ش: أقول ما قاله شيخنا العلامة المظفر: نعتقد: أنّ الإمامة كالنبوَّة لطف من الله تعالى؛ فلا بدَّ أن يكون في كل عصر إمام هادٍ يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامّة على الناس، لتدبير شؤونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم. وعلى هذا، فالإمامة استمرار للنبوّة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الاَنبياء هو نفسه يوجب أيضاً نصب الإمام بعد الرسول.

والتحقيق أن نقول: لطف الإمامة يتم بأمور:

(منها) ما يجب على الله تعالى وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم والنص عليه باسمه ونسبه، وهذا قد فعله الله تعالى.

(ومنها) ما يجب على الإمام وهو تحمله للإمامة وقبوله لها، وهذا قد فعله الإمام.

(ومنها) ما يجب على الرعية وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم تفعله الرعية فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام.

وأقول أيضا([168]): الإمامة : هي الرياسة العامة بالأصالة في  أمور الدين والدنيا. والإمام من له هذه الرياسة, وهو لطف من عند اللّه عز وجل لوجوه:

الأول : للدنيا وهو حفظ الطريق وضبط البلاد, وحفظ العباد, ودفع قطاع السبل والفساد, وتسوية الاسعار, ومنع الاحتكار, وأمن الملك.

والثاني : تقليل المعصية لكونه آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر.

والثالث : ترغيب الناس بالطاعة وأمرهم بها ووعدهم بها ووعد الصالحين.

والرابع : لحفظ الشرع وحسم مواد اختلاف العلماء وحصول الثقة به, لعصمته ووفور علمه, ولذلك اجمع الناس كافة على انه لابد لكل قوم وقبيلة وبلدة  ومحلة وبيت وثلة من مقدم وراع . ومنه قول أمير المؤمنين u : لابد للناس من أمير, بر أو فاجر, فعلى هذا وجود الامام المعصوم عقلا وعرفا ونقلا ـ يعني شرعا ـ لطف.

ودليل اللطف([169]): اللّه عز وجل لطيف بعباده، وقد غمرهم برحمته ولو تأمل الإنسان في ما وهبه اللّه من نعم لوقف على حقيقة كبرى هي أن اللّه هو الرحمة المطلقة واللطف المطلق، فمثلا العين هذا العضو الذي نبصر به ما حولنا من جمال حفظها اللّه من الغبار بالأهداب ومن حبات العرق بالحاجب وهذا غيض من فيض فكل ما فينا وما حولنا يهتف بهذه الحقيقة.

ومن لطف اللّه سبحانه أن جعل لنا دليلا ومرشدا، يهدينا إلى طريق السعادة ويرشدنا نحو الكمال، لان ذلك حاجه إنسانية عميقة مودعه في فطرة الإنسان وحاشا للّه أن يتركهم ظامئين فلا ينعم عليهم بهذه النعمة.

اللّه سبحانه أودع فينا الشعور بالظمأ وهو الذي خلق الماء لنرتوي وأودع فينا البحث عن الكمال، فنصب لنا من يساعدنا في تحقيق تلك الغاية السامية.

وأختم بكلام شيخنا المفيد في ( النكت الإعتقادية ) : فإن قيل ما الدليل على أن نصب الأنبياء والرسل واجب في الحكمة؟

فالجواب: الدليل على ذلك أنه لطف واللطف واجب في الحكمة فنصب الأنبياء والرسل واجب في الحكمة. فإن قيل: ما حد اللطف؟

فالجواب: اللطف هو ما يقرب المكلف معه من الطاعة ويبعد عن المعصية ولا حظ له في التمكين ولم يبلغ الإلجاء.

فإن قيل: ما الدليل على أن اللطف واجب في الحكمة؟

فالجواب: الدليل على وجوبه توقف غرض المكلف عليه فيكون واجبا في الحكمة وهو المطلوب.

س: إن كلمة الوجوب على الله تعالى كلمة ثقيلة تشعر بأن العبد هو الذي يأمر الله تعالى ويوجب عليه، فلا يجب إطلاقها في حق الله تعالى، مع أننا نعلم أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيبهم، ووعد السائلين بأن يجيبهم، ] وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ [غافر : 60]. وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد، والظلم ممتنع منه بإتفاق المسلمين، ] إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [[النساء : 40].

وليس لأحد على الله حجة، بل : ] فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [ [الأنعام : 149]، كل نعمة منه فضل: ] وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ [النحل : 53]، ] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [ [النحل : 18]. وكل نقمة منه عدل، ] ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [[الروم : 41] ] وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [ [الشورى : 30].] مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ[[النساء : 79].

والرب سبحانه وتعالى بحكمته ورحمته يأمر خلقه ما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وهو حكيم عليم رحيم قائم بالقسط، ] كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [[الأنعام : 12]، وحرم على نفسه الظلم، لا بأن الخلق يوجبون عليه ويحرمون، ولا بأنه يشبه المخلوق فيما يجب ويحرم. فليس لمخلوق عليه حق، إلا ما أوجبه الله تعالى على نفسه من أنه يثيب المطيعين، ويعطي السائلين، وأوجب على نفسه المقدسة كقوله تعالى: ] وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [ [الروم : 47] وقوله تعالى: ] وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [ [يس : 17] و قوله: ] إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [[الليل : 12] أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم الإدراك كما قال تعالى : ] وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [[النحل : 9] وقوله تعالى: ] رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [ [النساء : 165]. وهذه الآية تدل على أن حجة الله على عباده تقوم بإرسال الرسل، فهم من قبله ليسوا محجوجين بالعقل كما تقوله المتفلسفة والمتكلمة، ] وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [ [طه : 134] ] وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ [القصص : 47]. وليسوا بحاجة إلى حجج بعد الرسل كما تقوله الشيعة الإمامية من أن عليا وأولاده المعصومين حجج الله. فإن الله تعالى جعل كتاب الله تعالى وسنة نبيه حجة على خلقه بعد خاتم النبيين محمد r ، وجعله المرجع عند النزاع، فقال تعالى: ] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [[النساء : 59].

فلو كان العقل حجة، لكان فيصل الخصام ولأمر برد النزاع إليه، ولو كانت الأئمة هم حجج الله على خلقه، لأمر برد النزاع إليهم، وفي ذلك يقول سيدنا علي t في عهده إلى الأشتر النخعي حين ولاه مصر: ( وَاُرْدُدْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ اَلْخُطُوبِ وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ اَلْأُمُورِ فَقَدْ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ : ] يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وَأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَاَلرَّسُولِ [ فَالرَّدُّ إِلَى اَللَّهِ اَلْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ وَاَلرَّدُّ إِلَى اَلرَّسُولِ اَلْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ اَلْجَامِعَةِ غَيْرِ اَلْمُفَرِّقَةِ)([170]).

علما أن الشيعة بعد علي بن أبي طالب t لما رأوا أن تفسير هذه الآية لا يخدم وجهة نظرهم في وجوب كون ( أولي الأمر ) معصومين ) أراد قسم من المفسرين أن يجد لها مخرجا، فقال: ( روي عنهم قراءتها هكذا:  فإن خفتم تنازعا في شئ فارجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى اولى الامر منكم )، وهي رواية في الكافي.

علما أن المجلسي ضعف هذه الرواية. ولكن العجيب أن يأني مفسر العصر ( شبر ) فيذكر ذلك في تفسيره المختصر مع ضعفها؛ وهذا لا يتاسب مع الإختصار إلا إذا كان يعتقد بها([171]).

وأصل ضلال من يوجب على الله شيء يأتي من:

أولا: الخوض في فعل الإله بعلة ومعرفة الحكمة في كل أفعاله سبحانه وتعالى.

ثانيا: قياس أفعال الله تعالى على خلقه.

ثالثا: عدم معرفة الفرق بين الصلاح العام وصلاح كل فرد بعينه.

وسنناقش هذه الأمور بشيء من التفصيل:

أولا: الخوض في فعل الإله بعلة ووجوب معرفة الحكمة في كل أفعاله سبحانه وتعالى:

لا خلاف بين المسلمين أن الله تعالى حكيم عليم وعلى كل شيء قدير، كما أخبر عن نفسه المقدسة. ولا شك أن الحكمة تابعة للعلم والقدرة، فمن كان أعلم وأقدر كانت أفعاله أحكم وأكمل. والرب عز وجل منفرد بكمال العلم والقدرة فحكمته بحسب علمه وقدرته. ولا يجب على الله تعالى أن يطّلع عباده على تفاصيل الحكمة في أفعاله وخلقه، فإن حكمة الله أعظم وأجل أن يعلمه العباد بعقولهم القاصرة، فما المانع من إشتمال أفعال الله تعالى على حكم ينفرد الله بعلمها، كما قال للملائكة وقد سألوه عن الحكمة في خلق آدم u فأجابهم بقوله : ]  إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [ [البقرة : 30]. فلما تبين للملائكة الحكمة من خلق آدم قال تعالى: ] أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [[البقرة : 33]. وهذا يعقوب u لما لامه أولاده في شأن يوسف: ] قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [ [يوسف : 86] ولما تحققت رؤيا يوسف u وهو كان يعلم تأويلها، وهم جاهلون بها: ] قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [ [يوسف : 96].

فأصل الضلال في هذه المسألة أن يطلب الإنسان بعلمه القاصر الذي قال فيه ربنا تبارك وتعالى: ] وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[[الإسراء : 85]، فإذا كان الإنسان يجهل كنه الروح التي بين جنبيه، فمن أين له أن يعلم الحكمة والعلة في جميع أفعال الله تعالى وخلقه؟!

ولهذا قال تعالى عن نفسه المقدسة: ] لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ  [[الأنبياء : 23]، فهذا لكمال علمه وحكته ووضعه الأشياء مواضعها، فلا يتوجه إليه سؤال لأن خلقه ليس فيه خلل، ولا إخلال، وهو الذي : ] يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [[طه : 110].

ثانياً: قياس الرب تعالى على خلقه وتشبيههم في أفعاله بحيث يحسن منه ما يحسن منهم ويقبح منه ما يقبح منهم:

وهذا أصل فاسد، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وله في جميع خلقه حكمة ليست من جنس الحكمة التي للمخلوقين، كما أن فعله ليس مماثلا لفعلهم، ولا قدرته وإرادته ومحبته ورضاه وغضبه مماثلا لصفات المخلوقين.

فقياس أفعال الرب على أفعال العباد من أفسد القياس، ذلك لأن الرب تعالى علم أن عباده يقع منهم الكفر والظلم والفسوق، وكان قادرا على أن لا يوجدهم وأن يوجدهم كلهم أمة واحدة على ما يحب ويرضى، وأن يحول بينهم وبين بغي بعضهم، ولكن حكمته البالغة أبت ذلك، واقتضت إيجادهم على الوجه الذي هم عليه، وهو سبحانه خلق النفوس أصنافا، فصنف مريدا للخير وحده وهي نفوس الملائكة، وصنف مريدا للشر وحده وهي نفوس الشياطين، وصنف فيه إرادة النوعين وهي النفوس البشرية.

