كن معجبا بصفحتنا على فيس بوك
ابحث في الموقع
جاري التحميل
جهود علماء العراق في الرد على الشيعة مع مقدمة مختصرة في تاريخ تشيّع العشائر العراقية ... موسوعة الرشيد
الزحف الشيعي في العراق
جهود علماء العراق في الرد على الشيعة مع مقدمة مختصرة في تاريخ تشيّع العشائر العراقية
تاريخ الاضافة : 15/01/2011

 

 موسوعة الرشيد

بقلم: عبد العزيز بن صالح المحمود

 

مقدمة مختصرة في تاريخ تشيع العشائر العراقية

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين([1]).

مقدمة:

فهذا هو القسم الأول من بحث مختصر حول جهود علماء العراق في الرد على الشيعة في الفترة الممتدة من نشوء الدولة الصفوية في إيران وحتى سقوط الدولة العثمانية، حاولت فيها أن أوضح جهود علماء العراق في مقارعة التشيع كدين وفرقة منحرفة. وما ذكرناه من جهود هو ما تمكنا من الوصول إليه، وإلا فهناك جهود لا تزال حبيسة المخطوطات في بطون المكتبات العامة والخاصة لا يعلم عنها شيء.

وهذه الجهود ليست مقصورة على مذهب أو جماعة من أهل السنة كلا بل هي عامة لكل أهل السنة بمختلف مذاهبهم الفقهية أو مناهجهم العقائدية، فتكوين العراق السُني المذهبي في تلك الأيام هو:

·         حنفي المذهب (وهو المذهب الغالب في العراق بين العرب والتركمان).

·         الشافعي (وهو مذهب بعض العرب السُنة والأكراد)([2]).

·         المالكية (وهذا مذهب بعض أهالي سنة جنوب العراق إلى أن اختفى وتبدل بالمذهب الحنفي ولا يزال بعض كبار السن من أهل السنة في الجنوب العراقي يقولون نحن موالج باللهجة العامية العراقية بتبديل الكاف جيما؛ أي موالك)، وليس هذا غريبا فالمالكية كانوا بالعراق لغاية القرن السادس للهجرة ثم انحسر وجودهم وبقي قسم منهم على شواطئ الخليج والإمارات المتحدة أهلها أكثرهم مالكية.

·         وقليل من أهل الجنوب  حنابلة في قصبة الزبير في محافظة البصرة.

أما العقائد السُنية في العراق في يومها: فهي الماتريدية والأشعرية، وقليل من السلفية من بقايا أهل الحديث، وازداد عددهم مع تأثر العراقيين بحركة محمد بن عبد الوهاب في بلاد نجد. والطرق الصوفية المعروفة في العراق هي القادرية والنقشبندية والرفاعية، وكانت غالبة على العراقيين في ذلك الوقت.

كل هؤلاء - بكل مذاهبهم وعقائدهم وطرقهم - ساهم في رد التشيع والدعاية ضده. وثمّة جهد غير منظور، ألا وهو التدريس والدعوة وثقافة مقاومة التشيع ومقارعته واعتبار مواجهته جهاداً.

ولقد كان لأهالي بغداد خصوصا والعراق عموماً وقفات شجاعة في مواجهة الغزو الصفوي الشيعي، فقد نقل المحقق عماد عبد السلام رؤوف في تحقيقه لكتاب "زبدة الآثار الجلية في الحوادث الأرضية" لداود جلبي في هامش (ص62-63)  وصفا لأهالي بغداد ومقاومتهم الجيش الصفوي الذي أرسله الشاه عباس لاحتلال بغداد وقتل سُنتها وذلك سنة 1032م بعد حصار أكل الناس فيه لحوم الحيوانات والآدميين:

( .. يصف المؤرخ محيي الدين العباسي قاضي تكريت المعاصر للأحداث كفاح أهل بغداد في تلك الأيام العصيبة فيقول: (أن أهل بغداد قاموا بأعمال عظيمة قلما أمة  قامت بها، بأن حاربوا الشاه وقتلوا منه كثيراً .. وقد شحنوا أبواب السور بكثرتهم وصعدوا الأبراج يرمون من مزاغلها العدو بالنشاب وليس من يعينهم ويدير حركاتهم، ومع هذا قاموا بحرب دامية استظهروا بها على العجم، وفتحوا باب السور الوسطانية وخرجوا عليهم بالسيوف والخناجر وصارت ملحمة في الباب وعلى قناطر الباب، دامت ثلث النهار حتى ملئ الخندق بأشلاء العجم، ولما تراجع عسكر العجم من أطراف المدينة وقوي ساعدهم أوصدت الباب العالي ودام القتال إلى الليل ثم رجع العجم إلى مضاربه وخيامه، وتركوا قتلاهم وجرحاهم في الخنادق لا يحصون، ولما كان الغد أخذ أهل بغداد يقوون أخوانهم في الأبواب ويشحنونها بالمقاتلة، والنساء ينقلن إليهم الطعام و يزغردن فرحاً وتشجيعاً وكل هذا والمدينة خالية من الجند ..). نقلاً من مخطوط نشر قسم منه في جريدة العراق 27 حزيران 1930 م ) اهـ ([3]).

وما كان الناس في يومها ليدافعوا لولا ثقافة سُنية أصيلة غرست فيهم ترفض التشيع ، ولولا ثقافة أودعها فيهم أهل العلم والدعاة .

 ولما رفض الأكراد السُنة قبول التشيع وفضلوا النفي على التشيع، حدث هذا في زمن الشاه عباس الصفوي فشرد (15000) عائلة كردية إلى خراسان ، كما ذكره محمد أمين زكي في كتابه (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان) ( 207 ،208 ، 211).

والدارس لأحوال العراق يجد هذه الجهود والأعمال متذبذبة بحكم الوضع السياسي فتارة تنشط وتارة تفتر. ومرد ذلك الوعي بحقيقة التشيع وخطره سواء عند العرب والتركمان والأكراد هو جهود علمائه ودعاته في هذا المجال، ولهذا وقف أهل العراق مع كل وال أو حاكم أو خليفة يخلّصهم من التشيع وأهله.

ولأهمية هذا الوعي في وقاية بلادنا ومجتمعاتنا من أخطار التشيع القادمة أذكر قصة ذكرها لي أحد الأخوة الباحثين الأفاضل حول سفر أحد فضلاء بغداد بعد دخول الصفويين بها إلى استانبول عاصمة الدولة العثمانية واحتياله لدخول قصر السلطان والأذان فيه بـ "حي على خير العمل" (أذان الشيعة) فأمر الخليفة العثماني بإحضاره وسأله عن سبب صنيعه هذا؟ فأجابه قائلا: هذا الأذان سيصل لقصرك وسيشيع في بلدك هذا إن لم تنقذ بغداد من الصفويين؛ فهبّ السلطان لنجدة بغداد و تحريرها  و تمّ له ذلك.

وهكذا يفعل فضلاء العراق اليوم يؤذنون في كل عواصم الدول العربية؛ في الأردن ومصر والسعودية ودول الخليج والسودان واليمن وغيرها من بلاد الله ، منذرين شعوبها وحكامها علّها تلامس أسماعهم مثلما لامست صرخة تلك المرأة أذن المعتصم أوعلها تفعل ما فعله أذان العراقي الذي أذن في بلاط الخليفة العثماني ، فيهبوا جميعاً بكل الوسائل والحيل والفرص كي ينقذوا اليوم سُنة العراق بل العراق أجمعه، فلا يحفظ العراق إلا سُنته،وأهل السُنة أحن على الشيعة من أنفسهم،وليذكر الشيعة أيام حكم السُنة خير لهم أم أيام حكمهم بعد الاحتلال (عهد الجعفري والمالكي)!!؟؟.

وأرجو من المولى عزّ وجل أن لا يصدق في العرب والمسلمين قول الشاعر عمر أبو ريشة رحمه الله:

ربّ وامعتصماه  انطلقت       ملء أفواه الصبايا اليتـم

لامست أسماعهملكنّهـا       لم تلامس نخوة  المعتصم

   ولعل في ذلك  تحفيزاً وإيقاظاً لنفر من أهل جلدتي من السُنة ، سواء كانوا من أهل بلدي العراق الجريح ، أو من بلد من بلدان العالم الإسلامي يحمل عقيدة أهل السُنة والجماعة، أو شريك في الدم والعرق تدفعه عروبته لشيء من الغيرة، ويدفعه قول الشاعر يوم رأى الشعوبية تعمل عملها في أيام حضارتنا الأولى (نهاية الدولة الأموية) فقال يصف الشعوبيين الفرس:

يدينون  ديناً مـا سمعت  بـه    عن الرسول ولا جاءت به الكتبُ

فمن يكن سائلاً عنأصل دينـ     ـهم فإنّ دينهم أن تُقتـل العربُ

والله ولي التوفيق.

 

نبذة عن العراق وشيعته .. وتشيّع قسم من أهله وعشائره

أعتقد أنه من المهم بداية أن ألقي بعض الضوء على تاريخ الشيعة بالعراق وأسباب تشيع بعض العشائر في الجنوب ، لتتضح للقارئ قيمة هذه الجهود العراقية في الرد على الشيعة ، فهي ليست جهود مبعثها الفراغ وحب النزاع أو الترف الفكري،ولكنها جهود دافعها التصدي للعدوان والطغيان الشيعي الصفوي.

فمن المعروف للباحثين في الشأن العراقي أنّ بلاد العراق هو منشأ التشيّع الأول، ومدينة الكوفة- التي بناها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه- كانت ملاذا  للشيعة الأوائل([4])، وفي العراق قبور من يقدسهم الشيعة ويعتبرونهم – حسب زعمهم – أئمة معصومين ؛ حيث قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مدينة النجف، وفيه استشهد الحسين على أرض كربلاء، ومعه أخوه العباس  وجميع شهداء معركة كربلاء، وفي بغداد قبر موسى الكاظم وحفيده محمد الجواد، وفي سامراء قبر علي الهادي وولده الحسن العسكري رضي الله عنهم أجمعين، وفي العراق أيضاً خرافة الشيعة ومحل غيبة المهدي المنتظر وغير ذلك كثير من القبور الصحيحة والمفتراة.

فالعراق بلد مقدس عند الشيعة، ورغم كلّ ذلك لم يكن العراق في يوم من الأيام بلدا شيعيا، لا شعباً ولا حكومة، بل كان العراق سُنيا منذ عهد الأمويين ثم العباسيين ثم إبان حكم المغول وبروز دولة اللإلخانيين ثم دولة الجلائريين ثم دول التركمان (الآق قونيلو، والقرة قونيلو) ثم من بعدهم العثمانيين.

 فعلى مرّ هذه الحقب والعراق[5] بشماله وجنوبه وشرقه وغربه بلد سُني حاكما ومحكوما، ويؤيد ذلك أن كل الرحالة والمؤرخين العرب والأجانب عندما مرّوا بالعراق أو بغداد ووصفوهما فإن كل هؤلاء ذكروا معالمه الأثرية سواء كانت المساجد أو المقابر أو التكايا أو الزوايا الصوفية أو دور العلم أو المدارس والربط والقصور كلها تدل على أصالة الوجود السُني، وأنه هو الأصل في كل تاريخ العراق وحضارته.

فقد مرّ بالعراق ابن بطوطة، والرحالة الإيطالي ماركو بولو، ومن ثم حمد الله الفارسي المتوفى سنة (740 هـ/1339م )، ومن ثم التركي نصوح السلاحي المطراقي الذي رافق السلطان سليمان القانوني في فتحه بغداد (944 هـ/1536م) ورسم صورة لمدينة بغداد، والرحالة الفرنسي جزبز تافرنيه (1632-1652م)، ومصطفى بن كمال الدين محمد الصديقي الدمشقي (1162هـ/1749م)، والدانماركي كرستين ينبور (1766م)، وصموئيل إيف (1779م)، وكي لسترانج، وفيلكس جونس وكولينكوود (1853- 1854م)، ثم رشيد خواجة (1908م)؛ كل هؤلاء الشهود الرحالة والجغرافيين شاهدوا العراق ووصفوه ورسموا خرائط للعراق ولبغداد ، ولا تكاد تجد بغداد أو العراق إلا بلدا سنيا إلا يسيرا أو قليلا من المواطن الشيعية هنا وهناك.

نعم في العراق شيعة في بؤر ومناطق متفرقة؛  فالشيعة كانوا أول الأمر في الكوفة وهناك كان مركز التشيّع العلمي ثم ضعفت الكوفة، و تحول مركز العلم الشيعي من الكوفة إلى مدينة النجف – كان هذا في القرن الرابع الهجري – وبرزت بعد ذلك الحلّة المزيدية، وأصبحت الحلة ومن ثم النجف مراكز التشيع في العراق ؛ بها مدارسهم وعلماؤهم([6])، وفي العهد العثماني برزت مدينة كربلاء بعد أن كانت قرية صغيرة، ولا ننسى أن في غرب بغداد وفي الكرخ ([7]) كانت هناك محلات للشيعة في زمن الدولة العباسية.كما كان في بغداد قبر موسى الكاظم وحفيده وجامع براثا، وبقية بغداد كلها سني بجانبيه الرصافة والكرخ. وكذا العراق فكلّه بلد سُني سواء في عاصمته بغداد وفي جنوبه البصرة وفي شماله الموصل أو ولاية شهرزور([8]). 

واستمر هذا الحال في كل العهود التي تلت سقوط بغداد: ففي عهد الإليخانيين (656-738هـ / 1258-1338م) وهم المغول وبعد أن خربوا بغداد وقتلوا أهلها: 

·         جاء إلى بغداد من سكنها من العشائر من حولها وأصبحت بغداد أكثر سنية فقد اندثرت حتى مدينة الكرخ الشيعية.

·         ثم من بعدهم جاء الجلايريون (738- 795 هـ ) (1338- 1392 م ).

·         ثم حكم تيمورلنك المغولي (795- 808 هـ ) (1392-1411م ).

·         ثم حكم الجلائريون([9])( 808-874 هـ) (1411-1469م )

·         ثم حكم التركمان الآق قوينلو والقرة قوينلو (874-914 هـ ) (1469-1508م ).

·         في كل هذه الفترات كان الحكم سنياً([10]) بحتا لمدينة بغداد والعراق.

·         ثم احتل الصفويون بغداد وجزءا من العراق سنة (914- 930هـ /1508 - 1523 م) ونصروا الشيعة وقتلوا السنة، لكن بغداد والعراق بقيا بلدا سنيا

·         ثم طرد أمير كردي هو (ذو الفقار) الصفويين واحتل بغداد (930-936هـ /1523-1529م).

·         وعاد الشاه طهماسب الصفوي واحتل بغداد (936- 941هـ /1529-1534م ).

·         لكن العثمانيين الأتراك السُنة أنقذوا بغداد في يوم 24 جمادى الآخرة سنة (941هـ /1534م)([11]) وعاد العراق سُنيا من جديد كما كان دائما.

·         ثم في سنة (1030 هـ/1621 م) احتلت بغداد وبعض العراق من قبل الصفويين الذين بقوا إلى سنة (1048هـ /1633م) بيد أن العثمانيين السُنة أنقذوا بغداد والعراق من جديد بتاريخ 18 شعبان وظل العثمانيون إلى سقوط العراق بيد الأنكليز سنة 1917م.لذلك يقول كل المؤرخين الفتح العثماني بينما يقولوا الغزو الصفوي.

محاولات الشيعة لحكم العراق

وقد حاول الشيعة  قديما حكم البلاد إبان سيطرة البويهيون([12]) على الحكم العباسي ( 320-447 هـ) إلا أنه ومع نصرة البويهيين للتشيع بقي العراق وأهله سُنة، وبقي حكام العراق هم العباسيين السُنة وإن كان حكمهم شكليا للبلاد، ولم يكن بوسع البويهيين إعلان التشيع؛ لأن أهل العراق السُنة يومها كانوا سيرفضون هذا الخيار، فعلماء العراق ومدارسهم كلها سُنية ولا تعرف في بغداد أي مدرسة شيعية.

وكانت مساعي الشيعة مستمرة لنصرة مذهبهم فتأسست دولة المشعشعين في بلاد الأحواز([13])  بين سنتي (840-914 هـ)، وقد حاولت نشر التشيّع في الجنوب فنجحت في ذلك في مناطق البطائح (الأهوار) وهي الآن في محافظة ميسان ومركزها العمارة ([14]).

وسبب ذلك يعود إلى  أن أهل هذه المناطق غير تابعين لسلطة الدولة، ويثورون على كل حاكم، ويعيشون معيشة متخلفة بعيدة عن الحضارة والمدنية، وحياتهم قائمة على تربية الجاموس وصيد الأسماك والتنقل بين الأهوار، ومساكنهم من قصب([15])؛ لذا لم تستقر عندهم حضارة ولا مدارس علم ولا مساجد، وكان تشيعهم مردّه عدم وجود محصّن لهم ثقافي أو حضاري يحميهم.

وكان هَمُ المشعشعين الغزو والسطو على البلاد، فناسب أهل البطائح عقلية المشعشعين وأفعالهم لذلك كان هذا أحد أسباب  قبولهم للتشيع. فهذا مؤسسهم محمد بن فلاح عندما ظهر سنة 840 هـ في الكوفة وأدعى المهدية، وكان قد خلط التصوف المنحرف بالتشيع، وادّعى ألهوية علي، فأفتى شيخه الشيعي أحمد بن فهد الحلي (ت:841هـ ) بقتله، فهرب إلى الأهوار وحماه سكان الأهوار المعدان (المعادي) والتفوا حوله، وهم أول جماعة حمته وكون معهم دولته، والعشائر المتأثرة به وقتها هم: بنو سلامة والسودان وبنو أسد وبنو طي وبنو حطيط، وهؤلاء تأثروا بتشيعه الغالي وشرعوا بالإغارة على المدن السُنية كمدينة واسط ( قبل أن تندرس )، ومدينة جصّان([16]) فقاتله أهلها السُنة وذلك في سنة 844 هـ وبعد مرور عام سيطر على مدينة الحويزة وانضم إليه من القبائل العربية: عبادة وبنو ليث وبنو سعد ، وهذا يعني أن بواكير انتشار التشيع في الجنوب بدأت من محمد بن فلاح المشعشعي([17]).

وكذا كان لبروز الدولة الصفوية ([18])في بلاد إيران على يد الشاه إسماعيل الصفوي دور آخر في نشر التشيع في العراق، بعد أن شيّع أهالي إيران السُنة عنوة ثم غزا العراق واحتل بغداد وقتل كثيرا من أهل السنة، وحاول تشييع العراق كله ولم يفلح، إلا أن التشيع أخذ بالازدياد في جنوب العراق لعدة أسباب فصلناها في بحثنا (تاريخ تشيّع العشائر العراقية) يسر الله نشره.

ونستطيع تلخيص بعض هذه الأسباب الرئيسة لتشيّع الجنوب والوسط:

الجنوب والوسط عبارة عن قبائل غير مستقرة ، ثائرة باستمرار على الدولة المركزية في بغداد، وأصول هذه القبائل بدوية قادمة من جزيرة العرب إما لطلب الماء والكلأ ، وإما هربا من عدو قوي أو دم و ثأر، أو فرارا من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب  وأتباعه بعد أن جرى القتال بينهم وبينه. عدم الاستقرار هذا أدى إلى انعدام الحضارة فيه ؛ فلا مدن رئيسية فيه ؛  فالسائر في تلك الأيام من مدينة بغداد إلى البصرة بمحاذاة نهر دجلة لا  يلاحظ وجود أي مدينة هناك سوى واسط وهي مدينة انتهت في القرن التاسع للهجرة، أما إذا سرت مع الفرات فلا توجد سوى مدينتي الحلة والنجف (وهما مدن شيعية  منذ القدم) ثم تأتي بعد ذلك مدن وقرى صغيرة إلى أن تصل للبصرة.

 ولا تكاد ترى في كتب التراجم والتاريخ أي مؤلّف أو عالم أو أديب سُني ينتمي لتلك المناطق، فهي مناطق مهملة حضاريا وغير منتجة لأي جهد مبدع أو حتى جهد عادي، فلا تتوفر فيها مدارس للعلم و ليس فيها إلا القليل من المساجد، ولا زالت هذه المناطق إلى عهد قريب تعيش في جهل مبين، ومبادئ الدين وأصوله مغيبة عن معظمهم.  هذه النقطة كانت مرتكز دعوة الشيعة في الجنوب وبعض الوسط.

والحقيقة إن التشيع لم يدخل  للجنوب بعد تكوين الدولة الصفوية بل بقي الجنوب سنيا وفي القرن الحادي عشر وبعد استقرار التشيع في إيران وشعور علماء الشيعة في لبنان والبحرين والعراق (النجف والحلة) أن ثمّة دولة شيعية (الصفوية) تدعوهم لدعم التشيع، وذهاب عدد من العلماء للشاه الصفوي وتأليفهم كتباً عديدة له، يومها بدأ التخطيط لتشييع جنوب العراق لقلة العلماء السُنة بينهم وندرتهم باستخدام عدة وسائل منها:

* مجالس التعزية الحسينية في شهري محرم وصفر؛ وهي عبارة عن قصائد حزينة تحكي مقتل الحسين رضي الله عنه وتحمّل أعداءه السُنة (على حد تعبير الشيعة) دمه إلى يوم القيامة، ويجري فيها البكاء واللطم، وقد كانت عشائر الجنوب تؤثر عليها النظرة المقدسة لآل البيت ومن ينتسب لهم، فقد كان للأحداث الدامية الأليمة التي مرت بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما الأثر البالغ في انحياز العديد من القبائل العربية في العراق إلى آل بيت النبي الكريم والتعاطف معهم، بل والقتال وبذل الدماء لنصرتهم رضي الله عنهم هذا قديما وبقيت جذوره موجودة فيهم([19]).

* المواكب الحسينية، وهي مسيرات يتم فيها ضرب الظهور واللطم وجرح الرؤوس بالطبر (آلة حادة مثل السكين، لكنها أكبر) وتستخدم فيها  أصوات الطبول والبوق مع قصائد  حزينة. هذان الأمران أحدثتهما الدولة الصفوية واستخدمتهما في العراق والهند لنشر التشيع، علما أن في بداية الأمر لم يكن العربي يقبل هذه الأفعال وإنما ينظر لها ويشاهدها دون أن يمارسها أما من  يقوم بها فهم الفرس والهنود والأذريون القادمين للزيارة وإحياء ذكرى مقتل الحسين في عاشوراء، ومع مرور الزمن أصبح أهالي الجنوب والوسط  من العشائر العربية هم من يفعل ذلك.

* زيارة المراقد المقدسة عند الشيعة وترتيب أجور على هذه الزيارة، وقد زخرف الصفويون مقامات وأضرحة الأئمة الشيعة بالذهب والزخارف كي تسلب لب هؤلاء الأعراب.

* استخدام الفرس زواج المتعة بجلب نساء من إيران لممارسة المتعة بين قبائل وعشائر العراق الجنوبية والوسطى العربية، التي تأبى هذا الفعل مع نسائهم العربيات لأنه عار، بينما يرتضيه شيخ العشيرة أو الوجيه مع نساء من غير العرب يهبن أنفسهن بدراهم معدودة أو مجانا؛ فهي دعارة حلال أو شرعية (كما يسميها بعض الشيعة).

*  انتقال مركز التشيع من إيران إلى العراق في كربلاء والنجف، فحين قضى الأفغان على الدولة الصفوية واستولوا على إيران وأرادوا إعادتها كما كانت دولة سنية سنة 1722م، هربت مئات العوائل الفارسية للعراق وممن هرب كبار علماء الفرس الشيعة وذلك خلال الفترة ما بين (1722-1763م).

* محاولات بعض حكام إيران تطبيق ونشر التشيع أثناء احتلاله بعض المناطق العراقية، فعندما احتل كريم خان زند الإيراني الشيعي مدينة البصرة سنة 1766م طبق الصلاة على الطريقة الشيعية ونشر خطب الجمعة، وسك عملات عليها أسماء الأئمة الأثني عشر، وزامن هذا ضعف العثمانيين وصعود دور المماليك في العراق سنة 1747م، والذي شهد فيه العراق فوضى عارمة استغلها الشيعة العجم مع الفرس ودخلوا العراق بشكل  كبير .

* الأعمال الخيرية لدولة أوذه الشيعية في شمال الهند (1720 - 1856م) حيث حوَّل حكام أوذة ووزراؤها ووجهاؤها أكثر من مليون روبيّة للأغراض الخيرية والمشاريع الاقتصادية والوظائف الدينية، فساهمت كثيراً في دعم المجتهدين الفرس في النجف وكربلاء، الذين كانت لهم صلة بدولة أوذة، وابتداءً من تشرين أول سنة 1852م أصبحت تبرعات أوذة الخيرية تدفع عن طريق الوكيل السياسي البريطاني في العراق، الذي منحت له سلطة قانونية للإشراف على إنفاق المال، وكان يقوم باختيار المجتهدين الشيعة  الذين يتولون التصرف والتقسيم لهذه الأموال ، منهم خمسة هنود، معادلة للهيمنة الإيرانية.

 وبحلول عام 1908م أشيع أن القسم الأعظم في هذه الأموال يدفع للمجتهدين الإيرانيين ؛ لأن البريطانيين يفكرون بالاستيلاء على إيران ويحتاجون لمساعدة علماءهم لتسهيل هذا الاحتلال([20]). حتى عبّرت الدولة العثمانية عن ذلك بقولها " الدفعات السرية للأماكن المقدسة من السلطات الهندية البريطانية"([21]).

*  مجيء كم كبير من تجار الفرس الشيعة واستقرارهم في المدن المقدسة الشيعية ككربلاء والنجف  وفي بغداد في محلة الكاظمية ومدينة سامراء .

*  تطوير النظام العشائري الذي تحول من بداوة إلى استقرار في الريف،  والذي أدى إلى تقليص سلطة الشيوخ  (شيوخ القبائل) وظهور سلطات جديدة مثل:

*  السراكيل الذين كان دورهم كمراقبي عمل وكانوا وسطاء بين مالك الأرض والفلاحين وكانت وظيفتهم بالدرجة الأولى تنحصر في إبقاء الأرض مزروعة ليتسنى تحصيل الفوائد للملاك.

*  فئة أخرى يطلق عليها اسم السادة (جمع سيد)([22]) ينتشرون في المناطق العشائرية، لهم منزلة دينية مرموقة كون أن نسبهم يرجع إلى أسرة النبي الكريم على حسب قولهم. وقد تعزز موقعهم عندما عملوا كأولياء، وكان بعضهم يدعي امتلاك قوى خارقة لعلاج الأمراض، وكان لدعائهم وزن معنوي عند سكان الأهوار، وقد حظي هؤلاء بقدسية عند رجال العشائر الذين كانوا يقسمون الأيمان بأسمائهم، وكانت منزلتهم العليا تتجلى في حقيقة إنّ دية السيد القتيل هي ضعف دية الشخص الاعتيادي.

وكان السادة يمنحون موافقتهم ومباركتهم في الأعراس والختان ومراسيم الجنازة ، وهم الوحيدون الذين يقرؤون ويكتبون حينذاك وكانوا بمثابة همزة وصل لأهل العشائر مع العالم الخارجي.

كما أعطيت للأشراف (السادة) في الجنوب (قبل التشيع) منزلة تعززت بسبب عقدة عشائر الجنوب تجاه قضية مقتل الحسين، هذا الأمر الذي بقي  متأصلاً فيهم، ولا يقدم على الأشراف سواهم حيث كان الشريف يُفضّل في ترؤس الحلف المبرم بين القبائل المتعددة كما هو معروف في (حلف المنتفق أو المنتفج).

*  كما كانت هناك فئة ثالثة تدعى بـ (المؤامنة) أو (العالم) وهؤلاء ليسوا بالضرورة من آل البيت ولهم منزلة أدنى من السيد، تدخل في الهيكل التشكيلي للمجتمع العشائري، وكانوا يُرسلون عادة من قبل الحوزة العلمية في النجف، وهم من خريجي المعاهد الفقهية ومفوضون في تسوية أمور الزواج والطلاق والميراث، وكانوا يقيمون المراسيم الدينية ويقودون المواكب الحسينية ، و يعتقد أنهم من ادخلوا زواج المتعة إلى الجنوب العراقي ، وبذلك أتيحت الفرصة لشيوخ العشائر الاقتران بعدد من الزيجات ولو كانت مؤقتة.

*  وقد هاجر العديد من أسر الأشراف السُنية من الحرمين وغيرها إلى بلاد الرافدين كأسرة أبي طبيخ التي هاجرت من الإحساء بحدود  1214 ﻫ ، وأسرة السعدون من الحجاز قبل أربعة قرون، و(البو محمد) من الحجاز سنة 1213 ﻫ ، والسادة العذارية - نسبة إلى زيد بن علي بن أبي طالب - من المدينة النبوية، وكذا آل زوين قبل عدة قرون، وكما سبق ذكره فإن التشيع أعطى هذه الفئة ميزات لا تعطى للسيد السني؛ وإذا ما نزل شريف من الأشراف أو السيد بما هو المصطلح عليه في العراق فله المكانة العالية وينظر له بقدسية كبيرة، وإذا كان متواضع الحال أو معدماً منحه شيخ القبيلة أرضاً خصبة، ويوثق تلك المنحة بصك شرعي كما فعل شيخ الخزاعل لأسرة آل أبي طبيخ بحدود عام 1214 ﻫ .

وكذلك ما فعلته قبيلة (العنافجة) إحدى فروع قبيلة آل كثير مع السيد أحمد الجابري الذي هاجر من العمارة على أثر خلاف بينه وبين والده، حيث أنزلوه منزل إجلال وإكرام وأعطوه أرضاً مزروعة.

لأن القبائل المتواجدة في وسط وجنوب العراق يعتبرون أن للسادة حقاً في أملاكهم الخاصة وكذا في وارداتهم السنوية فيقدمون ذلك مع الطاعة. يقول عبد الجبار فارس (شاهد عيان) : "ويندر أن نجد قرية خلت منهم أو عشيرة لا يحط معها بعضهم، وهم أينما حلوا كانوا من المقربين عند الشيوخ ولهذا صاروا يقطعونهم قسماً من أراضيهم ويخصصونها ملكاً لهم ... ".

بل نجد (التجمع القبلي) المكون من قبائل شتى يسمى أحياناً باسم الأسرة التي تنتمي إلى الرسول   وحلت بينهم كـ (آل سيد نعمة)، حتى بلغ الأمر بأمير المحمرة ( من مقاطعة الأحواز - خوزستان - عربستان) خزعل بن جابر الكعبي العامري ( ت 1355ﻫ / 1936م) قوله المشهور لما طلب منه أحد أفراد أسرة السيد هاشم النزاري أن يسمح له بقتله وذلك لتحريضه القبائل ضد خزعل: "لو أعطيت ملك الدنيا لما رضيت أن ألاقي ربي ويداي ملطخة بدم علوي".

وبناء على هذا التصور وهذه القدسية والهالة التي تحيط بأي أسرة علوية تنتسب إلى رسول الله. ونظراً لما يتمتع به السيد وسط القبيلة من مميزات ومكانة المذكور بعضها آنفاً، أكثر الادعاء بالسيادة، وقل من هو مقطوع بنسبه كما يقول العزاوي.

ولكثرة السادة وازدياد نفوذهم تنبه فريق من الناس لتلك الظاهرة وأخذوا يتساءلون عنهم مما اضطر مدعي السيادة أحياناً إلى تغيير محلات سكنهم لتفادي تدقيق رجال العشائر تدقيقاً شاملاً في موقعهم. وحاول رؤوساء بعض العشائر لتعزيز مكانتهم وهيمنتهم على عشائرهم وقبائلهم تزويج بناتهم لبعض السادة([23]).

*  ولقد كان رد فعل القبائل والعشائر العربية وخاصة في منطقة الفرات الأوسط التي تتكون من   (كربلاء، الحلة، الديوانية) - والنجف تعتبر أحد أقضية لواء كربلاء - على هجمات الوهابيين (أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب) لأكثر من مرة منها ودخولهم كربلاء عام 1801 م، أن حفز علماء الشيعة  وعلماء النجف بالذات إلى تكثيف عملية تشيُّع قبائل العراق، وواكب ذلك سياسة العثمانيين الملحة في توطين العشائر التي بدأت في عام 1831م. فتواكب العاملان على بناء جيش من أبناء القبائل لحماية المدينتين من الخطر الوهابي القائم  كما سموه([24]).

وأخذ علماء الشيعة يعمقون قوة ربط أبناء القبائل بحب المدينتين (كربلاء والنجف) وتنظيم الزيارات المستمرة على مدار العام. إما أن يكون تاريخ ولادة النبي أو وفاة إمام أو زيارة أحد الأئمة وهذه أهمها:

(يزار قبر الحسين رضي الله عنه يوم عاشوراء، وفي العشرين من صفر، وفي غرة رجب ومنتصفه، وفي منتصف شعبان، وأول أيام عيد الفطر، ويوم عرفة، وأول أيام عيد الأضحى. كما يزار قبر الإمام علي رضي الله عنه في ذكرى المولد النبوي في الـ17 من ربيع الأول ، وفي الـ17 من رجب (ذكرى الإسراء والمعراج ) ، وفي الـ 18 من ذي الحجة )([25]).

*  فسّر بعض المحللين للمجتمع العراقي دوافع اعتناق بعض الأفراد  للتشيع طوعاً هو تهربهم من تبعات قانون التجنيد العثماني الذي كان يعرف بـ (السفربر) الذي كان المجند حينذاك إذا شارك في حملة عسكرية نادراً جداً ما يعود إلى أهله، وتخلصاً من تداعياته لجأ عدد كبير من العراقيين إلى القنصليات الإيرانية واكتسبوا جنسيتها وتشيعوا هرباً من التجنيد العثماني.

*  يذكر الكاتب علاء الدين المدرس في كتابه "ثقافة الوسط" (ص370): أنه في منتصف القرن التاسع عشر اتفقت انكلترا وإيران (في عهد القاجاريين)على ضرورة وضع خطة محكمة لنشر التشيع بين  العشائر العربية الجنوبية والخليج، وتتعهد الحكومة الإنكليزية بتسهيل مهمة الوافدين الإيرانيين والحصول على موافقة والي بغداد والباب العالي، ويتعهد الجانب الإيراني بالمقابل بإرسال رجال دين وأموال كافية لتنفيذ المهمة، وغرض الخطة هو زعزعة قبضة والي بغداد على جنوب العراق والخليج وتسهيل وتأمين طريق شركة الهند البريطانية من خلال السيطرة على الطريق البحري بين الشام وبغداد والبصرة والبحرين ورأس الخيمة ومسقط وموانئ إيران الجنوبية والهند. وهذا الأمر يؤكده ما يلي:

- إن سياسة الاستعمار البريطاني واعتماده على مبدأ (فرق تسد) جعل بريطانيا تعتمد في استعمارها للعراق على كم كبير من التقارير التي كتبها فريق من السواح منذ أكثر من خمسة قرون وكانوا يتلقون الدعم المادي وغيره من عدة مؤسسات منها: الجمعية الملكية الجغرافية ، شركة الهند الشرقية ، المتحف الوطني، مصلحة الاستخبارات العسكرية. ومن أشهر هذه الرحلات الخاصة بالعراق وأقدمها رحلة الهولندي د. ليونهارت راوسلف عام (1573م)، وجاكسون الذي زار العراق سنة 1767م وهو من موظفي ( شركة الهند الشرقية )، ورحلة كلوديوس جيمس ريج ( 1787 - 1820م ) وما دوّنه عن العشائر الكردية والعربية وعن اليزيدية يعتبر على جانب كبير من النفاسة([26]) .

ورحلة جيمس بيلي فريزر ( 1783- 1856م ) الذي كان كثير الاهتمام بوصف الحالة الاجتماعية ولاسيّما في ذكر عادات وطباع العشائر العربية والكردية التي مر بها([27]). ورحلة الليدي دراور التي وصفت في رحلتها النجف والكوفة وكربلاء والكاظمَية وسامراء وبغداد والموصل والبصرة، والمرأة، والعشائر، واليهود، واليزيدية، والصابئة، والأهوار، والعادات والتقاليد([28])، وتسيكر الذي زار منطقة الأهوار ودرس أحوالها الاجتماعية والاقتصادية([29]). وقبائل بدو الفرات عام 1878م لـ (اللّيدي آن بلنت)([30])، وهنري ليارد زار بدو دجلة والفرات عام 1841م وعاش بين الجبور فترة من الزمن([31]). ومذكرات عن القبائل العربية البدوية للميجر ف.ل ايدي عام 1919م، ومذكرات عن عشائر وشيوخ عانه ومنطقة البو كمال ومذكرة عن مدينة عانه للكابتن سي. سي. مايللز عام 1919م، ومذكرات عن عشائر وشيوخ الشطرة للكابتن س. أس. أف. بركلي عام 1919م([32])  ... حتى أن بعض المسؤولين المعتمدين كان يطلب من العارفين بأصول العرب وقبائلهم أن يكتب له ما يعرفه عنهم لدرجة أن كلوديس جيمز ريتش (ريك) المقيم البريطاني بالبصرة وفي بغداد عام 1808م ، كان داود باشا  والي بغداد يعتقد بأنه متآمر مع الأكراد والإيرانيين([33]).

وهكذا مع قلة الوازع الديني وقلة العلماء سرى التشيّع في الجنوب، وحصل هذا بالتحديد في القرن الحادي عشر والثاني عشر للهجرة، أي بعد سنة 1750م تقريبا، وأصبح التشيع سمة غالبة على الجنوب العراقي وجزءا من وسطه.

 و من الملاحظ أنه بحلول القرن العشرين كانت العشائر المستقرة ما زالت منقسمة على أسس طائفية، فعشائر المنتفك قد تشيعت، بينما بقيت عشائر الشحيم والسعدون على أصلها السُني، أما عشائر الفراعنة والزوابع وتميم فقد تفرقت بين شيعية وسنية، أما عشائر الجبور في حوض الفرات فقد تشيعت، بينما عشائر جبور دجلة احتفظت بمذهبها السني وهكذا..