فعدم علمنا بحكمة فعل الله تعالى وخلقه لا ينفي وجود حكمة لا نعلمها نحن، كما أنه ليس كل ما يقبح من الإنسان يقبح في حق الله، وليس كل ما يحسن فعله من قبل الله تعالى يحسن فعله من البشر.

فالرب سبحانه يجوز أن يقتل من عباده من يشاء، وهو حكيم لا يفعل إلا لحكمة، ولكن لا يجوز للبشر أن يقتل غيره من البشر، إلا قصاصا. وللرب أن يقتل الطفل الرضيع، وأن يفعل بخلقه ما يشاء، وأن يوسع رزق من يشاء، وأن يقتر رزق من يشاء، وأن يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء. وكل هذا عدل منه سبحانه وتعالى، في حين كل هذا لا يجوز ولا يحسن فيما بين العباد.

ثالثاً: عدم التفريق بين الصلاح العام والصلاح الخاص بكل مكلف: أي القول بأنه يجب على الله أن يلطف بكل مكلف، وأن يفعل بكل مكلف ما هو الأصلح له في دينه ودنياه:

وهذا أصل فاسد، لأن الذي أوجب عليه تعالى أن يفعل بكل مكلف ما هو الأحسن، لم يفرقوا بين المصلحة العامة الكلية، وبين مصلحة آحاد الناس التي قد تكون مستلزمة لفساد عام ومضادة لصلاح عام. كما أنه يتعارض مع الفترة التي أثبتها الله تعالى في كتابه الكريم، ويتعارض مع إرسال الرب رسلا في بقعة معينة من العالم، وتركه لبقية أنحاء العالم من دون رسل.

والصحيح في هذا الباب بعد أن نتيقن من حكمة الله تعالى، وعدله، وعلمه، وقدرته، أن نعتقد أن الله تعالى إنما يأمر عباده بما فيه صلاحهم، وينهاهم عما فيه فسادهم، قال تعالى: ] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ [النحل : 90]، وقال:] وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [ [الأعراف : 28 ، 29]. وأن إرسال الرسل مصلحة عامة وإن كان فيه ضرر على بعض الناس لمعصيته، وهكذا سائر ما يقدره الله تعالى تغلب فيه المصلحة والرحمة والمنفعة. وإن ما يحصل من الضرر فلابد فيه حكمة وإن كان العبد يجهلها، فالجهل بالحكمة لا يعني عدمها، والله تعالى يعلم وهو أعلم بعواقب الأمور من البشر. والإعتراض إنما ينشأ لفقد العلم، أو للجهل بعاقبة الأمور.

أنظر إلى قوله تعالى: ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [ [البقرة : 216].

ولعل ما كرهت النفس يكون أصلح في الدين وأحمد في العاقبة، وما أحبته يكون بضد ذلك. وهو يكره إما لعدم العلم وإما لنفور الطبع، فهذا علمه الله تعالى بما في عواقب أمره مما لا يعلمه العبد، فإختيار الله تعالى أصلح وأنسب للعبد وإن لم يعقل له حكمة أو علة بعقله المحدود. فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضرّه وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه, بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه. فأنفع الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه, وأضر الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه, فإذا قام بطاعته وعبوديته مخلصا له فكل ما يجري عليه مما يكره يكون خيرا له.

يقول محمد حسين فضل الله: ( انَّ اللّه هو الذي يعلم خفايا الأمور وبواطنها ونهاياتها، فلا بُدَّ من الثقة بالتشريع بأنه يختزن الخير كلّه للإنسان بعيداً عن المشاعر والانفعالات الذاتية التي يثيرها في النفس سلباً أو إيجاباً؛ فلا يرفض الحكم الشرعي لعدم انسجامه مع رغباته، لأنَّ عنصر الرغبة لا يتصل بالعمق من المصالح والمفاسد، بل يتصل بالجانب السطحي من حياة الإنسان)([172]).

وطاعة الرسل إنما وجبت لأنهم يأمرون بما يأمر به الله تعالى، كما قال: ] الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ [الأعراف : 157].

( ولهذا قيل لبعض الأعراب وقد أسلم لما عرف دعوته r عن أي شيء وما رأيت منه مما دلك على أنه رسول الله؟ قال: "ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به ولا أحل شيئا فقال العقل: ليته حرمه ولا حرم شيئا فقال العقل: ليته أباحه" فانظر إلى هذا الأعرابي وصحة عقله وفطرته وقوة إيمانه واستدلاله على صحة دعوته بمطابقة أمره لكل ما حسن في العقل وكذلك مطابقة تحليلة وتحريمه ولو كان جهة الحسن والقبح والطيب والخبث مجرد تعلق الأمر والنهي والإباحة

والتحريم به: لم يحسن منه هذا الجواب ولكان بمنزلة أن يقول وجدته يأمر وينهى ويبيح ويحرم وأي دليل في هذا؟)([173]).

ولنا أن نتساءل: أي الصلاح واجب على الله تعالى؟ الصلاح الشرعي، أم الصلاح القدري؟ صلاح المكلف في دينه ودنياه، أم في أحدهما؟

فالصلاح الشرعي قد عرفناه، وقلنا أنه تعالى إنما يأمر العباد بما فيه صلاحهم في دينهم ودنياهم، وينهاهم عما فسادهم في دينهم ودنياهم. ولو قدر الظن في عدم وجود حكمة في فعل ما أو أمر ما، فإنه إما لجهل العبد بالحكمة، أو أنه من الإبتلاء والإمتحان، كإبتلاء إبراهيم u بذبح إبنه إسماعيل u، فلحقه النسخ قبل وقوع الفعل.

أما الصلاح القدري الحتمي، أي أن الله تعالى لا يختار لكل أحد من المكلفين إلا بما هو الأصلح له في دينه ودنياه، فهذا لم يقع، وإن كنا نجهل الحكمة فيه، وهو ليس بواجب على الله تعالى من وجوه:

1.      ليس للصلاح نهاية: لأنه لا غاية لما يقدر عليه الله تعالى من الصلاح، فما من صلاح إلا وفوقه أصلح منه، والقول بغير ذلك تحديد لقدرة الله تعالى الذي ليس لها نهاية. وإنما عليه تعالى بإيجابه على نفسه أن يمكن العبد القدرة والإستطاعة، ويزيح العلل بالدعوة والرسالة. فلا يكلف العبد فوق طاقته، ولا يعاقبه قبل الإنذار والبيان.

2.      لو كان واجبا على الله تعالى أن يختار الأصلح لكل مكلف، فليس في كفر العبد ودخوله جهنم من صلاح له، ولا يعود فيه صلاح على الله تعالى الغني عن عباده، فهو الذي لا تنفعه عبادة العابدين، ولا تضره معصية العاصين. ويكفينا في ذلك مناظرة الأشعري لأبي هاشم الجبائي حين سأله عن ثلاثة إخوة مات أحدهم مسلما قبل البلوغ وبلغ الآخران فمات أحدهما مسلما والآخر كافرا فاجتمعوا عند رب العالمين فبلغ المسلم البالغ المرتبة العليا بعمله وإسلامه فقال: أخوه يا رب هلا رفعتني إلى منزلة أخي المسلم؟ فقال: إنه عمل أعمالا لم تعملها. فقال: يا رب فهلا أحييتني حتى أعمل مثل عمله؟ قال: علمت أن موتك صغيرا خير لك إذ لو بلغت لكفرت. فصاح الأخ الثالث من أطباق الجحيم وقال: يا رب فهلا أمتني صغيرا قبل البلوغ كما فعلت بأخي. فما جوابه؟ قال: فانقطع الشيخ ولم يذكر جوابا([174]). وهذا دليل على أن فعل الأصلح لكل مكلف ليس بواجب على الله تعالى مع علمه بعواقب الأمور لكل مكلف. وإنما عليه أن يأمرهم بصلاحهم وينهاهم عما فيه فسادهم.

فهذا الفرق لم يتفطن له المعتزلة ومن ورائهم الشيعة الذين قالوا بوجوب الأصلح على الله تعالى للعباد. مع أن الشيعة أجمعوا قاطبة أن الأصلح للمسلمين كان في تولية علي بن أبي طالب الخلافة بعد رسول الله r بلا فصل، وكان الأصلح للمسلمين أن لا يغيب الإمام عن الناس وهم بأشد الحاجة إليه في دينهم ودنياهم. ومع هذا لم يقع شيء من هذا. ومهما كان سبب ذلك، فالأصلح للمسلمين لم يحصل. بسبب عدم النص الصريح على إسم الإمام في القرآن، فنحن أمام أمرين:

إما أن وجوب الأصلح على الله للعباد ليس صحيحا، أو أن الله تعالى علم أن الأصلح للعباد أن لا يتولى عليا بعد رسول الله r.

فإن قالوا: الله تعالى فعل ما يجب عليه، ولكن المكلفين هم الذين أخلوا بواجبهم بترك الطاعة.

 أجابهم أهل السنة بجوابين([175]):

أحدهما: مبني على إثبات العلم: فإذا كان الله تعالى العالم بعواقب الأمور، يعلم أن مقصوده بمجرد خلق الإمام دون تمكينه لا يحصل لم يكن فعله حكمة وإن كان بتفريط غيره.

 والثاني: مبني على إثبات المشيئة والقدرة التامة وأنه خالق كل شيء : فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو خالق كل شيء وإذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون. ولا يعلق مشيئته بمشيئة العبد، بل مشيئة العبد معلقة بمشيئة الرب سبحانه وتعالى. فما ذكروه من الوجوب على الله تعالى إذا كان الرب يعلم أنه سوف لن يتحقق، فما هو وجه الوجوب إذا كان المطلوب من هذا الوجوب لا يتحقق إلاّ بإرادة العبد ومشيئته؟ وهذا ما سنبحثه في الفصل القادم.

3.      لو كان اللطف واجبا على الله تعالى لكان وجود الفترة بين الرسل إما ناقضا لهذا الوجوب، أو أن يكون الله تعالى ـ حاشاه ـ قد أخل بواجبه. فإن زعموا أن لا فترة بين الرسل ـ مع أنها ثابت بالقرآن ] يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  [[المائدة/19] ـ قلنا: لماذا خص الله تعالى بلطفه قوما دون آخرين، فإننا نتفق وإياكم أن نبينا محمد r جاء على فترة من الرسل، بينه وبين عيسى أكثر من ( 600 ) عام وبينه وبين إسماعيل آلاف السنين، فلماذا خصه الله تعالى بأن أرسله في شبه الجزيرة العربية، ولم يرسله في أستراليا، أو المكسيك؟ علما وإن كانت رسالته عامة إلى الناس جميعا، إلا أن رسالته لم تبلغ إليهم إلا بعد عشرات أو مئات السنين؟ فإذا كنتم تعلمون ما يعلمه الله تعالى فهلا أخبرتمونا السسب في ذلك؟

وليس هذا إعتراضا منا لحكمة الرب سبحانه وتعالى، ولكنا نقول: ليس من الصحيح أن تخوض العقول القاصرة في أفعال الرب عز وجل، القائل: ] لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [ [الأنبياء/23].

المبحث الثالث

اللطف بين النبوة والإمامة

حقيقة اللطف هو أن الله تعالى لطيف بعباده لا يعذبهم ولا يحاسبهم على أعمالهم إلاّ بعد البيان والإنذار. وأنه لا يكلفهم من الأعمال فوق طاقتهم وقدرتهم. وهذا اللطف إنما يتحقق ببيان الرسل.

فلكي يتحقق هذا اللطف في حق المكلفين، فلابد من أمور:

الأول: أن يبعث إليهم رسولا. ] وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ [النحل : 36]، ] وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [[القصص : 47]، ] وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [ [القصص : 59].

الثاني: أن يمكن الرسول من البيان والإنذار.] لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [( [يس : 6]، ] وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ [الإسراء : 15].] وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ [النحل : 64].

الثالث: أن لا يحتوي بيان الرسول إيجابا أو نهيا فوق ما يطيقه المكلفون.

وبدون تحقق هذه الأمور، فإن العبد ـ وبموجب عدل الله تعالى وحكمته ـ لا يدخل ضمن دائرة التكليف، ولا يحاسبه الله تعالى على أعماله ولا يعذبه عليها في الآخرة، إستنادا إلى ما وهبه الله من نعمة العقل، بل لابد من بعث الرسل، قال تعالى: ]  وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [ [طه : 134]. ولا يقتصر هذا العذاب على عذاب الدنيا كما يقوله البعض، بدليل قوله تعالى: ] كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [ [الملك : 8]. فتلك في الدنيا وهذه في الآخرة.

واجب النبي:

لقد حصر الله تعالى واجب الأنبياء والمرسلين بالبيان والبلاغ. إقرأ في القرآن:

] قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [[يس/16، 17]

 ]فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [[النحل/35]

] وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [ [آل عمران/20]

 ]إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [ [المائدة/92]

] مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [ [المائدة/99]

] فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [[الرعد/40]

] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [ [النور/54].

] لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [[البقرة : 272]

] فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ [ [الشورى : 48]

فإذا قام النبي بواجبه في البيان والإنذار، لم يضره إيمان الناس به أو كفرهم وإمتناعهم عن قبول ما جاء به.

النبي ليس تمكينا:

أما هل يجب على النبي أن يحمل الناس على الإيمان به، وبرسالته، بالقهر والغلبة والإكراه؟

فالجواب: ليس له ذلك، إنما عليه أن يبين لهم طريق الخير من الشر، فإنه ] لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [[البقرة : 256]، ثم هم أحرار في الإيمان والكفر. ورسولنا محمد r كان يجتهد كثيرا، ويتعب نفسه، لعل كل الناس يؤمنون به وبرسالته التي فيها صلاحهم في الدنيا والآخرة. يقول المولى عز وجل: ] لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [[الشعراء : 3]. ويقول: ] وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [ [الأنعام : 35]. فدعوة الخلق للإيمان به واجبة عليه، ولكن ليس عليه تمكين المكلفين من الإيمان به.

علاقة المكلفين بالرسالة:

إذا سلمنا أن بيان الرسل هو لطف من الله تعالى بعباده، لأنه يبين لهم طريق السعادة، وينهاهم عن طريق الشقاوة، ويبين لهم الرشد من الغي، فهذا من الهداية التي أثبتها الله تعالى لرسله بقوله تعالى: ] وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [[فصلت/17] وأما هداية الخلق وتمكينهم من الإيمان فهي أوجبها الله تعالى على نفسه بقوله: ] إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [[الليل : 12] فإذا فسر اللطف بهذا المعنى فهو لطف في حق المكلفين.

وعلى هذا الأساس يكون النبي لطفا للمكلفين، لأن الله تعالى اللطيف بعباده، من حيث أوجدهم من العدم، وسخر لهم ما في السموات والأرض ، وتفضل عليهم بهداية الحواس والعقل، علم أن الناس يحتاجون إلى هداية أعلى من هداية الحواس والعقل، فتفضل عليهم بهداية النبوة، وأكمل حجته عليهم. ولقد أُعذر من أنذر. ومن فقد العقل أو بلاغ الرسل، فقد رفع الله تعالى عنه قلم المحاسبة، ولا يعذبه: ] وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ [الإسراء : 15].

وسواء آمن الناس بالنبي، أو كفروا بما جاء به بعد البلاغ، فقد تمت حجة الله عليهم، ولا تأثير لقبول الناس أو رفضهم لرسالة النبي من قلة أو كثرة في أصل الرسالة.

فمن فقد أحدى الهدايتين ( العقل، أو بلاغ الرسل ) فإنه في مأمن من عقاب الله تعالى وعذابه، فالظلم ممتنع منه تعالى.

لطف الإمامة:

س: قد علمنا أن بيان الرسل وبلاغهم هو اللطف الذي يقصده الشيعة بقولهم بوجوب اللطف على الله، ولكن ما وجه كون الإمامة لطفا في الدين بعد نبينا محمد r؟

ش: نظراً إلى أن دين الإسلام آخرُ الأديان السماوية وأن نبيَّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم خاتمُ الأنبياء ونظراً أيضاً إلى أن الهدف الإلهي من إرسال الأنبياء أن يبقى الدين الحق بين الناس وتتم عليهم الحجة، فإن لم يتم نَصْب وتعيين إمام بعد نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم حتى يبيِّن للناس حقائق الدِّين ويفسّر مجملاته ويفصّل كلياته، فإن الدِّين سيتعرَّض للتشويه والتحريف وفي النهاية إلى المحو والاندثار. ذلك أن حقائق الدين ليست موجودة في القرآن على ذلك النحو الذي يمكن لعامة الناس أن يستفيدوها منه، ونحن بحاجة إلى سنّة النبيِّ لأجل أكثر الأحكام والحقائق الدينية. ومن الجهة الأخرى لا يوجد ضمانة لبقاء روايات النبيِّ وأن لا تتعرض للنسيان والزوال. إضافة إلى ذلك لعبت يد السياسة في ذلك الزمن في الروايات ودسّت روايات كاذبة ومختلقة بين الروايات الصحيحة أو بدلاً منها كما أن القرآن ذاته قابل للتأويل والتفسيرات المتنوِّعة. فإذا لم يوجد شخص بعد النبيِّ يتمتَّع بجميع مزايا وخصائص مقاماته صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء النبوَّة والرسالة، أي أن يكون مثل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً ومصوناً عن الخطأ والاشتباه في العمل والقول، كي يكون كلامه في بيان حقائق الدِّين حجَّة فإنَّ ختم النبوَّة سيكون سبباً لنقض الغرض من البعثة ومخالفاً للحكمة الإلهية ([176]).

س: لقد ادّعيت هنا، إضافة إلى ضرورة وجود أشخاص يحفظون تعاليم النبيّ ويفسّرون القرآن وسنَّة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ادّعيت ضرورة عصمتهم أيضاً. أي أنه في هذا الاستدلال ادّعيت بشكل ضمني وتلويحاً بأن العلماء والفقهاء – الذين ليسوا بمعصومين – لا يمكنهم أن يحفظوا تعاليم النبيِّ ويواصلوا طريقه في تفسير القرآن وبيان الأحكام الإلهية وحقائق الدين([177]).

إذن لابد من وجود أئمة معصومين يحفظون بعد النبي r التعاليم الباقية عنه وفي الوقت ذاته يبينون للناس الأحكام الإلهية والحقائق التي لم تذكر لهم بعد، وليقدموا الإجابة الشرعية كذلك عن المسائل والموضوعات الجديدة في كل عصر.

وإذا كان الأمر كذلك، فأنتم بحاجة إلى الجواب عن الأسئلة التالية:

1.     كيف تعلل وتبرر حصر عدد الأئمة المعصومين في إثني عشر إماما؟ أليس خطر تحريف تعاليم النبي r وزوالها موجودة في كل وقت وعصر وحين؟

2.     هل يكفي أن ينصب الله تعالى إماما للناس غائبا عنهم، لا يقوم بواجبه في حفظ الدين من التحريف، أو إنحراف الناس عن الدين؟

3.     هل يمكن للفقهاء أن يسدوا فراغ الإمام وعدم حضوره بين الناس رغم أنهم غير معصومين؟ أليس الجواب بنعم يدل على إمكانية الإستغناء عن المعصوم؟

إن غياب شخص الإمام وغياب أمره ونهيه عن المكلفين يتعارض مع فلسفة الإمامة، وأدلتها العقلية، وهذا موضوع طويل وعويص يحتاج إلى بحث مستقل ليس هذا موضعه.

مقارنة بين لطف النبوة ولطف الإمامة:

س: علمنا من قبل أن لطف الله تعالى في النبوة يتحقق في النبي بمجرد التبليغ، ولا دخل للمكلفين به، آمنوا به أم لم يؤمنوا؛ فهل لطف الإمامة يتحقق بمجرد التبليغ؟

وقبل أن نجري هذه المقارنة علينا أن نبحث أولا في معنى الإمامة، ومراد الشيعة منها.

فالإمامة عند الشيعة لها معنيان: معنى خاص ومعنى عام.

يقول كاظم اليزدي: ( إن الإمامة لها معنى خاص تمتاز الشيعة عن سائر فرق المسلمين بالإيمان بها، ولها معنى عام يؤمن به كل مسلم معتقد بضرورة إقامة الحكم الإسلامي على وجه الأرض. فالإمامة بمعناها الخاص تعني: منصباً إلهياً مقترناً بنوع من الإرتباط الغيبي بالله سبحانه، وبمستوى من الهيمنة التكوينية على العالم. وهذا المعنى من الإمامة تعتقد الشيعة أنها لا تكون إلاً بنص خاص على شخص معيّن، وهذه هي المشروطة بالعصمة، وتتمثل اليوم بشخص الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)، الذي لولاه لساخت الأرض بأهلها([178])، وهو المتصل بين الأرض والسماء. وليست غيبة الإمام الحجة u عن الأنظار تعني عدم تأثيره في الأرض وعلى المجتمع، بل مثلَُه في الغيبة مثَل الشمس إذا غيبتها السحاب، كما ورد في التوقيع المعروف. وهذا هو إعتقاد الشيعة في إمامهم المعصوم. أما الإمامة بمعناها العام فهي تعني القيادة الظاهرية للأمة الإسلامية، وتكون لغير المعصوم ـ أيضاً ـ بعنوان النيابة عنه لدى عدم حضوره، وهذه مشروطة بأعلى درجات العدالة، وليست مشروطة بالعصمة).([179])

س: ليس من الواجب كون الإمام إماماً في الدين والسياسة معا لإمكان الفصل بينهما، وقد يجتمع المعنيان في شخص واحد كما هو الحال في أنبياء الله داود وسليمان ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم. وقد تفترق إمامة الدين عن إمامة الحكم والسياسة كما في قصة طالوت ] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ [البقرة/246، 247]. فمع وجود النبي الذي هو المرجع للناس في الدين، بعث الله لهم طالوت ملكا، أي إماما في الحكم والسياسة.