والسؤال المهم كيف أثر التشيع على عرب الجنوب فيما يتعلق بمحبتهم للعراق وروحهم الوطنية؟

 وجوابه: إن قيادة عرب الجنوب – مع الأسف – هي بيد علماء الدين الشيعة، وهؤلاء أصبحت السيطرة عليهم سهلة من قبل المستعمر فإنّ الإنكليز و بناء على تلك المعلومات والتقارير والرحلات السابقة استطاعوا معرفة أغلب ما يتعلق بالقبائل وشيوخهم وتفرعاتهم ومدى ولائهم للدولة العثمانية وتسلحهم بل وحتى نوع السلاح ومصدره، وتمكن الإنكليز شيئاً فشيئاً باستخدام الترغيب بالأموال والأراضي والمناصب الإدارية، والترهيب بالحرمان والسجن والإبعاد عن البلد.

 وفي نهاية المطاف تم لهم السيطرة على البلاد والتمكن في نهاية سنة 1917م، من تأسيس قوات عسكرية قوامها أفراد العشائر سموها ( شَبَانة ).

وتذكر (المس بيل) في مذكراتها سنة 1919م أن ما يقرب من ( 400 شيخ ورئيس ) من العشائر الفراتية في الحلة والهندية والناصرية والديوانية قد نظموا عرائض ومضابط يطلبون فيها استمرار الإدارة البريطانية المحتلة([34]). وهكذا انخرط الكثير من رؤساء القبائل والعشائر ذات الأصول الرفيعة في خدمة المستعمر .

كذلك تمكنوا من الهيمنة على كثير من شيوخ النجف وكربلاء ووجهائهم ، فقد تمكن السيد هادي الرُّفيعي - وهو سادن الروضة العَلَوية - من تنظيم مذكرة تحمل تواقيع 21 شخصية من وجهاء المدينة وتجارها يطلبون الحكم البريطاني المباشر([35]).

ومع هؤلاء ستة من المجتهدين في النجف كانوا على استعداد لتأييد إدارة بريطانيا حتى يتمكن أهل البلد من الحكم بأنفسهم، وإذا ما بحثنا عن هؤلاء نجدهم ثلاثة هنود كانوا رعايا بريطانيين: السيد (هاشم) الهندي النجفي، (محمود) الهندي النجفي، ومحمد مهدي الكشميري، ومجتهد واحد من أصل فارسي هو جعفر بحر العلوم، وحسن بن صاحب الجواهري (يحمل الجنسية الإيرانية)، وعلي بن محمد رضا كاشف الغطاء، وكان على صلة وثيقة بكاظم اليزدي الإيراني أكبر المجتهدين علماً وصاحب النفوذ الكبير بين العشائر العربية الشيعية([36]).

لذلك فإن الوجود الشيعي العربي في العراق أصبح مرتبطاً بسبب ولاء القبيلة لرجال الدين إما بإيران أو بأي مستعمر دخيل، حصل هذا سابقا ويحصل اليوم بتعاونهم مرة مع الأمريكان ومرة مع إيران، وأصبح التشيع خطرا على البلاد والعباد، وضعف الولاء للقبيلة والوطن والعروبة وثمة نظرية لابد أن يدركها أهل الجنوب بوعي تام وهي:

·         كلما ضعف التدين الشيعي في الجنوب  قوي ولاء القبيلة والعشيرة للوطن والعروبة.

·         وكلما قوي التدين الشيعي في الجنوب ضعف ولاء العشيرة للوطن؛ لأن بوصلة التشيع تحولت منذ نشأة الدولة الصفوية إلى إيران ،  وإيران تعمل لخدمة بلدها في تقوية آصرة الشيعة بهم باستخدام المرجعية ، أي تستخدم المذهب في خدمة إيران.

ومهما حاول بعض المخلصين من أبناء الجنوب التمرد على سلطان علماء الدين لم يفلحوا لأن التشيع قام على تقديس رجل الدين الشيعي المستخدم من قبل إيران.

  وفتوى العالم عند الشيعة مقدسة حتى يقول المثل العراقي الشهير (ذبها براس عالم واطلع منها سالم ) ومعنى (ذبها ) أي إرميها أو علقها .

وأي مستعمر يغزو البلاد ينتظر الشيعة في الجنوب فتوى العالم، وهذا بدوره مرتبط بالحوزة في إيران- إلا ما ندر- لذا فإن  شيعة العراق لن يستقلوا بقرارهم، ومهما حاول البعض تفسير غير ذلك سيتعب ؛ لأن قرار الفرد في الجنوب صودر لحساب رجل الدين الشيعي. وحتى لو أفتى العالم بالقتال والجهاد فهو قرار لمصلحة إيران.

بينما لا تجد هذا عند السُنة ، فهم أحرار في قراراتهم حتى لو أفتى عالم لهم بغير ما أرادوا، فالسُنة وحدهم هم من يحمي العراق ووحدته وأصالته وهويته، وهم أصلح لكل العراق من غيرهم ، وأصلح حتى للشيعة في بقاء أرض العراق مستقرة وقراره مستقل.

 

الجزء الثاني

لماذا أهمل هذا التراث:

  سؤال يطرح نفسه، لماذا ظلّ هذا التراث مغيباً وحبيساً عن الأمة ليومنا هذا؟ وللجواب عن هذا السؤال أقول: إن هناك عدة أسباب ظهرت بعد انهيار الدولة العثمانية حالت دون ظهور هذا التراث أذكر منها:

-        أن أكثر الدول العربية وشعوبها خضعت لاستعمار؛ إما انكليزي أو فرنسي أو إسباني أو إيطالي، وأصبح أكبر همها التخلّص من الاستعمار والتغاضي عن أي مؤثر داخلي والاشتغال بالعدو الخارجي.

-        ظهور الحركات القومية والوطنية واستبدالها العاطفة الدينية بشعار الوطنية .

-        أن الدولة العثمانية في آخر عهدها تبنّت سلوكيات ظالمة منحرفة بعيدة عن الإسلام مما أدى إلى نفور المسلمين منها، واستبدالها بمبادئ جديدة مثل الحرية والإخاء والمساواة والاشتراكية والقومية العربية والقومية الفارسية والطورانية (أي القومية التركية) والقيم الوطنية وغير ذلك.

-        ظهور الثورة البلشفية في روسيا وانتشار الفكر الشيوعي والاشتراكية مما أدى إلى صرف الأنظار عن أهل الدين،  فالتيار الذي يمثل الدين آنذاك لم يستطع مقاومة هذا المد الجارف،  فهم يعيشون في واد والحضارة تسير في واد آخر.

فالتصوف بخرافاته كان هو الدين السائد في المجتمع السُني، والدين أصبح عبارة عن مجموعة من البدع والسلوكيات المنحرفة ومبادئ ومفاهيم غير صحيحة، وأصحاب الإصلاح الإسلامي محارَبون، حتى أن المرء المتدين كان يسمى رجعيا  حسب المفاهيم الجديدة ؛ بزعم أنه يريد الرجوع بالأمة الى الوراء .

-        بعد سقوط الدولة العثمانية انتهت آخر دولة دينية إسلامية واستبدلت قوانين الدول العربية والإسلامية بقوانين تحمل مبدأ العلمانية و تفصل الدين عن الدولة .

لهذه الأسباب المذكورة وغيرها أصبح همّ أهل الدين سواء في العراق وفي بقية العالمين العربي والإسلامي مقاومة الإلحاد الشيوعي والتحرر من القيم الغربية ومحاولة إصلاح الدين مما علق به، ومحاولة إرجاع المجتمع لقيمه الإسلامية؛ لذلك أهمل موضوع التشيع وخطره، وأصبح  شاغل المثقف والمفكر والعالم المسلم الملتزم بدينه الرقي بأمته،

وظهرت فكرة توحيد الأمة بكل أطيافها السني والشيعي تحت مسمى الوطنية أو القومية للنهوض بالأمة من جديد، فقرر كثير من العلماء والمفكرين والمؤرخين والشعراء وغيرهم تجاوز الصراع السُني الشيعي في الكتابة والتأليف، وغض الطرف عن هذه المؤلفات التراثية الرائعة؛ لأنها تمثل عندهم عهداً مضى واندثر.

   وثمة أمر مهم آخر وهو: إنّ مصر كانت رائدة العمل الإسلامي الثقافي في وقتها، وغالب ما كتب لعلاج أزمة الأمة الإسلامية كان مصبوغاً بصبغة مصرية وهي مشكلة الاحتلال الأجنبي بداية ومن ثم الصراع مع السلطة الشيوعية والعلمانية بعد زوال الاحتلال.

ومعلوم أن مصر لم تعان من المشكلة الشيعية؛ لذا لم تدخل مفردة التشيع ضمن الكتب التي عالجت المخاطر الداخلية والخارجية على الأمة مثل كتاب "حصوننا مهددة من الداخل" أو ضمن الدراسات التي تناولت الغزو الفكري ككتابات أنور الجندي رحمه الله أو سيد قطب ومحمد قطب ومحمد الغزالي وغيرهم، وكل العالم الإسلامي اليوم تبع لهذه الرؤية المصرية، فكتاب "أجنحة المكر الثلاثة" لعبد الرحمن حبنكة الميداني، رغم أنه كتب من مفكر شامي يعايش المشكلة العلوية والشيعية والدرزية لكنه قلد الفكر المصري في المعالجة؛ لذا لم يتناول التشيع كخطر؛ فضعف الإحساس بالخطر الشيعي أو انعدم أحيانا.

وهناك سبب آخر عند العراقيين خاصة ألا وهو: إنّ أهل العراق ومفكريهم لم يعتنوا كثيرا بطبع تراثهم بسبب أنظمة الحكم الدكتاتورية التي تسلطت على غالب تاريخ العراق المعاصر، فهذه آثار الألوسي الجد المفسر، والحفيد محمود شكري، وعمه نعمان لم يكتب لها النشر والذيوع ، وهذا الإهمال بل قل العقوق سببه أهل العراق أنفسهم وهو قصور منهم ، وما نشر من تراثهم ففي الخارج في مصر والسعودية ولبنان.

بل إن حركة النشر للمؤلف والعالم العراقي لم تلاق تشجيعا محليا وغلب عليها الضعف لأسباب كثيرة ليس هذا محلها، كما إن بعض التوجهات الإسلامية لاسيما أصحاب المنهج الترضوي - كما يسميه صديقنا الدكتور طه الدليمي - رفض نشر هذه المؤلفات.

 ولا يفوتنا ذكر مسألة مهمة ألا وهي قلة الوعي الإسلامي، والخوف من غدر الشيعة والمخابرات الإيرانية([37]) كما فعلت بالشهيد - بإذن الله  - إحسان إلهي ظهير؛ لذلك فثمة جمع لا بأس به من العراقيين يكتب اليوم بأسماء مستعارة، والله المستعان .

مؤتمر النجف:

بعد ضعف الدولة الصفوية ومحاولة الأفغان والعثمانيين السيطرة على أراضيها التي آلت للسقوط والتمزق، قتل آخر شاه صفوي (شاه حسين) فحاول ابنه الثار له، وكان (نادر شاه)  أشهر قواده، فجعله وزيرا له، وبدأ يحقق به بعض الإنتصارات حتى منح لقب (طهماسب قلي) أي عبد طهماسب ([38]).

أصبح نادر شاه في وضع قوي، وبدأ يستعيد أمجاد الدولة الصفوية من جديد وحاول غزو الهند وبلاد تركستان وبلاد الداغستان والأفغان، وبعد موت طهماسب ألغى نادر شاه الدولة الصفوية وكان بداية لحكم جديد افتتحه هو. ثم حاول السيطرة على بغداد وحاصرها حتى جاع أهل بغداد وأكلوا الحمير والقطط والكلاب ومكث ثمانية شهور ولم يوفق لدخولها، ولكن ملكه تعاظم حتى كان في ملكه من السنة والشيعة، ولم يكن نادر شاه شيعي النزعة وإنما أراد أن يستقر ملكه الذي توسع ولقب نادر شاه (شاهنشاه ) وطالب الدولة العثمانية بالاعتراف به وبالمذهب الشيعي كمذهب خامس، وأن يحظى مذهب الشيعة بكرسي للتدريس عند الكعبة أسوة بالمذاهب الأربعة.

 عاد نادر شاه وحاصر بغداد سنة (1156هـ ) بسبعين الف محارب، وحاصر البصرة وشهرزور (السليمانية) وكركوك وأربيل والموصل، وزار ضاحية من ضواحي بغداد وهي مرقد موسى الكاظم والمسماة اليوم بـ (الكاظمية) وصالح والي بغداد ولم يدخلها ، ولكنه عبر النهر وزار قبر أبي حنيفة النعمان في منطقة الأعظمية ....

ثم قفل متوجهاً نحو النجف لزيارة قبر علي رضي الله عنه، وعندها أراد نادر شاه عقد مؤتمر لمصالحة علماء الشيعة والسنة الخاضعين لملكه من أهل إيران وأفغانستان وتركستان وأوزبكستان وكانوا حوالي 70 عالما أحضرهم معه، وطلب من والي بغداد أن يرشح له عالما لكي يناظر علماء العجم الشيعة والوصول لحالة من التوافق الديني بين الجميع.

رشح والي بغداد لهذه المهمة عالم العراق آنذاك أبا البركات عبد الله بن الحسين بن مرعي بن ناصر الدين السويدي، وهو  في وقته من أجلّ علماء العراق وينتمي لأسرة علم وفضل وهي من الأسر النوادر في العلم كأسرة الألوسي.

تهيب السويدي لهذه المهمة خوفا من أن لا يوفق لعناد الشيعة ومكابرتهم، أو أن يبطش به الشاه نادر، لكن والي بغداد أصر عليه.

خرج العلامة السويدي الى النجف مارا بمدينة الحلة (وكانت تحت سيطرة نادر شاه) والتقى بأهل السنة من سكانها وأخبروه بمن حضر مع الشاه من الشيعة وأن الشاه مهتم لهذا الأمر، وقفل سائرا الى مدينة النجف حيث يعسكر الشاه، فاستعجل الشاه مجيء السويدي فأرسل باستقباله، حتى ظن السويدي أن شرا سيحصل له، ولكنه ألهم الشجاعة، وتوكل على رب العزة لنصرة دينه، واستقبله حاشية الملك ووزراؤه ، ودخل ورحب به نادر شاه، وشرح له أنه يريد إيقاف التكفير بين السنة والشيعة الخاضعين تحت سلطانه وأنه يريد مناظرة بينه وبين علماء الشيعة، والالتزام بوقف التكفير، وطلب منه بأن يخبره عن أي شيء يجعل الشيعة يكفرون السنة كي يتولى السلطان بنفسه منعه.

وفي اليوم الأول للمناظرة خضع علماء الشيعة للسويدي، حيث أمرهم بالتوقف عن سب الصحابة والخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين، وذم المتعة، واشترط على السنة أن يكفوا عن تكفير الشيعة إذا توقفوا عن السب، فوافق السنة.

شكر نادر شاه فعل السويدي، وفي اليوم الثاني أمر العلماء المجتمعين بكتابة محضر المؤتمر وأن يوقع العلماء السنة والشيعة عليه، وفعلوا، ووضعت نسخة منه داخل قبر علي بن أبي طالب الخليفة الرابع الراشد رضي الله عنه وعن أولاده، ونسخة أرسلت مع السويدي إلى والي بغداد .

وتوعد نادر شاه الشيعة في بلده إن عادوا للسب بقتلهم وسبي أولادهم؛ لأن إيران قبل مجيء الصفويين وأول حكامهم المجرم إسماعيل شاه، لم يكن بها سب للصحابة، فإنه واولاده وأحفاده هم من أوجد السب في إيران وساندهم علماء الشيعة القادمون من لبنان (مثل الكركي) وعلماء النجف والبحرين.

وفي اليوم الثالث ذهبوا الى الكوفة لحضور صلاة الجمعة مشتركين، وكان الخطيب شيعيا وهو نصر الحائري الكربلائي، الذي ترضّى على الصحابة والخلفاء الراشدين ودعا للخليفة العثماني وكذا لنادر شاه ولكن بدعاء اقل، وكانت الصلاة بعضها بالعربي والبعض بالفارسي، وجرت مناقشة بين مفتي الشيعة الإيراني، والسويدي حول المذهب الجعفري.

ويعتبر هذا المؤتمر أكبر جهد قام به علماء العراق، رغم أنه لم يأت أكله، فقد قتل الصفويون نادر شاه بعد ثلاثة اشهر من تاريخ هذا المؤتمر، وعاد حكام إيران لنشر التشيع في الجنوب العراقي الجاهل ونشر الكتب السيئة، فقد اشترت إيران وقتها مطبعة حجرية في سنة 1883م ونشرت كتب التشيع وارسلتها للعراق، وتحول الصراع من عسكري الى فكري مذهبي.

ولنا كلمة حول مؤتمر النجف ومدى تأثير التشيع الايراني على التشيع  في العراق:

 فإن علماء العراق الشيعة لم يكن لهم وجود فعّال، فقد سرد الناشرون لهذا المؤتمر أسماء العلماء من السنة والشيعة ولم يذكروا علماء العراق الشيعة، إلا خطيبهم، وهذا يعني أن شؤون الشيعة دائما كانت بيد الإيرانيين، فعندما أمر ملك إيران نادر شاه بوقف سب الصحابة توقف، لكنهم في المقابل لم يمتثلوا للعثمانيين بوقف السب!!

ليست هذه الحادثة الأولى التي يخضع شيعة العراق فيها لإيران، فقد ذكر الباحث العراقي الشيعي المنصف الدكتور علي الوردي([39]) أنه في سنة 1870 م زار ملك إيران، الشاه ناصر الدين القاجاري، النجف زمن حاكم العراق مدحت باشا، وعندما سمع الأذان بدون (أشهد أن عليا ولي الله) أمر بإعادة الآذان وذكر هذه الفقرة، ومن يومها دخل هذا الأذان للعراق وأصبح من مقدسات الشيعة، يدافعون وينافحون عنه كأنه دين، وقد كان أسلافهم من علماء الشيعة يبدعون واحيانا يلعنون من يفعل ذلك؛ لأنه من بدع فرقة المفوضة الشيعية؛ الذين يدّعون أن الله  فوض الخلق لعلي وعلي ساعد الله على خلق الكون فمن أجل ذلك كفرهم الشيعة، فهذه الطائفة المنحرفة هي من أوجد هذه الشهادة الثالثة.

وأهم من ذلك كله ما يفعله  الشيعة اليوم من اللطم وضرب السلاسل السوطة (الجنازير أو الجنزيل) على الظهور، وضرب الرؤوس بالقامات والسيوف وإسالة الدماء، وهذا لم تعرفه شيعة العراق لغاية سنة 1831م حتى صدره لنا شيعي إيراني يدعى باقر بن الشيخ أسد الله الدزفولي (من مدينة دزفول أو دسبول الإيرانية) وكان يسكن مدينة الكاظم، وكان العرب  الشيعة لا يعملون شيئا من هذا بل يفعله الفرس والتركمان وشيعة القفقاس والأذربيجانيون المقيمون في مدينة كربلاء والنجف.

فقد ذكر أن التسوط بالسلاسل دخل النجف سنة 1919م وان الحاكم البريطاني في النجف هو أول من أدخل ذلك، لأنه كان حاكماً على مدينة كرمنشاه الإيرانية، أما كربلاء فقد دخلها سنة  1899م، وقبل ذلك لم يكن العرب العراقيون يمارسونه بل كانوا يقفون مشاهدين فقط؛ لأن العربي يعبر عن حزنه ومشاعره باللطم والعويل ونشر الشعر، أما تعذيب الجسد وإسالة الدماء فهذه ثقافة دخيلة على العرب.

وكذا تمثيل الشبيه (وهو تمثيل قصة مقتل الحسين) وكان زمن إدخاله لمدينة الكاظم ببغداد هو أواخر القرن الثامن عشر، وكان العثمانيون يشجعون أحيانا على ذلك فقد سمح والي بغداد علي رضا سنة 1831م بإقامة هذه الطقوس وكان بعض الجنود العثمانيين يشاركون في الشبيه (التشابيه باللهجة العراقية) في مدينة النجف، في حين كان الوالي مدحت باشا وعلامة العراق أحمد شاكر يعارضان هذه التصرفات غير الحضارية([40]).

أما الأشعار الحسينية وترانيم العزاء ونغمة الأذان فقد أسست على الطريقة الفارسية بينما عرب العشائر لهم أشعارهم وقصائدهم، فاين ألحانهم من الحداء وغيره في ذلك؟ والجواب واضح فهذه عادات مستوردة تلقفها أهالي الجنوب الجهلة والإمّعات من الفرس، وأستخدم التشيع كأداة لتمرير العادات الصفوية للعراق.

فليفقه شيعة العراق أن هذه الأفعال ليست دينا فضلاعن أن تكون دينا لآل البيت، وسيبقى شيعة العراق رهينة بيد إيران شاءوا أم أبوا، وستبقى إيران حكومة ومفكرين يستخدمون التشيع لتحقيق مكاسب سياسية طامعة. 

جهود علماء العراق  في الرد على التشيع

سنسرد جهود العلماء التي وصلت إلينا حسب التاريخ والى قيام الدولة العراقية الحديثة:

1-        الشيخ علي بن أحمد الهيتي رحمه الله

   من علماء مدينة هيت وهي بلدة مشهورة على الفرات وتقع حاليا ضمن محافظة الأنبار وله كتاب (مختصر القاموس المحيط للفيروزآبادي ) ومنه نسخة بدار الكتب المصرية برقم (614 لغة).

  وله مؤلف قيّم اسمه "السيف الباتر لأرقاب الرافضة الكوافر" وله عدة نسخ خطية وحقق كرسالة علمية من قبل الأخ محمد موسى حجازي السيوطي في المملكة العربية السعودية في الجامعة الإسلامية ...

ولم تنشر، وسأنشرها قريبا بالتعاون مع دار البخاري على نسخ خطية عراقية ومصرية وغيرها بإذن الله تعالى، ويعد هذا المؤلف أقدم مؤلف عراقي وصل إلينا في نقد الشيعة .

    وهذا المؤلف أراد به الهيتي أن يبين للسلطان العثماني أن ضرر التشيع وقتال الدولة الصفوية أمر لابد منه شرعا ونقل علي الهيتي عن علماء ما وراء النهر ، وعلماء الروم ، وعلماء كردستان الفتوى بوجوب قتالهم. ثم قال: ( حتى أني رأيت منقولاً عنهم: أن من قتل رافضيًا فكأنما قتل وغزا سبعين كافرًا من أهل الحرب لأن ضررهم أكثر من الكافر) ثم قال: ( فلا شك أنه يجب قتلهم ، ويحل أكل أموالهم ، وسبي نسائهم وأولادهم ، فإن رأيي وعلمي أدى إلى ذلك ، وأقطع بجوازه ، بل بوجوبه ، وكل من يتوقف في ذلك من أهل زماننا فلا شك في جهله ، وعميان بصيرته بل لا شك في كفره ، لأن الرضى بالكفر كفر ، وهؤلاء الطائفة الملعونة ما أحبهم قلب فيه إيمان كما قال الله تعالى: (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادّ الله ورسوله) [ المجادلة:22].

وتوفي الهيتي سنة 1029 هـ وقيل 1020 لكنه يصح؛ لأنّ سنة تأليف الرسالة تم بعد خمس سنوات كما في  (إيضاح المكنون)  لإسماعيل باشا البغدادي.

2-        زين العابدين بن يوسف بن محمد بن زين العابدين بن طاهر بن صدر الدين بن محمد بن إسماعيل  الكوراني الشافعي:

مفتي بغداد ومن علماء الأكراد ولا يعلم عن ترجمته الشيء الكثير إلا أن هذه العائلة أنجبت علماء كثرا، له كتاب "حاشية على حاشية اللاري على شرح الهداية" وهي ضمن مخطوطات جامعة صلاح الدين في السليمانية في 80 صفحة كما أشار إلى ذلك المحدث حمدي السلفي حفظه الله في مقدمة تحقيق كتاب المترجم "اليمانيات المسلولة على الرافضة المخذولة" وله تفسير "سورة الإخلاص": وقد بيّن فيه  أنه استوفى فيه الرد على غلاة الرافضة والقرامطة، ذكره في اليمانيات  ولا ندري عنه شيء.

وقصة كتاب اليمانيات أنه في سنة 1066 هـ وردت رسالة إلى العراق من بعض الشيعة كتبوا فيه اعتقادهم وزعموا أنه اعتقاد جمهور الشيعة في بلادهم، فجاء الرد والبيان من هذا العالم الكردي الغيور.

والكتاب نشر لأول مرة سنة 1997م بتحقيق المحدث حمدي السلفي حفظه الله ونفع به أهل السنة ضمن مجموعة (رسائل في الرد على الرافضة) ، ثم حققه الدكتور المرابط ولد المجتبى الجكني كرسالة ماجستير نالت درجة الامتياز سنة 1415هـ في الجامعة الإسلامية في السعودية. وسأطبعه بإذن الله في مكتبة البخاري بمصر بإذن الله . 

أما عن وفاته فلا نعلم  إلا أنه كان حياً سنة 1066هـ.

3-        الشيخ عبد الله بن احمد بن حسن بن احمد الزيزي الربتكي الموصلي:

ولد سنة 1060 هـ وطلب العلم على يد جملة من علماء الأكراد ورحل في طلب العلم وذهب إلى مكة المكرمة حاجا سنة 1146 والتقى بالعلماء في طريقه وفي الحجاز، وعاد سنة 1147 هـ إلى الموصل وتفرغ للتدريس والتأليف. سافر إلى القسطنطينية واجتمع بعلمائها وأدبائها ولقي تكريما لما رأوا من علمه وأدبه وتتلمذ على يده نفر يسير. وله رسالة (في بيان كفر الرافضة وأنّ دارهم دار حرب) نشرها وحققها الشيخ المحدث الكردي حمدي عبد المجيد السلفي حفظه الله على ثلاث نسخ في مجموعة رسائل في الرد على الرافضة سنة 1997، وستنشر بتحقيقي قريبا في دار البخاري في مصر بإذن الله. وسنة الوفاة هي 1159هـ.

4-        أبو البركات عبد الله بن الحسين بن مرعي بن ناصر الدين السويدي([41]):

ولد سنة 1104 هـ ( 1693 م) في كرخ بغداد ،وأصله من مدينة الدور شمال بغداد ويرجع نسبه إلى الخليفة المتوكل. توفي والده ولم يبلغ السابعة فتولاه خاله فدرس عليه اللغة والفقه ودرس على بعض المشايخ أيضا مثل محمد الرحبي مفتي الشافعية وآلي أفندي الرومي وسلطان الجبوري وخلق كثير، تولى التدريس في مسجد الإمام أبي حنيفة في الأعظمية وفي الحضرة القادرية وفي المدرسة المرجانية، زار حلب ودمشق في رحله الحج سنة 1157هـ (1745م) واستفاد أهلها منه كالشيخ محمد إبراهيم الطرابلسي مفتي حلب ونقيبها وغيرهم له مؤلفات كثيرة ويعتبر من أعيان العراق.

 له رسالة في(نقض عقائد الشيعة) يوجد منها نسخة في مكتبة أوقاف بغداد تقع في 130 ورقة (1/13785/ مجاميع) نسختها، وكانت لدي رغبة بتحقيقها إلا أن الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي أخبرني في المدينة  النبوية أن هذه الرسالة ملخصة من كتاب البرزنجي (نوافض الروافض ) ولم أتحقق من الأمر .

  وله بحوث في هذا الباب ضمن كتابه "النفحة المسكية في الرحلة المكية " منها رسالة في الرد على الشيعة بمسألة غسل الرجلين توجد نسخة في أوقاف بغداد في 5 ورقات (14/3797 مجاميع) .

أما جهده الأكبر في هذا المجال فهو في المناظرة المشهورة في النجف والتي جرت بدعوة من نادر شاه حاكم إيران آنذاك بعد أن اتسع الخلاف بين السُنة والشيعة، فجرت مناظرة بين علماء الشيعة وأهل السنة  عند القبر المزعوم([42]) لعلي رضي الله عنه.

وكان الحكم للشيخ أبي البركات السويدي رحمه الله فنصر أهل السنة والجماعة ورُفع السب واللعن والطعن في الصحابة، وأقر أئمة الشيعة بكثير مما أنكروه وأحدثوه وهدى الله به جما غفيرا من الشيعة إلى طريق الحق والصواب. وقد طبع الكتاب باسم (الحجج القطعية لإتفاق الفرق الإسلامية) وطبع بمطبعة السعادة بالقاهرة سنة 1333 هـ وأعيد طبعه باسم (مؤتمر النجف) على يد الفاضل محب الدين الخطيب، وطبع  بعد ذلك أكثر من طبعة .

وحاول بعض الشيعة التنقص من هذا الإمام الغيور وربط أمره بالسلطة العثمانية تارة وبدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب تارة أخرى ومنهم المدعو رسول محمد رسول في كتابه "الوهابيون والعراق" والذي ملأه طعنا وثلبا بأئمة الُسنة في العراق ، وقد رد عليه الدكتور وليد خالص ولكن ليس من وجهة نظر شرعية بل تاريخية، وهناك جوانب كثيرة لم يتطرق لها لأنه محصور بالفكرة العامة السائدة في هذا الوقت: وهي أن الشيعة إخوة في العقيدة والوطن وان كل من حاربهم فكريا أو عسكريا فهو معتد أثيم  وينعت بشتى الأوصاف (إرهابي، وهابي، ناصبي، أموي، مبغض، آل البيت) . وكانت وفاة السويدي سنة 1174 هـ .

5-         حسين بن علي بن عبد الله بن فارس العشاري البغدادي:

(نسبة إلى عشارة بلدة على الخابور) كان فقيها أصوليا وشاعرا، ولد في بغداد سنة 1150 هـ  (1710م) ودرس على عبد الرحمن السويدي وبرع في العلوم وغلب عليه الفقه حتى لقب بالشافعي الصغير أو الشافعي الثاني. تصدر التدريس في مسجد أبي حنيفة في الأعظمية وفي الحضرة القادرية وفي المدرسة المرجانية، ولما استلم الوزير عبد الله بن سليمان ولاية البصرة وبغداد اسند إليه التدريس في البصرة وأرسله إليها.

اشتهر بشعره ومدائحه النبوية وفي مدح الصحب والآل رضوان الله عليهم أجمعين وله رسالة         "الأبحاث الرفيعة في الرد على الشيعة" عندي نسخة منها، حققتها وستنشر في دار البخاري بمصر.

وله ديوان شعر طبع بتحقيق وليد الأعظمي و عماد عبد السلام رؤوف  سنة1977 في مطبعة الأمة ببغداد. توفي في بغداد سنة 1195 هـ ( 1781م) .

6-        عبد الرحمن بن عبد الله السويدي:

 ولد في بغداد سنة 1134 هـ ودرس على والده وفصيح الدين الهندي، تصدر للتدريس وله مصنفات منها (حديقة الزوراء في سيرة الوزراء (تاريخ بغداد)، تاريخ حوادث بغداد والبصرة ) وقد ظهر حسه المدافع عن السنة والفاضح لهجمات العجم الشيعة على البلاد وتنكيلهم بالعباد في تلك الفترة في هذين الكتابين، وهذه سيرة كل مؤرخ سُني غيور على بيضة أهل السنة ودولتهم. توفي سنة 1200هـ.

7-        ياسين خير الله الخطيب العمري:

 لد في الموصل سنة 1157 هـ (1744م) وهو من أعيانها  وأدبائها وشعرائها. في مؤلفاته يميل إلى الصوفية وينكر من يخالفهم في سلوكهم، ومن آثاره: "منية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء". و"غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر". و"الدر المكنون في المآثر الماضية من القرون (منه نسخة بدار الكتب الوطنية بباريس). و"زبدة الآثار الجلية في الحوادث الأصلية"، انتخب زبدته الأستاذ الكبير داود الجلبي والأصل للعمري، طبع بتحقيق د عماد عبد السلام رؤوف.

وأود هنا نقل مقطع صغير يبين حميته على أهل السنة: ".....وقتل من أهل بغداد ما يزيد على أربعين ألف نفس، وملك الشاه عباس بغداد، ورفع السيف عن أهلها، وجمع كتب أهل السُنة والقاها في دجلة حتى قيل أنها صارت جسرا يمشون عليها، وأمر اللعين بهدم مرقد الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله، وهدم مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني،..وهربت العمرية من الموصل خوفا من الرافضة، وممن هرب جدنا الشيخ موسى الخطيب العمري..). توفي العمري بعد سنة 1232 هـ (1816م) .

8-        عثمان بن سند الوائلي البصري المالكي:

  أصله من نجد، ولد سنة 1180 هـ في جزيرة فيلكه بالكويت ثم انتقلت عائلته إلى الإحساء فنشأ فيها واستفاد من أئمتها مثل الشيخ عبد الله البيتوشي الكردي (ستأتي ترجمته) ومحمد بن عبد الله بن فيروز الإحسائي وغيرهما. وفي سنة 1204 هـ رحل إلى البصرة وأخذ عن علمائها ومنهم المحدث علي السويدي.

   وله تاريخ مشهور "مطالع السعود بطيب أخبار مولانا داود" (يعني داود باشا والي بغداد)  واختصره أمين الحلواني وقد تكلم فيه عن تلك الفترة وعن هجمات العجم الروافض على بغداد والبصرة وهو تاريخ مفيد حوى أخبارا وأشعارا وفوائد كثيرة، وفيه ذكر بعض تاريخ تشيع العشائر العراقية، أما الأصل فقد طبع بتحقيق  البحاثة عماد عبد السلام رؤوف وسهيلة القيسي.

   وأما المختصر فقد طبع بالهند سنة 1304 بعناية المختصر وأعاد تحقيقه الأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله ونشره في المطبعة السلفية سنة 1371 وعندي نسخه منه بخط العلامة نعمان الآلوسي .

وله منظومة في الرد على دعبل الخزاعي سماها (الصارب القرضاب في نحر من سب الأصحاب) أو (الصارم القرضاب في الرد على من سب أكارم الأصحاب )عندي نسخة منها، وهي قصيدة في 1600 بيت شعر، وقد أُبلغت أن أحد الفضلاء المصريين يعمل على تحقيقها ونشرها.

توفي في بغداد سنة 1242 هـ ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي  ببغداد.

9-        محدث العراق علي بن محمد بن سعيد بن عبد الله السويدي:

 حفيد أبي البركات، أخذ عن والده الشاعر محمد سعيد، وعن عمه عبد الرحمن وتصدر للتدريس، له كتاب في "الرد على الإمامية" لم نطلع عليه، وكتاب "العقد الثمين في بيان مسائل الدين" في العقائد، نصر فيه الكثير من عقائد السلف ودافع عن شيخ الإسلام ابن تيمية، والكتاب مطبوع في مصر سنة 1830م.

مات سنة 1237هـ.

10-    أبو الفوز محمد أمين بن محدث العراق علي بن محمد بن سعيد بن عبد الله السويدي:

 ولد في بغداد سنة 1200 هـ (1786م) من مؤلفاته المشهورة "سبائك الذهب في معرفة انساب العرب" وهو مطبوع ، وله كتاب (الصارم الحديد في عنق سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد) وهو مؤلف ضخم جليل في الرد على الرافضة، حقق كرسالتين علميتين في الجامعة الإسلامية في السعودية: واحدة بتحقيق فهد بن ضويان بن عوض السحيمي سنة 1414هـ ، والأخرى بتحقيق جازي بن بخيت بن بدر الكلبي الجهني سنة 1415هـ . وله أيضا "السهم الصائب في الرد على الإمامية" لم نطلع عليه. ترجم له علي الآلوسي مفتتحاً به كتابه "الدر المنتثر في رجال القرن الثاني والثالث عشر". توفي أثناء عودته من الحج في مدينة بريدة، التي تقع حاليا في ضمن المنطقة الشمالية في السعودية  سنة 1246هـ (1830م).

11-   أبو الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله بن محمود الحسيني الآلوسي:

 ولد في بغداد سنة 1217 هـ وتربى في ظل أسرة علمية معروفة، وترجمته مبثوثة في العديد من الكتب وقد خُصصت لذلك كتب، فهو علامة العراق على الإطلاق، اشتهر بتفسيره الراقي "روح المعاني" وتصدر للإفتاء والتدريس، وقد كتب الدكتور عبد الله البخاري سفراً في جهوده في الرد على الرافضة من خلال سيرته وآثاره التي وصلت إلينا وأولها التفسير القيم روح المعاني، وله أيضا في هذا المجال:

  • "رسالة الأجوبة العراقية على الأسئلة اللاهوية" نشرها وحققها الأستاذ المحدث العراقي الكردي حمدي عبد المجيد السلفي سنة 1997م ، ثم حققها الدكتور عبد الله بن بو شعيب البخاري.
  • "نهج السلامة إلى مباحث الإمامة" نشره و حققه الدكتور العراقي مجيد خلف .
  • "النفحات القدسية في رد الإمامية" حققته على ثلاث نسخ خطية، وسينشر في دار البخاري بمصر  بإذن الله . توفي سنة 1270 في بغداد .

    ومما يجدر الإشارة إليه إن الشيعة حاولوا نبش قبر هذا الإمام الفذ في شهر أغسطس 2006م إلا أن أهل السُنة تصدوا لهم وأجبروهم على الفرار تاركين خلفهم السلاح والمعاول.

12-    أبو الهدى عيسى صفاء الدين البندنيجي القادري النقشبندي  البغدادي:

ولد في بغداد سنة 1203هـ ( 1788م) وأصله من مدينة مندلي (بندنيج )عالم صوفي من علماء العراق أخذ العلم على علماء العراق وسافر للشام والمدينة ثم عاد وجلس للتدريس وله عدة تلاميذ معروفين منهم نعمان الألوسي وعبد السلام الشواف وغيرهم، وله علاقة قوية بأبي الثناء الألوسي، من أشهر مؤلفاته في الرد على الشيعة هي: (الأجوبة البندنيجية على الأسئلة اللآهورية) وهو نفس السؤال الذي ورد على أبي الثناء ورد على أهل لاهور، وموضوعه سبّ الصحابة وحكمه. والكتاب حققته وسيطبع ان شاء الله في دار البخاري بمصر. توفي سنة 1283 هـ ( 1866م).