ومن خلال النص السابق لكاظم اليزدي، تبين أن الغاية من الإمامة عندكم لا تتحقق إلاّ بالوجهين معا.

وعلى هذا فإذا إئتم الناس بالإمام في أمور دينهم فقط فإن لطف الإمامة لا يتحقق، بل لابد أن يكون الإمام خليفة للمسلمين. ولكي يكون الإمام خليفة للمسلمين لابد من إجتماع ثلاثة أطراف.

وكما نقلت عن العلامة الحلي: فإن  ( لطف الإمامة يتم بأمور:

(منها) ما يجب على الله تعالى وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم والنص عليه باسمه ونسبه، وهذا قد فعله الله تعالى.

(ومنها) ما يجب على الإمام وهو تحمله للإمامة وقبوله لها، وهذا قد فعله الإمام.

(ومنها) ما يجب على الرعية وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم تفعله الرعية فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام.

س: فالطرف الأول: وهو الله تعالى: ومن خلال تحليل ما أوجبه عليه العلامة الحلي، فإنه عليه سبحانه وتعالى ثلاثة واجبات فيما يتعلق بلطف الإمامة:

الأول: خلق الإمام.

الثاني: النص على إسم الإمام ونسبه.

الثالث: تمكينه بالقدرة والعلم.

أما الخلق فقد خلق الله الإمام. ولكن هل بمجرد خلق الإمام يكون الرب عز وجل قد أدى الذي عليه، رغم علمه السابق بأن الإمام سوف لن يتمكن من ممارسة مهامه؟

ش: أولا: إذا لم يخلق الله تعالى الإمام سوف يحتج المكلفون على الله تعالى، لأنه ليس في قدرتهم إيجاده.

ثانيا: ألم يخلق الله تعالى من الأنبياء من قتل بعد إرساله إلى الناس؟ أليس من الأنبياء من أرسله الله تعالى ولم يؤمن به أحد؟

س: يصح كلامك هذا إذا كان الإمام بيِّنا ظاهرا يدعو إلى نفسه، أما أنه إن كان ظاهرا لا يدعو إلى نفسه، ولا يشهر إمامته بين الناس، أو يكون غائبا لا سبيل إلى الوصول إليه، فهذا وجوده وعدمه سيان.

أما من قتل من الأنبياء، فلا يوجد نبي قتل قبل أن يدعو الناس ويبلغهم رسالة ربه. أما عدم إيمان الناس به فهذا شأنهم، والله تعالى لم يكلف رسله إلا البلاغ، ] فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ [ [الشورى/48]، فهل خلق الله تعالى الإمام ليخفي إمامته حفاظا على حياته، أم خلقه ليصدع بالحق ويدعو الناس إلى إمامته. على أنني أؤكد بأن أئمتكم قد قصروا بحقكم حيث لا طريق لكم إلى السعادة الأبدية إلا عن طريقهم، وهم أخفوا إمامتهم، وبذلك يكونون قد أخفوا طريق السعادة الأبدية عنكم.

وأما النص على إسمه ونسبه: فهذا أيضا لم يقم به الرب عز وجل، إذ ليس في القرآن ولا في السنة من نص صريح يقول: إن إمامكم بعد النبي علي بن أبي طالب. ولو أن الله تعالى قال في حق علي بن أبي طالب كما قال في حق طالوت: ] وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا [ [البقرة/247]. لما اختلفنا نحن وإياكم.

أما تمكين الله تعالى الإمام بالقدرة والعلم، فهذا أيضا لم يقع. يوضح ذلك:

أن أئمتكم عاشوا في تقية وخوف، فلم يستطيعوا أن يعلنوها صراحة أمام الناس مخافة القتل، وسوف نرى فيما بعد أن الإمام لم يقم بواجبه في الإمامة لأن الله تعالى لم يمكنه من ذلك.

وأما علم الإمام: فإن من يفتي الناس بالتقية، ويعطي في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة، مخافة على نفسه، أو على شيعته، ـ كما تقولون ـ فلا فائدة من هذا العلم. كما أن العلم المستور الذي لم يبينه الإمام للناس أيضا لا فائدة فيه. فظهر بهذا أن الله تعالى ما مكن الإمام بالقدرة، وإن مكنه بالعلم فلا فائدة في إمام يفتي الناس بالتقية ويحرف الدين والشرع.

أما الطرف الثاني: وهو الإمام: فحتى يتحقق لطف الله في الإمام، يجب عليه قبول منصب الإمامة والقيام بأعبائها، وعلى رأي الشيعة فإن الأئمة قبلوا هذا المنصب.

ويظهر أن الأمر عبارة عن إيجاب وقبول بين الله تعالى وبين الإمام.

ونحن لا ندري متى تم هذا الإيجاب والقبول، إلاّ أننا نعلم أن أئمة الشيعة وإن قبلوا هذا المنصب الإلهي، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يُظهروا إمامتهم أمام الناس، لأن عصرهم كان عصر خوف وتقية وظلم. بل كانوا يأمرون خاصتهم بعدم البوح بإمامتهم لأن فيه الذبح.

قال المولى محمد صالح المازندراني:

( واعلم أنه (عليه السلام) كان خائفا من أعداء الدين على نفسه المقدسة وعلى شيعته وكان في تقية شديدة منهم فلذك نهى عن إذاعة خبر دال على إمامته وامامة آبائه وأولاده الطاهرين، وعلى ذم أعدائهم بل عن إذاعة أخبارهم في الشرائع والأحكام والحدود لكون أكثرها مخالفة لأحكام العامة المخترعة لأوهامهم الكاسدة وآرائهم الفاسدة ولم يجوز الإذاعة إلا إلى ثقة معتمد في دينه مأمون من الإذاعة وبالغ في الزجر عنها تارة بأن المذيع كالجاحد وتارة بأنه قاتل وتارة بأنه ليس بمؤمن وتارة بأنه شاك وتارة بأنه عاص وتارة بأنه مارق عن الدين وخارج عنه لعلهم يحذرون)([180]).

وفي الكافي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: ] ويقتلون الأنبياء بغير حق[ فقال: أما والله ما قتلوهم بأسيافهم ولكن أذاعوا سرهم وأفشوا عليهم فقتلوا.

وفيه أيضا: عن عبدالله بن بكير عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخلنا عليه جماعة، فقلنا: يا ابن رسول الله إنا نريد العراق فأوصنا، فقال أبو جعفر عليه السلام: ليقو شديدكم ضعيفكم وليعد غنيكم على فقيركم ولا تبثوا سرنا ولا تذيعوا أمرنا.

قال الشارح: محمد صالح المازندراني:

(ولا تبثوا سرنا) وهو الأحكام المخالفة لمذهب العامة ونحوها (ولا تذيعوا أمرنا) وهو أمر الإمامة والخلافة وغيرها من صفات كمالهم وآثار جلالهم واذاعتها كانت موجبة لأذيتهم وقتلهم وقتل شيعتهم إذ كانوا في زمان شديد وكان الناس يفتشون أحوالهم ويقتلون أشياعهم وأتباعهم ومن دان بسيرتهم.

فكيف تكون الولاية التي هي أصل النجاة عندهم، وأساس قبول الأعمال، والفيصل بين الإيمان والكفر كيف تظل سرية؟

وقد ردّ عليهم عليّ الرضا والذي يدعون إمامته برد هو من أبلغ الردود وأقواها في هذه المسألة، والشيعة تنقله في أوثق كتبها في الرجال، حيث قال وهو يرد على الواقفة الذين وقفوا على أبيه وقالوا بحياته ومهدويته : "لو كان الله يمدّ في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمد الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم" [رجال الكشي: ص458.].

وأما إمامة شخص غائب لا عين له ولا أثر، وهو في الوقت ذاته حجة الله على خلقه، فهذا سنبحثه في موضع آخر.

والطرف الثالث: وهم المكلفون: فحتى يتحقق اللطف الذي بدأه الله تعالى، وقَبِله الإمام، يجب على المكلفين قبول إمامة الإمام ـ وإن كان مستورا مخفيا ـ وإلاّ فإنه لا يحرم نفسه من هذا اللطف فقط، بل سيرتكب ناقضا من نواقض الإيمان، ويخرج نفسه من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر ويستحق العذاب السرمدي يوم القيامة. لأنه عطل لطف الإمامة.

ولكن السؤال: لماذا يعاقب الله تعالى من لم يكن سببا في عدم تمكين الإمام فيحرمه من لطف الإمامة الذي بدونه لا يستطيع المكلف أن يهتدي إلى طريق السعادة والكمال؟

وحان الآن أن نجري مقارنة بين النبوة والإمامة:

أنتم قلتم: ( نعتقد: أنّها ـ الإمامة ـ كالنبوّة لطف من الله تعالى، فلابدّ أن يكون في كل عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر، وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامّة على الناس، لتدبير شؤونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم.

وعلى هذا، فالامامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب أيضاً نصب الامام بعد الرسول)([181]).

بل بعضهم رفع الإمامة فوق منزلة النبوة، فقال:

( الإمامة أجلّ من النّبوّة، فإنّها مرتبة ثالثة شرّف الله تعالى بها إبراهيم بعد النّبوّة والخلة)([182]).

وقال العلامة الحلي: ( الإمامة لطف عام، والنبوة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من نبي حي، بخلاف الإمام لما سيأتي، وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص)([183]).   

بل قال المجلسي:

( إنّ استنباط الفرق بين النّبيّ والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال) ثم قال: ( ولا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنّبوّة إلا رعاية خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا فرق بين النّبوّة والإمامة)([184]).

س: ونحن نقول:

أولا: النبي مكلف بأداء شريعة من الله تعالى إلى الناس، وإذا نفى عن نفسه النبوة سقط التكليف عن الناس وسقط الإيمان به. لأنه يتعارض مع عدل الله تعالى؛ وهو من تكليف ما لا يطاق. أما عندكم، فإنكم توجبون على الناس الإيمان بالإمام وإن نفى عن نفسه الإمامة، أو غاب عن الناس طفلاً.

ثانيا: إذا أرسل الله تعالى نبيا، مكنه من القيام بواجبه الذي ينحصر في دعوة الناس إلى الإيمان به، سواء قبل الناس منه أم لم يقبلوا. وإلا أخبرونا عن نبي وجب الإيمان به وبرسالته وهو لم يبلغ أحدا، ولم ينذر الناس من عقاب الله وعذابه؟ أما الإمام، فما هو الواجب عليه؟

فإن قلتم: واجبه تبليغ الناس الأحكام الإلهية.