13-   الشاعر عبد الغفار عبد الواحد الأخرس:

 ولد في الموصل سنة 1220 هجرية وترعرع في بغداد. قرأ كتاب سيبوية على أبي الثناء الألوسي المفسر. سمي بالأخرس لثقل في لسانه فذهب إلى الهند للعلاج لكنه لم يرق له، وفي سنة 1290 هـ ذهب إلى البصرة قاصدا الحج فحبسه المرض فقفل عائدا إلى بغداد وتوفي في السنة التالية 1291 هـ في البصرة ودفن في مقبرة الحسن البصري.

نشر ديوانه سنة 1963م بتحقيق أحمد الفاروقي ، ثم أعاد الشاعر وليد الأعظمي نشره وتحقيقه من جديد.

ومن شعره الرائع:

كتموا  نفاقـا  دينهم  ومخافـة

 

فلو استطيع ظهوره لاستظهروا

لا خير في  دين  يتاقون  الورى

 

عنه  من  الإسلام  أو  يتستروا

ليس  التقى هــذه  التقية  إنما

 

هذا  النفاق  وما  سواه  المنكر

هم  حرفوا  كلم  النبي  وخالفوا

 

هم بدلوا الأحكام  منه  وغيروا

لو لم يكن سب  الصحابة  دينهم

 

لتهودوا  من  دينهم  وتنصروا

وقال مادحاً الوزير نجيب باشا الذي جرد حملة لتأديب كثير من السراق والمجرمين الذين يلوذون بمرقد الحسين بكربلاء فانذرهم واقتحم المرقد وفعل فيهم الأفاعيل وأرجع الهدوء لمدينة كربلاء:

لقد   خفقت  فـي  النحر  ألوية  النصر     

 

وكان انمحاق الرفض في ذلك النحر

محى الرفض صمصام الوزير كما محى

 

دجى الليل في أضوائه مطلع  الفجر

وكر  البـلا فــي  كربلاء  فأصبحت

 

مواقف  للبلوى  ووقفا  على  الضر

             

14-   فصيح الدين إبراهيم بن صبغة الله بن أسعد الحيدري:

وهو أحد علماء العراق  المعروفين،  فقيه شافعي أشعري العقيدة ، يعود أصله إلى العائلة الصفوية ولكن عائلته هربت وبقيت على أصلها السني، ولد سنة 1235 هـ، ونشأ في بغداد وتتلمذ على علمائها وتتلمذ على يده الكثير. له مؤلفات جمة ذكرتها في مقدمة تحقيقي لرسالته الرائعة (النكت الشنيعة في بيان الخلاف بين الله تعالى والشيعة) الذي نشرته في دار البخاري بمصر على نسخته الخطية الوحيدة في مكتبة أوقاف بغداد، وقد سبقني لنشره الشيخ حمدي السلفي في المجموع المذكور.

وأشهر مؤلف عرف به (عنوان المجد في أخبار بصرة وبغداد ونجد) وهو وثيقة نادرة في تاريخ تشيع العشائر العراقية، وقد طبع مرارا ولكنه يحتاج إلى تحقيق. توفى سنة 1299 هـ.

15-   داود بن سليمان بن جرجيس  العاني النقشبندي الخالدي:

ولد في بغداد سنة 1226 هـ وقيل 1231 هـ كان يدرس في مدرسة محمد أفندي الطبقجلي في محلة العاقولية وغالب تدريسه في النحو والفقه والحديث، وكان يعظ الناس في شهر رمضان في جامع الوزير على ضفاف دجلة.

له "رسالة في الرد على البهاء العاملي في مسألة غسل الرجلين  ومسحهما" منها نسخة في مكتبة أوقاف بغداد وتقع في 25 ورقة (17/3797/مجاميع) وقد حققها الدكتور الفاضل مجيد خلف وهي منشورة بتحقيقه على موقعه الالكتروني، وقد جمعتها هي ورسالة احمد بن حيدر المارواني القادمة الذكر في رسالة واحدة لأنشرها في دار البخاري بمصر. وله تأليفات وكتابات وشعر .

 توفي في سنة 1299 هـ ودفن في مسجد الست نفيسة في كرخ بغداد جوار الشيخ موسى الجبوري، من متصوفة بغداد.

16-   نعمان خير الدين الآلوسي:

هو النجل الثالث لأبي الثناء، صاحب التفسير ولد سنة 1252 هـ وتتلمذ على مشايخ أجلاء. نشر آثار والده وآثار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وابن رجب وغيرهم، وتصدر للتدريس في المدرسة المرجانية وأنشأ مكتبة أوقفها لتلك المدرسة (المكتبة النعمانية).

 توفي في محرم سنة 1317 ودفن في مدرسته بجانب مرقد مرجان ومن أعماله في هذا المجال:

* كتاب "صادق الفجرين في جواب البحرين" وهو رد على سؤال من البحرين حول الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.

* "رسالة في الدروز والبهائية" في 3 ورقات.

ومؤلفاته الأخرى كلها في نصرة عقيدة أهل السنة.

 ومن العجب أن محمد الكثيري وهو متشيع من المغرب ألف كتابا في الطعن في الدين سماه "السلفية بين الإمامية وأهل السنة" وذكر من ضمن الكتب التي "حاربت منهج ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب" كتاب جلاء العينين والأجوبة النعمانية على الأسئلة الهندية و لم يدر هذا الجاهل المسكين أن هذه المؤلفات شهب حارقة لإفك الشيعة المارقة. 

17-   عبد الله بن محمد  البيتوشي:

ويسمونه سيبويه الثاني من علماء الأكراد، ويعد في علماء الإحساء والبصرة تتلمذ عليه واختص به العلامة عثمان بن سند البصري كما تقدم في ترجمته. من مؤلفاته المبشرات في شرح منظومة المكفرات نشرها الشيخ المحدث حمدي السلفي بدار النوادر سنة 2006 .

قال مؤرخ العراق الأستاذ عباس العزاوي رحمه الله ([43]):

إن كثيرا من علمائنا الأفاضل ألفوا في كشف حقيقة التشيع بعد شيخ الإسلام ابن تيمية .... ومن الكتب في هذا الباب "حديقة السرائر وشرحها" لعبد الله البيتوشي([44]). وهذا الكتاب نشر مؤخرا بدار غراس للنشر في الكويت سنة 2007.

18-   أحمد بن حيدر بن محمد المارواني الكردي([45]):

جده محمد هو أول من وصل كردستان من هذه العائلة التي يرجع أصلها إلى الصفويين إلا أنهم سنة، أخذ عن والده ورحل إلى دمشق وبقي مدة ثم رجع إلى بلاده فأقام في مدرسة والده و علّم وأفاد حتى ذاع صيته في العراق وإيران وتركيا وسوريا .

سافر إلى الحج والتقى في سفره العالم الهندي عبد الحكيم السيالكتي وتعارفا وتباحثا وتصادقا، وبعد رجوعه إلى كردستان أرسل له نسخة من كتابه المحاكمات "تعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية" وأرسل له السيالكتي بنسخة من "المطول في علم البلاغة" بخط مؤلفه مسعود التفتازاني كما ذكر ذلك إبراهيم فصيح الحيدري وهو أحد أحفاده .

له "رسالة نبذة من الأفكار وزبدة من الأنظار في رد مذهب الإمامية في غسل الرجلين في الوضوء" نشرها المحدث الجليل حمدي السلفي ضمن مجموعه المبارك المذكور سابقا سنة 1997م، وهذه المعلومات من مقدمة تحقيقه للرسالة المذكورة، وسنعيد نشرها هي ورسالة داود النقشبندي السابقة  ونجمعها في رسالة واحدة في دار البخاري بمصر.

19-   الشيخ حاوي رسول أفندي الكركوكلي نجل منلا يعقوب الماهوني:

 أصله من كركوك، هاجر إلى بغداد سنة 1220 هـ ، كتب تاريخه المشهور (دوحة الوزراء) بالتركية ونقله إلى العربية موسى كاظم نورس، وهذا التاريخ يتناول فترة غارات الإيرانيين الشيعة على العراق وأهمها وأبرزها في فترة الوالي داود باشا والي بغداد، وشأنه بذلك شأن عثمان بن سند البصري وعبد الرحمن السويدي وياسين بن خير الله العمري. توفي الكركوكلي  سنة 1824 م .

20-   أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن محمود بن عبد الله بن محمد الألوسي:

 ولد في بغداد سنة 1273 هـ (1856م)  أخذ عن والده وعن عمه نعمان خير الدين الألوسي واستمر في طلب العلم حتى ذاع صيته ونال رتبة رئيس المدرسين، وتولى إنشاء القسم العربي في جريدة الزوراء أول جريدة تصدر بالعراق ،وكان اهتمامه بالعلوم الأدبية واللغوية والدينية، وألف العديد من الكتب والرسائل القيمة ونال ببعضها جوائز عالمية .

ترجم له تلميذه البار العلامة محمد بهجة الأثري في كتابه "أعلام العراق" والذي جمع فيه سير العلماء الألوسيين ومآثرهم ،وكذلك مقدمة الدكتور عبد الله البخاري لتحقيق كتاب "صب العذاب على من سب الأصحاب" للألوسي حيث خصص مبحثا للحديث عن جهود الألوسي في الرد على الشيعة (ص 88-94).

ومن أشهر آثاره في هذا الشأن تأليفا:

*  "رجوم الشياطين"  أشار إليه في كتابه الآخر "صب العذاب"، ولا نعلم عنه شيئاً.

*  "صب العذاب على من سب الأصحاب" ويسمى أيضا "غياهب الجهالات".

وله اختصار وتهذيب وترجمة:

*  "المنحة الإلهية تلخيص ترجمة التحفة الاثني عشرية" فالأصل لشاه عبد العزيز الدهلوي (من علماء الهند) بالفارسية نقله إلى العربية الشيخ غلام محمد بن محيي الدين الأسلمي (من علماء الهند) واختصره الإمام الألوسي، ونشر مرارا منها ما نشره محب الدين الخطيب ، وفي النية نشره محققاً.

*  "السيوف المشرقة مختصر الصواعق المحرقة"، فالأصل للشيخ نصر الله الحسيني الصديقي (من علماء الهند)  ولعل الله ييسر لنا تحقيقه ونشره.

*  "سعادة الدارين في شرح حديث الثقلين" لشاه عبد العزيز الدهلوي ألفه بالفارسية ونقله إلى العربية وأضاف عليه الألوسي وقد نشرناه في مجلة الحكمة، ثم سينشر في دار البخاري بمصر بتحقيقنا.

*  مقال في الرد على صاحب "الحصون المنيعة" العاملي، نشر في مجلة المنار.

*  وله مناظرات مع علماء الرافضة ذكر بعضها في كتابه "المسك الأذفر" ومما يؤثر عن أبي المعالي غيرته على السنة والعقيدة وتغيظ الشيعة منه في القديم و الحديث ، فقد راسل الدولة العثمانية مرارا لغرض وضع مخطط لعودة الجنوب العراقي للتسنن لكن الدولة العثمانية سقطت.

 توفي العلامة الالوسي سنة 1343 هـ (1924م) ودفن في بغداد .

وبعد فهذا ما وقفت عليه من جهود علماء العراق في الرد على الشيعة، وهناك بالتأكيد جهود أخرى لم نقف عليها وأيضاً هناك الكثير من أهل العلم الذين لم يتركوا لنا مؤلفات في هذا الباب لكن كانت لهم جهود تعليمية ودعوية حصنوا بها المجتمع البغدادي والعراقي من التشيع وفتنه .

ومن هذه المساهمات ما قام به العلامة محمد سعيد النقشبندي من منع تشيع مدينة سامراء وإيقاف المد الشيعي وبناء المدرسة العلمية السنية في سامراء وإسناد أمرها  إليه وهو من كبار متصوفة العراق .

وبعد أن أوجزنا جانبا من جهود وأعمال أئمة أهل العراق من جميع المذاهب والطرق في محاربة هذا الطاعون الذي يهدد العقيدة والدولة والثقافة الإسلامية ، كان لابد من الإشارة انه لا نستطيع الإلمام بجميع العلماء الذي ساهموا في هذا المجال فهناك من أسهم بشكل فعال لكن ثمة ظروف حالت دون شهرته وذيوع صيته لأن هم مواجهة التشيع كان يحمله جل الأئمة والدعاة وقد أورثوه لمن بعدهم فكانت في نهاية القرن العشرين نقلة نوعية في هذا الشأن فقد ترك ما يزيد على ربع مليون شيعي مذهب الضلالة لينعموا بنور الحق والسنة الغراء على يد دعاة وأئمة حاربهم السلطان وزجهم في السجون ومنعهم ابسط حقوقهم وهذا ما سنتاوله في الجزء الثالث من هذا البحث،  والله الموفق لكل خير.

 

الجزء الثالث

وضع الشيعة في أوائل القرن الحالي

 قبل الشروع في ذكر المرحلة الجديدة من تاريخ العراق، وهي مرحلة تكوين النظام الملكي بعد الاحتلال الإنكليزي للعراق ، لابد من التطرق الى مواضيع حساسة في وضع الشيعة والتشيع في العراق ؛ ولأن الموضوع يحتاج إلى توضيح بشكل واضح وجلي، رأينا أن نفصل وضع الشيعة في نهاية الدولة العثمانية وأثناء احتلال الإنكليز للعراق لغاية بدايات تكوين الحكومة العراقية سنة 1921م .

لماذا فشلت الدولة العثمانية في إيقاف المد الشيعي في جنوب العراق

ذكرنا في القسم الثاني من هذه الدراسة بعض الأسباب التي أدت إلى تشيع جنوب العراق، وأن العراق كان بلدا سنيا سوى مناطق يسيرة في النجف والحلة وكربلاء ومناطق متفرقة من بغداد، ولنا بحث مفصّل في ذلك نسأل الله أن ييسر نشره، ولعل من أسباب فشل العثمانيين في إيقاف حركة التشيع في الجنوب هو سياسة حكم المماليك للعراق التي اتسمت بالتراخي مع الشيعة، فقد أبدى الماليك عدم اهتمام بما يجري في جنوب العراق من عملية تبشير بالتشيع، بيد أنهم في نفس الوقت كانوا يمنعون إقامة المراسم الحسينية كإجراء وقائي فحسب.

واستمر هذا الحال إلى نهاية حكمهم سنة 1831م زمن حكم داود باشا([46])، وكردة فعل من العثمانيين  تجاه حكم المماليك  وتنكيلا بسمعة المماليك عمد أول والٍ عثماني بعد داود باشا وهو علي رضا اللاز (1831-1842م) على غض الطرف عن المجالس الحسينية، بل حضر بنفسه بعض هذه المجالس، وهناك من يعلل أن هذا السماح كان لتهدئة الشيعة في العراق خوفا من تعاطفهم مع نفوذ محمد علي باشا في مصر والذي شرع بالتحرك نحو الشام والعراق([47]).

  هذا التسامح أدى لشيوع مجالس التعزية الحسينية ، والتي تعتبر أكبر وسيلة دعاية لنشر التشيع وحماية هويته وتوسيع الهوة بينهم وبين السنة([48])، هذه المواكب التي تضخم ما جرى للحسين وحادثة استشهاده ، تكون فرصة مثالية لترويج عقائد مغالية تحت غطاء العاطفة الجارفة والتي تمنع العقل من التأمل في ما يقدم له من أفكار وعقائد..

كما شكلت مراسيم وأعمال عاشوراء الوسيلة الوحيدة لمواجهة المد الوهابي([49])، وأنها الوسيلة الأنجع لنشر التشيع بين العشائر، ولقد حذر علماء الشيعة من أي نقد لهذه الطقوس أو إقامتها في البيوت([50])، لأن غاية هذه الطقوس العلنية هي حفظ كيان التشيع وإدامة التكاتف وجمع الشيعة حوله، وإلا اختفى التشيع ، وقد قرر أهمية هذه الطقوس جمع كبير من علماء الشيعة، رادين بعنف عن أي محاولة من علماء الشيعة أنفسهم في محاربة هذه الظاهرة أو تلطيفها([51]).

ومن المؤسف ذكره أن سياسة السلطان عبد الحميد (1876-1909م) التي دعا فيها إلى الوحدة الإسلامية قد دعمت ومكنت للتبشير الشيعي وقد نقده على ذلك عدد من علماء السنة([52]).

في نفس الوقت غاب أي جهد للدولة العثمانية في محاربة التشيع في القرن التاسع عشر، والأدهى من ذلك هو تشيع عدد من الجنود والشرطة الأتراك.

ولم تظهر أي حلول جدية لمعالجة وتدارك هذا الخطر سوى معالجات بسيطة لا توازي حجم المشكلة والخطر الكامن فيها، من هذه المعالجات الجزئية تكثيف التربية السنية وزيادة التوعية الدينية في أوساط القبائل الجنوبية.

فقد كشف العلامة محمد رشيد رضا سنة 1900م في مجلة "المنار" عن نية الدولة العثمانية إرسال بعض العلماء إلى مناطق البصرة والمنتفق وكربلاء لتثقيف القبائل، بيد أن المشروع لم يفلح لقلة عدد المبعوثين (خمسة علماء) وقلة مخصصاتهم المالية كما أن المسؤولين المحليين لم يدعموهم.

 وتكرر هذا الأمر سنة 1907م بدعوة من أحمد محمد شاكر الآلوسي لإرسال علماء موثوق بهم لتعليم قبائل الجنوب، كما اقترح فتح مدارس متنقلة تتألف من علماء يتنقلون بين القبائل لغرس الإسلام بين القبائل المتشيعة([53]).

أقام العثمانيون مدرستين - سنة 1898م - في سامراء لتعليم المسلمين في الجنوب وتحصينهم من شبهات علماء الشيعة وخاصة من جهود مدرسة الشيرازي الشيعي بسامراء، وعهد بذلك لشيخ من شيوخ الطريقة النقشبندية هو الشيخ محمد بن سعيد النقشبندي، وفعلا هجر الشيعة سامراء للنجف بعد وفاة الشيرازي.كما عين العثمانيون سادناً للمراقد الشيعية([54]). 

هذا من جانب أما من جانب آخر فحين فقدت الدولة العثمانية أراض كثيرة  في اوربا كالبوسنة والهرسك وبلغاريا وضمت جزيرة كريت لليونان، أحس السلطان عبد الحميد بحاجته للوحدة مع إيران ضد روسيا مما مهد للتقارب الشيعي السني، ولحاجة السلطان عبد الحميد لتعبئة الشيعة ضد الحكم الغربي قام بتقديم عطايا كثيرة لمدن العتبات في العراق، وشكلت هذه الخطوة غير المدروسة مكسباً صافياً للشيعة في الجنوب العراقي، فقد مكنت هذه الدعوة للوحدة الشيعة أكثر في نشر التشيّع في بدايات القرن العشرين ، ولقد أعطى العثمانيون الشيعة أكثر مما أخذوا منهم([55]).

وننبه هنا على أمر: أنه برغم تزايد عدد المتشيعين بين القبائل الجنوبية وقليل من القبائل الوسطى إلا أن نسبة الشيعة لم تزد على 40% على أكبر تقدير حسب تقدير أحد المسؤولين العثمانيين (سليم درنجيل )، وأن زيادة عدد الشيعة كان في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر([56]).

إن أكبر نسبة وصل إليها عدد الشيعة هو بين سنة 1919-1932م، حيث وصل إلى ما بين 53-56 % من سكان العراق، ورغم أن هذا الإحصاء لم يحصي بدقة أهل الأنبار وقبائل شمر في الموصل لأنهم بدو رحل، والأكراد لأنهم في الجبال ومع كل هذا فإن ادعاء الزيادة السكانية وأنهم أكثرية إنما حصلت في بداية القرن العشرين، فأين ما يدعون من أنهم أكثرية مظلومة منذ قرون!!

وعلى هامش هذا أقول: من المتفق عليه لدى الباحثين أن مدينة بغداد مدينة سنية بحتة لغاية ما بعد الحرب العالمية الأولى وزادت نسبة الشيعة فيها إلى 20% من سكانها، بسبب هجرة شيعة لواء العمارة إلى بغداد، حيث هاجر 67% منهم إلى بغداد بينما هاجر 25% منهم إلى البصرة، وهذه الحقائق تذكرها الكتب المعتمدة حتى من الشيعة أنفسهم، ومع هذا فعندما يحسب الشيعة اليوم نسبتهم يعدون شيعة العمارة على التعداد القديم قبل هجرتهم وشيعة بغداد على التعداد الجديد بعد هجرة شيعة العمارة إليها، إنها خدعة الأرقام والإحصاءات([57])!!

التشيع بين سنة (1908 -1918م)

لا بد من دراسة وضع التشيع في العراق في هذه المرحلة؛ ذلك أن هذه المرحلة تمثل للشيعة الشيء الكثير بسبب تغيرات وتبدلات السياسة العالمية وبدء مرحلة أفول قوى عالمية وظهور قوى أخرى، فالدولة العثمانية كانت آنذاك آيلة للتفكك والانهيار وكذا روسيا القيصرية، بينما كان نجم انكلترا وفرنسا وأمريكا في صعود. هذا على المستوى العالمي أما على الصعيد الشيعي فقد بزغ نجم الأصوليين – بعد معركتهم مع الإخباريين - وبدأت تظهر بواكير مركزية شيعية ، وبرز دور العالم والمجتهد الشيعي أكثر فأكثر.

لم يكن لدى المفكرين الشيعة حتى ذلك الوقت أي طرح معاصر للسياسة ولا للفكر وقد تأثر بعضهم بأفكارعلماء ومفكرين سنة مثل : رفاعة الطهطاوي (1801-1873م) وجمال الدين الأفغاني ( 1838-1897م ) ومحمد عبده(  1849-1905م) ومحمد رشيد رضا (1865-1935م) ونقلت أفكار هؤلاء للشيعة بالتدريج وأصبح هناك من يتبنى هذه الأفكار للخروج من الفكر الشيعي المنغلق.

 نعم الفكر الشيعي متحجرومنغلق بعكس ما يشاع ، وسأضرب لذلك مثالا واحدا؛ فكرة وعقيدة المهدي المنتظر وأنه ولد واختفى في مدينة سامراء العراقية شمال مدينة بغداد لخوفهم عليه، ثم لحل مشكلة الإمامة عند الشيعة وبقائهم بدون إمام اصطنعوا فكرة نواب المهدي، ثم قرروا أنه لا جمعة ولا جهاد ولا سلطان ولا حكومة حتى يظهر المهدي، وبمرور الزمن أحسوا بضرورة تكوين دولة ولكنهم سبق أن قرروا ما يعارض ذلك فاجتمعوا واجتهد علماؤهم وتفننوا في البحث والتنقيب للخروج من عنق الزجاجة فقالوا: بالنيابة العامة للفقيه، ونظرية المرجعية الدينية،ثم الولاية العامة، وولاية الفقيه، وسبب هذا انقسامهم فمرجع يرفض وآخر يوافق وأصبحوا إخباريين وأصوليين .

نعم إنها مهزلة العقل البشري وضلال ما بعده ضلال، يقررون مبدأ فاسدا ومن ثم يجتهدون للخروج منه،  ثم يدعون أنهم أتباع أهل البيت، بل والله إنهم أتباع كل ناعق كما وصفهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.

مراجع الشيعة الإيرانيين

ولما بزغ نجم الأصوليين – بعد معركتهم مع الإخباريين - وبدأت تظهر بواكير المركزية الشيعية وضخّم دور العالم والمجتهد الشيعي سيطر عدد محدود من المجتهدين على زمام أمور الشيعة، وأحيط هؤلاء بدعاية كبيرة وتعاظمت شخوصهم في الوسط الشيعي، وكان تركّز وتواجد هؤلاء في مدينة النجف وأغلب مموليهم هم من التجار الإيرانيين، وكان لهؤلاء التجار سلطة ضغط وتأثير على كبار المجتهدين خاصة في شؤون السياسة الإيرانية...

لذلك دفع هؤلاء التجار علماء الدين الشيعة للعب دور في العمل السياسي في إيران كما ظهر هذا جليا في سنة 1891-1892م عندما قاد المرجع الشيعي محمد حسن الشيرازي حركة الجماهير ضد امتياز التنباك، وهي في الحقيقة معركة بين إيران وإنكلترا.هذه المشاركة السياسية بقيت محصورة في مجتهدى شيعة إيران ولم تمتد لمجتهدى شيعة العراق([58]).

المشروطية في إيران وتطور الفكر السياسي عند المراجع

لقد كان للثورة الدستورية داخل الدولة العثمانية والتي قادتها حركة (تركيا الفتاة) دافعا للشيعة لإعادة صياغة منهج سياسي أو لنقل نظرية سياسية جديدة متأثرين بأفكار المصلحين السُنة الذين مرّ ذكرهم، وقد انطلقت فكرة التوجه للمشاركة السياسية بصورة مباشرة عند الشيعة منذ أوائلالقرن العشرين على أثر اندلاع الحركة الدستورية في إيران، والمسماة أيضاً (المشروطية) (أي أن يحكم الملك حكما دستوريا مشروطا بالبرلمان) علىأيدي رواد الإصلاح الديني عند الشيعة، مثل آية الله العظمى الأخوند ملاكاظم الخراساني (ت1911م)، وآية الله العظمى الشيخ النائيني (1860-1936م )والعلامة السيد هبة الدين الشهرستاني، والمرجع السيد محسن الأمين العاملي وغيرهم،أملاً في تشكيل حكوماتهم عبر صناديق الانتخاب. مقابل مجموعة من المراجع عارضت التوجهاتالدستورية،  وهي تضم جمعاً من علماء الدين على رأسهم المرجع الديني آية الله العظمى السيدكاظم اليزدي (ت :1919 م) وتسمى" المستبدة " أي القبول بالملك حاكما مطلقا دون التدخل بشؤونه كما تريد المشروطية.

 كان كل المشروطيين والمستبدّين يحاول إقناع جمهور الشيعة برأيه،وبطبيعة الحال كانت العامة تلتف حول المستبدة؛ لأن الإقناع بالتغيير أو التجديد له متطلباته الثقافية والحضارية. أما المحافظة على السائد فلا تكلف غير تقوية الوازع الديني للشخص، لذا تجد أن أغلب أتباعالمشروطية كانوا من المتنورين من أدباء وشعراء ومتمردين على الاستبداد.

 إضافة إلىمن ذكرت أسماؤهم انضم الشعراء الشيعة أمثال صالح الجعفري والشاعر علي الشرقي وغيرهملمؤيدي المشروطية.

ويعدّ كتاب "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" للنائيني، أول كتاب في الفقه السياسي الشيعي يعالجمسائل الحكم والدولة بخلفية سياسية وأرضية فقهية قوية ونظرة جديدة تختلف عن الطرح التقليدي للشيعة، فهو يؤسس لقيامحكومة إسلامية شرعية تعتمد القانون أو الدستور أساساً لعملها، فيؤصل لمبانيها ويرىمشروعيتها من خلال استدلالاتها الفقهية.

ويرى النائيني أن النظام السياسي البرلمانيالذي يعتمد على آراء الشعب، والمشابه للنظام البرلماني الغربي، هو أفضل نظام حكميمكن تعقله. وأن قبوله بصلاحيات السلطان غير المشرعة في نظام ملكي دستوري هو تضحيةمن أجل تحقيق الأمل الإسلامي في تحقيق العدالة والمساواة،

يختلف النائيني عن الآخرين الشيعة في تناوله لقضايا الفقهالسياسي الإسلامي خصوصاً قضية بناء الدولة، التي ركب بنائها على شرعية مشاركة رعاياالدولة في نظامهم السياسيعن علماء السنة فضلا عن علماء الشيعة.

فجاءتأطروحة النائيني لتتحدث عن أهمية مشاركة الناس في بناء الدولة، واختيارالسلطة وتقيّد الحاكم بدستور يكتبه الأعضاء المنتخبون، بمعنى "ولاية الأمة علىنفسها"، وهي النظرية التي طرحها وطورها محمد مهدي شمس الدين الرئيس السابق للمجلس الاسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، فيما بعد في مقابل نظرية ولايةالفقيه.

يتحدث النائينيفي كتابه "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" عن بناء الهيكل الدستوري للنظام السياسيللدولة الدستورية في أطروحته، منطلقاً من تحكيم العقل الإنساني القاضي بأهمية وجودالدولة الناظمة للاجتماع الإنساني، كما جاء في مقدمة رسالته حيث ينطلق النائيني من العقل الإنساني بصورة عامة وليس من المذهب (ولذلك وفق في فكرته فالمذهب بأفكاره المتحجرة مقيد لكل مفكر)، وهو في بعض تفكيره يشابه ابن خلدون عند السنة،  ولا يركز على البعد الديني حين يقرر أهمية وجودالدولة لدى كل الشعوب والأمم فيقول: "ثمة مسلمة توافق عليها جميع الأمم، وأقرها جميععقلاء العالم، مفادها أن استقامة النظام العام، وانتظام حياة البشر، مرهون بوجودالدولة ذات السلطة القادرة على فرض النظام". والغريب أنه يستشهد بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعلماء السنة وأحكامهم الفقهية([59]).

وهذا ملاحظ حتى في أدبيات حزب الدعوة التأسيسية فأكثر مفرداته الثورية من كتابات سيد قطب وأبي الأعلى المودودي ومالك بن نبي وغيرهم. والحقيقة إن النائيني كتب ذلك كمقدمة  لتأسيس دستور إيراني ، وقد نُشر الكتاب في النجف سنة 1909م.وقد صاغ للشيعة نظرية سياسية حاول فيها قلب نظام شاه إيران- مظفر الدين شاه - والذي أصبح فاسقا غير ملتزم بالدين كثير اللهو والمجون ، بينما تمسك به بعض المجتهدين به الشيعة للضرورة.

أجبر مظفر على عقد مجلس ملّي  -أي وطني - للمراقبة، وأخذت لجنة منبثقة بمراقبة القوانين والتأكد من عدم مخالفتها للمذهب الشيعي، وكانت ثمة تركيبة خاصة بين المجتهدين الشيعة والبازار (التجار والأثرياء) في تنظيم كيان الحكم بما يتناسب مع مصلحة الطرفين.

فالبازار هو الداعم الرئيسي للمجتهدين ومدارسهم، وهم الذين كانوا يدرسون ويسكنون في النجف، وغالب علماء الشيعة والمراجع في العراق هم على هذه الشاكلة فهم ليسوا عراقيين، وإن كانوا عراقيين فإنّ مصير الشيعة ككيان مرتبط بإيران منذ قيام الدولة الصفوية  وحتى يومنا هذا([60]).

الإرهاصات والمقدمات التي سبقت ثورة العشرين

كان العراق وقتها تحكمه الدولة العثمانية، وكانت الظروف متشابهة بين إيران والدولة العثمانية فكلاهما تعرض لمشكلة الدستور، وكلاهما كان يواجه حركات تغير حضاري، وكانت تجربة سيطرة رجال الدين المجتهدين الشيعة داخل إيران يراد نقلها وتطبيقها في العراق، حيث العراق وإيران كلاهما ضمن الاحتلال البريطاني.

 بالإضافة إلى أن الدولة العثمانية تعرضت لهزة دستورية سنة 1908م وأصبحت أجواء العراق يسودها حديث الحرية في كل شيء؛ في التعليم والنشر والتنظيم السياسي وغيرها، وبدأ كثير من شيعة العراق ينخرطون في العمل السياسي بعد أن فتحت بعض المدارس العلمانية([61]) في المناطق الشيعية كمدينة الكاظم داخل مدينة بغداد وفي مدن النجف والحلة، وكان يدرس في هذه المدارس  اللغة الفرنسية والرياضيات.

وقد دعمت هذه المدارس من قبل تجار من الشيعة وبعض المجتهدين، كما فكت عزلة المدن الشيعية العراقية ودخلت المجلات الأدبية والدينية  والجرائد وغيرها من العالم الإسلامي إلى المدن المقدسة عند الشيعة.

كما أن النجف أصدرت عدة مجلات بالفارسية والعربية، وكان الطرح الديني الجديد مغايراً للطرح الشيعي المغلق ومشابها ومقلدا للمجلات السُنية، التي تجد فيها الدفاع عن الإسلام من شبهات المستشرقين وربط آيات الإعجاز العلمي وغيرها من الموضوعات، ووصلت بعض المجلات الشيعية إلى مصر ولبنان، وكانت هذه المجلات الداخلة والخارجة هي جسور تقريب بين السُنة والشيعة([62]). (وهي محطات فات من أرخ لمسألة التقريب ذكرها).

إن الثورة الدستورية في إيران ( 1905-1911م ) وحركة تركيا الفتاة تركت بصماتها على المذهب الشيعي فأصبح كثير من الشيعة العراقيين يفكر كمعارضة للحكم العثماني القائم في بغداد، وبدأ الخطاب الشيعي السياسي يتجاوز حدود الشيعة إلى السُنة، محاولا التاثير عليهم لا الى التشيع بل على اعتبار مراجع الشيعة معارضة تقود العراق ؛  ولذلك  ظهرت دعوات لتوحد السنة والشيعة ولكنها بقيادة شيعية،  بمعنى آخر قيادة المراجع الإيرانيين ، وكان الطرح الشيعي آنذاك هو المواجهة بين المدنية الأوربية والإسلام بالعموم، وبين الحضارة الإسلامية والغرب، وبين أفكار الإسلام وأفكار الإلحاد،  رغم ان عددا من رجالات الشيعة رفض هذا التوجه و هذا الفكر الجديد، لكن تحدي أوربا للعالم الإسلامي وبداية نهاية الدولة العثمانية – الرجل المريض – أيقظ الجميع لمواجهته.

بدا هذا واضحا عندما بدأت روسيا القيصرية بالتوغل في إيران وبالتحديد في شمالها لتأمين مصالحها الاقتصادية، وكان ثمة تعاون بريطاني روسي للسيطرة الاقتصادية على إيران. لمّعت حينها صورة المجتهدين الشيعة على أنهم قادة للمعارضة السياسية داخل ايران، لهذا بدأت بواكير ظهور قوة شيعية في ايران تحاول سحب شيعة العراق لدعم المشكلة الإيرانية ، ومع الزيادة العددية للسكان الشيعة في جنوب العراق مهد كل ذلك لظهور شبه دولة  في العراق فيها مجتهد يأمر وينهى ويقترح حتى وصل الأمر إلى ان المجتهدين  خاطبوا القنصل البريطاني والروسي والفرنسي حول شؤون العراق،  بل حتى شؤون إيران دون الرجوع لوالي بغداد العثماني، وكانوا أحيانا يعلنون التعبئة المحلية في المدن الشيعية كما حصل سنة 1905م([63]).

بل وصل الأمر في سنة 1909م إلى أن يجتمع نجل محمد كاظم الخراساني مع القنصل البريطاني ليوصل رسالة من خلال القنصل لروسيا مفادها أن الشيعة سيعلنون الجهاد ضدها إذا لم تنسحب من إيران، وفي العام القابل أرسل إلى القنصل الروسي تهديدا مباشرا([64]).

 مع اقتراب الحرب العالمية الأولى ازدادت المخاوف الدولة العثمانية وشرعت بتشجيع علماء الشيعة بالتوحد مع السنة لإيجاد معارضة في إيران والعراق تمكن السنة والشيعة من مقاومة الأوربيين، كان الشيعة في الحقيقة يشعرون بخوف شديد من أن يُحتلوا من قبل الأوربيين في إيران والعراق ويضيع كيانهم في ايران وهو الكيان الأم لكل الشيعة في العالم والذي أسس منذ الدولة الصفوية؛ وأيضاً لأن أكبر وجود للشيعة هو في هذين البلدين.

ومع بواكير الحرب العالمية الأولى  وشروع أوربا باقتسام تركة الرجل المريض شكّل المراجع الشيعة جيشا كبيرا من جنوب العراق لمواجهة أي غزو، ودخلت القوات البريطانية العراق سنة 1914م ولم تفعل المقاومة شيئا حتى سنة 1918م حين اكتمل احتلال العراق على يد الإنكليز، وانتهى حكم الدولة العثمانية في العراق وغيره إلى الأبد([65]).

أصبح العراق محتلا من قبل البريطانيين وزال عنه حكم السُنة الاتراك والذي كان فيه جمع من علماء السنة العراقيين مثل محمود شكري الالوسي، محمد درويش الالولسي، عبد الرحمن النقيب، أمجد الزهاوي، عبد الوهاب النائب ، قاسم القيسي، عثمان الديوه وجي، محمد سعيد النقشبندبي، نجم الدين الواعظ وغيرهم، وكان هذا الوضع هو ما ينتظره الشيعة فراغ سياسي، ولكون إيران محتلة أيضاً من بريطانيا ومراجع والشيعة قد جهزوا أنفسهم منذ فترة للعمل السياسي ولقيادة العراقيين سنة وشيعة،  لذلك سعت المراجع الشيعية لمعارضة الاحتلال والظهور بروح الوطنية من أجل غاية عظمى؛ ألا وهي قيام دولة شيعية في العراق، حيث للشيعة  نفوذ المراجع تقودهم  نحو هدف الدولة الشيعية ، وظهر للجميع (السنة والشيعة) قوة المجتهد الشيعي وصلاحياته في تعبئة أصحابه في الجنوب والوسط .أما السنة فقد فقدوا مرجعيتهم بانهيار الدولة العثمانية([66]).

شيعة العراق بعد الاحتلال البريطاني

أربع قوى كانت تتصارع على حكم العراق بعد زوال الحكم العثماني من العراق وهي:

السنة: وقد تغيرت بوصلة الأحداث عندهم فقد فقدوا الدولة العثمانية المرجع الرسمي لهم، وفرح بعضهم لأن حال الدولة العثمانية لا يسر فهي دولة ظالمة ضعيفة غير متحضرة كسائر الأمم ، تفرض على الشعوب العربية اللغة التركية، ومتعلقة بالدين شكليا.

الشيعة: تخلصوا من الدولة العثمانية السنية واستطاعوا الاقتراب من حلم دولة شيعية في العراق يقودها المراجع الشيعية، كما أنهم يريدون إبعاد الإنكليز ليصفو لهم العراق وإيران لذلك كان الإنكليز معوقين لحلمهم، وقد توافقت أحلام بعضهم وطموحاتهم مع طموح عوائل أشراف مكة والذين وعدهم الإنكليز بدولة عربية بدل الحكم العثماني، وكان المرشح لذلك الأخوان عبد الله وفيصل أبناء الشريف حسين صاحب الثورة العربية الكبرى. هذه الأحلام شجعت الشيعة بالتوافق مع حلم الأشراف ليكونوا دولة سنية الظاهر شيعية المضمون، إذ اتفقوا مع عبد الله بن الحسين أن يعين ملكا بدستور يضعه مجتهدو الشيعة. وهكذا يضمنون عدم انقلاب الملك السني عليهم.

الأشراف: وقد مر الحديث عن هدفهم وقد فقدوا أملهم بوعود الإنكليز لذلك أرادوا جهة معينة للتحالف معها للتخلص من الإنكليز في العراق فوجدوا الشيعة خير معين لهم.

الإنكليز: وهؤلاء محتلون حلمهم السيطرة على العراق وإيران وقد تعارضت مصالحهم مع الشيعة؛ لأن كليهما يريد العراق له، وأحسوا أنهم لا يستطيعون البقاء في العراق إلى الأبد، ولابد من السيطرة على العراق وإيران. وأن الشيعة تقووا بإعلان الرئيس الأمريكي ولسن حول منح الشعوب حق تقرير المصير، وهذا ما جعل الشيعة يراسلون الرئيس الأمريكي لإحراج الإنكليز.

طالب الشريف حسين بالعراق سنة 1917م باعتباره دولة عربية وهو موعود بدولة عربية موحدة بدل الدولة العثمانية، وعضّده بذلك الشيعة للتخلص من الإنكليز ، والحصول على وضع يجعلهم قريبين من قيادة البلد الأم إيران.

 والعراق الذي كان منذ أيام الفتح الإسلامي بيد أهل السنة والجماعة وحان الوقت لتحقيق الحلم الشيعي بقيادة العراق أرض المقدسات الشيعية، وكان العثمانيون المنهزمون في العراق يؤيدون الشيعة ضد بريطانيا للثورة عليهم كما مرّ علّهم يعرقلون الاحتلال الانكليزي للعراق وغيره.

كما ذكر كان الشيعة يراسلون الشرفاء للاتفاق على تكوين دولة عربية مع المجتهدين (مصالح مشتركة بنوايا مختلفة).

أدرك الإنكليز من خلال التتبع لمراسلات الشريف حسين وبعض علماء الشيعة مراد الشيعة من هذه المراسلات وأنها مقدمة لسيطرة شيعية على العراق وإيران وهذا يعارض مصالحهم بالسيطرة على البلدين([67]). عمل البريطانيين بالتفكير بوسيلة للخروج من هذا المازق، زكان لاعلان الرئيس الامريكي ولسن عن مبادئ تقري المصير حق من حقوق الشعوب فكان اقتراح الاستفتاء للخروج من ترضي التوجهات العالمية الجديدة لذلك قامت بريطانيا بعد احتلال العراق بإجراء استفتاء لشعب العراق على ثلاث أشياء:

·         هل تؤيد إقامة دولة عربية واحدة تحت الوصاية البريطانية، تمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج؟

·         في هذه الحالة هل ترى أن زعيما عربيا (أميرا) ينبغي أن ينصب على رأس هذه الدولة الجديدة؟

·         في هذه الحالة من تفضّل أن يكون الأمير؟

وحدث جراء هذا الاستفتاء اضطراب كبير في العراق، أظهر أن بين العراقيين تناقضات واسعة وأنهم غير متفقين في الرأي:

 * فأثرياء الشيعة وشيوخ عشائرها حبذوا حكم العراق من بريطانيا مباشرة. كما شاطرهم هذا الرأي كثير من السنة خوفا من توافق شيعي مع (الأشراف) مما قد يسمح بتشيع العراق أجمعه بخدعة قذرة ظاهرها الرحمة وباطنها من قبلها العذاب.

ودافع آخر للأثرياء الشيعة الا وهو تحسين أوضاعهم المالية بعد الاحتلال. بل وحتى بعض رجال الدين الشيعة أرسلوا برقيات يطلبون بقاء الإنكليز مثل هادي الرفيعي وهو سادن الروضة العلوية في النجف، كما أيد ذلك ستة من المراجع الكبار وهم:

ثلاثة هنود؛ السيد هاشم الهندي النجفي، ومحمود الهندي النجفي، ومحمد مهدي الكشميري، وواحد من أصل فارسي هو جعفر بحر العلوم، واثنان من العرب هما حسن بن صاحب الجواهري (عربي لكنه يحمل الجنسية الإيرانية) وعلي بن محمد كاشف الغطاء عميد عائلة كاشف الغطاء، فدعوا لبقاء الإنكليز إلى أن تستقر البلاد بعد حين. والحقيقة إن لهؤلاء المراجع الستة صلات قديمة سرية مع الإنكليز؛ فقد كان الإنكليز يوزعون  عليهم أوقاف أودة  الخيرية الهندية([68]).

 بل حدد بعض المراجع في مدينة الكاظمية بعد توقيع 40 من وجهاء التجار الشيعة على اختيار شخصية برسي كوكس لحكم العراق والذي كان وزيرا ممثلا لبريطانيا في إيران.

وفي كربلاء عبر رؤساء عشائر ووجهاء في المدينة عن عدم تأييدهم  لرأي محمد تقي الشيرازي([69]).

* الشيرازي المجتهد الأكبر للشيعة كان له رأي مغاير بصورة كلية وأيده على ذلك جمع من المراجع و المجتهدين الشيعة في النجف وكربلاء ووجهاء وتجار وشيوخ عشائر، فقد أعلن عن رغبته بأن يكون العراق تحت حكم ملك عربي، ويقصدون بذلك ملك أو أمير من الأشراف، وكانت جرت مراسلات سرية بين الأشراف والمرجعيات الشيعية كما ذكرنا([70]).

استاء الإنكليز من موقف هؤلاء المراجع في اختيار أحد الأشراف (من أنجال الشريف حسين) حاكماً للعراق سيما وأنهم يدركون نية المجتهدين الشيعة السيطرة على العراق بواسطة مجلس وطني يخضع له الملك.

وأحس الإنكليز أن الأشراف الذين وعدهم الإنكليز بحكم عربي ولم يوفوا بوعودهم اتفقوا مع مجتهدي الشيعة للتخلص من الإنكليز فرفضوا كل هذه المقترحات، مما حدا بالشيرازي ليصدر فتوى تحريم حاكم للعراق غير مسلم، وكانت هذه الفتوى الذكية التي استثارت عواطف السُنة للتعاطف معها وتأييدها مقدمة لثورة العشرين لاعبا بذلك على الوتر الديني (لا حبا بالحسين ولكن حبا بالهريسة)([71])، كما يقول أهل العراق في المثل العامي الدارج.

بيد أن الاستفتاء كشف أن مصالح الشعب العراقي مختلفة بين الشيعة أنفسهم والسنة أنفسهم، ولابد من ملاحظة أن جل مجتهدي الشيعة في العراق هم من جنسية فارسية([72]). كما أن الشيرازي كان له نفوذ على الشيعة والسنة بقدر كبير، هؤلاء بالمرجعية والسنة بالتصريحات الوطنية والدينية العامة.

وأن مصالح الأشراف ومجتهدي الشيعة اتفقت في هذه المرحلة على اختيار ملك عربي مسلم مقيد بمجلس دستوري وإن كان كل فريق له طموحاته ويريد استغلال الآخر للوصول لمآربه، فعملا معا لإزاحة النفوذ البريطاني. وكان وجود الأشراف مطمئنا للسنة بشكل خادع؛ لأن الحاكم القادم سيكون سنيا من نسل آل البيت .

ويبقى هنا سؤال ملح لماذا لم يرشح الشيعة ملكاً منهم؟

ندع الجواب للشيخ مهدي بن محمد الخالصي الذي يقول: أن جده الشيخ مهدي الخالصي طرح على السيد علي بن الميرزا محمد حسن الشيرازي في مجلس خاص فكرة أن يكون ملكا على العراق، ولكنه رفض ذلك بشدة([73]).  ويقول السيد محمد الشيرازي: إن الميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين اقترح على شيوخ القبائل العربية الشيعية في الفرات الأوسط فكرة انتخاب أحدهم ملكا على العراق ولكنهم اختلفوا ورفضوا هذه الفكرة([74]).

وفي الحقيقة لم يكن أحد من رؤساء القبائل مؤهلا للملك، فيما عدا شيخ المحمرة خزعل الذي كان يطمح لتولي ملك العراق وعمل من أجل ذلك خلال الثورة العراقية الكبرى عام 1920، ولكنه لم يحض بشعبية كبيرة في العراق ولا بموافقة من الانجليز. لذا كان اختيار الشيعة الملك من الأشراف سببه الفراغ والنزاع الشيعي([75]) وكان جعل الملك من الأشراف يعتبر سلما أوليا للتخلص من الإنكليز ومن ثم من الأشراف أنفسهم. وهي طريقة لخداع السنة بملك منهم وحكم حقيقي من قبل الشيعة لحين التمكن الكلي والإجهاز على أهل السنة كما عملوا اليوم وحاولوا تشييع بغداد وطرد أهل السنة.

 لعب الشيعة دورا كبيرا في حضور الشريف فيصل- السني المذهب- إلى العراق وتنصيبه ملكا، ومن العوامل الأساسية والمباشرة الذي دفعت الشريف حسين إلى إرسال ابنه الملك فيصل إلى العراق ليكون ملكا هو برقية بعث بها الشيخ مهدي الخالصي – الشيعي العربي - إلى الشريف حسين يتعهد له بأن الشيعة سيبايعونه ملكا عليهم، ونجح الخالصي في إقناع الشريف حسين رغم مخاوفه الشديدة على ابنه أن يلاقي المصير الذي لاقاه الحسين بن علي رضي الله عنه على يد شيعته، وكان محقا في مخاوفه فبعد ثمانية وثلاثين عاما، لقي حفيده وأسرته نهاية بشعة في العراق على يد ثورة 1958م. إن مساندة رجال الدين الشيعة لفيصل جعلته يتساءل لماذا يسانده الشيعة إلى هذا الحد؟، حتى جرى بينه وبين الشيخ عبد الواحد الحاج سكر - احد كبار المشايخ وقادة ثورة العشرين - لقاء، فقال له: كيف جاز لك وأنت الشيخ الشيعي المتدين أن تطالب بعرش العراق لرجل سني؟ فأجابه عبد الواحد بعاطفية لا تخلوا من تملق قائلا "إنك في أعماق قلبك شيعي"([76]).

وهذا دأب الشيعة دائما عندما يُحكمون من قبل غيرهم يتآمرون مع كل أحد ضد حكامهم ، ولقد كانت لهم علاقات استرتيجية مع الانكليز ابان الحكم العثماني ، فإذا تمكنوا من الحصول على هدفهم بإقامة الدولة الشيعية أظهروا الوطنية، وهذا ما فعلوه بالعراق اليوم ؛ تآمروا على العراق مع كل المخابرات العالمية وأدخلوا الأمريكان للعراق فلما تهيأت لهم الظروف عبر تغلغلهم في([77]) الدولة وتسهيل تسلل إيران لمفاصل العراق، طالبوا برحيل المحتل ليكون الأمر لهم خالصاً ويبيدوا أهل السنة.

وهذا ما سبق أن حصل في لبنان فقد اشتركوا بذبح الفلسطينيين، ونثروا الورد لدخول إسرائيل إلى الجنوب، وعندما خرج الفلسطينيون وصفى الجو لهم وأصبح لهم نفوذ تنافسهم عليه إسرائيل ادعوا الوطنية وتحرير الأرض.

ثورة العشرين([78])

لم يتفق الباحثون على أهداف ثورة العشرين الحقيقية ، وعن الدوافع الحقيقية وراء التحركات لجميع الشرائح والفصائل المساهمة بها، ولا ينكر أحد أن عامة المشاركين  هم أناس بسطاء وفلاحون كان هدفهم ساميا؛ ألا وهو التخلص من الإنكليز كمحتل بغيض سواء كان الثوار سُنة أو شيعة، فالشعور الفطري لكل البشر فضلا عن المسلمين لا يتقبل المحتل. وبالرغم من أن العراقيين سنة وشيعة تحملوا ظلم واستبداد العثمانيين وسياسة التتريك الظالمة وإهمال العثمانيين لأمم الإسلام حتى كانت أمم العرب والمسلمين أمم متخلفة([79])، إلا أن هذا لا يحمل العامة على قبول المحتل.

كما لا يختلف باحث محلي أو عالمي أن للشيعة دورا كبيرا ومهما في إذكاء هذه الثورة سيما مراجعهم في وقتها ؛ مثل المرزا محمد تقي الشيرازي والذي تولى المرجعية بعد وفاة كاظم اليزدي في 29 نيسان 1919م([80])، وساعده ابنه محمد رضا وهما من خطط للثورة ورسم برنامجها، وكانت البوصلة المحركة لهما هي مخاطر نفوذ بريطانيا في إيران فإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لمجتهدي الشيعة في كربلاء والنجف  كانت تدار من إيران، كما أن هناك رغبة لقيام دولة شيعية.

بريطانيا وإيران وتأثير ذلك على العراق

تعاظم الوجود البريطاني في إيران حتى أحس المراجع الثلاثة الكبار(الشيرازي – الأصفهاني – إسماعيل الصدر) بالقلق من مستقبل التشيع وحاضنته إيران فهي البلد الوحيد الذي تشيع منذ قيام الدولة الصفوية إلى يومنا كما أنه يهدد كيانهم كمراجع ويزعزع مكانتهم ونفوذهم على التشيع، وبوصلة التشيع كلها تدور مع إيران سلبا وإيجابا([81]).

ونتيجة للنفوذ البريطاني المتزايد خاصة على الصعيد الاقتصادي، ففي عام 1919م نشرت تفاصيل اتفاقية الإنكلو– إيرانية المقترحة، إذ وعد البريطانيون منح إيران قرضا بمليون جنيه إسترليني،  مقابل منح إيران بريطانيا حق احتكار تزويد السلاح لإيران.

 في العراق كان البريطانيون يدركون مكمن قوة المراجع، ولذلك سعوا بالفعل للسيطرة على مصادر تمويل المراجع (من داخل أيران)، وكان كم كبير من السادة في العراق (منتمون بنسبهم لآل البيت) يعتاشون على أعطيات العشائر العراقية، ولا أدري أي دين هذا الذي يكون دعاته مرتزقة باسم الدين؟!

فأحس هؤلاء المراجع والسادة أن النفوذ البريطاني يشكل خطرا على تواجدهم وأن محاولة بريطانيا لتمدين العشائر وتحضرهم سيؤدي بموارد المراجع للنفاد.

اجتمعت عندها مصلحة السادة (المنتمين لآل البيت) العرب (المرتزقة) والمجتهدين الإيرانيين (مصلحة إيران) ضد مصالح الإنكليز فحرضوا على الثورة من أجل بقاء مكانتهم كما هي ([82]). فكتب هؤلاء الثلاثة رسالة إلى رئيس الوزراء يحثونه على عدم توقيع اتفاقية مع بريطانيا، مما يظهر حجم تأثير مراجع الشيعة داخل إيران فدبروا نقل المشكلة للعراق، عبر تحريض الناس ضد الوجود البريطاني في العراق.

وظف هؤلاء الدين ضد بريطانيا باعتبارها مسيحية وباعتبارها مستعمرة، وحركوا عواطف الشيعة لحماية المراقد – مع أن البريطانيين لم يقتربوا من المراقد – كما وظفوا دخول بريطانيا والاوربيين لفلسطين وغيرها من بلدان العرب([83]).

وثمة هدف وحلم كبير كان يراود الشيعة في العراق وهو استغلال الفراغ الناجم عن نهاية الدولة العثمانية، لظهور دولة شيعية دينية في العراق، وفعلا تم عقد مؤتمر في النجف للعديد من شيوخ العشائر وعلماء الشيعة لتحقيق إنشاء (حكومة دينية تقوم على احد المبادئ الأساسية للمذهب الشيعي) على غرار ما نادي به المجتهدون المؤيدون للدستورية خلال الثورة الإيرانية. فكيف بعد ذلك يدعي المتحذلقون من أمثال حسن العلوي وغيره أن الشيعة كانوا لا يريدون قيام دولة شيعية([84])؟!

وثمة حركة أخرى نشأت داخل الشيعة تساند الأشراف سواء عبد الله بن الحسين أو فيصل بن الحسين وهذه الحركة لا تنبع من دافع ديني بل غايتها استقلال العراق  العربي فحسب؛ أي هي حركة عروبية.

مشروعان للشيعة في وقت واحد

لكن مشروع الأشراف كان هدفه أوسع من الطائفية فالأشراف سُنة ولابد من أن يكسبوا العراقيين جميعا فدعوا إلى الوحدة بين السنة والشيعة من أجل استقلال العراق لا من أجل دولة شيعية و كان (أنصار الأشراف من الشيعة)  جلهم من أدباء وعروبيين  ونشاطهم كان في بغداد والنجف وكربلاء، ولعل حداثة عهد العشائر بالتشيع أبقى بقايا العروبة الحقة في جذورهم.

وكانت لهجة العروبة أعلى من الصوت الإسلامي عند جماعة الأشراف، وكان الشعراء والخطباء هم من يروّج لهؤلاء، مستغلين المناسبات الدينية كرمضان والمولد النبوي أو العزاء الحسيني، والتهب العراق بأسره ضد بريطانيا، ولم تستطع بريطانيا إيقاف الهيجان الجماهيري في العراق،  وبدأ الهيجان ينتشر من مكان لآخر في مناطق السنة والشيعة كالنار في الهشيم. وكانت كل الأمور في البداية هي مظاهرات سلمية لتحقيق مطالب قيام حكومة جديدة بقيادة ملك عربي.

 ولم يكتف الشيرازي بذلك بل سعى لتحريض العشائر للثورة ولكن الاستجابة له كانت ضعيفة سيما العشائر الكبيرة التي أحست أن مصالحها المعيشية ستضرب بسبب الثورة، لذلك حثوا الإنكليز على إخماد الثورة، بيد أن شيوخ العشائر الكبيرة استغلوا ضعف الإنكليز الذين سلبوا كثيرا من سلطاتهم عند احتلالهم للعراق فانضموا للثورة نكاية بالإنكليز واندلعت الشرارة الأولى في 30 حزيران وانتشرت لكن مهندس الثورة الشيرازي مات بعد شهرين، فتلاه شيخ الشريعة الأصفهاني الساكن في النجف وأصبحت الثورة تدار من النجف ولكن بعد ثلاثة شهور استطاع الإنكليز إيقاف الثورة بذكاء بالفصل بين مطالب فيصل والشيعة .

نتائج الثورة

  - قرر الإنكليز تتويج فيصل ملكا على العراق ولكن بعيدا عن الشيعة، ورضي فيصل بهذا فقد حقق هدفه، وفشل مخطط المراجع لطرد الإنكليز وتولي أمر العراق بيدهم من النجف، قال مسؤول بريطاني معلقاً على ذلك: (إن للأجيال اللاحقة من ساسة العراق أن يقدروا الجميل الذي يدينون به للبريطانيين في إنقاذهم من النجف)([85]).

لقد كان هدف الشيعة هو السيطرة على الحكم في العراق بواسطة المرجعية، ولكنهم بلطف الله فشلوا في ذلك، ولو حاولت أن تتخيل الشيعة وهم يسيطرون على مقاليد الحكم في العراق آنذاك ماذا كانت ستكون أحوال اليوم في المنطقة!

إذاً لكان همهم وهدفهم تشيع كل العراق بكل الوسائل ، بالتهجير والقتل والذبح ، كما فعلوا عندما سلمهم الأمريكان الحكومة بعد السقوط  بقيادة علاوى والجعفري، ماذا فعلا بالبلاد والعباد!؟ هذه هي حقيقة الشيعة إذا تمكنوا، لا يستطيعون العيش مع الآخرين، وها هي إيران بها أكثر من 20-35% سنة فأين هم ؟ وأين حقوقهم؟

فالحمد لله الذي حمى العراق وأهله وحمى الشيعة العرب من كيد المراجع الذين اتخذوا من ثورة زعموا أنها للعراق ولكنها في الحقيقة لمصالحهم.

 لم يكن هدف الإنكليز إقصاء الشيعة كشعب بل إقصاء المراجع الدينية فهم أصل البلاء ومن لم يصدق ما أقول فلينظر ماذا فعلوا بالعراق اليوم، وقفوا حجر عثرة أمام استقلالهم، وأحاطوا حتى العشائر الشيعية بعصابات فيلق  بدر ومياشيات جيش المهدي حتى تكتمل السيطرة لهم ؟؟؟!

 وأقولها صريحا لشيعة وعشائر العراق :أما يستحي رؤساء العشائر الشيعية أن يتبعوا رجلا مثل مقتدى! فهل انبهروا بعلمه أم بحنكته السياسية؟ أم أن الدين وراثة فهو يمثل مرجعية أبيه،إذا لماذا استنكروا على معاوية استخلافه الحسين وعلام ثار الحسين إذاً!!! فهل هذا مسوغ لأن يتّبع أمثال مقتدى ، ويتبعه أكابر العشائر الشيعية في الجنوب والوسط.إنها سلطة الدين الشيعي إذا حكمت  حولت أعزة أهلها أذلة.

- اختار الإنكليز عبد الرحمن النقيب كرئيس للوزراء تحت حكم المندوب السامي بعد أن عرضوا ذلك على المجتهد اليزدي[86] فرفض([87])!

 وعندما توج فيصل ملكا للعراق كان عليه أن يشكل وزارة وكان هوى فيصل مع الشيعة. فطلب من الشيخ عبد الواحد سكر الذهاب للنجف لحث المراجع والعلماء الشيعة على تولي تشكيل الوزارة الجديدة للتخلص من نفوذ النقيب، والذي له نفوذ عند الانكليز. إلا أن العلماء قابلوا دعوة الملك وعبد الواحد سكر بالاستهجان والرفض، إلى الحد الذي أحرج الحاج سكر نفسه، ولم يعد الحاج إلى الملك بل بعث له رسالة مجاملة يبلغه فيها رفض أو إعتذار العلماء عن المشاركة في الحكم، لإنهم يريدون تكوين حكومة عراقية لينسقوا دورهم الجديد بعيدا عن سيطرة الإنتداب. بناءً على اعتقادهم أن أمر العراق لا يسير إلا بهم فأستغلوا ذلك وحرموا على الشيعة التوظف أو دخول الدولة ولسان حال المراجع: هذا أو الطوفان ومثلهم كمثل قول الشاعر:

إذا مت ظمآنا     فلا نزل القطر

بيد أن الخسارة كانت على الشيعة، فلم يتوقف جهد المراجع عند حد رفض المشاركة أو المساهمة في تشكيل الوزارة، بل تعدت جهودهم إلى حد أنهم حرموا التعامل مع البنوك والمصارف العامة والمحاكم الشرعية، باعتبار أنها دولة غير إسلامية، وأن أموالها التي تقدمها كرواتب هي أموال محرمة لأنها بالأصل من ضرائب غير شرعية خاصة تلك التي تستوفى كضرائب من أماكن اللهو، والمكوس على الخمر.

كما حرموا الدخول في مدارس الدولة، وهي المفتاح للعمل في مؤسساتها المختلفة، بأعتبار أنها تعلم العلوم الغير شرعية التي يمكن أن تؤثر على إيمان الطفل وتبعده عن دينه.

وظلت بعض هذه التحريمات قائمة وسارية المفعول إلى نهايات الخمسينات وأواسط الستينات من القرن المنصرم، بعد أن خرج الأمر عن طوع المراجع  وتوجه الشباب من الشيعة نحو الوظائف الحكومية غير آبهين بتلك الفتاوى، فتم تجاوز تحريم الراتب بحيلة شرعية باعتبار أن هذه الأموال مجهولة المالك، بما يعني جواز استلام الراتب الشهري.

ويبدو أن بعض المراجع لا يريد أن يمرر هذه الفرصة بدون الاستفادة منها بالمطالبة بتطهير هذه الأموال أو الرواتب المستلمة من الحكومة، عبر تقديم الحقوق الشرعية منها للمراجع!!

وأعتقد أن اعتماد رجال الدين والمراجع على الهبات العامة من  أنصارهم ومؤيديهم لم يكن هو العامل الوحيد الذي يقف وراء محاولة عزل الشيعة عن دولتهم، بل هوية المراجع الشيعية التي كانت في الغالب تنحدر من أصول ايرانية، وهي إما أنها تعكس سياسة عامة متفقا عليها لاستلاب شيعة العراق من هويتهم العربية، أو أنها تعود إلى عامل سيكولوجي خاص يعود لحالة الشعور بالغربة من قبل المرجع في بيئة بعيدة عن بيئته(إيران)، فيمضي لا شعورياً وراء عملية العزل هذه في إندفاعة لا شعورية للامتزاج بما حوله تخلصاً من مشاعر الغربة هذه. وبما يحقق لهم السيطرة على أبناء الطائفة، والاستقواء بهم على الحكومة([88]).

أحسّ فيصل بالحرج سيما بعد أن سحب العلماء تأييدهم له من الملك فقام الشيخ الخالصي بعد سنة من مبايعة الملك بشرط العمل على تعزيز الاستقلال، بسحب البيعة منه علنا ومعارضته بقوة. وقام العلماء بتحريم الدخول في مدارس الدولة ووظائفها وجيشها، وأصدر الشيخ الخالصي في عام 1921 فتوى حرم فيها قبول أي منصب حكومي معتبرا ذلك عملا من أعمال التعاون مع الكفار.

يقول السيد محمد الشيرازي: "نادى العلماء أول دخول الإنكليز في العراق بأن الوظيفة الحكومية المفسدة غير شرعية، وذلك لما رأوا الوظيفة خدمة للأجنبي المستعمر، ولو كانت الحكومة متسترة باسم (الإسلامية العربية) فإنهم رأوا خطوط المستعمر من تحت الستار، ولذا قالوا: كل وظيفة مفسدة معناها تقوية الاستعمار وعملائه"([89]).

وأصر الوطنيون الشيعة وليس المراجع على تشكيل الأحزاب والسماح لها للعمل بحرية قبل عقد المجلس والتوقيع على الاتفاقية، ولكن الحكومة كانت تفضل - بوحي من السير برسي كوكس - إجراء الانتخابات دون أحزاب ليسهل التلاعب بها ، وعندما شكل محمد جعفر أبو التمن (شيعي) الحزب الوطني ، ومحمد أمين الجرجفجي حزب النهضة، وأخذا يقاومان الانتداب، قام كوكس باعتقالهما مع مجموعة من السياسيين وسفرهم إلى جزيرة هنجام في الخليج ليقيم الإنتخابات بحرية ودون معارضة([90]).

اتضح أن الانتخابات ستزور وأن الهدف منها هو تمرير المعاهدة الاستعمارية بأية صورة وضد إرادة الشعب، ولذلك أصدر الشيخ مهدي الخالصي وعلماء النجف وكربلاء بتاريخ 8 تشرين الثاني 1922 البيان التالي:" لقد أقيمت الإنتخابات بأساليب غير مرغوب فيها بقوة السلاح البريطاني بعد فرض الحظر بالقوة على الحزبين السياسيين اللذين كانا يعبران عن مطاليب الأمة (الحزب الوطني وحزب النهضة) وإبعاد الزعماء الوطنيين ... إن المساهمة في الانتخابات أو أية عملية تماثلها مما قد يعرض ازدهار العراق في المستقبل للخطر فحكمه حرام بموجب الشرع الإسلامي والقرار الإجماعي للمسلمين"([91] ).

وأكد العلماء الكبار الثلاثة الأصفهاني والخالصي والنائيني موقفهم في بيان آخر:" نعم قد صدر منا تحريم الإنتخاب في الوقت الحاضر لما هو غير خفي على كل باد وحاضر، فمن دخل فيه أو ساعد عليه فهو كمن حارب الله ورسوله وأولياءه"([92] ).

    وهنا شعر المَلك فيصل بالخوف من وجود مراجع الدين الذين يشكلون قيادة شعبية روحية قوية منافسة له، ولم يستطع أن يمرر اتفاقية الإنتداب إلا بعد أن ضرب المراجع، وخصوصا الشيخ مهدي الخالصي، وسفرهم إلى خارج العراق.

  وبما أن الكثير من مراجع الشيعة كان ينتمي إلى أصول فارسية فقد سهل على  الحكومة العراقية  التي رفعت راية القومية العربية أن تعزلهم عن المجتمع العراقي وتمنعهم من التدخل في الشؤون السياسية العراقية، ولم يسمح لإثنين من كبار المراجع وهما الشيخ محمد حسين النائيني والسيد أبو الحسن الاصفهاني بالعودة إلى العراق إلا بعد أن أخذ منهما تعهدا بعدم التدخل في السياسة([93]). 

الدولة العراقية الجديدة والشيعة

بتكوين الدولة العراقية الجديدة ظهرت أحوال جديدة، فالعراق اليوم له حدود واضحة مع إيران، وأهله سيما السنة قد أدركوا حجم المؤامرة الإيرانية للسيطرة على العراق، ومع أن الفكر الديني كان هو الأضعف والغلبة هي للفكر العروبي ومن ثم القومي إلا أن الشعور السني قاوم التشيع لأنه يمثل مدخل للأطماع الفارسية في البلد مستخدمة المرجعية والمذهب لخدمة أغراضها.

فالعراقيون السنة والشيعة أصبح حاديهم الوحدة العربية، وفهم العراقيون السنة سيما الساسة دور وخطر المرجعية على العراق في بلد، فهموا ما فهمه الجيل بعد ذلك، فعمدت على احتواء المجتهدين، وكلهم إيرانيون تحركاتهم مرتبطة بمصالح إيران، وليس لهم أي دافع تجاه العراق، ومنع أي مجتهد شيعي من ممارسة السياسة علنا، وثمة أزمة ظهرت من داخل المرجعية ألا وهي اختلاف الشيعة على مرجعية موحدة بعد وفاة شيخ الشريعة الأصفهاني سنة 1920م.

وكان قبل ذلك ظهر صراع بين العشائر العربية الجنوبية وبعض المراجع الشيعية الإيرانية، وهذا ما عزز قوة علاقات بعض العشائر العربية بفيصل كونه مخلصا لبعضهم أكثر من المرجعيات الفارسية وفي نفس الوقت استغلالا لحالة العداء بين آل السعود والأشراف فكلاهما أصبح عدو لآل سعود (الوهابية كما يسمونهم) الأشراف لهم عداء سياسي والشيعة عداء فكري ديني.

والحقيقة أن الملك فيصل كان يعمل بذكاء للتخلص من سلطة المراجع، بل إنه حث المسؤولين الإيرانيين على التقليل من نفوذ المراجع داخل إيران نفسها، وكان فيصل يريد تكريم الشيعة العراقيين كمواطنين.

لكن المراجع تربصوا بفيصل ليوقعوا به فأستغلوا المعاهدة بين بريطانيا والعراق لتحديد شكل العلاقة بينهما بعد الوضع الجديد وذلك سنة 1922م، وكان من المفروض أن تصادق الجمعية الدستورية والتي من المزمع تأسيسها سنة 1923م على المعاهدة، وجرت المناقشات  في ظل ثلاثة ظروف :

- تركيا كانت تحاول دعوة العرب لطلب حكم ذاتي تابع للسلطة التركية (وليست العثمانية).

 - الغارات التي قامت بها قوات الإخوان الوهابية – قبائل قبلت الدعوة الوهابية لكنهم خالفوا الملك عبد العزيز ورفضوا سياسته ثم خرجوا عليه - على المناطق الجنوبية للعشائر الشيعية، هذه الغارات اسفرت عن مئات القتلى ، وشعر أهل الجنوب بالقلق لأن هذه الهجمات قد تكون مقدمة لهجمات مستمرة ، عندها استغلت المرجعية ذلك وأشاعت أن هذه الهجمات بتحريض من بريطانيا لإضعاف العراق، وادعوا أن الحكومة العراقية عاجزة على حماية البلد.

وقد كان للإخوان رغبة باستمرار الغارات لنشر الدعوة، لكن عبد العزيز رفض ذلك بسبب إدراكه أن الوضع اختلف عن الفترة السابقة وأن المنطقة حددت لها حدودها وثمة قوى كبرى خارجية مهيمنة على المنطقة، سلوك هؤلاء يشبه سلوك القاعدة اليوم لذا حاربهم الملك عبد العزيز وافتى علماء المملكة بعقابهم وقتالهم.

- استغل موسم عاشوراء من قبل المراجع الكبار الثلاثة أبو الحسن الأصفهاني، وحسين النائيني، ومهدي الخالصي، فعقدوا مؤتمرا ظاهره الدفاع عن الجنوب من هجمات الإخوان ورد الهجمات داخل المملكة، ولكن كشفت دوافعه الحقيقية وهي تشكيل قوة جديدة شيعية من المراجع لضرب الحكومة ومعاهدتها الجديدة، وطلبوا من علماء السنة والملك فيصل حضور المؤتمر. بيد أن فيصل لم يلبي دعوتهم ومثل السنة بوفد غير رفيع المستوى. كما رفض كبار شيوخ  عشائر الشيعة الكبيرة موافقة المجتهدين([94]).

 وفشلت المحاولة الشيعية الجديدة بواسطة المراجع الثلاثة لتجنيد جيش يستعملونه لمآربهم ومؤمراتهم.

وشنوا دعاية على الملك فيصل واتهامه بأنه عميل للإنكليز لأنه رفض المجيء لمؤتمرهم، ولما أحس المراجع أن مؤمرتهم كشفت وخافوا من قيام الملك والإنكليز بصناعة مراجع بديلة عنهم وإضعاف نفوذهم، شنوا حربا استباقية ضد أي انتخابات للجمعية الدستورية فاصدر المراجع فتوى بمقاطعة الانتخابات وأنها غير شرعية، بل كفروا من يعصي فتوى المرجع، وأما الخالصي فقال: (قد حكمنا بحرمة الانتخابات والمشارك فيها معاد لله ورسوله وأئمة المسلمين ولا يدفن في مقابر المسلمين) فهل بقي تكفير بعد هذا !! ثم يدعي الشيعة أنهم ليسوا تكفيريين!! وأما الأصفهاني فقال أن المشارك تحرم عليه زوجته ويمنع من دخول الحمامات العامة وينبذه سائر المسلمين.

و يصدق في هؤلاء المراجع قول الله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ}، وأشاع الشيعة أن سجلات الإنتخابات ستستعمل للتجنيد حتى ينفرون السنة من المشاركة في الانتخابات.

وبسبب قلة مقاعد العشائر في المجلس استغلت هذه الفتاوى لتهديد الملك بعدم مشاركتهم بالإنتخابات حتى تزاد حصصهم من المقاعد، وكان العشائر يرون أن المدن ستكتسحهم.

حرض المجتهدون على الثورة من جديد على فيصل وحكومته، وكان الوضع متأزم بين بريطانيا وتركيا وثمة تحشيد للقوات على الحدود لضم الموصل لتركيا، وقبض على مراسلات من شيعة كربلاء لمصطفى كمال أتاتورك تدعوه لاحتلال العراق، وعلقت فتاوى في مرقد الكاظم تدعو العراقيين بعدم مقاومة الأتراك إذا دخلوا العراق، وكذا في مساجد النجف.

انسحبت القوات التركية من الحدود مما أضعف موقف المراجع، ففكروا بإصدار فتوى بإسقاط الملك فيصل وخلعه، وتحدى الخالصي وأبناؤه فيصل شخصيا وخلع بيعته لفيصل، وهرب بعض أولاد الخالصي لإيران وشنوا من هناك حملة شعواء على حكومة فيصل واتهموه بالخيانة وشجعتهم طهران على ذلك كالعادة([95]).

منذ ذلك اليوم وبتاريخ 9 حزيران سنة 1923م صدر قانون الهجرة والجنسية الذي يجيز إبعاد غير العراقي الذي يمارس نشاطا عدوانيا على العراق والحكومة([96]).

استمر الخالصي واولاده بتعليق منشورات ضد الحكومة والملك، وكان الخالصي وأولاده عربا لكنهم تجنسوا بالجنسية الإيرانية حتى لا يجندوا في الدولة العثمانية.

فتم إبعاد كل المراجع الكبار الفرس وكانوا تسعة، مع الخالصي وأولاده وممن أبعد الأصفهاني والنائيني فذهبوا إلى قم في إيران، والتحق الخالصي بهم بعد أن أبعد إلى عدن فاستغل الحج وذهب لإيران([97])، وتملقا من الخالصي لدولة لإيران خالف علماء الشيعة وأمر باعطاء الخمس للدولة الإيرانية وليس للمراجع مما سبب له خلاف شديد مع بقية المراجع، وأدعى أن إيران يجب أن تكون قوية وأن الخمس يعطى للقوات المسلحة الإيرانية، وأمر بجمع أموال الأضرحة في العراق في الكاظم وغيره ودفعها لإيران([98]).

أتهم الشيخ الخالصي بأنه أصبح عميل لدولة إيران من قبل المرجعين الأصفهاني والمرجع النائيني - وهم من أصول فارسية- ففاوضوا الحكومة العراقية للعودة إلى النجف بدون الخالصي، وكان سبب طلبهم هذا:

- خوفهم على مركز النجف من الضياع، والتي كشفتها مراسلات بعض المراجع العرب معهم.

 - ظهور مشاكل بينهم و بين مرجع قم عبد الكريم الحائري والذي كان يخطط لضرب مجتهدي النجف ودعم مرجعية إيران في قم([99]).

- وجود أملاك وعقارات وأموال طائلة لهم في العراق فإذا استمر غيابهم ضاعت، سيما وأن الإنفاق عليهم ضعف في العراق.

فسمح  لهم بالعودة إلى العراق في سنة 1924م، ومات الخالصي هالكا في إيران بالسكتة الدماغية.

واستقر العراق في فترة غياب هؤلاء من أصحاب النفوذ الإيراني وارتاح السنة والشيعة من شر علماء السوء.

وتقارب عامة الشيعة مع الحكومة في هذه الفترة وقدم وفد  كبير من الشيعة لملاقاة فيصل للاعتذار منه عن أعمال المراجع بحق العراق وفيصل.