قلنا: فقد قام به النبي. ويقوم بعده العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.

وإن قلتم: هو الحافظ للشريعة.

قلنا: إنهم عاشوا في خوف وتقية، ولم يتمكنوا من بث ما عندهم من الأحكام، وآخرهم غاب منذ أكثر من ألف سنة، وأنتم لم تفقدوا شريعتكم.

وإن قلتم: يجب أن يكون رئيسا على الناس وخليفة عليهم.

قلنا: هذا يحتاج إلى تمكين، وهو خارج عن إرادته، فافترقت النبوة عن الإمامة هنا: فلو كانت الإمامة تكليف كالنبوة، وجب أن يمكنه الله تعالى من القيام بالشيء المكلف به.

ثالثا: أيد الله تعالى أنبياءه بالمعجزات، حتى إذا جعل نبينا محمدا r خاتمهم أعطاه معجزة القرآن وتولى بنفسه المقدسة حفظه. وعندكم أن الإمام لم يؤيده الله تعالى ولا مكنه أن يكون رئيسا لهم. أي أن الله تعالى لم يترك تحقق لطف النبوة إلى الناس، بل الله تعالى عصم نبيه r من الناس حتى يبلغ دعوته. فكيف تجعلون إنبساط  يد الإمام ليقوم بواجبه واجبا على الناس.

فكما أن النبي لا يكون لطفا حتى يبلغ للناس رسالته، فكذلك الإمام لا يكون لطفا حتى يقوم بواجبه من إقامة الحدود وتأمين السبل، والحفاظ على بيضة المسلمين إلخ.

وتمكين النبي وعصمته من القتل، أو الخطأ في التبليغ لا يناقض التكليف، فكذلك وجب ـ على رأيكم ـ أن يحرس الله الإمام ويعصمه من القتل، لأن ليس في مقدور المكلفين تمكين الإمام وبسط يده.

رابعا: إن تكليف الناس من تمكين الإمام وبسط يده مع غيبته هو من التكليف الذي لا يطاق. فأين الإمام حتى يكلف الناس ببسط يده؟ وهل يحسن من الله تعالى أن يوجب علينا تمكين من لا يعرف شخصه ولا مكانه ولا أمره ولا نهيه؛ بل لو حاولنا بكل طاقتنا على إيجاده لم نجده؟

وبهذا ظهر فساد قياس الإمامة على النبوة من حيث اللطف. بقي أن نبين فساد قياس الإمامة على النبوة من حيث العصمة. وهذا ما سنبحثه في الفصل القادم إن شاء الله تعالى.

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

العصمة بين النبوة والإمامة

ش: يقول شيخنا آية الله السيد محمد الحسين الحسينى الطهرانى:

( إن أساس الاختلاف بين الشيعة والسنّة ينحصر في مسألة الولاية، فالشيعة يقولون إن الإمام يجب أن يكون معصوماً ومُنصّباً من قبل الله سبحانه وتعالى، بينما يقول السنّة انّ العصمة ليست من شرائط الإمام، وأنّ الناس بإمكانهم أن يختاروا إماماً لهم فيتّبعوه.

أمّا بقيّة المسائل المُختلف عليها بين هذين الفريقين فمتفرّعة بأجمعها عن ذلك الأصل وتابعة له؛ لأنّ أرضيّة الاختلاف في الأساس والأصل لابدّ وأن تؤدّي إلى اختلافات كثيرة في الفروع، أما لو انتفى الاختلاف في الأساس، فاتّحد هذان الفريقان في المرام والمذهب، فانّ الاختلافات في الفروع ستنتفي بدورها وتتبع الأصل في الوحدة)([185]).

س: بما أن حقيقة الخلاف تكمن في هذه النقطة الجوهرية، فلولا إدعاء الشيعة العصمة لسيدنا علي، لكانت إمامة الخلفاء الثلاثة قبله صحيحا، والنص على الإمام من نتائج العصمة، لأن العصمة ليس لها دليل في الخلقة، ولا يمكن التعرف على المعصوم بأوصاف خارجية، لذا يجب أن يكون منصوصا عليه. فرجعت الأمور كلها إلى العصمة؛ لأن القول بالنص فرع على القول بالعصمة. وقبل الشروع في الرد على أدلتهم العقلية فيها، فإننا سنبحث عن معنى العصمة؟ ولماذا يجب أن يكون الإمام معصوما؟ وما علاقة عصمة الأنبياء بعصمة الأئمة؟

العصمة

س: ما معنى العصمة لغة وإصطلاحا:

ش: العصمة لغة: بالكسر، تعني: المنع، والحفظ، والإستمساك، والوقاية والحماية، والإلتجاء ـ وجامع هذه المعاني هو: ( المنع )([186]).

العصمة في الإصطلاح:

ش: عرّف الشيخ المفيد العصمة في الاصطلاح الشرعي بأنّها : ( لطفٌ يفعلُهُ اللهُ تعالى بالمكلّف، بحيث يمتنع منه وقوع المعصية، وترك الطاعة، مع قدرته عليهما )([187]).

وعرفها العلامة الحلي: ( لطف خفي يفعله اللّه تعالى بالمكلف بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة، وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك)([188]).

ملاحظات على هذا التعريف:

س: لدي بعض الملاحظات على تعريف العصمة:

أولا: قلتَ: لطف خفي.

س: أقول: هذا اللطف لا يختص بالإمام، لأن الله تعالى لطيف بجميع عباده، وهو القائل: ] اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [[الشورى : 19]. ومن لطفه بهم أن أرسل إليهم الرسل وسخر لهم ما السموات والأرض، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة. فليس لطف الله بعباده ينحصر في الإمام فقط.

ثانيا: قلتَ: يفعله الله تعالى.

س: أقول: إذا كان الله تعالى هو الذي يفعل هذا اللطف، بطل أن يكون من كسب العبد. وإذا لم يكن من كسب العبد، بطل فيه الإقتداء، وبطل فيه الأجر والثواب. أما إذا كان يشمل الجميع، فقد بطل إختصاص الإمام به دون غيره.

ثالثا: قلتَ: بالمكلف.

س: أيضا هذا يشمل عموم المكلفين، وليس مختصا بالإمام حتى يتميز عن غيره. علما أن لطف الإمام ليس شاملا لكل المكلفين، فالإمام كان في حياته في مدينة واحدة، وغير قادر على بسط سلطانه على جميع البلدان. وبعد غيابه غاب معه لطفه.

رابعا: قلت: يمتنع منه وقوع المعصية.

س: هذا اللطف إن كان ملجئاً، بطل الأجر والثواب؛ وإن لم يكن ملجئاً لم ينفع. وإذا نفع فهلا فعله الله بكل المكلفين، لأنه الأصلح لهم؟

 

أدلة الشيعة على وجوب عصمة الإمام

ش: ويقول الشريف المرتضى: ( إن الأئمة عليهم السلام معصومون من كبائر الذنوب وصغائرها، واعتمدنا في ذلك على دليل عقلي لا يدخله احتمال ولا تأويل بشئ، فمتى ورد عن أحدهم عليهم السلام فعل له ظاهر الذنب، وجب أن نصرفه عن ظاهره ونحمله على ما يطابق موجب الدليل العقلي فيهم، كما فعلنا مثل ذلك في متشابه القرآن المقتضي ظاهره ما لا يجوز على الله تعالى، وما لا يجوز على نبي من أنبيائه عليهم السلام.

فإذا ثبت أن أمير المؤمنين عليه السلام إمام فقد ثبت بالدليل العقلي أنه معصوم عن الخطأ والزلل، فلابد من حمل جميع أفعاله على جهات الحسن ونفي القبيح عن كل واحد منها)([189]).

ويقول العلامة الحلي: الإمام يجب أن يكون معصوما: والدليل على ذلك وجوه:

الأول: أن الإمام لو لم يكن معصوما لزم التسلسل، والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن المقتضي لوجوب نصب الإمام هو تجويز الخطأ على الرعية، فلو كان هذا المقتضي ثابتا في حق الإمام وجب أن يكون له إمام آخر ويتسلسل أو ينتهي إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ فيكون هو الإمام الأصلي.

الثاني: أن الإمام حافظ للشرع فيجب أن يكون معصوما، أما المقدمة الأولى فلأن الحافظ للشرع ليس هو الكتاب لعدم إحاطته بجميع الأحكام التفصيلية ولا السنة لذلك أيضا ولا إجماع الأمة، لأن كل واحد منهم على تقدير عدم المعصوم فيهم يجوز عليه الخطأ فالمجموع كذلك.

الثالث: أنه لو وقع منه الخطأ لوجب الإنكار عليه وذلك يضاد أمر الطاعة له بقوله تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ [النساء/59].

الرابع: لو وقع منه المعصية لزم نقض الغرض من نصب الإمام، والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن الغرض من إقامته انقياد الأمة له وامتثال أوامره وإتباعه فيما يفعله، فلو وقعت المعصية منه لم يجب شئ من ذلك وهو مناف لنصبه.

الخامس: أنه لو وقع منه المعصية لزم أن يكون أقل درجة من العوام، لأن عقله أشد ومعرفته بالله تعالى وثوابه وعقابه أكثر، فلو وقع منه المعصية كان أقل حالا من رعيته، وكل ذلك باطل قطعا.

ولا تنافي العصمة القدرة)([190]).

المبحث الأول

لماذا عصمة النبي؟

قلنا إن عصمة النبي تابعة لعصمة الشريعة المكلف بإيصالها إلى الناس، فلهذا عصم الله تعالى نبينا محمد r بنوعين من العصمة:

النوع الأول: عصمه الله تعالى من شر الناس أن يلحقوا به الأذى الذي يعجزه عن القيام بمهمة تبليغ الرسالة، أو القتل قبل إكمال رسالته ]عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [ [الجن/26-28]، والناس هنا يعم الكفار، والمنافقين الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام. أما عصمته من المؤمن، فهذا لا يتصور؛ لأن الإيمان بالنبي يتعارض مع إرادة الشر للنبي. وهذه العصمة كما ترى من أجل الرسالة، ولا دخل للنبي بها؛ فلو أراد إنسان ما أن يقتل النبي قبل إكمال تبليغه للرسالة المكلف بها، فإن الله تعالى سيعصمه لا محالة بسبب من الأسباب.

ونحن هنا نتكلم عن نبينا محمد r الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين، لأنه لا نبي بعده، وشريعته خاتمة الشرائع السماوية.

أما أن يقال: أن بني إسرائيل كانوا يقتلون الأنبياء، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم.

فنقول: هذا حق، ولكنه لا ينفع الشيعة.