أصبحت العشائر الشيعية أكثر وعيا لمصالحها من توجيهات المراجع وتحسنت العلاقات بين الحكومة والعشائر.

وظهرت منافسة شديدة بين المراجع الفرس والعرب داخل كربلاء والنجف وذلك سنة 1925م، حتى انقسمت المرجعية إلى قسمين واحدة بقيادة الأصفهاني والنائيني، وبين المعسكر العربي بقيادة أحمد كاشف الغطاء. حتى تجرأ رجل دين شيعي وهو صالح الحلي أشهر خطيب للمواكب الحسينية بالطلب من الأصفهاني المرجع أن يدفع أموال الخمس إلى حسينية في مدينة العمارة العراقية لكن الأصفهاني رفض، وتهجم أحدهم على الآخر علنا وفي الخطب وجرى صراع سنتعرض له في الحلقة القادمة من تاريخ شيعة العراق([100]).

 

الجزء الرابع

أحوال الشيعة في بداية تأسيس الحكومة العراقية وموقف السُنة منهم:

ذكرنا سابقا أن ثمة صراعاً برز بين العلماء والمراجع الشيعة أنفسهم الإيرانيين والعرب، مارس فيه كل فريق منهم تشويه الآخر، واستطاع مراجع الشيعة العرب كسب تأييد رؤساء العشائر العربية، حين تضررت مصالح العشائر الريفية في نفس المرحلة نتيجة للضريبة الحكومية الجديدة على بعض المحاصيل الزراعية، فطلبوا من المراجع الوقوف معهم لتخفيف حجم الضريبة، فأيدهم المراجع العرب ورفض المراجع الإيرانيون وغير العرب ذلك بحجة أن العشائر لم تقف معهم في محنتهم عند إبعادهم إلى إيران.

توثقت العلاقة بين المراجع العرب والعشائر لا سيما المرجع أحمد كاشف الغطاء، وأصبحت له منزلة عالية عند القبائل والعشائر، إلا أن وفاته سنة 1926م قلبت الأمور ضد العشائر العربية وعادت السيطرة  الإيرانية وغير العربية من جديد([101]).

لعبت حكومة الملك فيصل الأول دوراً ذكيا في تقوية المراجع العرب، فدعمت المرجع العربي الشيعي محمد حسين كاشف الغطاء (ت: 1954م)، ومحمد علي بحر العلوم (ت: 1936م) وكان كاشف الغطاء مرشحاً للوصول إلى زعامة المرجعية الشيعية، ومحاطاً بعناية الملك فيصل حتى بعثه ممثلا للعراق في مؤتمر القدس سنة 1931م، وعين بحر العلوم عينا من أعيان الحكومة، وقويت الصلات بين الحكومة ومراجع العرب الشيعة (([102].

كانت الحكومة العراقية تشعر بخطر المجتهدين الإيرانيين وغير العرب على العراق عامة وشيعة العراق خاصة؛ لذلك قامت بإبعاد المراجع الإيرانيين وغير العرب([103]) الذين  شكلوا مصدر قلق لاستقرار العراق بسبب تعلقهم ببلدهم الأصلي إيران وارتباطهم بمصالح إيران لا العراق.

 من جهة أخرى سعت الحكومة العراقية بعد ذلك للحد من نفوذ مجتهدي الشيعة العرب بين عشائر الجنوب بوسائل سلمية ونافعة لعموم المجتمع الشيعي والعراقي نذكر منها:

أولاً: إدخال التعليم المدني المعاصر، وليس الديني الذي كان هو التعليم الوحيد في مناطق الجنوب، مما رفع حالة الجهل والقبول بالخرافة والبدع. وارتبط العمل في أجهزة ودوائر الدولة العراقية بالتعليم غير الديني حيث كان لابد من سلوك التعليم المدني للوصول للوظيفة، وكان العمل في أجهزة الدولة هدفا لكل العراقيين.

وساعد تثقيف وتعليم أهالي الجنوب على تقليل سلطة (السادة) ورجال الدين الشيعة (الموامنة) الذين كان لهم دور في تشيع الجنوب وفي بقاء التشيع قوة اجتماعية بين العشائر. وأصبحت الدولة ودوائرها الرسمية هي البديل عن هؤلاء في عقود الزواج وفي حل المشاكل العشائرية، وهو الدور الذي كان يضطلع به السادة والموامنة.

ثانياً: إقامة علاقة قوية بين شيوخ العشائر والدولة كحافز اقتصادي، إذ أصبح أكثر شيوخ العشائر ملاكا لأراض زراعية واسعة في الجنوب، مقابل ذلك كان شيخ العشيرة هو من يحفظ الأمن والاستقرار في منطقته مع منحه صلاحيات واسعة في منطقته.

ثالثاً: إعطاء بعض رؤساء العشائر سلطة سياسية سواء في الحكومة أو في البرلمان، كما أن الأشراف (السادة) في العراق لم تكن لهم في العراق قدرة اقتصادية أو سياسية ، فأصبحت طبقة شيوخ العشائر هي الداعم الاقتصادي والسياسي للأشراف([104]).

وهذا الجهد الملكي في تحجيم التشيع في العراق لم يُنتبه له أغلب الباحثين، فجهود مقاومة التشيع لم تكن محصورة عند أهل الدين والعلماء والدعاة والمفكرين السُنة، بل كانت هناك جهود أعم من ذلك وأشمل لمقاومة التشيع وخطر المجتهدين الإيرانيين وغير العرب، الذين استخدموا التشيع لخدمة دولة إيران، وأرادوا تسخير كل طاقات العراق لمصلحة إيران، كما يفعل اليوم.

وهذه السياسة الملكية تجاه العشائر الجنوبية كانت أنجح بكثير من السياسة التي طبقها العثمانيون والقائمة على نظرية التفريق بين العشائر، فقد تقوت العشائر الجنوبية ولكن قوتها كانت داعما للدولة وليس أداة هدم لها، في حين أن سياسة العثمانيين تشبه سياسة شاه إيران المتمثلة في ضرب القبائل وشيوخها بعضهم ببعض وتحطيمهم (فرق تسد).

وخلاصة جهود الدولة في المرحلة الأولى تتلخص في أمرين:

الأول: منع سيطرة المراجع غير العراقيين وغير العرب على الشيعة، ولعل سبب هذا الاتجاه هو الفرق بين سلوك كل منهما فالمرجع العراقي أو العربي لا يحمل حقد الشعوبية التي تنظر إلى العرب نظرة دونية، كما أن العادات العربية تمنعه أحيانا من بعض السلوكيات المشينة التي يأباها العربي مثل زواج المتعة وغيره، إضافة لبعض المثل العربية؛ مثل النخوة والشهامة والكرم والتي هي صفات عربية أصيلة، إذا في المعادلة أو المشكلة الشيعية عنصران ديني وعرقي (قومي) ومن لم يفهمها لا يفهم كثيرا من السلوكيات الإيرانية، فمحرك العنصر الإيراني هو قومي وديني (التشيع) فمن نجا من الأول بقي فيه الثاني، ومن نجا من الثاني بقي فيه الأول.

 الثاني: محاولة إبعاد سيطرة المراجع العرب على العشائر واعطاء دور للعشيرة في السيطرة على الجنوب . 

ونتج عن هذه السياسة ضعف نسبي في نفوذ رجال الدين الشيعة، وصعود نفوذ رجال العشيرة، وأصبح التشيع وانتشاره محدودا إن لم يتوقف في العراق بعد تشكيل الحكومة العراقية سنة 1921م.

وهذا التحول الاقتصادي والسياسي لشيوخ العشائر حوّل بوصلتهم نحو العاصمة بغداد وليس إلى كربلاء والنجف اللتين كان يدار فيهما كل شيء للعشائر، ومع توقف الزيارات الخارجية وتقليل مجيء الإيرانيين قلّ وضعف نفوذ مدينتي النجف وكربلاء. بل إن انتماء رؤساء العشائر للأحزاب السياسية في وقتها كحزب الاتحاد الدستوري وغيره قرّب رؤساء العشائر ببغداد والنخب السياسية، وأبعدهم عن رجال الدين الشيعة بشكل ملحوظ.

هذا من جانب، ومن جانب آخر مهم لم تعد هناك رغبة قوية لدى شيوخ العشائر بتكوين قوى مسلحة، وأصبح التنافس السياسي للوصول للسلطة هو الهدف الأول لهم، مما أضعف فكرة القيام بثورة أخرى يستغلها مراجع الشيعة سواء كانوا عربا أم إيرانيين.

كما عملت الحكومة بشكل ذكي على تشكيل قوة السراكيل (الموظف المراقب لشؤون العمل الزراعي) وهي طبقة من الناس تدير بشكل مباشر شؤون العشيرة الزراعية، وقوة لحفظ الأمن بدل شيخ العشيرة؛ الذي أصبح موجودا في بغداد لمتابعة التعاملات السياسية والاقتصادية، لذا تولدت قوة جديدة، وهي أيضا بديل عن قوة مراجع الشيعة.

وقوة السراكيل كانت موجودة في عهد العثمانيين ولكنها كانت قوة موظف همّه جمع الضرائب، أما في العهد الملكي فتغيّرت وأصبحت قوة فاعلة على الأرض.

النجف وكربلاء

هاتان  المدينتان ليستا مدنا مقدسة عند الشيعة فحسب، بل هما مدينتا المؤامرات الشيعية على العراق، وفيهما تحاك كل المشاكل لمنع استقرار البلد حتى يكون العراق بلدا شيعيا، وإليهما يدخل الإيرانيون وغير العرب للعراق بحجة الزيارة وتعقد المؤامرات، ومنهما انطلقت المعارضة العراقية بعد سنة 1980م ومن يومها تشكلت بؤر شيعية ساعدت على احتلال العراق وقيادته أسوأ قيادة في تاريخه.

وحتى يظل الحال على ما هو عليه من سيطرة المراجع على زمام الجنوب، فإن الأمر يحتاج إلى بقاء هذه المدن بؤرة اقتصادية مالية قوية لجذب كل رؤساء وشيوخ العشائر إليها. لذلك فبقاء هذه المدن قوية هو ضعف للعراق ، وضعف هذه المدن هو استقرار للعراق، وهذه قاعدة مهمة لمن أراد أن يفهم وضع العراق.

كانت هذه المدن تستمد قوتها الاقتصادية من الزيارات الدينية الشيعية من جميع أنحاء العالم، وهذا يتحول بدوره إلى قوة اقتصادية للمراجع، وكلما أصبح النفوذ المالي للمراجع أقوى، أصبحت قدرتهم على تحريك الشارع الشيعي أكبر .

لقد كانت هذه المدن بؤرة لتواجد الإيرانيين في العراق، ففي إحصاء سنة 1919م كان عدد الإيرانيين في كربلاء 80 ألف إيراني، وهذا يعني أنهم يشكلون 75% من سكان المدينة. أي أن مدينة عراقية ثلاثة ارباع سكانها ليسوا منها، بل ليسوا عراقيين!!

وليس هذا فحسب بل كان كل من يريد التهرب من الخدمة العسكرية ينكر جنسيته العراقية ويعد إيرانياً!!

لقد كان في كربلاء عدد كبير من المدارس الإيرانية والموظفين الإيرانيين العاملين في القنصلية الإيرانية لإدارة شؤون رعاياها من قبل الإيرانيين وغير العرب، كما وجد عدد من التجار. وبعد كل ذلك كان يوجد كم كبير من المخبرين ورجال المخابرات الإيرانية. كما أن تواجد الإيرانيين  والشيعة غير العرب في النجف أقل من كربلاء، وكذلك في مدينة الكاظمية وفي مدينة سامراء.

تولدت لدى الحكومة العراقية الملكية رغبة قوية بتحجيم الوجود الفارسي أو الأصح الوجود غير العربي في هذه المدن، لذا أصدرت الحكومة سلسلة من القرارات في سنة 1924م لحصر حملة الجنسية العراقية، فقد خُيّر حملة الجنسية الإيرانية سواء كانوا من أصل إيراني، أو عراقي حملوا الجنسية الإيرانية بغرض التهرب من الخدمة العسكرية إبان الحكم العثماني، خيّر كل هؤلاء بين أن يصبحوا رعايا عراقيين بتخليهم عن الجنسية الإيرانية ، أو اعتبارهم إيرانيين ، و التعامل معهم كمقيمين وليسوا كعراقيين. وكان ثمة قانون آخر وهو منع تشغيل من يحمل جنسية غير عراقية في دوائر الدولة، سيما ممن لا يجيدون التكلم باللغة العربية و كان هذا سنة 1927م.

كما أن تطورا آخر حصل سنة 1935م بقانون منع مزاولة العمل في العراق لغير العراقيين، وشمل هذا عشرات المهن التي كان الإيرانيون يزاولونها في العراق([105]).

كانت هذه القرارت تهدف إلى تحجيم التواجد الإيراني الذي شكل مصدر ازعاج وقلق للعراق. كما نتج عن هذه القوانين كسر احتكار وسيطرة الإيرانيين على سوق العمل في كثير من مجالات العمل داخل العراق واستبدالهم بطبقة عاملة عربية عراقية.

وشملت القوانين أيضا رعاية الأضرحة في النجف وكربلاء، ففي سنة 1948م صدر قانون بمنع سيطرة الإيرانيين وغير العرب عليها وأنيطت أمورها لوزارة الأوقاف. كما سيطرت الحكومة على الأموال الموجودة في الأضرحة والتي كانت عصب قوة المراجع الشيعة.

كل هذه القوانين والإجراءات تمت ليس بهدف سيطرة السنة على الشيعة – كما يدعي الشيعة اليوم-  بل لمنع النفوذ الإيراني، ومنع سيطرة العمائم الإيرانية والموجهة من داخل إيران لضرب استقرار العراق؛ وهذه الخلفية التاريخية تفسر لنا بوضح تام السبب الذي يجعل الساسة العراقيين الشيعة يركزون على تعزيز مكانة رجل الدين، وعلى تعظيم كربلاء والنجف، وحرصهم اليوم  على إقامة مطار قربهما، وتفعيل جباية الخمس وزيارة المراقد، ذلك أنها  تشكل طرقا مختلفة لعودة الهيمنة الإيرانية والشيعية على العراق.

ونستطيع  القول: أنه كلما انتعشت هذه المدن (كربلاء والنجف) اقتصاديا، كثرت المؤامرات على العراق، وكلما بقيت هذه المدن بحجمها الطبيعي استقر العراق أكثر وأكثر.

كما يعطينا هذا تفسيرا لهذا الزخم الإعلامي لتضخيم هذه المدن؛ فهي توصف بالمقدسة، كما توصف النجف بالأشرف دائما على لسان كل مسؤول، وتوجه لها الإنظار في كل مناسبة دينية عند الشيعة، وهذا كله مدروس لإعطاء هذه المدن دورا متميزا غرضه ما ذكرنا آنفا.

لقد اربكت هذه الإجراءات والقوانين التي سنّتها الحكومة العراقية كثيرا من مجتهدي الشيعة، الذين أحسوا مبكرا  بأن سياسة الحكومة آنذاك خطر على وجودهم، مما جعلهم يشكون لوزير الخارجية الإيراني فيروز عندما زار العراق سنة 1920م([106]) من أن وضعهم في العراق قلق، وأن مستقبل التشيع العراقي في خطر، كما ازداد قلق المراجع بسبب خشيتهم من تأثير هذه الإجراءات الحكومية على مواردهم المالية في العراق (وهي ضخمة)، مما يعرض موقعهم الديني والإجتماعي المرموق بين شيعة العراق للزوال.

لقد شكّل تأسيس الدولة العراقية مشكلة للمراجع وتقييدا لنفوذهم في العراق لذا وقفوا ضده وحاربوه بكل السبل.

وعندها بدأت إيران بإيجاد بديل عن النجف وكربلاء داخل بلادها وكان هذا أوان ظهور مدينة قم كمركز ديني جديد للشيعة في عشرينيات القرن المنصرم، لتكون تحت سيطرتها التامة.

كان هناك دافع آخر (اقتصادي) لدى الحكومة الإيرانية لتهيئة بديل عن كربلاء و النجف، وهو إيقاف الهبات المالية (الخمس) وغيرها من الذهاب للعراق، وتحويلها إلى قم([107])، وبذلك تضاربت مصالح علماء الشيعة في العراق وإيران بعد اختلاف المركزين (قم – النجف وكربلاء).

إيران والحكومة العراقية الجديدة:

تعد قوة العراق - سواء كانت اقتصادية أو سياسية- أمراً مزعجاً لإيران دائما؛ لأنها تعيق تحقيق حلم إيران بالسيطرة على العراق أو إضعافه على الأقل، ولتحقيق هذا تستخدم إيران ورقة التشيع، فلو ترك شيعة العراق لوحدهم – وهيهات – لهان الخطب وكان الأمر أيسر، لكن بين العراق وإيران تاريخ مر، يجب أن يعرفه كل دارس لتاريخ وواقع العراق اليوم؛ فعندما تشكلت الحكومة العراقية الملكية سنة 1921م رفضت إيران الاعتراف بها، سيما وأنها فشلت في ثورة العشرين (الثورة الشيعية التي كان هدفها تحويل العراق لبلد شيعي كما سبق توضيحه).

وفي عام 1924م ربطت إيران اعترافها بالعراق بثلاثة أمور:

1.      إعفاء مواطنيها من الخدمة العسكرية (لأن العراق فرض عليهم الخدمة إذا بقوا فيه).

2.      أن يتولى القنصل الإيراني إدارة شؤون الإيرانيين في العراق وأملاكهم.

3.      أن يحاكم المتهمون الإيرانيون بقضايا جنائية أو مدنية أمام محاكم خاصة، وليس أمام المحاكم العراقية.

وجراء الضغط الدولي على إيران للاعتراف بدولة العراق، قلّلت إيران من شروطها، وذلك سنة 1928م، بعد أن كانت رفضت الاعتراف بالعراق كدولة، لأن هدفها- كما ذكرنا - هو إضعاف العراق وحكومته بعد أن شعرت بأن سيطرة المراجع بدأت تتقلص شيئا فشيئا.

 وكردة فعل، حاولت إيران أن تزعزع العراق اقتصاديا من خلال تحريض القوى الاقتصادية والدينية الدائرة في الفلك الإيراني داخل العراق على مغادرة العراق مع سحب رؤوس أموالها الضخمة، لا سيما بعد ظهور قانون الجنسية الجديد الذي حجّم دور الإيرانيين، فتناقصت نسبة الإيرانيين في كربلاء حتى وصلت  سنة 1957م إلى 12% ([108]).

الشيعة وتأسيس الجيش العراقي

بسبب أوضاع المنطقة الشمالية غير المستقرة، ومحاولات تركيا فصل الموصل عن العراق، وظهور مطالب الاكراد بالانفصال وتكوين دولة مستقلة، وبسبب الجنوب العراقي غير المستقر لأكثر من 500 سنة مضت، وتدخلات المراجع الشيعة في شؤون العراق، كل هذه الأمور وغيرها دعت الحكومة العراقية إلى تشكيل جيش من الشعب العراقي لحفظ الأمن والاستقرار، والعمل على الاستقلال التام. فقد أعلن عن تشكيل الجيش العراقي بتاريخ 6 كانون الثاني سنة 1921م وكان أول فوج تشكل هو فوج موسى الكاظم كنوع من تودد الحكومة الجديدة للشيعة بعد ثورة العشرين...

ومن الطبيعي أن تكون نواة الجيش من بقايا العسكر والضباط العثمانيين وغالبيتهم من السنة سواء كانوا عربا أو أتراكا([109]).

والذي لا يصدق أن الشيعة ليس لهم انتماء لأوطانهم – وأقصد المراجع ومن يسايرهم – فليتابع معي موقف الشيعة من الجيش في بداية تكوين الحكومة العراقية وهذا الموقف تداوله كل الشيعة (المراجع العرب وغيرهم والمثقفين) :

·      تحجج الشيعة في الجنوب بأنه لا داعي لتأسيس الجيش، وأن ما ينفق على الجيش الأفضل إنفاقه على اعمار الجنوب، وأن من الممكن الدفاع عن البلاد بدون جيش على حد تعبير بعض الكتاب الشيعة في الصحف([110]).

·      كما وقف الشيعة منتقدين للتجنيد الالزامي متوافقين مع رغبة بريطانيا ؛ إذ أنّ المندوب السامي البريطاني ابدى معارضته للتجنيد الإلزامي كذلك، بل إن طه الهاشمي([111]) اتهم البريطانيين بأنهم كانوا وراء الشيعة لمنع التجنيد الالزامي، وهذا أمر معروف لدى الباحثين في الشأن العراقي([112]) وطلب الشيعة من مراجع النجف السعي لوقف قانون التجنيد الإلزامي، وتم عقد مؤتمر في سنة 1924م لمحاربة هذا القانون..

والدافع من وراء هذه المعارضة هو إن الشيعة (المراجع ومن سار في ركبهم) يريدون بقاء البلاد غير مستقرة ليتسنى لهم الثورة متى شاءوا من غير قوة تردعهم([113])،  كما أن طبيعة شيوخ العشائر الجنوبية تميل الى عدم الطاعة، والتمرد على كل سلطة لتبقى السلطة لشيخ العشيرة فقط . هذه الأمور ساعدت على رفض هذا القانون.

 إن روح التمرد هذه وعدم الإنضباط رغبة شيعية بحتة، ومصداقا لما أقول انظر اليوم ماذا يفعل  جيش المهدي بالعراق، حتى وصل به الحال أنه يحارب حكومته الشيعية، لأنه يريد أن تبقى الأمور غير مستقرة دائما.

وهناك أمر آخر وهو أن العصيان على قانون التجنيد الإلزامي اتخذ عند الشيعة ذريعة لمساومة الحكومة على مطالب أكثر كما عبر عن ذلك أكثر من سياسي شيعي([114]).

فقدت الثقة بين السنة والشيعة بسبب المواقف الشيعية من الدولة والجيش، وأصبح أهل السنة لا يثقون بأي حاكم شيعي بسبب تبعيته للإيرانيين من جانب، وبسبب رغبة الشيعة في العيش كمعارضين أو أن يكون الحكم لهم وحدهم، ومن يتمعن فيما جرى للعراق عندما حكمه الشيعة بعد الاحتلال الأمريكي في 9/4/2003 و ما يفعله الشيعة اليوم في البحرين ولبنان يدرك صدق ما أقول.

هذا الشعور تجاه الشيعة لم يكن عند المتدينين السنة فحسب بل عمّ جميع الوطنيين من التيار القومي والعلماني، مما يوضح أن ظاهرة الشيعة وعدم صلاحيتهم لحكم أي بلد هي ظاهرة أدركها كل العراقيين السنة ولكنها ومع مرور الزمن غابت عن ذهنية الفرد العراقي فوقع في شرك الوحدة الوطنية الزائفة وتناسى العقلية الشيعية، حتى سقط العراق بيد الأمريكان وظهر للجميع حقيقة مقاصد الشيعة.

وضع الشيعة في عام 1927م ومحاولة تقسيم العراق:

على إثر الازمات بين الشيعة والحكومة اجتمع في سنة 1927م كبار الساسة الشيعة والمجتهدون في النجف للإستعانة بالبريطانيين وبالذات المندوب السامي البريطاني هنري دوبس لتغيير الحكومة، أو المطالبة بتقسيم البلاد وتشكيل حكومة شيعية في مناطق الجنوب منفصلة عن العراق، إلا أن عوام الشيعة في الجنوب رفضوا مقترح الانفصال؛ لأنهم عشائر حديثة عهد بالتشيع ولا يزال هناك ثمة رابط بينهم وبين أقربائهم السنة، إضافة لروح العروبة وحب العراق كوطن لهم منذ مئات السنين.

تصاعدت اعتراضات وقلاقل الشيعة في مناطق عدة كما تصاعدت مطالبهم بتمثيل أكبر في الحكومة، بيد أن عددا لا بأس به من ساسة الشيعة مثل جعفر أبو التمن فضح توجهات المراجع..

وقال: إن المراجع هم مَن منع الشيعة بفتاوى من الدخول في الحكومة فلما قامت الحكومة واستقرت طالبوا بمطالب، وكذلك لما قامت الحكومة ادّعوا أن الإنكليز وراء الحكومة فلما ضاقت عليهم الأمور استعانوا بالانكليز ضد حكومتهم العراقية!!

إضافة لذلك لم تكن عند الشيعة قيادة سياسية موحدة وكان بعض الشيعة يرفض قيادة المجتهدين، لما سببوه من مشاكل للشيعة بسبب فتاواهم ، وكانت رؤية بعض الشيعة سلوك مسلك البرلمان باعتباره الطريق الصحيح للحصول على الحقوق([115]).

إن محاولات تقسيم العراق اليوم من قبل عبد العزيز الحكيم وابنه ليست وحيدة أو جديدة أو وليدة، بل إن الشيعة منذ عشرينيات القرن الماضي وهم يسعون لهذا! لذلك لا يثق أي عراقي شريف (من أي اتجاه كان) بالتوجهات الدينية الشيعية، والعتب كل العتب على المؤرخين العراقيين الذين لم يوضحوا لشعبهم في العراق ولا خارجه الطموحات الحقيقة للمراجع الشيعة، منذ محاولات  التهديد بالإنفصال سنة 1927م، وهي خير دليل على ما نقول.

ثورة 1935م الشيعية:

أعلن استقلال العراق في عصبة الأمم سنة 1932م وقد نظر الشيعة بتوجس لهذا الإستقلال؛ لأنهم أحسوا بقرب انتهاء النفوذ البريطاني على العراق والذي كانوا يعولون عليه لنيل مطالبهم كما هو حالهم اليوم، يسبون الشيطان الأكبر ومن ثم يتحالفون معه!!

فبكل وقاحة ودون حياء كتب شيعة من العراق ولبنان في عدة مجلات بأسماء مجهولة منها مجلة "العرفان" البيروتية مطالبات بحماية الشيعة؛ منها مقال بعنوان (الشيعة في بلادهم) بتوقيع (عربي) ومقال (اضطهاد الشيعة في العراق) بدون توقيع، وكتب ابن الرافدين مقال (الشيعة في العراق) كل هذه المقالات بأسماء غير معروفة، تحرض وتخوف من استقلال العراق قبل صدور الاستقلال ([116])، وتشكلت لجنة شيعية تحت اسم (اللجنة التنفيذية لشيعة العراق) ورفعت مطالبها للهيئات الأجنبية في العراق، ونشرت في مجلة العرفان البيروتية العدد 23 سنة 1932م، وأثيرت اضطرابات تبين استعدادهم للعنف من أجل تحقيق ما يصبون اليه، ووصفوا الحكومة العراقية بإنها حكومة احتلال .

وبعملية خبيثة من بريطانيا لإثارة المزيد من البلابل، صدرت نتائج الإحصاء العراقي الذي يدّعي أن الشيعة أكثرية([117])، وزاد الوضع سوءا بوفاة الملك فيصل الأول سنة 1933م.

وكانت الحكومة العراقية مضطربة، فقد اقدمت في سنة 1934م على أعمال غير مدروسة، منها قيام حكومة علي جودت الأيوبي بحل البرلمان، فقامت بعض الاضطرابات استغلتها احزاب وشخصيات سنية وشيعية، منهم التاجر الشيعي المعروف عبد الواحد سكر. ونتيجة لهذه الأوضاع وسوء التصرف سقطت حكومة الأيوبي ثم تلتها حكومة المدفعي وسقطت أيضا، ثم شكل الملك غازي بن فيصل حكومة ياسين الهاشمي([118]).

ازدادت المعارضات الشيعية في البلد مع دخول سنة 1935م، وكان التجار والسياسيون الشيعة يتسابقون في تمثيل المكون الشيعي لنيل مكاسب ذاتية، وكانت الهوسات (رقصات الحرب في الجنوب العراقي) منتشرة في الجنوب، وهي إرهاصات ابتداء الحرب والاستعداد لها، وكان بعض السنة العرب- مع الأسف - يؤيدون هياج الشيعة لإسقاط الحكومة للحصول على مكاسب خاصة، بيد أن  هذا التهيج للشيعة فتح شرا على البلاد وثورة عارمة ندموا عليها فيما بعد.

ومرة أخرى زجّ التجار الشيعة بورقة المرجعية لتوجيه الشيعة، فاجتمع عبد الواحد سكر بمجتهدي الشيعة العرب (محمد كاشف الغطاء وعبد الكريم الجزائري وجواد الجواهري) وجرت مشاورات واجتماعات بين التجار والمرجعيات لتقديم مطالبات والضغط على الدولة، بل على رأس الدولة الملك غازي، وهذا الأمر لم يحظ بقبول كل الشيعة سيما الذين بقوا في البرلمان؛ لأن هذا الأمر منح التاجر الثري عبد الواحد سكر صفة تمثيل الشيعة، لذلك لم يقفوا معه، لكنهم خافوا أن يفقدوا مكانتهم بين الشيعة بسبب عدم وقوفهم مع سكر، فتوجهوا إلى كاشف الغطاء مبدين استعدادهم للاستقالة من البرلمان ما لم تتحقق مطالب الشيعة، والذين تقدموا بها هم مجموعة من المحامين الشيعة المعروفين في بغداد.

كانت مطالب الشيعة مطالب دينية للطائفة، مثل أن يدرس الفقه الجعفري في الجامعات، وقيام محاكم شرعية وفق مذهب الشيعة وغيرها من المطالب التي تخص جنوب العراق، وأيد هذه المطالب الجانب البريطاني الذي كان منزعجا من استقلال العراق، وفي نفس الوقت خائفا من النفوذ الأمريكي المتصاعد([119]).

هذه المطالب أيدها التجار الشيعة المعادون لسكر؛ لذا رفض سكر هذه المطالب لأنها تثير فتنة طائفية، بيد أن المطالب قدمت من قبل كاشف الغطاء لرئيس الوزراء ياسين الهاشمي، ثم من أجل  الضغط بشدة على الحكومة أصدر كاشف الغطاء فتوى تحرم على الشيعة المشاركة بأي حزب سياسي، بيد أن الهاشمي رفض هذه المطالب([120]) ووعد كثيرا من رؤساء العشائر في الجنوب بتمثيل أكبر في البرلمان، كما عطلت الحكومة أحزابا مهمة _ تحوي سنة وشيعة _ من العمل لأنها لعبت دورا في زعزعة الأمن من أجل غايات سياسية تضر بالبلاد، بيد أن التجار الشيعة اعتبروا أن هذه الإجراءات دلالة على ضعف الدولة فأصروا على مطالبهم .

وبسبب إعتقال الشرطة لعالم شيعي يدعى أحمد أسد الله حرض العشائر على الثورة والتمرد في منطقة الرميثة في الجنوب العراقي، ثارت عشائر المنطقة ضد الحكومة عسكريا منها، عشيرة بني ازيرج والبو حسن والظوالم، وقاموا بفصل سكك الحديد([121])، لذا قصفتهم الطائرات العراقية وتفاقم الوضع، مما جعل المجتهدين الشيعة الأربعة يدعون الحكومة للتفاوض، لكن الحكومة رفضت، لأن المجتهدين والتجار الشيعة يلعبون بمصير شيعة الجنوب فيصطنعون المشاكل ثم إذا احسوا بالضعف طلبوا المفاوضات، وقامت الحكومة بنفي المحامين الشيعة في بغداد ، الذين كان لهم دور تحريضي خبيث في توسيع دائرة التمرد.

توسعت الثورة في مناطق المنتفق([122]) في الجنوب العراقي وقطعت سكة الحديد بين الناصرية والبصرة واحتلت مدن عراقية في الجنوب وامتدت الثورة، وكادت تصل إلى مدينة الحلة لولا عزل القوات الحكومية لها وخشيت الحكومة من تفاقم الوضع فعملت بذكاء([123]) على شق الصف الشيعي، ففاوضت بعضهم وحاربت البعض الآخر..

وشارك في المفاوضات شخصيات شيعية معروفة مثل صالح جبر ومحسن شلاش، وهي شخصيات شيعية استلمت مناصب وزارية ([124])، وكان الهاشمي مصرا على تلبية مطالب الشيعة ولكن ليس على يد المراجع؛ لأنه يدرك دور المرجعية التخريبي والذي يقف دائما ممهدا لتدمير العراق وأهله مستغلا المذهب لذلك.

هدأت الأوضاع وكشفت الثورة أن ثمة مصالح بين الشيعة أنفسهم لاستغلال الجنوب الشيعي باسم التشيع؛  فمرة يستغله المراجع، ومرة التجار، ومرة يستغلونه لإسقاط الحكومة، وهكذا لعب قادة وساسة وعلماء الشيعة بالعراق بلعبة المطالب الشيعية ليحولوا الجنوب العراق إلى منطقة غير مستقرة ومتخلفة وفقيرة دونا عن مناطق العراق الأخرى، وهذا كله بسبب غياب القائد الشيعي المخلص لأبناء الجنوب، ونفس الاتجاه: المرجعية ترتع بأموال الخُمس بينما الفقراء في جنوب العراق يتضورون جوعا وفقرا وحرمانا، لذلك شعر بعض عقلاء الشيعة بهذه الحركات ورفضوا هذه الثورات، ومن هؤلاء التاجر والسياسي جعفر أبو التمن، والأديب محمد رضا الشبيبي واعتبروا هذه الحركات دعوات طائفية مخلة بالمواطنة، وأن المطالب الشيعية لها طرق غير الثورة.

إنّ حِرص المراجع الشيعة العرب على موقع الممثل والمؤثر السياسي، جعل من اتباعهم ورقة يلعبون بها فيهيجون الجماهير ويوردونهم المهالك حتى يبقوا هم دائما في سدة الحكم والقيادة، وهذا ما يفسر اليوم كثرة مطالبة آل الحكيم وجميع الأحزاب الشيعية بدور المرجعية وأهميتها حتى وضعوا لها فقرة خاصة في الدستور العراقي الجديد. وانتقد كثير من الشيعة كاشف الغطاء، الذي استخدم الثورة والعنف المسلح، مستغلا رؤساء العشائر لذلك. وفهمت الحكومة لعبة المراجع، وبذكاء يحسب لها، استطاعت فصل دور المراجع عن شيوخ العشائر، عبر منح عشائر الجنوب صلاحيات اقطاعية ومالية كبيرة، واصبحت هوية الجنوب عشائرية غير خاضعة لسلطة المرجعيات، وبهذا أراحت العراق من مشاكل امتدت أكثر من 40 عاما([125])، وهدأ الجنوب، وازدادت نسبة التعليم وأصبح الصراع بين الشيعة والسنة يأخذ طابعا مدنيا لا عسكريا. ولم يرجع نفوذ المراجع إلى الجنوب إلا في  منتصف السبيعينيات.

الفترة بين سنة 1935 – 1958 م:

في هذه المرحلة ازداد عدد الشيعة المتعلمين، وتقلد بعض الشخصيات الشيعية وزارات حساسة مثل وزارة المعارف التي تقلدها عبد الكريم الأزري ومحمد فاضل الجمالي، وهما من الشيعة العلمانيين، وظل هذا المنصب حكرا على الشيعة منذ سنة 1931م ولغاية 1943م.

أدى انتشار التعليم الحديث في أوساط الشيعة إلى الحد من سيطرة العمائم السوداء والخضراء والبيضاء على عقول الشيعة وأصبح لدى الشيعة فئة مثقفة دخلت في كل الأحزاب الشيوعية والعلمانية والعروبية وتخلصت من دياجير الخرافة والظلمات الشيعية لأن هذه الأحزاب تتبع الفكر المادي العقلاني بعكس التيار الشيعي المغرق بالخرافة والأسطورة، وإن لم يكن هذا التخلص كليا إلا أن التحول كان كفيلا بخلط الشيعة مع السنة العراقيين ودمجهم، بخلاف ما كان يريده مراجع الشيعة من عزلهم عن شركائهم في الوطن بحجة مغايرة المذهب.

واتخذ صراع الشيعة مع السنة شكلا من الرقي بعيداً عن وسائل الهمجية والثورة، التي يتبعها المراجع سواء كانوا  إيرانيين أم عربا([126]).

وحين استقل العراق، أبقت فيه بريطانيا قواعد عسكرية لها، وكانت بريطانيا تضع العراق تحت المراقبة وتتدخل في سياسته، وقد حاول الملك غازي التخلص من ذلك الوضع  لكنه لم يتمكن، فقتل بمؤامرة سنة 1939م ووضع ابنه فيصل الثاني ملكا على البلاد، ولأنه كان صغيرا وضع خاله عبد الإله وصيا عليه، وكان عبد الإله هو حاكم البلاد الفعلي وكان عميلا انكليزيا صرفا، لذلك قام نفر من الضباط والساسة السنة بمحاولة انقلاب عسكري، سمي بثورة مارس سنة 1941م بقيادة رشيد عالي الكيلاني ومجموعة من الضباط الأحرار السنة كصلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد وغيرهما، وحاول السنة إشراك الشيعة معهم بالثورة ضد بريطانيا والتخلص من الوصي عبد الإله وتشكيل حركة وطنية شاملة، فعرضوا على (محمد الصدر) وهو شخصية شيعية سياسية معروفة تولي الوصاية على الملك، لكنه رفض  بحجة أنه كان صديقا لعبد الإله، وكان مجلس الأمة جاهزا لقرار عزل عبد الإله، وهكذا وقف الشيعة مرة أخرى ضد المصلحة الوطنية.

فرح الشيعة بفشل ثورة مارس وهروب رشيد عالي الكيلاني، لأن الكيلاني كان قاسيا  عليهم عندما كان وزيرا للداخلية في حكومة الهاشمي، فهو أعرف الناس بالشيعة ومكائدهم، ولذلك نقده الشاعر الشيعي عبد الحسين الأزري بقصيدته المعروفة ([127]).

عاد البريطانيون بعد انتهاء الثورة إلى السيطرة على العراق، وتم اعدام بعض قادة الثورة الذين لم يتمكنوا من الهرب، واستغل الشيعة هذا الوضع فطلبوا من البريطانيين زيادة مشاركتهم في الحكومة والبرلمان، فاجتمع محمد الصدر رئيس مجلس الأعيان مع( سي جي ادموندس) المستشار البريطاني لوزارة الداخلية العراقية، لتبليغه باستياء الشيعة في الجنوب وقال عن السنة يومها: (ليس في عروقهم حب حقيقي للعراق)([128]) واشتكى للبريطانيين من السنة وتكلم عن الوطنية!! أقو : سبحان الله!  يصطاد الشيعة دائما في الماء العكر، وعند كل جرح يصيب الأمة كما فعلوا إبان الحصار (1990-2003م) وإبان دخول المحتل، فبينما يريد العراقيون السنة خروج البريطانيين من بلادهم يشتكي الشيعي للبريطاني من السنة!

 والسؤال المطروح : هل للشيعة وطن يحبونه ؟ كلا والله بل هم لا يحبون إلا أنفسهم وطائفتهم، ولولا التقية لخرجت أحقادهم للعيان كما فعلوا في حكومتي الجعفري والمالكي في الوقت الحاضر.

  حصل الشيعة على مكاسب إضافية في الدولة العراقية، فقد عين الشيعي صالح جبر رئيسا للوزراء سنة 1947م بعد أن كان وزيرا للداخلية في سنة 1941م.

بيد أن صالح جبر كان من حزب نوري سعيد السني، وكان جبر شديد العمالة للأنكليز- ويعرف ذلك كل العراقيين - وبدأ جبر يكثر من الخبراء البريطانيين في الدولة العراقية وحاول عقد معاهدة مع البريطانيين، إلا أن مظاهرات صاخبة خرجت في بغداد تصرخ (يسقط الرافضي) كناية عن حكم صالح جبر وذلك سنة 1948م وأدت المظاهرات إلى استقالة جبر، فقام الشيعة بثورة لصالح جبر وليس لصالح الوطن([129]) ،بيد أن جبر سقط ، ثم حاول أن ينشئ كيانا سياسيا مستقلا عن نوري سعيد  يحظى بتأييد النواب الشيعة سيما نواب مناطق الفرات الأوسط.

واستطاع جبر اسقاط حكومة نوري سعيد، وقامت حكومة توفيق السويدي التي عين فيها صالح جبر وزيرا للداخلية، وحصل الشيعة على وزارات الداخلية والمالية والاقتصاد، وخططوا للسيطرة على وزارة المعارف، وبدأت مؤامرات وحملات شيعية لإبعاد السنة من الحكومة، وكان طائفية صالح جبر واضحة فعمل علانية للسيطرة الشيعية على العراق بواسطة تعيين الشيعة في المناصب العليا في الدولة، وازداد التوتر العام بين السنة والشيعة خلال السنتين 1950 – 1951م.

وبلعبة سياسية ذكية من نوري سعيد أقيمت انتخابات جديدة سنة 1953م وشعر جبر بأن البساط سحب منه فقرر مقاطعة الانتخابات وخسر أتباعه، وفاز نوري سعيد وشجب الشيعة تصرف جبر لأنه أفقدهم الشيء الكثير، ومات جبر كمدا من ذكاء نوري سعيد سنة 1957م.

الشيعة والحزب الشيوعي:

ظهر الحزب الشيوعي في العراق في أواخر العشرينيات من هذا القرن، إلا أن مرحلة الأربعينيات والخمسينيات شهدت قمة نشاط الشيوعية، وكان أكثر من ينتمي لهذا الحزب هم الشيعة، ولعل السبب وراء هذا الإنتماء هو: أن الشيوعية والشيعة كلاهما نظام متمرد على الواقع المجتمعي. وكلاهما يؤمن بالدم والثورة. وكلاهما ينطلق من عقدة اضطهاد.

وكانت الشيوعية تقاوم المد القومي وتحاربه لأنها فكرة أممية، والشيعة يعادون العروبة من وجهة نظر شعوبية. وكان السنة هم من يدافع عن العروبة ويريدون التوحد ضمن كيان عربي في حين وقف الشيوعيون والشيعة بوجه أي انتماء عربي.

وفي نفس الوقت شعر المراجع الشيعة المجتهدون في إيران والعراق بقلق تجاه انتشار الشيوعية في أوساط الشيعة في البلدين، لذلك تشجع المجتهدون لمحاربة الشيوعية ، وكان المجتهدون في العراق يوصون الحكومة العراقية بتتبع خطى الشاه رضا بهلوى في محاربة الشيوعية .

أصبح هناك رغبة شيعية وإيرانية وبريطانية في محاربة الشيوعية في الخمسينيات، و تعززت الرغبة في عودة المدارس الدينية للعراق لمواجهة المد الشيوعي، فتعززت سلطة النجف وكربلاء  من جديد، وقام المجتهدون ببث الأفكار الشيعية مثل زيارة الأضرحة، وسُمح لمهدي الخالصي بالعودة للعراق لتشجيع هذا الدور، ولأن الشيوعية أصبحت خطرا بالنسبة للكيان الغربي الرأسمالي، شجعت بريطانيا كل الجماعات الدينية في الشرق (سنية أو شيعية) للوقوف أمام التمدد الشيوعي .

وأصبح للشيعة موقفان، فمن ينتمي للحزب الشيوعي دوافعه مختلفة عمن يحارب الشيوعية، وكلاهما ينطلق من منطلق يختلف عن الآخر .

هذه هي خلاصة التحركات الشيعية في العراق منذ سنة 1920 م، سنة تأسيس الدولة العراقية الحديثة وتكوين الملكية العراقية إلى ظهور الجمهورية العراقية سنة 1958م.

ولا يسعني في نهاية هذا القسم إلا أن أذكر كلمة لعلامة العراق محمود شكري الألوسي وردت في مجلة المنار بحق وضع العراق وشيعته، إذ يقول:"ومن العجب أنّ الرافضي – محسن الأمين العاملي - ادّعى أنّ فرقته أطوع الناس للحكومة مع أن سيفها لم يزل على رقابهم، ولم يمض يوم من الأيام إلا والحرب معهم قائمة على ساقها، فكم ألجأوا  الحكومة إلى خسائر ونفوس، وجميع القبائل الذين ترفضوا – تشيعوا – هم أعدى الناس لدولة الإسلام.

وفي هذا الإسبوع ورد تلغراف يخبر عن هجوم جمع منهم على شطرة المنتفق([130])، وقتلهم جمعا من الضباط وعددا كثيرا من الأفراد .

وحروبهم في العمارة شهيرة، وكذلك قبائل الديوانية، والنجف، والسماوة، وكربلاء، ولم يزالوا قائمين على ساق الحرب مع الحكومة، واختلال العراق دائما إنما هو من الأرفاض – الشيعة - فقد تهرّى أديمهم من سمّ ضلالهم، ولم يزالوا يفرحون بنكبات المسلمين حتى أنهم اتخذوا يوم انتصار الروس على المسلمين عيدا سعيدا، وأهل إيران زينوا بلادهم يومئذ فرحا وسرورا .

ولو بسطنا القول في هذا الباب وذكرنا حروبهم ومخازيهم لاستوجب إفراد مجلد كبير، والمنكر لذلك كالمنكر للشمس رأد الضحى" ا.هـ

 

خلاصة هذا القسم (القسم الرابع) ونتائجه:

هذا جزء من تاريخ شيعة العراق مليء بالمؤامرات والثورات، مرورا بثورة العشرين، وبأول محاولة للإنفصال سنة 1927م وبثورة سنة 1935م، وبمحاولات صالح جبر السياسية، والدور السيء الذي لعبته المرجعية الإيرانية، وكذلك المرجعية العربية، وقد مرّ بنا موقفهم من تأسيس الجيش العراقي، ومن استقلال العراق، وكيف ارهقوا العراق ومنعوا استقراره، قبل قيام الدولة العراقية الحديثة كما تجلى ذلك أيام الدولة العثمانية، وبعد قيام  دولة العراق سنة 1921م .

ولقد سمعنا مرارا مطالب الشيعة في العراق بحقوقهم كشيعة، سمعنا هذا من قبل المراجع والمتدينين، والعلمانيين وعامة الشيعة، وأريد تسليط الضوء على هذه المطالب:

*  يطالب الشيعة بحقوق دينية كشيعة، والسؤال ما هي حقوق الشيعة كدين أو كمذهب؟

يريد الشيعة من السنة اعتبارهم مذهبا كبقية مذاهب السنة، ولكنهم في نفس الوقت ينفصلون كليا في عبادتهم، فمساجدهم مستقلة عن مساجد السنة، وهم لا يقفون خلف السنة، وصلاة الجماعة شبه منعدمة عندهم، وصلاة الجمعة ظلت متوقفة إلا عند جماعة الخالصي، فأي وحدة يريدون وهم في واد، والمسلمون السنة في واد آخر، وكل أتباع المذاهب المنتشرة في أرجاء المعمورة سواء كانت زيدية أو إباضية يصلون مع أهل السنة في مساجد واحدة، إلا الشيعة الإمامية فهم يريدون أن ينفصلوا عن السنة ثم يطالبون بالوحدة معهم.

ومازال الشيعة في العراق لهم مساجدهم وحسينياتهم ولم تحاسبهم حكومة العراق السنية على ذلك، ولقد ادركنا الجنوب العراقي وفيه مناطق كاملة لا يوجد فيها أي مسجد شيعي، فإذا سعى السنة لبناء مسجد في تلك المناطق هبت العمائم لبناء حسينيات خوفا من انتشار التسنن!

ثم ثبت بمرور الوقت أن الحسينيات ومساجد الشيعة هي أوكار مستغلة لتهييج الشيعة ضد استقرار وأمن العراق، وقد ذكرنا آنفا كلام علامة العراق الألوسي الذي يبين كيف أنهك شيعة العراق بلاد العراق، وكيف أن مساجدهم إنما تخرج كل حاقد معمم.

*  كما أن من مطالب الشيعة الغراء! ترسيخ وحماية المراسم الحسينية من لطم وضرب بالقامات والسلاسل، وشتم الصحابة وقراءة الأغاني واللطميات في رثاء الحسين رضي الله عنه  في شهر محرم، ولقد اهتم الشيعة بهذا الجانب أكثر من الصلاة والصوم والزكاة بكثير، بل أن الشيعي يتعلم الزيارة وآدابها وأقوالها أكثر مما يتعلم الصلاة. ولعلّي لا أبالغ إذا قلت أن نسبة المصلين بين أهل الجنوب متدنية جدا، بينما كل الشيعة يعرفون الزيارة وهي عندهم أهم بكثير من العبادات والعقيدة.

إذاً فقضية اللطميات هي من كبرى مطالب الشيعة في العراق. وعلى  حكومة العراق أن تحتفل وتعطل في العام أكثر من شهرين لوفاة ومولد كل إمام، كما على الدولة العراقية أن تدخل حالة الاستنفار والطوارئ للمنع والحد من أي نشاط معاد للزوار الشيعة حتى لا تثور فتنة؟!

*  كما يطالب الشيعة بإنشاء محاكم  شرعية وفق المذهب الجعفري! وهذا أمره يسير جدا، وقد عمل به من زمن البعثيين.

*  كما يطالب الشيعة بتمثيل سياسي أكبر، وأقول لقد ثبت لكل العراقيين أن الشيعة لا يمكن الركون لهم في قيادة البلاد، ففي مرحلة من تاريخ العراق حرّكتهم مراجعهم الدينية الإيرانية لمصالح إيران، وفي مرحلة أخرى حركتهم أحقادهم للانفصال من العراق([131])، وتعاونوا من كل مستعمر ضد بلدانهم، فكيف يُطمأن لهم بعدُ ذلك، فها هو أمثلهم طريقة حسن نصر الله زعيم حزب الله يحطم بلده لبنان من أجل هدف إيراني.

وهاهم شيعة العراق أودوا بالعراق إلى الهاوية لأنهم أرادوا الحكم، فقد ثبت لكل عاقل أن هم الوطنية يحمله السُنة، وهمّ تحطيم البلاد يحمله الشيعة.

والشيعة من أبعد الناس عن الحس الوطني والعروبي القومي، فميلهم لإيران واضح وولاؤهم في العراق ولبنان والبحرين والكويت هو لإيران فقط.

وهذا الحكم هو الغالب سيما لمن تديّن منهم، أما العلمانيون والشيوعيون والمثقفون فبعضهم لم يتأثر بالتشيع فأبقت فيه فطرته وثقافته غير الشيعية بعضا من النبل والوطنية وحب البلاد وصيانتها، وهذا قليل قليل، والنادر لا يقاس عليه. والله من وراء القصد.

أما الجهود الفردية والفكرية فسنتطرق لها في القسم الخامس بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.

(الملحق)

خرافة أكثرية الشيعة في العراق

     الكثير من المواقع الرسمية الغربية والعربية المختصة بالتوزيع السكاني والجغرافي في العالم تشير إلى أن السنة هم الأكثرية في العراق، وليسوا الأقلية، مثل:

·         موسوعة (Wikipedia)، التي ورد فيها إن السنة العرب يشكلون (35 %) من سكان العراق. ومع الأكراد السنة فيكونون أكثر من الشيعة!

·         أما موقع وزارة الخارجية الأمريكية، ووكالة المخابرات الأمريكية وموسوعة (frontier world) فإنها تجمع على أن نسبة السنة العرب في العراق تتراوح بين (32 % - 37 %)، كما يشير قاموس الشرق الأوسط الخاص بدول الشرق الأوسط ، إلى إن نسبة العرب السنة تتراوح مابين ( 32 % - 37 % ) من سكان العراق.

·         كما نشرت وكالة (قدس برس) للأنباء ثلاثة إحصائيات وصفتها بأنها عالية الدقة والحياد في تقرير لها بتاريخ ( 28/ 1/ 2004 م ).

الأولى: إحصائية المنظمة الإنسانية الدولية (هيوما نيتارين كورد ينيو فور) التي وضعت أصلاً لتوجيه العمل الإنساني في العراق في ظل الحصار الدولي الذي كان مفروضاً عليه من (1990) حتى (2003) ، تظهر الإحصائية إن عدد أبناء السنة العرب يزيد على الشيعة في العراق بـ (950,819) ألف نسمة.

الثانية: تستند إلى البطاقة التموينية لعام (2003 م) وإحصائيات وزارتي التجارة والتخطيط في عهد النظام السابق، وإلى إحصاء سلطة الحكم الذاتي لإقليم كردستان العراق في الشمال، إذ تؤكد الإحصائية أن عدد السنة هو (377, 922,15) مليون نسمة ، وذلك بنسبة (58 %) من أجمالي سكان السنة من العرب والأكراد ، أي أن السنة العرب يشكلون (40 %) من سكان العراق ، والأكراد يشكلون (18%) في حين عدد الشيعة هو ( 347, 946, 10) ملايين نسمة وذلك بنسبة (40 %) بينما يشكل غير المسلمين (2 %).

الثالثة: إحصائية أعدت بالاستناد إلى معطيات التقرير السنوي للجهاز المركزي للإحصاء العراقي بنسخة دائرة الرقابة الصحية التابعة لوزارة الصحة العراقية .

وكذلك استندت إلى دراسة الأكاديمي العراقي ( د . سليمان الظفيري)، حتى توصلت الإحصائية الثالثة إلى أن نسبة السنة العرب والأكراد من مجموع سكان العراق المسلمين تبلغ (53 %) في حين تبلغ نسبة الشيعة (47 %). هذا وإن كتاب ( مختصر جغرافية العراق) المطبوع سنة (1922 م) يؤكد أغلبية السنة ، وأنهم يمثلون نسبة ( 48,8 %) .

كما هو واضح في دراسة الكاتب الانكليزي (البرت منتشاشفيلي) في كتابه (العراق في سنوات الانتداب البريطاني) والذي ذكر أن أغلبية سكان العراق هم من السنة التي تمثل نسبة (52 %) .

وفي دراسة للدكتور (طه الدليمي) تعتمد على مقاربة عددية لإحصاء رسمي جرى عام (1996م) وعلى عدد الحصص التموينية التي كانت توزع على جميع سكان العراق قبل الاحتلال، توصل بعد إحصاء دقيق لجميع محافظات العراق إلى أن عدد أهل السنة هو (11) مليون، وعدد الشيعة هو (9) ملايين، أي أن عدد أهل السنة يزيد على عدد الشيعة في العراق بمقدار مليونين ، هذا يعني أن نسبة أهل السنة في العراق هي بين (52 % - 54 %)، ونسبة الشيعة في العراق هي بين (42 %-45%)، ونسبة الأقليات في العراق بين (3% - 4%) وعلى هذا فإن نسبة أهل السنة في العراق تبلغ (53 %) ونسبة الشيعة في العراق تبلغ (43 %) ونسبة الأقليات (4%).

وهذا ما كشفته الانتخابات البرلمانية حسب الأرقام والنسب المعلنة في انتخابات عام 2005 كما نشرته مجلة (الحوار، العدد 32 / آذار / 2005 م) بقلم (أحمد المشهداني).

 وقد قامت مؤسسة "الرائد" الإعلامية في بغداد بإعداد فريق عمل خاص لإعداد إحصائية محايدة تكون أقرب ما يكون للواقع والحقيقة، فتوصلت إلى أن مجموع الشيعة هو (396, 478, 11) مليونا، أي أن نسبتهم ( 41 %) وإن مجموع أهل السنة هو ( 593, 182, 15) مليون نسمة، أي أن نسبتهم (56 %) وأن مجموع غير المسلمين هو (178, 814) ألف نسمة، فيكون نسبتهم في العراق هو (3%).

هذه كلها صورة لأعداد أبناء الطائفتين ونسبتهما، من بين الشعب العراقي بالاعتماد على إحصاءات ومؤشرات عديدة، فإن هذه الإحصاءات اقتربت من الحقيقة إلى حد كبير وتساهم في إزالة ما استقر في ذهن الكثير من الناس داخل العراق وخارجة. وتقريبهم إلى الحق والواقع والحقيقة والدقة ، بعيداً عن المبالغات والتهويل والافتراء، وتهزم دعاة الفتنة والطائفية.

مستند هذه الخرافة:

بعد أن تبين لنا أكذوبة الأقلية السُنّية والأكثرية الشيعية بقي أن نعرف ومن وجهة نظر موضوعية: هل استندت هذه الأكذوبة على دراسة أو إحصائية معتبرة، الجواب بالتأكيد: لا ! .. وبعد البحث والتمحيص بما يصلح أن يكون مستنداً لها نجد أن هناك مصدرين غير معتبرين يمكن أن يُحتج بهما وقد خالفا الكثير من الدراسات والإحصائيات السابقة واللاحقة لهما:

الأول: مشروع تعداد متعجل قامت به قوات الاحتلال البريطاني عقب احتلاها للعراق سنة 1917م ذُكر فيه أن الشيعة يشكلون أغلبية سكان العراق وبأنهم يمثلون 55% من سكانه بينما العرب السُنّة يمثلون 19% والكرد 18% والطوائف الأخرى بنسبة%8 .

الثاني: دراسة لرجل يهودي يُدعى "حنا بطاطو" في كتابه "العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية" وبطاطو كان أحد أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت ما بين (1963-1967) حيث زعم أن الشيعة أغلبية كبيرة في العراق .. ولم يعطِ أي دليل على هذا الزعم وكان استقراؤه غير علمي خالف فيه الكثير من الخبراء الاجتماعيين العراقيين والعرب وحتى الأجانب، بل خالف الدلائل والأبحاث والإحصائيات التي جرت في العراق والتي تشير إلى عكس النتيجة التي ذكرها.

 وبنظرة موضوعية يسيرة يمكن إسقاط هذين المصدرين من الاعتداد إذا علمنا أن المصدر الأول خالفه إحصاء نفوس العراق سنة 1920م والذي اُجري في ظل حكومة الاحتلال البريطاني نفسه ونشر في كتاب "مختصر جغرافية العراق" المطبوع سنة 1922م، والذي يؤكد أغلبية السُنّة وأنهم يمثلون نسبة (48.8%)، كما يناقضه أيضاً ما جاء في دراسة الكاتب الانكليزي "البرت منتشاشفيلي" في كتابه "العراق في سنوات الانتداب البريطاني" والذي ذكر أن التركيب الطائفي لسكان العراق بأغلبية سُنّية تمثل (52%) وهذا إذا استبعدنا النية المبيتة في سياسة الاحتلال البريطاني بتضخيم الأقليات وإعطائها ثقلاً وحجماً أكبر ضمن سياسة (فرق تسد) المعتمدة لديهم.

أما المصدر الثاني فمع مخالفته ما ذكرنا والإحصائيات اللاحقة التي سنذكرها فهو لم يعتمد على أية وثيقة تثبت زعمه وإنما اعتمد الاستقراء وما يسمعه في مقابلاته الشخصية (عن مجلة الرائد العراقية/العدد 21).

 

الجزء الخامس

في هذا الجزء نتناول جهود شخصيات عديدة في مقاومة التشيع من تيارات مختلفة، من الاتجاه القومي أو الوطني أو دعاة إسلاميين أو علماء أو أدباء أو غير ذلك بين سنتي (1921- 1958م).

مقدمة في الفكر السائد في هذه المرحلة

  كما سبق وأن ذكرنا في الجزء الأول فإنّ ثَمّة تغيرا طرأ في تفكير شعوب الدول الإسلامية والعربية بعد سقوط الخلافة العثمانية، فقد تغيّر المشهد السياسي للمنطقة، وخضعت أغلب الدول العربية للاستعمار الانكليزي أو الفرنسي أو الإسباني أو الإيطالي، مما حدا بمثقفي هذه الشعوب للتفكير في طريقة  للتخلص من الاستعمار ونيل التحرر.

كما كان لانحراف قادة الدولة العثمانية في آخر عهدها - وخاصة بعد استيلاء حركة الإتحاد والترقي على مقاليد الدولة العثمانية- وسلوكياتهم الظالمة والمنحرفة والبعيدة عن الإسلام  دور في نفور المسلمين منها، كما كان لاستبدال القيم الإسلامية بمبادئ جديدة مثل الحرية والإخاء والاشتراكية والقومية الطورانية (أي القومية التركية) والقيم الوطنية دور مهم في عزوف المسلمين عنها.

وأصبح التفكير الديني ممزوجا بقيم جديدة تبحث عن الحرية في التفكير والرأي، متخذة النموذج الغربي مثلا يُحتذى به.

كما ساهم ظهور الثورة البلشفية في روسيا وانتشار الفكر الشيوعي والاشتراكي إلى صرف الأنظار عن الدين وأهله، بسبب عموم الجهل بين صفوف المتدينين لهيمنة التصوف بخرافاته على المجتمع الإسلامي، حتى أصبح الدين عبارة عن مجموعة من البدع والسلوكيات المنحرفة، أما العلماء والمصلحون الحقيقيون فقد كانوا محارَبين ويُرمون بالوهابية من قبل الصوفية، وبالرجعيين من قبل التقدميين اليساريين!! كما ظهرت في الدول العربية والإسلامية حركات القومية والوطنية التي استبدلت العاطفة الدينية بشعار الوطنية.

وضَعف التأثير الديني تدريجيا على الناس والشعوب، مع وجود تقصير من جانب العلماء والدعاة، كل هذه الأمور وغيرها ساعدت في إيجاد مناخ للتفكير الجديد ولم تعد زعامة الأمة بيد العلماء، بل بيد طبقة من المتعلمين والمثقفين العلمانيين – غالباً- كما اصطلح عليه فيما بعد؛ لذلك سنتطرق في هذه الحلقة لذكر شخصيات غير دينية من المفكرين السُنة فهموا المشكلة الشيعية في العراق وعانوا منها كمعوّق حقيقي في سبيل نهوض هذا البلد.

نبذة عن طبيعة الجنوب العراقي

جنوب العراق ووسطه منطقة عربية قلقة، لم تستقر لفترة تجاوزت خمسة قرون، ومن الصعب خضوعها لأحد، وهي منطقة زراعية خصبة، غزيرة المياه وتحوي موارد جمّة للعيش، وكل متطلبات العيش متوفرة فيها، ومع كل ذلك فهي لا تزال بعيدة عن الاستقرار، بل العجيب أنها تخلو من المدن الكبيرة، فجنوب العراق ووسطه لم تعرف فيه سوى مدينة بغداد والبصرة والحلة والنجف، وفي القرن التاسع الهجري ظهرت مدينة واسط واندثرت بعد ذلك.

لقد كانت هذه المنطقة مطمعا لعشائر نجد كلما قلت فيها مصادر العيش من ماء وكلأ، أو تولدت فيها حروب قبلية، لذلك اضطر البعض منها للجوء إلى سهول الجنوب والوسط الخصبة، لذلك تعود أصول  كثير من عشائر الجنوب إلى الجزيرة العربية.

وعدم الاستقرار هذا أدى إلى انتشار الجهل والتخلف في سائر نواحيه؛ حيث السائد في هذه المناطق انعدام المدارس والحضارة وحتى المساجد، وغياب التدين والبعد عن القيم الحضارية والدينية، ولكن يصاحب ذلك نزعة البداوة القائمة على متناقضات البدو المعروفة من النخوة والشجاعة وإغاثة المستجير مع الغزو والاعتداء والنهب والقتل!!

هذا حال هذه القبائل والعشائر التي استقرت في جو بعيد عن الحضارة والتمدن مما جعلها تُسقط مواصفاتها السابقة على البيئة الجديدة؛ فهي ترفض أي خضوع لأي سلطة، وشعارها الرفض والفوضى، مع عدم توفر أي مقوم للإصلاح، فعندما تحرك الشيعة للتبشير بالتشيع لم يكن لانتساب هذه العشائر لأهل السُنة إلا الاسم، وعندما جاب الرحالة اللبناني محمد كامل الرافعي العراقَ وكتب تقريرا رائعا عن التشيع فيه وفي جنوبه، وذكر تفاصيل دعوة علماء الشيعة للأعراب إلى التشيع وكيف أنهم استغلوا نكاح المتعة؛ كون شيوخ القبائل لهم رغبة للاستمتاع بعدد غير محدود من النساء، علّق صاحب مجلة المنار([132]) العلامة محمد رشيد رضا على مقال الرافعي قائلا: "... إن تعليم الأعراب الجاهلين مذهب  الشيعة في العبادات والحلال والحرام خير من بقائهم على جهلهم المعهود)([133]). وحصر رشيد رضا نقده للرافعي في مسألة توجيه علماء الشيعة الأعراب للتنفير من الدولة العثمانية وتحبيبهم بالدولة الإيرانية.

لقد ظن رشيد رضا أن التشيع سيقوم برفع جهل أعراب جنوب العراق بدينهم، ولكن هذا الجهل استمر مع تشيّعهم، الذي كان عبارة عن بكاء على الحسين وقتلى آل البيت رضوان الله عليهم، وزيارة قبور الأئمة وتقديسهم، والحلف بهم والتسمية بأسماء معبدة لغير الله، أمّا تعلم أركان الدين من صلاة وصوم فأمر مفقود في جنوب العراق؛ لذا لم تنتشر في مناطق الجنوب المساجد، وكاتب هذا البحث جال جنوب العراق كله تقريبا وكنّا نسير أحيانا مئات الكيلومترات ولا نجد مسجدا.

وفي المقابل تنتشر الحسينيات التي تروج اللطميات والحقد على الصحابة! وفي بعض مناطق الجنوب تؤجر غرف لراغبي زواج المتعة، وتخلو هذه الحسينيات من العبادات فلا جماعة ولا جمعة ولا صيام ولا زكاة، لأن التشيع دين هدفه يدور حول حب وتقديس آل البيت وشتم أعداء آل البيت، والصحابة، هذا هو التشيع الذي رسمه المبشرون الشيعة لعرب الجنوب!

وقد أشار لذلك عالم العراق ابن سند البصري في كتابه مطالع السعود قائلا: ".... إن الشيعة عندنا لهم دعاة وخطباء يدورون على قبائل العربان ويعظونهم ويدسون عليهم دسائس الرفض، والأعراب عوام مغفلون لا يعرفون الدين ولا العقائد؛ فلهذا ضلّ منهم خلق كثير وتمذهبوا بسب الصحابة"([134]).

هذا التخلف الشيعي في الجنوب أدركه فيصل الأول أول ملك عراقي عندما قال: "... وهذه الحكومة- أي الحكومة الملكية – تحكم قسما كرديا أكثريته جاهلة، وأكثرية شيعية جاهلة" ([135]).

أما كامل الجادرجي([136]) السياسي العراقي المعروف فقال: "..إن الإنكليز لم يجدوا عند احتلالهم العراق بين الشيعة من المتعلمين من يصلح لإدارة الشؤون المحلية وتمشية الإدارة ومعاونة الحكام السياسيين".

وقال أيضاً: " ... إن المشكلة التي جابهت فيصل هي إنعدام العناصر الكفؤة من بين الشيعة التي يمكن أن تتولى المناصب الحكومية بالنظر لابتعاد الشيعة عن جهاز الدولة في العهد العثماني وبعدهم عن التعليم الحديث اللازم لإدارة جهاز الحكم"([137]).

بينما تكلم رئيس الوزراء ناجي شوكت([138]): "... وأخال أن ما تقوله الأكثرية الجاهلة من الشيعة حول عدم مشاركتها في الحكم غير صحيح"([139]).

ويقول الكولونيل ويلسن وكيل المندوب السامي البريطاني سنة 1920م واصفا العراقيين في مناطق الفرات الأوسط : (فلاحون جهال )([140]).

هذه النصوص تعطينا انطباعا حول أمور عدة:

1-          أن الشيعة في الجنوب جهلة غير متعلمين وليسوا أهلا للحكم أو لقيادة البلد إداريا.

2-          أن دعوى إبعاد الشيعة عن الدولة والحكم مفتعلة، والحقيقة أن الشيعة لم يملكوا طاقات تؤهلهم لذلك وهذا ما يبرر اختيارهم لملك هاشمي لحكم البلاد وليس لرجل من الجنوب.

3-          إن الجنوب كما ذكرنا ظلّ متخلفا لغاية الأربعينيات من القرن العشرين، وظل تطوره العلمي والثقافي بطيئا لغاية يومنا هذا، ولعلّ لذلك أسبابا منها: أن عُشر الشيعة في الجنوب هم من الشروق والمعدان([141]) وهؤلاء متخلفون همج وقد عرفهم أهالي مدينة بغداد فقد هاجروا في زمن صالح جبر رئيس الوزراء الشيعي في الأربعينيات إلى ضواحي بغداد وسكنوا في بيوت طينية وعشش الصفيح، وأسكنهم عبد الكريم قاسم سنة 1958م في مدينة الثورة التي سمّيت مدينة صدام ثم مدينة الصدر، ورغم مرور أكثر من 60 عاما على تواجدهم في بغداد إلا أنهم  ما زالوا مصدر تهديد لها، وما زالوا رمزا للتخلف والوساخة والبعد عن كل ما هو راق أو حضاري، بل لا أبالغ إذا قلت أن 90% من مجرمي ولصوص بغداد هم من هذه المدينة.

عودة لتخلف الجنوب ، فمن أسباب ذلك الدين الشيعي؛ فإن المراجع الشيعة لهم رغبة ببقاء الجنوب متخلفا ليسهل انقياده لأن تنوّر عقول الناس يبعدهم عن التشيع وخرافاته، ويحررهم من الانقياد خلف العمائم، ويخلصهم من عادات الثأر وكل ما هو رديء من بقايا البداوة.

وقد ذكر كاتب شيعي([142]) إحصائية عن نسب التعليم في العراق سنة 1933م ومن هذه الإحصائية نعلم قلة رغبة أهالي الجنوب في التعليم:

الموصل              30,5      ( طالب عن كل ألف من السكان)

بغداد                  27      

البصرة                25     

العمارة                9        

الناصرية              6      

الرمادي               10   

الكوت                 6    

الديوانية                8 

هذا هو وضع الشيعة في جنوب العراق لذلك كثر فيهم التشيّع وسيطر عليهم المراجع، الذين هيجوا فيهم روح التمرد والثورة على كل ما يمت للحكومة في بغداد بصلة وكانوا دائما سببا في عدم استقرار العراق وليومنا هذا.

وقد سبق أن ذكرنا أن الشيوعية انتعشت في الجنوب العراقي لأنها تعدّ متنفسا للتظلم الشيعي وهي فكرة تتمرد على الواقع.

كما يشعر الشيعي أن الشيوعية هي من ستخرجه من عالمه المتخلف، كما أن الفكر الشيعي المتخلف والمليء بالخرافة والميثولوجيا مهزوم أمام الفكر المادي الشيوعي.

جهود التيار القومي في معالجة التشيّع في هذه المرحلة

لقد عولجت مشكلة التشيع([143]) ليس من قبل التيار الديني فحسب - كما يتصور البعض - بل من قبل كل العراقيين السُنة بكل أطيافهم.

وكان العراقيون السُنة على وعي تام بالمخطط الشيعي، وهذا ناتج عن جهود العلماء كالآلوسي والحيدري والسويدي وغيرهم في تبيين الخطر الشيعي كفكر وكسلوك في تهديم وزعزعة البلاد. كان الفكر القومي هو السائد في البلدان العربية والإسلامية في هذه المرحلة وهو فكر مستورد من أوربا واتخذه العرب كردة فعل لسياسة التتريك العثمانية وغير ذلك من الأسباب.

كانت فكرة العروبة في البداية تمتزج مع الإسلام ولا تتعارض معه، ومع مرور الزمن سيطر القومي اليساري، والقومي الاشتراكي وكل هذه الأفكار بعيدة عن الدين مما ولد الصراع بين القومية والإسلام فيما بعد.

والفكر القومي العروبي في البداية هو الذي تولى نقد التشيع كفكر قومي فارسي (الشعوبية) يحاول أن يستغل التشيع كستار للوصول إلى ما يريد؛ لذا ركزت الدراسات القومية على فكرة الشعوبية أي ركزت على البعد القومي في الفكر الشيعي، وهذا النقد لم يكن في العراق فحسب بل في مصر ولبنان وسوريا أيضاً.

وقد سيطرت هذه الظاهرة على حقبة زمنية ليست بالقصيرة، فقد بدأت منذ سقوط الدولة العثمانية إلى الثمانينات من القرن الماضي؛ أي إلى بروز ظاهرة الصحوة الإسلامية وتراجع الفكر القومي، وكانت المؤلفات الناقدة لهذه الظاهرة تتجنب ذكر التشيّع كفكر ديني بل تسبدله بكلمة الشعوبية في الغالب، وقد تبنى هذا الفكر كل القوميين حتى الشيعة منهم تأثروا بهذه الفكرة، وعدّ هذا إنجازا للقوميين أو العروبيين يشكرون عليه؛ لأنّ نقد الشعوبية أبعد كثيرا من الجماهير الشيعية عن التشيّع  الإيراني، ورفض كل أفكار المجتهدين والمراجع، لذلك أصبحت كلمة (عجمي) أي إيراني تهمة يتهم بها المتشيعون.

كان النقد مركزا على الشعوبية وعلى تمجيد العروبة، وأن العرب هم روح الإسلام، بينما كان الفكر الشيعي يركز عن التشيع بعيدا عن الدول العربية، وكان موضوع الوحدة العربية (الهدف القومي) يقلق الشيعة فيهربون منه بفكرة الجامعة الإسلامية؛ لأنهم يريدون دمج إيران مع كتلة العالم الإسلامي كما أراد جمال الدين الأفغاني، وقد بقيت هذه الخصال في الشيعة إلى يومنا هذا، فعندما حكموا العراق بعد سقوطه بيد الأمريكان عام 2003، أرادوا إبعاده عن البلدان العربية وتقريبه من إيران، فالفكر الإيراني مسيطر على الحركة الشيعية منذ ظهور الدولة الصفوية إلى يومنا هذا؛ لذلك من ينقد التشيّع كفكر ديني سيقع في مشاكل لا يعرف حلّها، ومن ينظر للتشيع كحركة شعوبية قومية فحسب يخطئ، بل لا بدّ للدارسين للتشيع أن يدرسوا الظاهرتين معاً، ولقد أهمل كتاب إسلاميون كثر - زمن الصحوة الإسلامية - البعد القومي في دراساتهم فوقعوا في خطأ في فهم التشيّع وعلاقته بإيران كقومية وما زالوا يقعون بنفس الأمر بسبب عدم اكتمال عناصر التحليل.

ساطع الحصري([144]) تأثر بفكرة القومية، وعمل على أن يكون التعليم علمانياً بعيداً عن الدين، وقد تولى وزارة المعارف في سوريا وواجه من قبل الإسلاميين نقداً شديداً وكذا في العراق، ولكن فكره القومي العروبي جعله يواجه التشيع كحركة شعوبية، وبثّ وروّج لهذه الفكرة داخل مناهج التعليم، كما حاول إلغاء المدارس الدينية الشيعية واستبدالها بالمدارس الحديثة التي لا تحمل وجهة دينية.

لذلك كان عمله في مناطق السُنة هدماً وضرراً؛ لأنه أبعد الناس عن الدين وتعلمه، وأهل السُنة هم الإسلام الحق، أما عمله في المناطق الشيعية فكان نافعا؛ لأنه قلل من دور المدارس الدينية الشيعية التي تروج للطائفية والخرافة.

وساطع كان سيفا على التشيّع ومراقبا دقيقا، فقد زار مرّة مدرسة في كربلاء مفتشا فشاهد أحد المدرسين يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إن النبي لم يفتخر بقومه بل افتخر بأهله. يريد هذا المدرس أن النبي كان يذكر آل البيت ولا يفتخر بقريش أو العرب، وهي عقلية شيعية شعوبية([145]).

وأصبح الحصري سيفا مسلطا على الشخصيات المنحدرة من أصول إيرانية، وكان يعرفهم جيداً ويشخصهم، وهذه من حسناته، بينما أغفل الكثير من المحللين الإسلاميين وغيرهم ممن جاءوا بعده هذا الحس فاختلط الحابل بالنابل، ودخلت الشخصيات الإيرانية الأصل ومن ذوي الأهواء الشيعية في إصدار القرار ورسم الخطط للعراق بسبب عدم التمايز، وهذه منقبة لساطع الحصري يقتضيها الإنصاف والعدل.

ومن الشخصيات التي واجهت التشيع كامل الجادرجي([146]).