لأن الأنبياء الذين قتلوا لو جلسوا في بيوتهم وتركوا تبليغ الناس رسالة ربهم ـ كما فعل أئمة الشيعة ـ لما أصابهم الأذى والقتل. وقد مدح الله تعالى  الأنبياء بسبب قيامهم بتبليغ رسالة الله فقال: ] الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [ [الأحزاب/39]، وهذا نبي الله إبراهيم u تحدى قومه فكسر أصنامهم ولم يخش إلا الله تعالى: ] وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ  فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [[الأنبياء/57-58]، وهذا نوح u قال: ] إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ [[هود/54، 55] وجادل قومه كثيرا حتى قالوا: ] يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [[هود/32]، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فلو أن نبيا ترك واجبه في تبليغ الناس، أو قتل قبل التبليغ، لم تقم به الحجة على الناس الآخرين الذين لم يصلهم إنذار النبي ورسالته.

فهل تعلمون نبيا جعله الله تعالى حجة للناس، ولم يبلغ الناس ما كلفه الله تعالى بتبليغه للناس؟

هل تعلمون بنبي دفع عن نفسه النبوة، وأنكر أن يكون مرسل من الله تعالى، وقد جعله الله تعالى حجة على الناس، وعذب الذين لم يؤمنوا به؟

فهل تقولون في الأئمة بمثل هذا الكلام؟

النوع الثاني: عصمه الله تعالى من الخطأ والسهو في تبليغ الرسالة. وهذه العصمة أيضا من أجل الرسالة. فلو أخطأ النبي، في أمر من أمور الشريعة، فإن الوحي سيتدخل مباشرة لتصحيح هذا الخطأ، أو تذكيره بالسهو أو النسيان.

أما أخطاء الأنبياء في غير أمور التبليغ، فالظاهر من القرآن ومن سير الأنبياء عليهم السلام، أنهم لم يكونوا معصومين فيها. ولم تكن هذه الأخطاء مما ينفر الناس عن النبي، وما سمعنا قوما من أقوام الأنبياء شنعوا على نبيهم بسبب هذه الأخطاء. ذلك لأن دلالة المعجزة كافية في جعل النبي صالحا لأن يقتدى به.

فهذه العصمة مما لا دخل للنبي فيها بنوعيها، وهي لا تتعارض مع التكليف لأنها أمر زائد على أصل التكليف، وهي لا تقتضي أفضلية النبي بسببها، وليس مطلوبا من باقي المكلفين الإقتداء من جهتها بالنبي؛ بل هي من لوازم قيام النبي بواجب التبليغ.

أما في غير هذه الجهة فالرسول أسوة وقدوة لكل المكلفين، وواجب عليهم الإقتداء به، وعصمته فيها يلغي كونه قدوة فيها، لأنها من تكليف ما لا يطاق.

المبحث الثاني

لماذا عصمة الإمام؟

أما الإمام فليس مكلفا بتبليغ شريعة مستقلة عن شريعة النبي إلى الناس، وبالتالي فلا موجب لعصمته، ولا يمكن تصورها فيه، لأنا رأينا أن العصمة التي أثبتناها للنبي، كانت عن طريق الوحي، ولا وحي بعد رسول الله. فما الإمام إلا واحدا من علماء هذه الأمة، وأحد المكلفين بدعوة الناس إلى شريعة النبي، وذلك بموجب قول الله تعالى: ] قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [[يوسف : 108]. على أننا  نجيز أن يكون الإمام يختص بشؤون السياسة وتدبير الأمة، ويوكل إلى العلماء العاملين أمر الدعوة والتبليغ والإرشاد والإفتاء والقضاء وتنفيذ الحدود بين المسلمين.

وليس صحيحا قولهم إن الإمام حافظ للشريعة ـ كما قلنا ـ لأن الإمام لو كان حافظا للشريعة، وجب أن لا يفتيهم بالتقية، ووجب أن لا يغيب عن الناس. فلو كان الإمام حافظا للشريعة، لوجب ضياعها بعد الغيبة، ولصار ما في أيدي الشيعة من دين وشريعة ليس محفوظا، وهم لا يقولون بذلك.

إذن وجوب عصمة الإمام لا حاجة لها، وتصورها من دون الوحي غير متصور.

ثم ما حاجة الناس إلى إمام معصوم لا يخطأ ولا يزل ولا يسهو بعد القرآن والسنة؟

ثم كيف لنا أن نعرف أن هذا الإمام لا يخطأ ولا يسهو؟ أفنظل نراقبه منذ ولادته حتى مماته؟ أم أن الأدلة العقلية التي تثبت عصمة الإمام كافية في عصمته، ولا حاجة بنا إلى أن نفتش أو نراقب؟

نعم لو أن الله تعالى ذكر لنا أسماء حكام المسلمين وأئمتهم في القرآن ونص على أسمائهم واحدا واحداً، لأمكن لنا أن نؤمن بهم وبعصمتهم!

أما أن الله تعالى لم يفعل ذلك، وأن النبي لم ينص نصا صريحا عليهم في السنة، ومع هذا يراد مناّ أن نؤمن بهم. لعمر الله هذا شيء عجيب!

على أنه لا يصح في معنى العصمة إلا أحد قولين:

الأول: إنه تعالى قد لطف للإمام في الإمتناع من القبيح فهم معصوم بما فعله تعالى. أي أن الإمام ممنوع من فعل القبيح، وهذا يبطل التكليف.

الثاني: أن الإمام لا يختار القبيح والإخلال بالواجب، وهذا لا يمنع إثبات جماعة في كل زمان هذه حالهم سوى الإمام، وإن كنا لا نعرفهم. مع أن العصمة المطلقة لا تكون إلاً لله تعالى، لأن الله تعالى قد قص علينا في أكثر من عشرين موضعا من القرآن تعرض الأنبياء للسهو والعصيان، وعلة العصمة في الرسول هو في تبليغ شرع الله تعالى لئلا ترتفع الثقة في تبليغه. أما غير النبي فلا علة توجب له العصمة.

كيف يثبت الإمام إمامته؟

الذي يدّعي النبوة من البشر عليه أن يثبت أنه مرسل من الله تعالى. وهذا لا يثبت إلا بالمعجزات. فإذا أتى النبي بالمعجزة التي ليس بمقدور البشر الإتيان بمثلها، آمن الناس به، ثم بعد ذلك لا يضره السهو ولا النسيان.

أما الإمام فمع عدم ذكر إسمه الصريح في القرآن، وعدم ورود الدلالة القاطعة على إمامته في السنة النبوية الشريفة، فمن أين يعلم الناس أن هذا الإمام مفترض عليهم الإيمان به من الله ورسوله؟

أليس تكليف الإيمان بإمام ينفي عن نفسه الإمامة، ويفتي الناس بالتقية، هو من تكليف ما لا يطاق؟

إسمع إلى شيخهم الطوسي وهو يجيب على من يتساءل: لماذا لم يستتر أحد من آباء الإمام الثاني عشر، فقال:( فإن قيل : إذا كان الخوف أحوجه إلى الاستتار فقد كان آباؤه عليهم السلام عندكم على تقية وخوف من أعدائهم، فكيف لم يستتروا ؟ . قلنا: ما كان على آبائه عليهم السلام خوف من أعدائهم، مع لزوم التقية والعدول عن التظاهر بالامامة ونفيها عن نفوسهم)([191]).

يا أيها الشيعة: كيف يكون الذي يدفع عن نفسه الإمامة حجة على الناس؟ وكيف تريدون من الناس أن يؤمنوا بمثل هذا الإمام، وتقولون: إن الإمامة من أصول الدين، وتكفِّرون من لم يؤمن بها؟

بل كيف توجبون على الناس بسط يد الإمام الغائب وتقوية سلطانه وهو غائب ولا نعرفه أين مكانه؟ إننا لو حاولنا بكل طاقتنا أن نجده، ونقوي سلطانه، لم نجده. أليس هذا الوجوب من التكليف الذي لا يطاق؟

إذن فقياس الإمامة على النبوة قياس فاسد من جميع الوجوه.

 

المبحث الثالث

لا ضرورة لعصمة الأئمة

لا يصح قول الشيعة بأن الإمام إن لم يكن معصوما، فإن خطأه يؤدي إلى فساد في الدين، أو يستلزم الحاجة إلى إمام آخر، أو ينقض الغرض من إمامته؛ وذلك من وجوه:

أولاً: عصمة الرسول تابعة لرسالته، ولا معنى لعصمة الإمام:

بغض النظر عن إختلاف المسلمين في ماهية العصمة، ونوعها، فإن عصمة الأنبياء تابعة لعصمة الرسالة التي كلفوا بتبليغها للناس، فالنبي أو الرسول أو الملَك المبلغ بإنزال الرسالة إلى الرسول إنما عصمه الله تعالى من الخطأ والفواحش بسبب الرسالة، ولولاها لم تقم الحاجة إلى عصمة الرسول. قال الله تعالى : ] عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [ [الجن/26-28]. وبما أن الإمام ليس مكلفا بأداء رسالة من الله تعالى إلى الناس، وليس حجة في الدين، إنما هو منفذ لأمر الشرع، وخطؤه في التنفيذ لا يؤثر على الشرع، فليس هناك ما يدعو إلى عصمته.

ولهذا فإن الصديق t قد حدد العلاقة بين الخليفة ( الإمام ) وبين الأمة، فقال: ( أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم). وبالتالي فالإمام ليس مصدر السلطات، وإنما المرجع في ذلك شريعة الله تعالى ( الكتاب والسنة )، وهو منفذ لشرع الله وملتزم به.

ومع كل هذا فإن الله تعالى قد تكلم عن معاصي الأنبياء في كتابه الكريم في أكثر من عشرين موضعا، ولكن الشيعة لما رأوا بعقولهم أن هذا الإطلاق يتنافى مع ضرورة طاعة النبي والتأسي به، فأرادوا التخلص من هذه النصوص، فأولوها بترك الأولى. لئلا تنسحب هذه المعاصي على الأئمة، وحتى لا يقول القائل: إذا كان الله تعالى قد ذكر معاصي الأنبياء في القرآن، فمن الأولى أن لا يكون الإمام معصوما.

ولكن حتى مع إطلاق الشيعة على معاصي الأنبياء بـ( ترك الأولى ) فإن هذا الإطلاق لا يغير من ظهور المعنى ودلالته على المعاصي.