وهو شخصية شيعية وطنية([147]) دعا إلى الديمقراطية وشارك في ثورة العشرين وكان يرى أن الديمقراطية هي السبيل الوحيد لحل مشكلة الطائفية، والجادرجي شخّص مبكرا مشكلة الشيعة وأن الطائفية هي هدف رسمه الشيعة مع الإنكليز فيقول في مذكراته:

"... بدأت المشكلة تظهر في الواقع بعدما تكونت الحكومة الأهلية تحت الانتداب الإنكليزي، فقد ظهرت الحاجة آنذاك ماسة بصورة جلية إلى إيجاد إداريين وقضاة ووزراء من الشيعة. وقد أدخل الانكليز في روع الشيعة أن اعتبارهم أقلية أمر يخالف الحقيقة. وذلك فإنّ من حق أبنائها أن يشاركوا مشاركة فعلية في جميع نواحي الإدارة"([148]).

هكذا عبر الجادرجي وبدقة (أدخل الانكليز في روع الشيعة) إذن الانكليز وراء تلك الأفكار الهدامة ووافقت هوى شيعيا، وقد عبر الجادرجي عن مراده بعد صفحة من ذلك فقال "إنّ تشجيع الانكليز للشيعة قد كان يجري بمختلف الأشكال، ومن أمثلة ذلك تحريض الشيعة على جعل الطائفية مثلهم الأعلى"([149]).

وهذا هو جزء من طرف المشكلة العراقية في الطائفية  ظهر جليا منذ دخول الانكليز للبلاد، فالطائفية هي محاولات شيعية بحتة سيما من رجال الدين، أما العشائر فهم من أبعد الناس عن الطائفية.

يقول الجادرجي في ذلك: (كانت ولا تزال فكرة الطائفية منعدمة بين أفراد العشائر، فهم لا يهتمون بهذه الناحية إلا بأداء واجباتهم الدينية، حسب معتقداتهم من دون أن يخلطوا ذلك بالقضايا الاجتماعية والسياسية. كما أن أكثرية طبقات الشعب الفقيرة مهتمة بكسب عيشها كذلك الطبقات البورجوازية الصغيرة المنهمكة بالكسب لا تهتم بهذه الناحية إلا إذا كان دعاة الطائفية من الانتهازيين قد اقنعوا بعض أفرادها بإمكانية الانتقال من وضعهم المهين في الأعمال الحرة إلى المناصب الحكومية عن طريق المقدرة والكفاءة أو بالطرق الديمقراطية المألوفة) ..( هذه الطبقة – فئة طالبي الوظائف الحكومية من الشيعة – التي خلقتها الظروف الطائفية كانت بطبيعة الحال تتمسك بالطائفية وتدافع عنها أكثر من غيرها)([150]).

والانكليز لم يقنعوا الشيعة بذلك فحسب بل اقنعوا الملك فيصل الأول وغيره بأنّ الشيعة أكثرية وانه لابدّ من أن ينالوا حقوقهم، وأن يعين في الدولة عدد منهم، وفيصل الأول سعى كثيرا للشيعة وله علاقة قديمة في ذلك، فهم من اتفق معه قبل ثورة العشرين، وقد واجه مشكلة قلة الكوادر الشيعية النافعة للحكم والقضاء والإدارة فالشيعة كانوا في زمن الحكم العثماني بعيدين كل البعد عن التدريس اللازم لإدارة الدولة، لذلك حاول فيصل تعويض الشيعة وبشكل سريع ففتح مدارس عالية مثل مدرسة الحقوق([151]) وسمح لأكبر عدد من الشيعة في الدخول لتلافي النقص عند الشيعة ([152])  بيد أن مشكلة عدم كفاءة هؤلاء ظهرت واضحة عندما بدأ فيصل يعيّن بعضهم في البلاط بواسطة شيعي كان يتسلم رتبة وزير البلاط هو رستم حيدر.

يقول الجادرجي: "إن هذا التدبير مع انه كان ضروريا في بادئ الأمر أثار طبقة الموظفين السنيين من بقايا العهد العثماني بدعوى أن الانكليز والبلاط بتأثير وزير البلاط الشيعي رستم حيدر صاروا يغمرون جهاز الدولة بموظفين غير أكفاء لأسباب طائفية صرفة"([153]). ويؤيده قوله توفيق السويدي (... ومن أسباب ضعف فيصل اعتقاده بصحة بعض الأقوال أن الجعفريين مغموطو الحقوق، وإذا فرض أنه موجود فإنه لم يوفق لمعالجته بالطرق المعقولة، إذ كان يريد الطفرة ليوصل العناصر الجعفرية إلى الحكم بدون اشتراط الكفاءة، وقد كان عمله مناقضا لمبادئه التي بشر بها فى احترام القانون والعدل المتكافئ بين الرعية، وقد أقدم على تنفيذ نظريته فلم تزد من شأنه بل زادت في النقمة عليه) ([154]).

إن شهادات كلية الحقوق السريعة هذه تم رُفض قبولها من قبل المسؤولين، لكن البلاط الملكي ضغط على ساطع الحصري لتوثيقها، يقول السويدي: ( إن البلاط استدعى ساطع الحصري مدير المعارف العام وطلب إليه أن يصادق على تعادل شهادات هؤلاء الجعفرية مع الدراسة الثانوية، فصادق عليها مرغما، وأتت إلي الوثائق فقبلتها كشهادات معادلة  للثانوية وأمري إلى الله ...)([155]).

لقد  استشعر السُنة الوطنيون والقوميون - مع بعدهم عن الإسلام-  أنه يراد إقحام الشيعة في الحكم لا على أساس الكفاءة بل على أسس طائفية([156])، مثلما فعلوا عند احتلال العراق سنة 2003م  قسموا الحكم على أساس طائفي وخلقوا المشكلة ثم بدأ الصراع، وتبين للوطنيين السنة وغيرهم أن الانكليز هم من أوجد المشكلة وأنه لابدّ لكل طائفة من نصيب وإن كانوا غير أكفياء.

وأحس الغيارى من الوطنيين بهذه اللعبة؛ مثل كامل الجادرجي وتوفيق السويدي وطه الهاشمي وغيرهم من أن العراق يسير نحو تمايز غير مقبول لا يقوم على أساس المواطنة ولا على أساس الكفاءة بل على أساس العرق والطائفة.

ثم لا ننسى قضية مهمة وهي أن انحياز الفرد الشيعي الروحي الواضح تجاه إيران أشعر كثيرا من الوطنيين العراقيين أن بوصلة الشيعة وهمهم الأول والأخير متعلّق بدولة إيران، وأن هدفهم هو خدمة الطائفة لا خدمة الوطن، وهذه المشكلة قديمة حديثة، فاليوم يمارس حزب الله نفس الدور؛  يُهدم لبنان من أجل إيران، وتهدم البحرين من أجل إيران، وتتوتر اليمن من أجل إيران، وقد أدرك العراقيون الوطنيون مبكرا هذه الآفة وحاولوا منع وقوعها.

استمر الشيعة بزرع الفكر الطائفي في عقول العشائر العراقية دون أن يعلموا لماذا، واستخدم ذلك الانحياز الطائفي حتى من أصحاب الفكر الشيوعي في خطابهم، وهم أصحاب فكر أممي يقوم على أسس لا تنتمي للعرق والعشيرة والوطن، فأغلب الشيوعيين في العراق كانوا من الشيعة، ونشرت مجلة الغـد([157]) تحليلا أعده بعض الشيعة الشيوعيين يقرر أن الدولة العراقية كانت سنية طائفية منذ الدولة العثمانية وأن ثورة العشرين قاومها الإنكليز لأنها ثورة شيعية وأن الانكليز أسسوا دولة طائفية، وأن نظامنا البعثي اليوم طائفي وشرع بتحليل مساؤئ الحكم الطائفي.

العلماء الذين ساهموا في مواجهة التشيع في هذه الحقبة

ساهمت عدة شخصيات في مواجهة التشيع منهم علماء ودعاة ومفكرون وأدباء وأكثر هؤلاء ولد إبان حكم الدولة العثمانية ونهل من أفكار العلماء أمثال الألوسي والحيدري والشواف والسويدي وغيرهم ومواقفهم جميعهم واضحة تجاه التشيع، و لولا تساهل الدولة العثمانية وتقديم مصالح الدولة على الموقف العقدي لكانت مشكلة التشيع في العراق أقل بكثير مما هي عليه اليوم.

1-       الشيخ عبد الكريم الصاعقة:

وهو عالم جليل قدير لم يعرف له العراقيون حقه لعدة أسباب، وتأثير هذا الشيخ في التشيع ليس تأثيرا مباشرا فإنه لم يؤلف في ذلك مؤلفا بل كان يغرس التعريف بالشيعة في عقول ونفوس أتباعه وتلامذته ، وهو مؤسس الدعوة السلفية في العراق وطلبة علم الحديث في العراق عيال عليه.

هو العلامة المحدث عبد الكريم بن عباس الأزجي الشيخلي الحسني المعروف بأبي الصاعقة (شيخ السلفية في العراق)، ولد في بغداد في محلة باب الأزج المعروفة اليوم بـباب الشيخ([158]) سنة 1867 م/ 1285هـ. نشأ في كتاتيب بغداد، وأحب علوم الحديث والأثر منذ صغره والتزم في بداية حياته مجلس العلامة نعمان الألوسي وقد أجازه بعلوم الحديث، وبعد وفاته تتلمذ على يد الشيخ شاكر الألوسي وبعدها على يد محمود شكري الألوسي ولازمه فترة طويلة ودرس عليه العربية وأصول الفقه والحديث وله إجازة في الحديث من محدث الهند يوسف بن إسماعيل الخانفوري عندما أقام في بغداد في جامع عبد القادر الكيلاني فدرس عليه البخاري ومسلم والسنن والموطأ ومسند الإمام احمد وأجازه بالرواية.

هرب الشيخ من بعض الولاة العثمانيين ذاهبا إلى بلاد نجد وهناك التقى بعلمائها. ومن علماء نجد والحجاز الذين أخذ منهم: سليمان بن سحمان، وعبد الطيف آل الشيخ، ومحمد بن بليهد، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ عليهم رحمه الله تعالى، ثم رجع الشيخ إلى بغداد واصدر جريدته الصاعقة في 8/5/1911 ولم يصدر منها إلا أعداد قليلة أغلقت بعدها من قبل الدولة العثمانية.

 وقد أوقف مكتبته مع مبلغ من المال لشراء كتب الحديث لجامع الدهان في الأعظمية – وقد رأيتها هناك في الثمانينات - وعينت لجنة للإشراف عليها مؤلفه من الشيخ نوري وعدنان الصالحي وحمدي عبد الجليل كما ذكر الصاعقة رحمه الله في وصيته ([159]) وقد أوصى الصاعقة الشيخ عدنان بأن يحرق كتب المنطق لأنها كتب ضلال.

رحل الشيخ إلى الهند والتقى بالعلامة زين الفرقدين حسين بن محسن الأنصاري السبيعي. وكان الشيخ رحمه الله شديد الغيرة على السنة آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر وله مواقف وقصص كثيرة تروى في هذا الباب وفي كل مكان (حلب، مكة، بغداد) كما تميز بغلظته على المبتدعة والشيعة والمعتدين على السنة و الراغبين عنها إلى غيرها من كلام الفقهاء.

درّس الشيخ بجامع الحيدرخانة "تفسير الخازن" و"صحيح البخاري"، وتنقّل في عدة مساجد في بغداد فعيّن في جامع المهدية قرب منطقة الفضل عام 1921 وبعدها انتقل إلى مسجد عثمان أفندي في شارع المتنبي (سوق السراي) ودرس الكتب الستة والموطأ ومسند العشرة من مسند الإمام احمد وكان لا يرتضي من كتب المصطلح غير كتابي معرفة علوم الحديث لأبي عبد الله الحاكم، والكفاية لأبي بكر الخطيب البغدادي. وينقل عنه بعض أهل محلته أنه كان لا يدرس أحدا شيئا حتى يدرسه كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب .

وفي حوالي عام 1923مهرب الشيخ متسللاً إلى نجد([160]) ثم الحجاز أيامالاتحاديين لأنه كان عدواً لدوداً لسياسة التتريك وبقي هناك قرابةالعامينوالتقى هناك بالمحدث عمر بن حمدان التونسي المكي والمحدث شعيب بن عبد الرحمن المغربي المكي وعبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، ورفض عرضاً مغرياً لأمير الكويت عندما جاء إلى العراق لقضاء الصيف في بيته الخاص فيمحلة نجيب باشا بالأعظمية في حدود عام (1952م).

ومن تلامذة الشيخ المقربين: الشيخ نوري احمد القاسم التميمي الشهرباني أبو محمد وكذلك أبو عذراء الشيخ عبد الرزاق عبد الجبار البياتي واحمد حمدي عبد الجليل والشيخ محمد تقي الدين الهلالي المغربي الداعية الجوال الذي استقر في العراق فترة من الزمن (بالتحديد في الأعظمية في جامع الدهان الذي كان موئلا للسلفية في العراق وفيها نشأ الجيل الأول).

وممن تأثر بالشيخ واستفاد منه وتتلمذ على يده: الشيخ عدنان عبد المجيد أمين الصالحي (قلعة صالح في العمارة وستأتي ترجمته) والشيخ المحدث صبحي البدري السامرائي (لزمه قبيل مرضه) ويعد خليفته بالرواية وإجازة الطلبة وستأتي ترجمته.

ومنهم أيضا: الشيخ عبد الخالق عثمان مؤسس جماعة جند الرحمن بالبصرة وقد قتله الشيعة ورموه من شقته، والشيخ محمد سعيد العزاوي المعروف "بالجركجي([161]) "الذي كان يحفظ من الحديث الشيء الكثير ويجيد تدريس البخاري رغم أنه لم يتعلم القراءة والكتابة.

 والشيخ عبد الحميد نادر أحد مشايخ السلفية من الجيل الثاني، وسيأتي الكلام عنهم.

وكان يتردد على الشيخ الصاعقة مفتي العراق العلامة قاسم القيسي ويسأله عن بعض المسائل الحديثية، والشيخ المحدث شاكر البدري الذي كان يفتخر بان الصاعقة يحضر الجمع في مسجده وكذلك العلامة نعمان الاعظمي. وقد أفتى الشيخ عبد الكريم الصاعقة لأهل بغداد بحرمة الصلاة في جامع عبد القادر الكيلاني، وجامع معروف الكرخي وجامع موسى الكاظم وغيرها، لأنها قبور للمسلمين بنيت عليها المساجد واتخذها الناس محطة يدعى فيها الأموات من دون الله.

هيبة الشيخ وجلالته وصلابته على الشيعة والمبتدعة فرضت نفسها على العلماء والتلاميذ فالكل يخطب وده ويعرف قدره ويحفظ منزلته وقد تأثر بالشيخ خلق كثير، لذلك كان شيخ السلفية في العراق وشعلتها في زمن قلّ فيه من يصدع بالحق ويجهر به فكان قدوة لمن بعده فله الفضل بعد الله تعالى في تثبيت العقيدة والمنهج السني الصحيح في العراق، وفي التحذير من التشيع وغرس ذلك في نفوس تلامذته.

توفي العلامة الصاعقة يوم 7/12/1959م وصُلي عليه في جامع الدهان في الأعظمية وحضر جنازته خلق كثير من أهل السنة رحمه الله رحمة واسعة.

2-       2- العلامة محمد بهجة الاثري (تلميذ الآلوسي البار):

ولد الشيخ محمد بهجة الاثريفي بغداد سنة 1322 هـ / 1904م ونشأ وترعرع على أرضها وبين علمائها، وبرع عالما لغويا وأديبا شاعرا ومنافحا عن الدين والعقيدة الصحيحة والتراث الإسلامي. تسلم مناصب عديدة واعتنى كثيرا بكتب شيخه الآلوسي واشرف على تحقيقها وتنقيحها وإخراجها بأحسن صورة وقد كتب  كتابين في سيرة شيخه الآلوسي هما: "أعلام العراق" وهو تراجم للعلماء الآلوسيين وخص أبا المعالي بالقسم الأكبر منه، وكتاب "محمود شكري الآلوسي سيرته وآراؤه اللغوية" .

وانقل من كلامه رحمه الله ما يدل على نهجه السلفي ودفاعه عن عقيدة الأمة النقية حيث يقول متحدثا عن الحياة الدينية في عصر الآلوسي:

(وكان اظهر هذه المذاهب ثلاثة التصوف والتشيع والدعوة السنية السلفية، وقد كانت الدولة العثمانية تؤيد التصوف جملة في مختلف طرائقه من رفاعية ونقشبندية ومولوية وغيرها وتمكن له وتحرص على تشجيع أربابه وإكثار عددهم كما رأينا وتناهض التشيع والحركة السنية السلفية معا إذ كانت تنظر إلى القوى التي خلفهما نظرة ارتياب عظيم وحذر شديد سياسة لا ديانة ...... وأما الدعوة السنية السلفية التي هي المظهر الصحيح للعقائد السنية قبل أن تغشاها التحريفات والبدع فقد كانت خلفها قوة عربية في أواسط جزيرة العرب بدأ ظهورها في أواخر الربع الأول من هذه المئة الرابعة عشر هجرية وهي تحاول استعادة سلطان سياسي كبير ذاهب ..

وكان قد أوجد هذا السلطان محمد بن عبد الوهاب وآل سعود في المئة الثانية عشرة فهز جوانب الدولة العثمانية هزا كاد يفقدها زعامة العالم الإسلامي فاستعدت عليه "محمد علي" مؤسس الأسرة الخديوية الألبانية بمصر فسارع إلى نجدتها ونهد بجيوشه إلى جزيرة العرب وحارب العرب بأسلحة جديدة فتاكة من أسلحة الغرب لم يألفوها فغلبهم وأزال سلطانهم وأخمد اليقظة العربية الإسلامية المتحررة في عقر دارها حينا طويلا من الدهر.

لذلك ما كادت تنجم ناجمتها ثانية في هذه المئة الرابعة عشرة الهجرية حتى عاود الأتراك الخوف الشديد من استفحالها فبادروا بحربين لإفسادها والقضاء عليها: القتال والدعاية وقد قامت حرب الدعاية على تأليف الكتب والرسائل في تشويه صورة الإصلاح الديني الذي تتبناه وحشّد لها أبو الهدى الصيادي الرفاعي أعوانه وصانعه حتى مثل جميل صدقي الزهاوي فكتب رسالته الفجر الصادق فلما زال العهد العثماني كتب في مقدمة رباعياته أنه ألف هذه الرسالة سياسة لا تدينا أو ما هذا معناه.

وقد قوبلت هذه الكتب والرسائل بردود كثيرة من علماء نجد والعراق والشام ومصر والهند أوحت إليهم بها الدراسات العلمية الحرة، لا السياسات العابثة بالعقول فكانت هذه الحركة وما نتج عنها من آثار قيمة من اكبر المظاهر العقلية التي ظهرت في عصر النهضة زعزت الناس عن المألوف من الخرافات والبدع ووجهت الناس إلى منابع الإسلام الصحيح :كتاب الله وسنة الرسول وهدي السلف الصالح ولذلك نُعتت بـ" السلفية" وفاقا لطبيعتها وبـ "الوهابية" على سبيل التنفير)([162]).

وقال فـي ترجمته لأبي الثناء الآلوسي الإمام البحر صاحب "روح المعاني" "ونصر مذهب السلف - يعني في تفسيره الرائع - الأسلم بل الأعلم الأحكم)([163]).

وقال في ترجمة نجله أبي البركات نعمان خير الدين الآلوسي: "جريء في مجاهدة البدع، بذل جهودا كبيرة في سبيل تجديد الإسلام وتنقيته من الشوائب التي أضيفت إليه ولقي في ذلك الألاقي من الحشوية والمتشبهين بالعلماء وانتصب لقراع المبشرين من دعاة النصرانية وصد حملاتهم على الإسلام وكان عظيم التوفيق في ردوده عليهم وتفنيده لأضاليلهم، فهو بحق قائد الحركة الإصلاحية بالعراق وحامي الإسلام في الشرق الإسلامي في هذه الحقبة من الزمن"([164]).

ويقول الأثري في وصفه لصراع الآلوسي مع الصوفية المسيطرة على الحكم العثماني:

 "وهذا التجهم الذي أظهره الآلوسي لشيوخ الطرق الصوفية في عصره لما كانوا يظهرون من ورع ويبطنون من طمع كان بداية ثورته على فساد الحياة الدينية التي يمثلها هؤلاء الشيوخ...

.. والباب الذي أدى به بعد قليل من الزمن إلى رفض التصوف مذاهبه وطرقه جملة والوقوف إلى جانب رجال الإصلاح الإسلامي كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعلماء نجد ومحدثي الهند السلفيين وصدرهم الإمام السيد حسن صديق خان ملك بهوبال لمؤازرة الحركة السلفية السنية الإصلاحية الداعية إلى ظواهر الكتاب والسنة وفتح باب الاجتهاد وتطهير عقائد الناس من البدع والخرافات التي بثها العابثون في الدين في شجاعة وقوة ومضاء غير آبه للسلطان ومستشاره الديني وحزبه الصوفي الغالب على أمر البلاد مع ما يرى من حرب الدولة العثمانية لهذه الدعوة الإصلاحية وما يعلم من تعريض نفسه بذلك لغضب السلطان وبطشه .

وشرح هذه المنظومة "يقصد الأسرار الإلهية في شرح القصيدة الرفاعية" شرحا نفيسا امتزجت فيه اللغة بالأدب كما التقت فيه نزعتا التصوف والسلفية واقترنت نقوله عن ابن حجر المكي وأمثاله بنقوله عن إمامي الإصلاح الإسلامي تقي الدين بن تيمية وشمس الدين ابن القيم.

ولما أراد أبو الهدى (مستشار السلطان الديني) طبع الكتاب عمد إلى مواضع منه فأضاف إليه أساطير خرافية سخيفة من أساطير المشعبذين العابثين بعقول الجماهير الأمية ونعت المؤلف في تسميته بصدر الكتاب بـ"الرفاعي الخرقة" ثم كتب إليه يشكره على هذا الشرح ويبشره بطبعه ويذكر انه جعل جائزته له الطريقة الرفاعية وأرسل إليه طائفة من كتب هذه النحلة الصوفية ودعاه لرفع لوائها في العراق.

وما هو المتوقع من كل من ينصر دعوة التوحيد إلا سيوفا تقرع أدمغة الشيعة وتكشف عوار طريقتهم وتهين مذهبهم وشركهم وافكهم، وانقل بعضا من كلام الأثري في هذا المجال وهو المقصود في بحثنا:

قال في ترجمة عثمان بن سند في أول "مختصر مطالع السعود" (وهو كتاب "الصارم القرضاب"  في نحو ألفى بيت أو أكثر من الشعر الجزل الرائع، ناقض به (دعبلاً الخزاعي الشاعر العباسي الهجاء، وكان (دعبل) من شعراء الرافضة، فكال له الصاع صاعين فيالدفاع عن حياض سادات المسلمين)أهـ.

وحين ذكر من مؤلفات أبي الثناء "الأجوبة العراقية عن الأسئلة اللاهورية" و "نهج السلامة إلى مباحث الإمامية"  و"النفحات القدسية في رد الإمامية" قال:

(وهو في هذه الكتب الثلاثة ينافح عن مذهب أهل السنة والجماعة ويذب عن حياض سلف الأمة الذين قام على جهادهم الإسلام وقد بلغ فيها الذروة في بسطة العلم ومعرفة أصول المذاهب الإسلامية وقوة الاستدلال وروعة المنطق)([165]).

وقال أيضا عن نهج السلامة: (ردٌ على الشيعة بليغ كتب منه وهو مريض نحو عشرين كراسة فعاجلته المنية قبل أن يتمه، والأجوبة العراقية ذب عن أصحاب النبي البررة)([166]).

كما انه نشر لأستاذه الآلوسي كتاب "الرد على حصون العاملي الرافضي" وهو كتاب ألفه محسن الأمين العاملي بعنوان "الحصون المنيعه في الرد على ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة" وذلك في مجلة المنار.

كما أن الأستاذ الأثري من أعلام العروبة وقادتها في العراق ويحمل بشدة على الشعوبية في كتابه "ذرائع العصبيات العنصرية في إثارة الحروب وحملات نادر شاه على العراق" وكتابه الذي لم يتمه" "الشعوبية والعرب أو نقض كتاب المثالب لابن الكلبي".

وقد تعمد الشيعة في كتبهم وإعلامهم إغفال ذكر هذا العَلَم  الكبير، كيف لا وهو من تلاميذ قاصم ظهورهم ومنكس ألويتهم وفاضح خبثهم ومكرهم وحقدهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

وقد حفظ أهل العلم والأدب لهذا الأستاذ البحاثة الكبير قدره ولله الحمد وحتى الشيعة الذين لم تدنس صدورهم بسخائم المذهب الخرافي وكانوا ابعد ما يكون عن دينهم اثبتوا لهذا العالم مكانته وذكروا من بعد وفاته فضائله ومساهماته في نهضة العراق الأدبية والعلمية([167])، ونشير إلى أن علامتّنا (1904-1996) قد عاصر في شبابه أحداثا عصيبة عاشها العراق تزامنت مع الاحتلال الانكليزي وبعدها اليهودي لفلسطين، فحال  تفاعل الأثري معها بشكل كبير عن تدوينه لأحوال العراق والشعوبية وصرفت جزءا من جهوده عن ذلك.

3-       3- المؤرخ الكبير عباس غالب العزاوي:

ولد  سنة 1307 هـ من أشهر مؤلفاته تاريخ العراق بين إحتلالين (المغولي/656هـ 1258م إلى الانكليزي 1917م)، وكذلك كتابه "عشائر العراق"، وهو فريد في بابه وكل من كتب بعده عيال عليه، وكتب في تواريخ الفرق مثل فرقة الكاكائية وله أيضا كتاب في تاريخ التشيع (مخطوط) .

 تميز العزاوي في كتاباته  بنهجه الوطني البعيد كل البعد عن أصله السني رغم انه تلميذ أبي المعالي الآلوسي الذي تكاد الشيعة تتميز من الغيظ كلما سمعوا باسمه، ومع ذلك لم يستطع الابتعاد عن ذكر مخازيهم لاسيما انه كتب في فترة شحت فيه المصادر التي تتناولها (العهد الصفوي).

 ولا ننسى  أيضا ثناءه على دعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وهو شأن كثير من أعلام العراق في القرن العشرين كمحمد بهجة الأثري واللواء الركن محمود شيت خطاب رحمهما الله تعالى حيث يقول في كتابه "ذكرى أبي الثناء الآلوسي": (أما الدولة العثمانية فإنها حاذرت من تأثيره على بلاد العرب خارج نجد ، فأغرت العلماء في الرد عليه، والطعن في أهله، فاختلقوا عليهم ما شاؤا، ونبزوا مذهبهم بما أرادوا، وهذا لم يمنع الكثير من العلماء أن يناصروه ويؤيدوه في الخفاء)([168]).

 ومن يطلع على ما أرسله العزاوي إلى الأستاذ محب الدين الخطيب عندما علم أنه يقوم على خدمة مختصر التحفة الاثني عشرية للالوسي:(إن كثيرا من علمائنا الأفاضل ألفوا في كشف حقيقة التشيع بعد شيخ الإسلام ابن تيمية واذكر منهم الآن القاضي فضل بن رزوبهان فإنه ألف في الرد على "منهاج الكرامة" لابن مطهر الحلي الذي هدمه شيخ الإسلام ابن تيمية بكتابه الشهير "منهاج السنة النبوية"، ومنهم ميرزا مخدوم مؤلف النواقض ...) يتبين له حقيقة موقفه من التشيع.

4-       4- الأستاذ محمود المـلاح ([169])

هو الأستاذ الكبير والشاعر القدير محمود بن عبد الله بن يونس الملاح ولد في الموصل سنة 1309هـ (1891م) في منطقة (باب لكش) ودرس في المدرسة العثمانية وأجاد اللغة التركية ثم انتقل إلى مدرسة العراكدة إحدى المدارس الإسلامية ودرس على يد الشيخ عبد الله النعمة (من أعلام السلفية في الموصل) الذي ترك تأثيره الواضح عليه هو وغيره من العلماء مثل الشيخ عثمان الديوه جي وأحمد الديوه جي والذين كانوا يوصفون في زمانهم  "بالإصلاحيين" ويعد الملاح من المساهمين الفاعلين في نهضة العراق الأدبية والثقافية ومن أهم مؤلفاته:

"مبضع الجراح في تشريح شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد" ط النجف (1376هـ،1957م).

"الوجيز على الوجيز".

"الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد".

"الأمير سعود قائد الحج الأكبر".

"الآراء الصريحة لبناء قومية صحيحة".

"البابية والبهائية".

"النحلة الأحمدية".

"تحذير المسلمين من المتلاعبين بالدين".

"تاريخنا القومي بين السلب والإيجاب".

"حقيقة إخوان الصفا".

"الرزية في القصيدة الأرزية".

"حجة الخالصي".

"التحديث بالنعمة في ترجمة الأستاذ العلامة عبد الله جرجيس النعمة"، وقد طبع في بغداد سنة 1985م .

ديوان شعر كبير، وغيرها من الكتب والأبحاث التي ظلت حبيسة خزائن المخطوطات.

وكان الملاح رحمه الله كاتبا متميزا في العديد من المجلات العراقية والعربية مثل مجلة لغة العرب لصاحبها انستاس ماري الكرملي ومجلة المجمع العربي بدمشق وقد تسلم العديد من المناصب في الدولة. أما سبب عدم ذيوع اسمه وانتشار صيته بين العامة (في حين أن أهل التخصص والبحث والاطلاع على دراية تامة بفضله وجهده وأثره الواضح) فيعود كما يرى الأستاذ احمد النعيمي للانتقائية والطائفية التي تميز بها العراق في إبراز أعلامه والله المستعان.

وكان الملاح من أكثر الناقدين بشكل علني للتشيع والرافضين الوحدة والتقارب معهم إلا بشروط منها ترك سب الصحابة وإعادة الشيعة النظر في مؤلفاتهم، وكان سيفا على التشيع ندر وجوده).

توفي الملاّح بعد عمر قضاه في خدمة الإسلام والعروبة - ولا نزكي على الله أحداً- ليلة الأربعاء 19/3/1969 في بغداد عن عمر 81 سنة وقد شيع جثمانه إلى الموصل ودفن في مقبرة أسرته.

5-       5- العلامة محمد تقي الدين الهلالي المغربي:

العالم والداعية الجوال ولد سنة 1311هـ في سجلماسة في المغرب، حفظ القرآن الكريم في صغره واتهم في بلده بالوهابية!! فهاجر إلى مصر والتقى بالشيخ محمد رشيد رضا ثم حج في ذلك العام وسافر إلى الهند وألقى بعض الدروس في مدرسة "علي جان" من مدارس أهل الحديث في دلهي والتقى بالشيخ الأحوذي شارح جامع الترمذي، ثم سافر إلى العراق ليمكث فيه 3 سنوات التقى فيها بالآلوسي وتزوج وأنجب، وغادر العراق إلى الحجاز سنة 1345 هـ، ليعود مرة أخرى إلى بغداد بعد جولة دعوية ليدرس في جامعة بغداد /كلية الأميرة عالية وبعد قيام الحكم الجمهوري وسيطرة الشيوعية غادر العراق.

 كانت حياة الشيخ مليئة بالدعوة إلى التوحيد ونبذ البدع والضلالات والحث على التمسك بالكتاب والسنة حيث أنشئت جمعية الإرشاد الإسلامية في بغداد برعايته، وممن رد عليهم: الشيعة، والتقى بهم وناظرهم وكشف عوارهم ونشر بعض ذلك في مجلة المنار وظهر ذلك واضحا في تلامذته .

6-       6- محدث بغداد الشيخ صبحي جاسم حميد البدري الحسيني السامرائي أبو عبد الرحمن:

ولد في بغداد سنة 1936م درس التجويد والتوحيد والتفسير ولزم شيخه الصاعقة في مسجد المهدية في الفضل رحمه الله وتأثر به كثيرا. يقول أحد تلامذته : لعل الصفة البارزة للشيخ كونه شديد الغضب لله، ما أن يسمع كلمة طاعنٍ حتى يصيركأنه منذر حرب، وكنا نتجنب أن نذكر الرافضة في الدرس لأنهم ما ذكروا إلا وضاع الدرسبالرد على الرافضة من الشيخ بفورة من غضب.

وقد جمع الشيخ مكتبة فريدة من المخطوطات والمطبوعات في مجال الحديث والتفسير والفقه وعلم الكلام وقد استفاد منها كل أهل الحديث في العراق وكافة الأقطار الإسلامية وكل مخطوط نفيس نادر أو يكاد يفقد فإنك تجده في مكتبه الشيخ حفظه الله.

درس الشيخ العديد من الكتب وجلس في مساجد بغداد كرخها ورصافتها فدرس في الأصفية والمرادية وفي جامع 12 ربيع الأول في الرصافة وفي جامع محمود البنية وجامع برهان الدين ملا حمادي في الكرخ، وتتلمذ على يديه بعض ممن لم يتم ما بدأه مع شيخه الصاعقة كالشيخ عبد الحميد نادر، وكاتب هذا المقال وكثير ممن لا نريد ذكر اسمه وهم اليوم أحياء. 

نشر الشيخ جملة من كتب الحديث بتحقيقه وله من الأبحاث والمحاضرات التي ألقاها في بلدان العالم الإسلامي ما تشهد له بتقدمه في هذا الفن. يقول العلامة ابن باز رحمه الله فيه: انه من بقايا أهل الحديث في العراق، ولا زال الشيخ حيا متعنا الله بعمره. والشيخ مطلع على كثير من أسرار الشيعة في العراق ، وقد قام على تثقيف العراقيين بحقيقة التشيع سيما الصفوي.

7-       7- كمال الدين بن عبد المحسن الطائي معتمد جمعية الآداب الإسلامية:

من أبناء منطقة الفضل السنية([170]) وهو من اشد المتيقظين لخطر الشيعة وخبثهم، يقول الأستاذ كاظم المشايخي رحمه الله : تهجم النائب الشيعي عبد الرزاق الظاهر على مدير الأوقاف العامة وغمز علماء السنة، فثارت ثائرتهم وقدموا مذكرة احتجاج فأرسل النائب عبد الرزاق الظاهر رسالة إلى الشيخ أمجد الزهاوي (مفتي بغداد) يعتذر ويدعي أنه لم يقصد بكلامه الإساءة إلى احد كما انه لم يقصد التهجم على احد، فقال الشيخ امجد: لقد اعتذر ولم يبق موجبا للكلام لكن الشيخ كمال الدين الطائي لم يقبل هذا الاعتذار، لعلمه بتقية الشيعة!([171]).

للأسف لقد ارتضى الكثير من أهل السنة في العراق لملمة الأمور منهجا في التعامل مع الشيعة  وخاصة بعض من انتسب إلى الإخوان المسلمين وهذه سيرتهم في سائر البلدان، والعجب انه وبعد مقتل ما يزيد عن نصف مليون سني عراقي لم يتغير خطابهم ولهجتهم ليضعوا أنفسهم في موقفين محرجين: الأول مخالفتهم لكلمة الأمة وعلماء الملة في حق الإمامية (دون بينة أو دليل أو علة) والآخر أنهم تخلوا عن أبناء السنة ولم يراعوا حرمة الدماء المسفوكة ولا البلاد المسلوبة ويتحدثون عن وحدة وطنية أو إسلامية والهلال الشيعي الذي صار بدرا!!

8-       8- الشيخ عدنان بن عبد المجيد بن الأمين بن المصطفى الطائي الزبيري البغدادي:

ولد في قضاء الزبير سنة 1933م ونشأ في قلعة صالح بالعمارة جنوب العراق. تعرف في بداية طلبه للعلم بالشيخ عبد المجيد البصري الذي أوصاه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، تخرج من كلية الشريعة عام 1957 وانضم لجماعة الإخوان المسلمين/ سكن محلة الفضل حيث إقامة الشيخ الصاعقة إمام مسجد المهدية فقرأ عليه التجريد الصريح (مختصر صحيح البخاري) للزبيدي.

دعا رؤوس جماعة الإخوان مثل الشيخ محمد محمود الصواف إلى المنهج السلفي وفهم العقيدة والقضاء على البدع فقال له الصواف خذ أنت مجموعة من الطلاب والتزمهم بالتعليم فدرسهم فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني .

وبعد وصول الشيخ الهلالي إلى بغداد لزمه ودرس عليه في مسجد الدهان وبعض المحاضرات في كلية التربية ببغداد.

عين مدرساً للغة العربية والتربية الإسلامية في مدرسة قلعة صالح وهناك نشر التوحيد وألقى دروساً في التوحيد في حسينيات الرافضة في العمارة (محافظة ميسان جنوب العراق) ودعاهم إلى التوحيد والعمل الصالح والكف عن سب الصحابة.

ودرس في العقيدة كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، والواسطية لشيخ الإسلام.

توفي الشيخ يوم 15/1/2003 بعد صلاة الفجر وصلي عليه في جامع حسن البارح ودفن في مقبرة الكرخ في أبو غريب.

خلف الشيخ من بعده جيلا من الدعاة المتجولين الذين انتشروا في القرى والأرياف والبلدات النائية وهذا هو حال دعاة السلفية متفرقين هنا وهناك، يدعون من ابتعد عن طريق الدين من أبناء جلدتهم إلى الالتزام، وعلى الجانب الأخر هبوا في كافة نواحي العراق يعرفون الشيعة بدعوة التوحيد وقد هدى الله بهم خلقا كثيرا وجما غفيرا وذلك في مناطق شرق القناة في بغداد والصويرة (جنوب شرق بغداد) والمسيب والمحمودية والحلة وقرى ديالى والكوت (محافظة واسط) بل حتى في الناصرية والعمارة مثل الشيخ الصالحي إلى أن بلغت دعوتهم إلى أم قصر والفاو والفضل لله وحده.

9-       9- المفكر الإسلامي محمد احمد الراشد :

هذا هو اسمه المستعار وصرّح باسمه الحقيقي (عبد المنعم صالح العلي) عندما رجع إلى بغداد سنة 2003. ولد سنة 1938م وهو احد ابرز مفكري الإخوان المسلمين في العراق والعالم الإسلامي، تتلمذ في الحديث على يد الشيخ عبد الكريم الصاعقة وكذلك على يد الهلالي وامجد الزهاوي ومحمد القزلجي ومحمد العسافي.