وهنا أنقل نص ما قاله إبن أبي الحديد المعتزلي في الرد على ما قاله المرتضى في معاصي الأنبياء:

( واعلم أن الشريف المرتضى رحمه الله تعالى قد تكلم في كتابه المسمى بتنزيه الأنبياء والأئمة على هذه الآية وانتصر لمذهب الإمامية فيها وحاول صرفها عن ظاهرها وتأول اللفظ بتأويل مستكره غير صحيح، وأنا أحكي كلامه هاهنا وأتكلم عليه نصرة لأصحابنا ونصرة أيضا لأمير المؤمنين u فإنه قد صرح في هذا الفصل بوقوع الذنب من آدم u ألا ترى إلى قوله: (  والمخاطرة بمنزلته )([192]). وهل تكون هذه اللفظة إلا في الذنب وكذلك سياقة الفصل من أوله إلى آخره إذا تأمله المنصف واطرح الهوى والتعصب، ثم إنا نذكر كلام السيد الشريف المرتضى. قال رحمه الله تعالى: أما قوله تعالى: ] وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ [ فإن المعصية مخالفة للأمر والأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب وبالندب معا فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة فيكون بمواقعتها تاركا فرضا ونفلا وغير فاعل قبيحا وليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا كما يسمى بذلك تارك الواجب فإن تسمية من خالف ما أمر به سواء كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهر ولهذا يقولون أمرت فلانا بكذا وكذا من الخير فعصاني وخالفني وإن لم يكن ما أمر به واجبا.

يقال له: الكلام على هذا التأويل من وجوه:

أولها: أن ألفاظ الشرع يجب أن تحمل على حقائقها اللغوية ما لم يكن لها حقائق شرعية، فإذا كان لها حقائق شرعية وجب أن تحمل على عرف الشرع واصطلاحه كالصلاة والحج والنفاق والكفر ونحو ذلك من الألفاظ الشرعية وهكذا. قال السيد المرتضى رحمه الله تعالى في كتابه في أصول الفقه المعروف بالذريعة في باب كون الأمر للوجوب وهو الحق الذي لا مندوحة عنه. وإذا كان لفظ العصيان في الاصطلاح الشرعي موضوعا لمخالفة الأمر الإيجابي لم يجز العدول عنه وحمله على مخالفة الندب. ومعلوم أن لفظ العصيان في العرف الشرعي لا يطلق إلا على مخالفة الأمر المقتضي للوجوب، فالقول بجواز حملها على مخالفة الأمر الندبي قول تبطله وتدفعه تلك القاعدة المقررة التي ثبتت بالاتفاق وبالدليل على أننا قبل أن نجيب بهذا الوجه نمنع أصلا أنه يجوز أن يقال لتارك النفل إنه عاص لا في أصل اللغة ولا في العرف ولا في الشرع؛ وذلك لأن حقيقة النفل هو ما يقال فيه للمكلف الأولى أن تفعل هذا ولك ألا تفعله ومعلوم أن تارك مثل ذلك لا يطلق عليه أنه عاص ويبين ذلك أن لفظ العصيان في اللغة موضوع للامتناع، ولذلك سميت العصا عصا لأنه يمتنع بها ومنه قولهم قد شق العصا أي خرج عن الربقة المانعة من الاختلاف والتفرق وتارك الندب لا يمتنع من أمر لأن الأمر الندبي لا يقتضي شيئا اقتضاء اللزوم بل معناه إن فعلت فهو أولى ويجوز ألا تفعل فأي امتناع حدث إذا خولف أمر الندب سمي المخالف له عاصيا.

ويبين ذلك أيضا أن لفظ عاصٍ اسم ذم فلا يجوز إطلاقه على تارك الندب كما لا يسمى فاسقا وإن كان الفسق في أصل اللغة للخروج.

ثم يسأل المرتضى رحمه الله تعالى عما سأل عنه نفسه فيقال له:

كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية؟ أو ليس هذا يوجب أن يوصف الأنبياء بأنهم عصاة في كل حال وأنهم لا ينفكون عن المعصية لأنهم لا يكادون ينفكون من ترك الندب؟ وقد أجاب رحمه الله تعالى عن هذا فقال وصف تارك الندب بأنه عاص توسع وتجوز والمجاز لا يقاس عليه ولا يعدي عن موضعه ولو قيل إنه حقيقة في فاعل القبيح وتارك الأولى والأفضل لم يجز إطلاقه في الأنبياء إلا مع التقييد لأن استعماله قد كثر في فاعل القبائح فإطلاقه عن التقييد موهم.

لكنا نقول إن أردت بوصفهم بأنهم عصاة أنهم فعلوا القبيح فلا يجوز ذلك، وإن أردت أنهم تركوا ما لو فعلوه لاستحقوا الثواب ولكان أولى فهم كذلك.

كذلك يقال له: ليس هذا من باب القياس على المجاز الذي اختلف فيه أرباب أصول الفقه لأن من قال إذا ترك زيد الندب فإنه يسمى عاصيا يلزمه أن يقول إن عمرا إذا ترك الندب يسمى عاصيا وليس هذا قياسا كما أن من قال لزيد البليد هذا حمار قال لعمرو البليد هذا حمار والقياس على المجاز الذي اختلف الأصوليون في جوازه خارج عن هذا الموضع. ومثال المسألة الأصولية المختلف فيها ] وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ اَلذُّلِّ [ هل يجوز أن يقال طأطئ لهما عنق الذل.

وأما قوله لو سلمنا أنه حقيقة في تارك الندب لم يجز إطلاقه في حق الأنبياء لأنه يوهم العصيان بل يجب أن يقيد.

فيقال له: لكن البارئ سبحانه أطلقه ولم يقيده في قوله ] وَعَصى آدَمُ [ فيلزمك أن يكون تعالى موهما وفاعلا للقبيح لأن إيهام القبيح قبيح.

فإن قال الدلالة العقلية على استحالة المعاصي على الأنبياء تؤمن من الإيهام.

قيل له: وتلك الدلالة بعينها تؤمن من الإيهام في قول القائل الأنبياء عصاة فهلا أجزت إطلاق ذلك.

وثانيها: أنه تعالى قال ] فَغَوى [ والغي الضلال.

قال المرتضى رحمه الله تعالى: معنى غوى هاهنا خاب لأنه نعلم أنه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم فإذا خالف الأمر ولم يصر إلى ما ندب إليه فقد خاب لا محالة من حيث لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحقه بالامتناع ولا شبهه في أن لفظ غوى يحتمل الخيبة قال الشاعر:

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره                 ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

يقال له: ألست القائل في مصنفاتك الكلامية إن المندوبات إنما ندب إليها لأنها كالمسهلات والميسرات لفعل الواجبات العقلية، وأنها ليست ألطافا في واجب عقلي وأن ثوابها يسير جدا بالإضافة إلى ثواب الواجب، فإذا كان آدم u ما أخل بشيء من الواجبات ولا فعل شيئا من المقبحات فقد استحق من الثواب العظيم ما يستحقر ثواب المندوب بالإضافة إليه ومثل هذا لا يقال فيه لمن ترك المندوب إنه قد خاب. ألا ترى أن من اكتسب مائة ألف قنطار من المال وترك بعد ذلك درهما واحدا كان يمكنه اكتسابه فلم يكتسبه لا يقال إنه خاب.

وثالثها: أن ظاهر القرآن يخالف ما ذكره لأنه تعالى أخبر أن آدم منهي عن أكل الشجرة بقوله ] وَلا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ اَلظَّالِمِينَ [ وقوله ] أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ [ وهذا يوجب أنه قد عصى بأن فعل منهيا عنه والشريف المرتضى رحمه الله تعالى يقول إنه عصى بأن ترك مأمورا به)([193]).

ولو كان لفظ العصيان يحمل على ترك الندب، لربما يحتج إبليس ويحتج فرعون بأن عصيانهما كان ترك الأولى، وبالتالي فلا موجب للعقاب!

وقال الإمام الرازي: ( إن ظاهر القرآن يدل على أن العاصي يستحق العقاب، وذلك يقتضي تخصيص إسم العاصي بترك الواجب فقط، وبيّنا أنه أيضاً إسم ذم، فوجب أن لا يتناول إلاّ تارك الواجب)([194]).

ثانيا: عصمة الإمام توجب النص على إسمه في القرآن:

لما كانت العصمة من الأمور التي لا تعلم إلا من قبل الله تعالى، وجب أن يكون النص عليه من قبل الله تعالى صريحا. يقول العلامة الحلي: (الوجه العاشر: الإمام يجب أن يكون معصوما على ما يأتي فيجب أن يثبت التعيين بالنص لا بالاختيار لخفاء العصمة عنا لأنها من الأمور الباطنة الخفية التي لا يعلمها إلا الله تعالى)([195]). ونحن نسأل: ما معنى النص أولا؟ وأين يجب أن يكون؟

فمعنى النص: هو اللفظ المفيد الذي لا يُحمل على غير ما فهم منه، أي اطلاق لفظ يدل على معنى واحد مانع لنقيضه.

فأين هذا النص على الإمام بهذا المعنى؟

ألا يقتضي أن يكون النص على الإمام، وعلى عصمة الإمام بالنص الصريح القطعي الثبوت والدلالة؟

ولا يكون النص بين أهل السنة والشيعة قطعي الثبوت إلاّ إذا ورد في القرآن الكريم؛ لأنهما لا يلتقيان في مصدر تلقي السنة، ولا في ثبوتها، ولا في حجيتها.

ولا يكون النص قطعي الثبوت، إلاّ إذا ورد إسم علي في القرآن، لأن غاية ما تقولونه: أن الإمام كالنبي. فإذا كان الأمر كذلك، فحين ذكر الله تعالى إسم نبيه محمد صريحا في القرآن في أكثر من موضع، كقوله تعالى: ] وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ[  [آل عمران/144]، وقوله: ] مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ[[الأحزاب/40]، وقوله: ] مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [[الفتح/29]، كان يجب على قولكم أن يُذكر إسم علي صراحة ولو في موضع واحد.

( ويتأكد ورود إسم الإمام بالقرآن أكثر من النبي؛ لأن الذين كانوا يعاصرون دعوة النبي r فريقان:

الأول: مؤمن به أنه رسول من الله تعالى ويؤمن بكل ما جاء به جملةً وبما فيها القرآن، سواء ذكر فيه اسم النبي أو لم يذكر، لأنه آمن بصدق النبي r ونبوته أولاً ثم آمن بما جاء به من القرآن، فذكر اسم النبي r في القرآن لا يزيده إيماناً وتصديقاً لأنه قد حصل له التصديق والإيمان دون النظر إلى ورود اسمه في القرآن. والفريق الآخر: كافر به وبما جاء به جملةً فهو لا يعتقد أنه مرسل من الله تعالى ولا يعتقد أن القرآن من عند الله تعالى بل هو من تأليفه وسحره، فهذا الفريق مكذِّب بالقرآن جملةً، فذكر اسم النبي r في القرآن لا ينفعه ما دام معتقداً أن القرآن من تأليف النبي r وسحره، فتبين أن ذكر اسم النبي r لا ينفع من آمن به ولا من كفر به.

 وهذا يختلف عن الحاجة إلى ذكر اسم الإمام في القرآن، لأن الإختلاف في إمامته ليس بين المسلمين والكفار، بل بين فرق المسلمين من أهل القبلة الذين يؤمنون بالله تعالى وبالنبي r وبالقرآن وبما جاء فيه، فالحاجة إلى تعريفهم بإمامهم بعد النبي r ملحة وهو مطلوب لتحصل لهم الهداية إلى معرفته، لذلك فإن الحاجة إلى ذكر اسم الإمام في القرآن أكثر من الحاجة إلى ذكر اسم النبي r، وهو إلزام لهم بوجوب ذكر اسم الإمام في القرآن وذلك وفق نظريتهم بوجوب فعل اللطف للعباد والله اعلم. ولا يكون النص مقبولا إلا بأن يرد ذكره في كتاب الله تعالى ] لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [ [الأنفال : 42] ، لأن المسلمين مختلفون في سنة النبي، وكذلك مختلفين في غيرها من الأمور. لذا فلا حاجة لمناقشة أدلتهم من السنة لأننا مختلفون معهم، إما في ثبوت النص، وإما في دلالته. والقرآن ليس كذلك. وقد قال الشريف المرتضى بأن نصوص السنة دلالتها خفية فقال: والقسم الآخر: لا نقطع على أن سامعيه من الرسول صلى الله عليه وآله علموا النص بالإمامة منه اضطرارا ولا يمتنع عندنا أن يكونوا علموه استدلالا من حيث اعتبار دلالة اللفظ، وما يحسن أن يكون المراد أو لا يحسن.

فأما نحن فلا نعلم ثبوته والمراد به إلا استدلالا كقوله صلى الله عليه وآله (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) و (من كنت مولاه فعلي مولاه) وهذا الضرب من النص هو الذي يسميه أصحابنا النص الخفي.)([196]).

فأما النصوص الصريحة، فهي من نقل الشيعة وحدهم، ولا يوجب عند أهل السنة علماً ولا عملاً.([197])

فلو إعتبرنا الإمامة لطفاً من الله تعالى، وأنها أصل من أصول الدين، وجب على الله تعالى ـ على أصل الشيعة ـ أن يذكر إسم الإمام صراحة في القرآن، حتى لا يختلف عليه المسلمون. وإذ لم يفعل، فثبت التقصير من قبل الله تعالى ـ حاشاه ـ وهذا كفر وخروج عن الدين. وبطل معها التكليف بالإمامة.

يقول القاضي عبدالجبار: ( خبرونا عن النص الذي تدعونه، أهو قطعي يوجب العلم كعلمنا بالصلاة والصوم، أم نكشف عنه بالإستدلال؟

ولا يمكن أن يقولوا: إنه قطعي، وإلا لما اختلفنا فيه نحن وأنتم كما لم نختلف في علمنا بالصلاة والصوم. فلم يبق إلا أن تقولوا: نتوصل إليه بالإستدلال.

قلنا: الإمامة عندكم أصل من أصول الدين من أنكره أو جهله كان كافرا، وأصول الدين يجب أن تكون الدلالة عليها قطعية، لأن الإحتمال يبطل الإستدلال، لاسيما أن المحتمل لا يفيد اليقين. والأصول يجب أن تثبت بيقين.

قلنا: خبرونا عن النص الذي وصل إليكم، كيف علمتم به؟ إذ ليس فيه إلا أحد وجهين:

إما بالتواتر، بقول المعصوم. والمعصوم غائب منذ أكثر من ألف سنة، فلم يبق فيه إلا التواتر.

والتواتر عندكم مطعون فيه لإحتمال تعرض الناقلين للسهو والغلط. وإبطال التواتر عندكم هو الموجب للإمامة.

فإن قلتم: الصحابة كتموا النص بعد ما عرفوه، ونحن نقلناه.

قلنا: الصحابة لم يكتموا النصوص التي تدعونها، بل نقلوها، وهي عندنا ليست دالة على الإمامة.

وإذا جوزتم كتمان النص من قبل الجمع العظيم من الصحابة، فلا يقع إلا بالتواطؤ. فأثبتوا لنا تواطؤ المهاجرين والأنصار على كتم هذه النصوص أين وقع وكيف؟

وإذا جوزتم كتمان الجميع من غير تواطؤ، فجوزوا ما قالته البكريه في النص على أبي بكر، وطائفتكم هي التي كتمت النص.

وجوزوا أن النص على العباس عم الرسول وغيره، إختص بمعرفته قوم ثم انقطع النقل. جوزوا صلاة سادسة، وقع الكتمان عليها. وجوزوا صيام شهر آخر غير رمضان وقع الكتمان عليه . .  وهكذا. ولو جاز هذا لبطل القرآن ولبطلت الشريعة، ولبطلت الأخبار والوقائع.

ثم ما بال القوم وقد نقلوا إلينا وقائع سقيفة بني ساعدة، وما جرى فيها من منازعات، حتى قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير، وما كان من أبي سفيان من وقوله لعلي: أرضيت يا عبد مناف أن تولوا عليكم رجلا من تيم. . . ونقلوا إلينا نص أبو بكر على عمر بعد مشاورته لأهل الحل والعقد، ونقلوا نص عمر على الستة الذين هم أهل الشورى، ونقلوا إلينا وقائع الجمل وصفين. بل ونقلوا فضائل علي وأهل بيته ؟

فحتى تصح لكم دعوى كتم النص، يجب أن تفترضوا:

كتمان الجمع العظيم الذي حضر نص رسول الله على علي من المهاجرين والأنصار.

ولا يقع الكتمان من الجمع العظيم حتى تثبتوا التواطؤ من قبل جميع الذين حضروا سقيفة بني ساعدة، ثم الذين حضروا بيعة أبي بكر وعمر وعثمان، لأنه لم يدّع مدّعٍ بوجود النص كل هذه الفترة من الزمن. فهلا بينتم لنا: أين ومتى وكيف تم هذا التواطؤ؟

ثم مع هذا التواطؤ من قبل الجميع على كتمان النص، وعدم إدعاء علي ولا غيره لهذا النص، من أين علمتم النص المكتوم؟

ثم ما بال الأمة نقلوا إلينا أحداث السقيفة، ونقلوا أخبار المرتدين، ونقلوا فضائل علي ومقاماته المحمودة في الحروب وغير ذلك، ولم يتكاتموه، وتكاتموا إمامته؟)([198]).

ثالثا: الإمام ليس حجة في الأصول:

إذا كانت أصول الدين عندكم تثبت بالعقل، ولا دخل للنقل ( الكتاب والسنة ) فيها، فالإمام إذن ليس حجة في الأصول، ولا حاجة فيها إلى الإمام. إذن بقي الإمام حجة في الفرعيات والجزئيات، فإذا ثبت أن القرآن الكريم قد نص على كل مهمات الأصول والفروع، فعلام الحاجة إلى الإمام؟ ثُم أن الإمام في بيانه للجزئيات، إذا كان يسند ما يقوله إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فالعلماء والفقهاء يقومون بهذا. أما إذا كان مجرد قول الإمام حجة دون أن يسنده إلى النبي، فهذا إما مجتهد قد يصيب وقد يخطئ، أو نبي مشرع. علما أن القول بأن الأصول عقلية فقط، وليست سمعية، مؤداها أن من لم يتوصل من المكلفين بعقله على أصل الإمامة، أصبح مزاح العلة والتكليف، لأن عقله لم يدله على وجوب وجود معصوم في كل زمان!

رابعا: التواتر أصل ثبوت الإمامة، والطعن فيه طعن في الإمامة:

إذا جاز الخطأ والسهو على المكلفين، فهل يستطيع الإمام أن يزيل السهو عن قلوب المكلفين؟ لأنه إذا جاز عليهم السهو عما عرفوه بالتواتر، فما الذي يمنع من سهوهم عما يسمعونه من الإمام شفاها؟ كما أن طرق العلم بالمعصوم لا يخرج عن: ( النص المنقول بالتواتر )، أو ( الإجماع ). والنص المنقول إما أن ينقل بالتواتر والإجماع، أو أن ينقل ويتصل من معصوم إلى معصوم حتى يومنا هذا. فإذا علمنا أن المعصوم قد غاب منذ أكثر من ( 1200 ) سنة، والإجماع والتواتر باطل عندهم لجواز السهو والغلط على أهل التواتر إلاّ أن يكون المعصوم فيهم، والمعصوم لا يُعرف إلاّ بالتواتر، وهذا هو الدور.

فثبت أن الطعن في التواتر يؤدي إلى الطعن في ثبوت الإمامة لأنه أصل ثبوته.

وإن قلتم: لا نقدح في التواتر ولكن نمنع أن يحفظ الشرع به([199]).

قيل: فما فائدة التواتر إذا لم يكن أداة ووسيلة لحفظ الشرع المنزل؟ وكيف يحفظ الله تعالى كتابه وشرعه الذي تعهد بحفظه مع عدم تمكن الإمام المعصوم المقترح من قبلكم على الله تعالى؟ وكيف إذا غاب هذا الإمام وليس لنا من وسيلة للوصول إليه؟

وحتى لو كانت الدلالة على الإمام المعجز، فتصديق المعجز يتوقف على نقله بالتواتر لمن غاب عن المشاهدة والعيان. وإذا جاز نقل المعجز بالتواتر، ومنعوا فيه السهو والكتمان، لزم مثله في نقل سائر الشريعة ولزمهم الغنى عن الإمام بالنقل عن رسول الله r. وإذا عرف المكلف الشرع من جهة الرسول فلا حاجة به إلى الإمام.

وإذا رجعنا إلى النقل فلستم بأولى من غيركم من البكرية أو العباسية الذين يدعون النص.

فإن قلتم: نحن كثرة لا يجوز على مثلنا التواطئ على الكذب، وقد حكينا عن نفوسنا حصول العلم الضروري بإمامة أمير المؤمنين من طريق النص الجلي.

قلنا: فارضوا من أهل السنة والجماعة الذين ينفون النص، وهم أضعاف أضعاف عددكم، ولا يمكن تواطؤهم على إنكار النص الجلي.

أما إن إتفقنا في النص، واختلفنا في تفسيره، أو تأويله، فهذا يعني أن النص الذي تدعونه ليس نصا جليا، وإلا لم نختلف نحن وإياكم، كما لم نختلف في نبوة نبينا محمد r .

خامسا: وجود الإمام لا يرفع السهو والإختلاف:

هنا سؤال: هل يمكن للمكلفين القيام بالواجب، بدون الإمام؟

فإن قالوا: نعم، فلا حاجة بهم إلى الإمام.

وإن قالوا: لا، لابد من إمام ليزيل السهو والغلط عن المكلفين.

قيل لهم: وجود الإمام يكفي، أم بما يظهر منه ويُعلم من قِبَله؟

فإن قالوا: وجوده يكفي.

قيل لهم: إذا كان وجود الله تعالى دون أن يُعلم أوامره ونواهيه، لا يكفي في الحجة، بل لابد من رسل يبلغون عن الله تعالى؛ بل حتى وجود الرسول دون الإيمان به أو معرفة ما يأمر به وينهى عنه لا يزيل التكليف، فكيف يكون مجرد وجود الإمام كافيا في الحجة، وفي إزاحة السهو والنسيان عن المكلفين؟