 له العشرات من الكتب في فقه الدعوة وتزكية النفس ومن كتاباته في هذا المجال الدفاع عن أبي هريرة وهو سفر ضخم جليل سطر فيه المؤلف روائع وأبدع في الذب عن راوية الإسلام أبي هريرة رضي الله عنه. ويشرف الراشد حاليا على مجلة الرائد والتي تكتب المقالات العلمية في فهم السياسة الشيعية الخبيثة وترصد جرائمهم وتحللها وتوعي الشارع العربي والإسلامي بالخطر الصفوي، والراشد من الإخوان القلائل في العالم الإسلامي الذين عرفوا التشيع معرفة حقة، ومن القلائل الذين جمعوا بين معرفته بعلوم الحديث والدعوة (اقصد من الإخوان المسلمين) وله وعي جيد في معرفة خطر التشيع، أبقى الله الشيخ ذخرا لخدمة أهل السنة في العراق.

 

هذه هي أهم الشخصيات وإلا فإن جهودا عظيمة بذلت في إيقاف التشيع ومن ثم بإرجاع الشيعة إلى المذهب الحق والإسلام كما سنفصله في الحلقة القادمة بإذن الله، وعن ظهور الأحزاب الإسلامية السنية والشيعية والمرحلة الجديدة.

 

الجزء السادس

في هذه الحلقة نتناول حدثا مهما في خمسينيات القرن العشرين وهو تشكيل الأحزاب الدينية السنية والشيعية ثم أحداث انقلاب عام 1958م وتحول العراق من الحكم الملكي الى الحكم الجمهوري.

تشكيل الأحزاب السُنية الدينية في العراق

تعتبر سنة 1940 م هي بداية انتشار أفكار حركة الإخوان المسلمين في العراق، وقد نجحت الحركة بالحصول على إذن رسمي في سنة 1946م - بعد عدة محاولات - عندما سمحت الحكومة بتأسيس الأحزاب.

الأحزاب في العراق آنذاك كانت أربعة أنواع :

1.      أحزاب قومية مثل حزب الإستقلال، وحزب الأحرار، و منتسبو هذه الأحزاب من السنة والشيعة ولها مؤسساتها الإعلامية كالصحف وغيرها .

2.      أحزاب الديمقراطية مثل الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الشعب([172]).

3.      أحزاب الشيوعية مثل الحزب الشيوعي، ولكنها لم تمنح موافقات رسمية للعمل([173]).

4.      أحزاب إسلامية سنية ظهرت في البداية على شكل جمعيات ثقافية وخيرية مثل جمعية الآداب، وجمعية إنقاذ فلسطين، وجمعية التربية الإسلامية، وجمعية الشبان المسلمين، وجمعية الهداية الإسلامية. ورغم أن هذه الجمعيات كان هدفها دينيا يعنى بالدفاع عن الإسلام ونشره، وبناء المساجد، والعمل الخيري، لكن عملها لم يكن يخلو من الجهد السياسي لبعض قضايا الأمة (طبعا تستثنى جمعية إنقاذ فلسطين من ذلك فإن همها كان القضية الفلسطينية فحسب)([174]).

بداية حركة الإخوان المسلمين في العراق

هذه الجمعيات هي بواكير تكوين الأحزاب الدينية في العراق، ويعتبر العلامة الشيخ أمجد الزهاوي، والداعية المعروف محمد محمود الصواف رحمهما الله أبرز شخصيات هذه المرحلة، وكانت معاهدة بورتسموث (وهي معاهدة عقدها صالح جبر رئيس الوزراء الشيعي مع البريطانيين)، وقضية فلسطين تشكلان محور العمل السياسي للأحزاب الدينية، وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين التي شاركت الشارع العراقي في تنظيم المظاهرات والاعتراضات الشعبية ضد تقسيم فلسطين أو جعل مصير العراق بيد الإنكليز.

كانت بواكير ظهور حركة الإخوان في مدينة الموصل في شمال العراق بسبب انتماء الصواف لهذه المدينة، وبسبب جو الموصل الديني ثم انتشرت في داخل الوسط الطلابي ببغداد، وفي البصرة وفي شمال العراق. وفي سنة 1949م قرر مجموعة من العلماء والدعاة تأسيس (جمعية الأخوة الإسلامية) منهم العلامة أمجد الزهاوي ومعه الداعية الصواف وتقي الدين الهلالي ومحمد طه فياض وغيرهم بصورة رسمية، ثم انتشرت فروع وشعب الجمعية في أنحاء العراق فوصلت الموصل والبصرة والرمادي وسامراء وتكريت وراوة وعانة وبيجي وتكريت وكركوك واربيل وحلبجة والمقدادية وسنجار، وفي مناطق أخرى اضافة لشُعب نسائية.

 كان الهدف من هذا الحزب (الجمعية) هو نفس أهداف حركة الإخوان في كل بلد، إضافة إلى التركيز على محاربة المد الشيوعي المتزايد في العراق وفي العالم العربي والإسلامي، وبهذا التركيز ولطبيعة حركة الإخوان التجميعية، نسيت قضية التشيع من حسابات هذه الحركة رغم سنيّتها، بل إن الحركة لقيت ترحيب بعض مراجع الشيعة كمحمد مهدي الخالصي والزنجاني، اللذين كانا يكتبان في المجلة التابعة للجمعية (لواء الاخوة). والغريب أنه عندما زار الزهاوي كربلاء في مهرجان مولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة 1959م نشرت المجلة خبرا يقول: (لقاء تاريخي بين شيخي الإسلام الحكيم والزهاوي)([175]) سبحان الله أضحى علماء الشيعة عند الإخوان شيوخاً للإسلام!!  كذلك انتسب عدد من شباب الشيعة للجمعية([176]).

كما كان الشيعة والإخوان يتبادلون التعازي والأفراح معا، وكانت يجمعهم هم محاربة المد الشيوعي، كما رحبت الجمعية سنة 1959م بإنشاء كلية الفقه في النجف، ويبدو أن التساهل في حركة الإخوان مرده إلى طبيعة فكر الإخوان نفسه بصورة عامة في العراق وغيره، وإلى سلوك علماء ودعاة الإخوان في العراق بصورة خاصة، نخص بالذكر الصواف والعلامة أمجد الزهاوي وسنفصل ذلك قريبا.

تشكيل الأحزاب الشيعية الدينية في العراق

يعتبر حزب الدعوة الحزب الشيعي الأول في العراق وفي المنطقة، وقد تأسس الحزب في مرحلة الخمسينات من القرن المنصرم، وثمة خلاف كبير في تحديد تأريخ تأسيسه، يقول الكاتب الشيعي محمد باقر الحسيني في مقاله القيم (حيرة الشهيد محمد باقر الصدر (قدس) - حصر المهمة)([177]):

[ ... محنة التأسيس: لم أجد روايات قلقلة في تأسيس حزب ما كالروايات المذكورة في تشكيل وتأسيس حزب الدعوة، فقد قال العسكري إن التفكير بدأ عام 1946 وهو تفكير محض ولم تبدأ معه أية خطوة تنظيمية، وذكر السيد مهدي الحكيم في مذكراته إن التفكير بدأ عام 1951 أو عام 1952 في رمضان عندما تقرر أن يلقي السيد مهدي الحكيم  كلمة في برنامج رمضان المبارك.

 ويعود السيد مهدي ويقول أيضا: (نستطيع القول أن حزب الدعوة تشكل قبيل أو بعيد ثورة تموز 1958م([178]) ويقول السيد طالب الرفاعي إن التاريخ الحقيقي لحزب الدعوة هو تموز 1959م([179]) ويضيف السيد طالب الرفاعي في نفس المصدر: (إن المظاهرة الكبيرة التي سيرها الشيوعيونلتشييع الشيخ محمد الشبيبي في النجف ثم (الردات) ذات المضامين الفكريةالشيوعية في مواكب الأربعين دقت ناقوس الخطر وحسمت الأمر بالنسبة للإسلاميين فقرروا تشكيل الحزب بأقرب وقت وهكذا كان)([180]).

وأنت لا تستطيع إلا احترام الرواية الرسمية لحزب الدعوة القائلة بتأسيس الحزب عام 1957 بالرغم من عدم صحتها كما هو مبين آنفا، لأنها تحاول إبعاد حزب الدعوة عن التأثيرات الخارجية الداعية للتأسيس وتأثير السيد محسن الحكيم. ويعم القلق هذا في تحديد المكان، ويزيد الغموض لو أردنا معرفة حضور المؤتمر التأسيسي فضلا عن البيان الصادر، واصابت حالة النسيان كل المؤسسين،  فقد ذكر السيد مرتضى العسكري في أحد مقابلاته أنه جلس مع السيد محمد باقر الحكيم ولم يتذكر أحدنا أكثر من اثنينأو ثلاثة أفراد([181])، كما إن اسم الحزب لم يكن مثبتا ، وقد اختير بعد ذلك اسم له هو اسم مأخوذ من كتاب لحسن البنا "مذكرات الدعوة والداعية" ويقول آخر إن الاسم مأخوذ من الآية القرآنية {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [ النحل : 125] .

لقد حاولت الروايات التي تذكر أن الحزب تأسس قبل ثورة تموز 1958 تشتيت الأنتباه عن الهدف الحقيقي لتأسيس حزب الدعوة وهو مكافحة الأفكار الهدامة ووقف المد الشيوعي الإلحادي، وضد عبد الكريم قاسم الذي قرب الشيوعيين] اهـ .

وكثير من مؤسسي حزب الدعوة الشيعي كان منتميا لحزب التحرير الإسلامي فرع العراق والذي وفد من الأردن سنة 1954م  وانتمى له عدد من الإخوان المسلمين وقسم من الشيعة، وتشير مصادر الحزب إلى أن القيادات الأولى للتنظيم كعبد الهادي السبيتي (الذي كان منتميا لحزب التحرير)، والشيخ عارف البصري (كان منتميا لحزب التحرير أيضا)، و طالب الرفاعي العضو السابق في تنظيم الاخوان كل هؤلاء كانوا قد تأثروا بأفكار أهل السُنة كأفكار سيد قطب ومحمد الغزالي وأبي الأعلى المودودي وغيرهم قبل تشكيل حزب الدعوة، ونشأ حزب الدعوة لمواجهة المد الشيوعي الذي تنامى بين الشيعة وسرى بين شبابهم سريان النار في الهشيم.

ولم يكن هذا في العراق فحسب بل في إيران حيث يعد حزب تودة الشيوعي من أقوى الأحزاب الشيوعية في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يدحض نظرية إسحاق النقاش اليهودي في كتابه "شيعة العراق"([182]) الذي اعتبر أن دخول الشيعة للحزب الشيوعي نوع من التنفيس نتيجة الكبت المتولد عند الشيعة لعدم حصولهم على مكانة سياسية كونهم شيعة، والسؤال إذن ما بالهم في إيران يتدفقون للدخول في الحزب الشيوعي، وإيران جلها شيعة ويحكمها شيعة؟؟

إن ضعف الفكر الشيعي الخرافي في العراق وإيران عن مقاومة ومجابهة الفكر المادي الشيوعي هو التفسير الصحيح لظاهرة قبول الجماهير الشيعية للشيوعية، ولقد كان خوف الإنكليز من المد الشيوعي في المنطقة وخوف شاه إيران وخوف مجتهدي الشيعة في العراق وإيران على التشيع نفسه والخوف الإسلامي العام من الفكر الشيوعي من الدوافع المهمة في تشجيع نشوء أحزاب إسلامية تستطيع جذب الشباب وتجنيدهم لمقاومة المد الشيوعي، وهو أمر مرحب به عند الحكومات والعلماء السنة والشيعة، سيما بعد ثورة 1958م التي برز فيها عبد الكريم قاسم وحوله مجموعة من الشيوعيين يمارسون أعمالا يرفضها المجتمع العراقي حتى تمت لهم السيطرة على الإذاعة والتلفزيون والصحافة وكل التجمعات الطلابية وأصبح الحزب الشيوعي يملأ الشارع بمؤيدين له عند أي حاجة لذلك، ثم تمددت سيطرتهم على بقية دوائر الدولة حتى أحاط عبد الكريم نفسه بالشيوعيين من كل مكان.

 كل هذه الأمور خلقت رعبا داخل المؤسسة الدينية الشيعية اضطرها للتعاون المباشر مع المنظمات السنية وعلماء السنة لمواجهة هذا المد الخطر وإصدار الفتاوى المشتركة بتحريم الشيوعية، ولعل ظهور قانون الأحوال الشخصية سنة 1959م والذي ساوى المراة مع الرجل في الميراث كان مؤشرا على غلبة وسيطرة الفكر الشيوعي على الدولة العراقية مما رفع وتيرة الخوف والقلق الحقيقي لدى كل من السنة والشيعة معا حول مستقبل البلاد.

لقد كان الخطر الشيوعي هو الدافع الرئيس الذي وحّد السنة والشيعة في فترة من الزمن، كما كان للفكر الإخواني المتساهل ومنهجية العلامة الزهاوي والداعية الصواف الدور الدافع للتعاون السني الشيعي، الأمر الذي هون من خطر التشيّع في العراق وكان هذا انحرافا عن مسيرة الإسلام في العراق في مواجهة الإنحراف الشيعي ، وأكرر كلمة (مسيرة الإسلام) لأن أهل السُنّة في الأرض هم الإسلام الحقيقي وهم أصحاب حضارة الإسلام بقرونها الأربعة عشر وفي ظلّ حضارتهم نشأت كل الفرق الإسلامية وعاشت دون اضطهاد، بينما الشيعة  وهم فرقة إسلامية منحرفة لم تنشئ حضارة إسلامية بل كانت على العكس عنصرا يشارك في هدم الحضارة الإسلامية، ولم يستطع التشيع أن يعيش أهل السنة في كنفه أو أن يمارسوا دينهم، بل كانوا مضطهدين محرومين من أبسط الحقوق.

وهذا فرق واضح بين سعة الإسلام (السنة) وضيق الفرق (الشيعة وغيرهم) لذلك من المعروف شعبيا في العراق أن السُني لا يفرق، ويعتبر الكل مسلمين بينما يرضع الشيعي التفرقة والتمايز منذ نشأته الأولى ويترعرع الشيعي على كراهة السُني وعلى الطائفية وعلى التقية.

إن فترة الخمسينات في القرن المنصرم تعتبر فترة نشأة الإحزاب الدينية السُنية والشيعية في العراق، وهي فترة شهر العسل بين السُنة والشيعة وظهور مصطلح الوحدة الإسلامية، وهو مصطلح خادع انجر خلفه جمع من أهل السُنة وخُدعوا به وقد واجهه في هذه الفترة جمع من المفكرين والعلماء المسلمين من أمثال كمال الدين الطائي (سبق الترجمة له في القسم الخامس) ومحمود الملاح (سبق الترجمة له كذلك) وعلي البصري صاحب دار البصري ومحمد طه فياض صاحب جريدة السجل التي اشتهرت بنشر محاورات الملاح مع الشيعة بصورة عامة والخالصي بصورة خاصة، وقد ساهم المذكورون سيما الملاح في مواجهة خداع فكرة التقريب وفضح التشيّع منذ نهاية الأربعينيات والخمسينيات، فنشر كتبا ومقالات في الجرائد والمجلات وفي الكتب تفضح كل طرق التشيّع لخداع أهل السُنة وكان الملاح واعياً سابقا لعصره.

 وفي المقابل كان حزب التحرير وحركة الإخوان وبعض العلماء كالشيخ الفاضل أمجد الزهاوي لا يدركون خطر التشيّع، بل ساهموا في تغييب أجيال كاملة عن حقيقة التشيّع والتي أدركها الرعيل الأول ومن بعده إلى بداية القرن العشرين، وأدركها ساسة العراق سواء كانوا من أصحاب التوجه القومي أو العروبي أو العلماني، بينما ساهم كل من: الشيوعيين والبعثيين في رفض التفرقة والتميز بين السُنة والشيعة بحجة البوتقة الوطنية والقومية، والدارس بدقة يلاحظ أن كبار مؤسسي حزب البعث منذ سنة 1953م هم من الشيعة مثل: فؤاد الركابي (أمين السر)، شمس الدين الكاظمي، محمد سعيد الأسود.

ومن ثم: جاسم محمد العباسي، تحسين معلة ..

واستمر الأمر إلى سنة 1955م ودخل مع المذكورين سابقا: فاهم الصحاف، عبد الله الركابي.

إلى سنة 1957م،  كل هؤلاء كانوا شيعة وكان الشيعة لغاية سنة 1963م يشكلون 54% من حزب البعث([183]). ونفس الحال في الحزب الشيوعي.

وكان الطرح الثقافي لحزب البعث والحزب الشيوعي يساهم في محو التفريق بين السُنة والشيعة وأصبح جمهور السُنة لا يعرف شيئا عن حقيقة الشيعة لأنه يرى زملاءه في الأحزاب العلمانية  من الشيعة لا يفهمون معاني التشيع بل كل ما يشعره الشيعي أن أصول انتمائه للشيعة، وذاب المجتمع شيعة وسُنة بعضه ببعض في انصهار خادع كشفت زيفه الأيام ..

وبمجرد ظهور فرصة سانحة عاد معظم الجمهور الشيعي لحقيقة التشيع وهاجت من بين أكوام الرماد وميض جمر التشيع، ولم تبق سوى نخب تعد على أصابع اليد هي من لا تحمل النزعة الشيعية الإنفصالية.

كان هذا دافعا آخر وعاملا جديدا في تغييب وتذويب الفروق بين السُنة والشيعة وهو مزج وهمي لا يستند إلى أصول صحيحة، سرعان ما ينكشف أمام أول محنة.

كما كان للحركات الإسلامية السُنية كحزب الإخوان وحزب التحرير دور إضافي في تجهيل المجتمع السُني عن حقيقة الفكر الشيعي المنحرف والإنفصالى.

شخصية العلامة الشيخ أمجد الزهاوي رحمه الله

ولد الشيخ العلامة أمجد الزهاوي في أسرة علمية منحدرة من مدينة السليمانية (شهرزور) الكردية فجده هو محمد بن الملا أحمد، أحد العلماء الأكراد ومفتي بغداد (ولد سنة 1218هـ وتوفى سنة 1308هـ /1890م)، ووالده هو محمد سعيد الزهاوي مفتي بغداد وأحد العلماء الكبار (ولد سنة 1268هـ ووفاته سنة 1921م).

أما الشيخ أمجد، فوُلد سنة 1300هـ/1883م في بغداد في جو علمي وكان نابغة ذكيا، كرّمه السلطان عبد الحميد في صغره، ودرس المحاماة، ومات رحمه الله سنة 1387هـ/1967م في بغداد، وكان من كبار علماء العراق بلا منازع وله حضور وتمثيل للعراق في المحافل الدولية.

 والشيخ الزهاوي عرف بتبحره بعلوم الحنفية إضافة للشافعية (لأنه كردي والأكراد كلهم شافعية) وكان صاحب عبادة لا يجامل أحدا لا العامة ولا الملوك، وكان يحمل هم الإسلام بشكل يفوق علماء زمانه (كقضية فلسطين واستعمار الجزائر والقضية المغربية) وللشيخ يد طولى في تثبيت الإسلام في العراق كما كان له الدور المتميز في بناء المساجد في الأقضية والنواحي النائية سيما في الجنوب، وحاول فتح جمعيات ومدارس دينية، كما واجه العلمانية والتبشير في العراق، وكان يراسل ويناصح الرؤساء والحكام والمسؤولين، ودعم حركة الإخوان المسلمين عند وجودها في العراق ودعم الشيخ محمد محمود الصواف بصورة خاصة.

وبسبب سيطرة همّ الإسلام العام على الشيخ ومواجهة الإلحاد والشيوعية كان من رأي الشيخ إقامة العلاقات مع علماء الشيعة لمواجهة الدعوات الإلحادية، لذا قام بتبادل الزيارة مع علماء الشيعة، كما تعرف على شخصية إيرانية تتزعم حركة شيعية معروفة تسمى (فدائيان إسلام) وهو نواب صفوي([184]).

وكان نواب ذا شخصية قوية سيما في المحافل الدولية فيشارك في مؤتمرات قضية فلسطين، وقد كرم الشيخ الزهاوي نواب صفوي عندما زار بغداد وأقام له احتفالا، وكان موقف الشيخ ضد إثارة قضية السنة والشيعة، كما أقام علاقات متميزة مع مرجع الشيعة محسن الحكيم وطلب من نعمان السامرائي مؤسس الحزب الإسلامي (1960م) التعاون معه.

وكان الزهاوي يرى أن المجتمع العراقي شرع بالانحراف عن الإسلام بالكلية من قبل السنة والشيعة، لذا فإن فتح مسألة التشيع لا معنى لها في الوقت الحاضر .

والشيخ العلامة أمجد الزهاوي عالم رباني يؤثر بشكل واضح في غيره لأنه يمتلك مواصفات علمية وشخصية قلما تجتمع في غيره من ورع وعلم وهمة وبذل نصح للصغير والكبير وتواضع وعبادة، وهي مواصفات نادرة في زمانه فضلا عن زماننا، ومختصر القول كان للشيخ شخصية قوية جذبت الكثير من أهل العراق من السُنة والشيعة، تأثر بها كثير من الدعاة سيما من ينتمي للإخوان المسلمين، ومما تابعوه عليه موقفه المتساهل من التشيع، لكن إذا أمكن أن يعذر الشيخ لبعض الظروف فلا مجال لأن يعذر من بعده وهم قد رأوا بأعينهم كذب دعوى الوحدة والممارسات الطائفية الشيعية، ولا أدري كيف تغيب حقيقة التشيع عن المسلم العراقي وهو يعيش بين كنف الشيعة ويعرفهم عن كثب، ولئن عُذر بعض الدعاة المسلمين في غير العراق ممن لم يعرفوا شيئا عن التشيع فلا يعذر أهل العراق.

الحلف الهاشمي 1958م والوحدة بين مصر وسوريا

لله في خلقه حكم وعظات، ومن حكمه سبحانه ما جرى في العراق والأردن فكلاهما كان تحت حكم العائلة الهاشمية: فالعراق يحكمه: الملك فيصل بن غازي بن فيصل بن الشريف حسين.

 بينما يحكم الأردن ابن عمه: الملك الحسين بن طلال بن عبد الله بن الشريف حسين.

وفي سنة  1958  اتفق العراق والأردن على إقامة تحالف هاشمي يتحد فيه البلدان وشاءت الأقدار أن لا يتم هذا التحالف فكان لطف الله بأهل الأردن ولو حصل هذا لتسرب الشيعة سيما شيعة الجنوب إلى الأردن البلد الذي لطف الله به وبقي خاليا من التشيع، أحببت ذكر هذه اللطيفة الإلهية ليعلم لطف الله في أقداره.

ونفس الشيء يقال في الوحدة بين مصر وسوريا والتي كان العراق مدعوا للدخول بها ولو دخل العراق لدخل شيعته في تلك البلدان وانتشر التشيع بشكل أكبر وحصل من الخلطة الاجتماعية والحياتية ما لا تحمد عاقبته على تلك البلاد السنية (مصر والشام) والتي يجهل غالب أهلها ليومنا هذا خطر التشيع فكان هذا من ألطاف الله بعباده وصدق الله سبحانه حين يقول: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة :217].

العراق بعد ثورة 1958م

تحول العراق بعد ثورة 14 تموز إلى جمهورية وتم القضاء على الحكم الملكي، وقامت الثورة على يد مجموعة من الضباط من بينهم عبد الكريم قاسم هذا الرجل الذي لعب دورا مؤثراً في تاريخ العراق الحديث.

ولد عبد الكريم سنة 1914 من أب سُني وأم شيعية، وتوفى والده مبكرا فربته أمه وأثرت في شخصيته، فقد كان شيعي الهوى وأوصى قبل مماته بأن يتكفّل بدفنه المرجع الشيعي محسن الحكيم([185])، لذلك فإن شعبية عبد الكريم كانت عند الشيعة في الدرجة الأولى وكان حبهم له عالي المستوى، وقد خرج شيعة مدينة الثورة في مظاهرات ليلة إعدامه مرددين (كريّم([186]) حي ميت أريده) ولولا أن الدبابات سدت الجسور المؤدية لهذه المدينة لحصل ما لا يُحمد عقباه، وأخفيت جثة عبد الكريم لأنّ الشيعة أرادوا أن يتخذوا من قبره مزارا، ولأنه قدّم لشيعة الجنوب سيما أهالي العمارة([187]) سكنا واستقرارا في مدينة بغداد بعد أن جلبهم رئيس الوزراء الشيعي صالح جبر سنة 1948 كما ذكرنا سالفا، واسكنوا في أطراف مدينة بغداد جهة الرصافة في بيوت غير رسمية مبنية من القصب والطين وكانوا همجا لا يفقهون شيئا ولا يهتدون سبيلا ولا يعرفون مهنة ولا يملكون ثقافة، يسميهم أهل الجنوب (الفرات الأوسط) الشروك([188]).

وهؤلاء بنى لهم عبد الكريم قاسم مدينة سماها الثورة([189]) وأسكنهم فيها وكلهم شيعة من أكثر العراقيين جهلا وتخلفا وحبا للجريمة وبيعا للعرض، فهم لا يمتلكون عادات العشائر العربية.

وقد سكن راقم هذه السطور بجوارهم قرابة 25 سنة وهم يمتلكون عادات غريبة أقرب ما تكون لعادات النّور([190]) وهم للإنصاف أرقى من النّور، وهؤلاء منذ أن وجدوا في مدينة بغداد تغيّرت ديمغرافية العاصمة العراقية وأصبحت نسبة الشيعة فيها عالية بعد أن كانت أقل من 20 % ولكنها لم تتجاوز النصف حتى مع وجود الشروك، بيد أن ثمة سلوكيات منحرفة دخلت المدينة بعد أن كان الفرد البغدادي متميزا في عاداته ومجالسه وأخلاقه، فهؤلاء جلهم من أتباع عبد الكريم قاسم والشيوعية.

 نعم عارض عبدَ الكريم بعضُ علماء الشيعة كالخالصي لأنه نصر الشيوعية والإلحاد، وحين تزايدت معارضة المراجع الشيعة لعبد الكريم انشطر الشيعة إلى فريقين، فريق يؤيد عبد الكريم لأنه قدم خدمات للشيعة ولأن الشيعة كانوا يرون في ثورة تموز المنقذ لهم، وفريق ضده ، ينظر للأمور من وجه نظر دينية، كما كان لمحاربة عبد الكريم للإقطاع وإصدار قانون الإصلاح الزراعي أثر سيئ تجاه شيوخ العشائر مما جعلهم يصطفون ضد عبد الكريم ، ولعل تمويل شيوخ العشائر للمراجع سبب آخر وراء هذا الاصطفاف.

 وثمة قضية أخرى برزت وهي محاربة عبد الكريم للتيارات العروبية والقومية ومواجهته للوحدة بين العراق وسوريا ومصر، الأمر الذي ولّد تجاهه أعداء جددا مثل التيارات القومية كالناصريين وحزب البعث والتي كان تنتشر بين السُنة لذلك تولد تزاوج بين الحركات القومية والبعثية والعروبية مع الإسلاميين في مواجهة المد الشيوعي وعبد الكريم قاسم ورغم أن الخالصي شارك هؤلاء إلا أن معارضة قاسم كانت ذات طبيعة سنية قومية ومؤيدوه هم من الشيعة والشيوعيين، ويعتبر هذا تصنيفا عاما للطائفية في العراق بعد ثورة تموز.

 وبرز عالم شيعي آخر في مواجهة الشيوعية هو محمد باقر الصدر والذي شرع القوميون والبعثيون بنشر مقالاته في جرائدهم، وصدرت فتاوى من قبل السُنة والشيعة في تحريم الانتماء للشيوعية سيما بعد أن نفذ الشيوعيون مجموعة من الجرائم التي يندى لها الجبين منها جرائم الموصل وكركوك وفي بعض المحافظات السُنية، ولم تكن هذه الجرائم لتنفذ في كربلاء والنجف أو الناصرية أو الديوانية، بمعنى آخر كان للنفس الشيعي الشعبي وليس الديني علاقة بهذه التعبئة ضد السنة ونفذت ضد السنة وفي مناطق سُنية بحتة.

شنّ الحزب الشيوعي حملة شعواء ضد التيار الديني بعد صدور هذه الفتاوى ووسمهم مرة بالرجعية ومرة بأفيون الشعوب ورسمت عدة كاريكتيرات في الجرائد والمجلات استهزاء بالعلماء([191]).

 واعتبر كثير من الكتاب الشيعة العلمانيين فترة عبد الكريم قاسم (1958-1963م) فترة تخلص الشيعة من الاضطهاد([192]). ولا زال الشيعة ليومنا هذا يتغزلون ويمدحون أيام عبد الكريم، ورغم أن جرائم الشيوعية من أبشع جرائم تاريخ العراق إلا أنهم اليوم يحاولون الهروب منها والتركيز على جرائم حزب البعث فقط، ووراء ذلك نفس طائفي خبيث فصدام من أصول سنية بينما عبد الكريم والشيوعية هم ممن يحسب على الشيعة.

ولا يحاول البعض أن يقول أن عبد الكريم سُني الأصل صحيح أنه من أب سني إلا أن تربيته كانت شيعية بامتياز، وهذا ما ذكره عبد العزيز القصاب السياسي العراقي المعروف ورئيس مجلس النواب إلى خطأ كبير عندما اختارت الثورة عبد الكريم مخاطبا الشيعة : من أين أتيتم أيها الشيعة بهذا الرجل البغيض؟ فرد عليه عبد الهادي الجلبي (والد أحمد الجلبي الشيعي المعروف): أنت تعلم أن عبد الكريم قاسم ليس شيعيا ولكنه ترباة- تربية - شيعة [193] .

انتهت فترة عبد الكريم قاسم بثورة عام 1963م في يوم 8 شباط والمصادف 14 رمضان وتخلص العراق من رجل بغيض وحقبة بغيضة تمكّن فيها الشيوعية ورعاع الشيعة وكلاهما يحمل في جعبته قسطا من الحقد الطائفي والطبقي ويعيش على فكرة المظلومية والانتقام والثأر.

لقد كانت قيادة الثورة الجديدة سُنية وقومية تم التخلص فيها من التيار الشيعي الشعوبي والشيوعي، وكان القائد الجديد عبد السلام عارف رجلا متدينا منح التيارات الدينية حرية جيدة ولم يقتصر على التيارات السنية فقد منح التيار الديني الشيعي حرية جيدة، وقد استغل البعثيون الذين شاركوا في الثورة الفرصة فانتقموا من الشيوعيين شر انتقام فأقاموا مجازر دموية في الفترة بين 8 شباط 1963 إلى الفترة 18 تشرين الثاني من نفس السنة حتى أزاحهم عبد السلام من الحكم وخلص العراق من شرهم وجرائمهم، فارتاح العراق ونمى التيار الديني السُني والشيعي بكل حرية كما نمى التيار القومي وعمل البعثيون بصورة سرية بينما كبت الحزب الشيوعي.

ظهور الدعوة السلفية

 والشيء الجديد في هذه المرحلة هو بروز التيار السلفي كحركة في أواسط الستينيات بشكل جلي وهو تيار كان له وجوده كأفراد متأثرين ببعض كبار الدعاة والعلماء مثل محمد تقي الدين الهلالي المغربي والذي كان له دور عام في الدعوة الإسلامية[194] ودور خاص في تكوين الدعوة السلفية في بغداد، كما كان للعلامة المعمر عبد الكريم الشيخلي الملقب بأبي الصاعقة (مرت ترجمته في القسم الخامس) دور أكبر فالسند العلمي لكل السلفيين في العراق يعود لهذا العالم الجليل وتلميذه الشيخ صبحي جاسم البدري (مرت ترجمته) والحاج نوري قاسم التميمي الشهرباني وعدنان الأمين الطائي (مرت ترجمته) والأخ عبد الحميد نادر وإبراهيم المشهداني (أبو مصعب) وفي الموصل الشيخ عبد الله النعمة([195])...

.. وعبد الرزاق وصبحي الكرخي وعبد الرزاق البريد (أبو عذراء) وأبو علي صبحي الكرخي، ومحمد أحمد الضامن وأحمد الإبراهيمي، وصبري الكركوكلي ومحمد سعيد العزاوي (الجركجي) وعبد الحميد الأعظمي (أبو معاذ) البائع المتجول والداعية.

 كل هؤلاء أخذنا منهم وجالسناهم وكانوا هم وغيرهم الرعيل الأول للدعوة السلفية في الستينيات في العراق والتي استمرت وتطورت على ما سنذكره بإذن الله، ولم تكن هذه الدعوة تسمى السلفية بل كانوا يسمون أحيانا بالموحدين، وكان عدد لا بأس به من الإخوان في العراق سيما إخوان مدينة بغداد والبصرة هم على معتقد سلفي كالدكتور عبد الكريم زيدان والأستاذ عبد المنعم صالح العلي (المعروف بمحمد أحمد الراشد) أما إخوان الموصل والرمادي (الأنبار حاليا) فكانوا صوفية المسلك أشاعرة المعتقد بعيدين كل البعد عن أصول الدعوة السلفية وعندهم تعصب مذهبي واضح للشافعية، ولهم عداء واضح للدعوة السلفية، خلافا لإخوان بغداد فهم ألين وأقرب، وقد انشق عدد من الإخوان عن الحزب وتحولوا للدعوة السلفية.

كان أثر الدعوة السلفية عظيما - رغم أنها كانت لا تزال عبارة عن جهود أفراد متفرقين هنا وهناك- ومتفرقا بين المثقفين والطلاب وكان منهم من يخرج للدعوة في القرى والأرياف، وكانت الدعوة تركز على تعليم أصول الدين من التوحيد والمعتقد الصحيح والبعد عن كل دخيل على الدين كالبدع والخرافات؛ لذا أقبل عدد لا بأس به من العراقيين على هذه الدعوة في الوقت الذي كان فيه جل علماء العراق والخطباء والوعاظ بعيدين كل البعد عن هذه الدعوة، لذا حوربت الدعوة بشراسة، ولكنها نجحت في الانتشار وسط الطبقات المتعلمة وبين المثقفين.

وبدأت ظاهرة جديدة في تاريخ العراق ألا وهي الهجرة العكسية وتأثر عدد من الطلاب والمثقفين الشيعة وتحولهم بل ورجوعهم إلى دائرة الإسلام السُني بكل قناعة، وتحولهم فيما بعد إلى دعاة كبار للدعوة السلفية وبدأت عوائل بأكملها تتحول بفضل الله أولا ثم بفضل جهود فردية غير مدعومة نهائيا من أي جهة كانت([196])، لقد شهد العراق قبل قرنين تحول الجنوب من التسنن إلى التشيع وشهدت سنين الستينيات وما بعدها عودة إلى الأصول والجذور.

كانت هذه الجهود المقارعة للتشيع بالحجة والبرهان والإقناع في مناخ حر فعجز التشيع في إقناع أتباعه بأحقية المذهب، لأن التشيع لا يروج إلا في أوساط الخرافة والدجل، البعيدة كل البعد عن الإقناع العقلي، ولو بذل الإخوان المسلمون في الستينيات جهودا أكثر في هذا الاتجاه لكان للعراق شأن آخر.

جهود حركة الإخوان في مقارعة التشيع

 رغم أن حركة الإخوان تساهلت مع التشيع في العراق، إلا أن العراقي يحس بخطر التشيع فطريا، وللإخوان في الستينيات – خاصة إخوان بغداد وديالى والبصرة ومناطق الوسط والجنوب([197]) دور في مقارعة التشيع فقد كتب عبد المنعم صالح العلي كتابيه الشهيرين (دفاع عن أبي هريرة) و(مناقب أبي هريرة) ردا على الحملة التي قام بها المستشرقون والشيعة للهجوم على الصحابي الجليل أبي هريرة.

 كما أردفه وليد الأعظمي([198]) – شاعر الإخوان- وجمع من شعراء الإخوان بقصائد في شأن هذا الصحابي الجليل، كما حدثني بعض قيادات الإخوان شخصيا في الستينيات أنه قبيل ثورة البعثيين سنة 1968م كان للإخوان خطة لجلب المئات من أئمة المساجد من مصر([199]) لتعيينهم في جنوب العراق لتوعية الناس هناك، كما كانت هناك خطة لبناء مساجد في قرى ونواحي المناطق الجنوبية والوسطى، وكان العلامة أمجد الزهاوي يفتتح هذه المساجد ويشجع على المزيد منها هناك ، كما لا ننسى ما ذكرناه سالفا من أن إخوان بغداد كانوا يحملون معتقدا سليما ويعرفون دور البدع والفرق المنحرفة- بالأخص التشيع - في تخريب الدين والبلاد، وقد ساهم عدد من الإخوان في دعوة الشيعة إلى السنة سيما في مناطق الوسط والجنوب، كما كان هناك بعض المتأثرين بالعلماء الذين عرفوا خطر التشيع مثل الشيخ عبد الكريم أبو الصاعقة وتقي الدين الهلالي وغيرهما فقد جالسهم بعض الإخوان والتحريريين سيما في منطقة الأعظمية وتأثروا بهم، وقد أدركت كثيرا منهم يفقه خطر التشيع بينما نفر آخر منهم يؤاخي حزب الدعوة ويعتبره حزبا إسلاميا سيما من ينتمي لحزب التحرير.

وتبقى هناك شخصيات إخوانية عليها علامات استفهام كبيرة منهم الدكتور طه جابر العلواني والذي حدثني بعض قيادات الإخوان أنه طرد من الإخوان لأنه تردد على إيران في الستينيات، والرجل مشبوه في كل سلوكياته وكتاباته، فهو من مؤسسي معهد الفكر العالمي، وما أدراك ما معهد الفكر العالمي وما هي أهدافه الخبيثة، ويعيش اليوم في أمريكا، وله مدح عجيب لعلماء الشيعة كما في مقدمة كتاب (أمجد الزهاوي) طبعة معهد الفكر العالمي،لا طبعة العراق.

الحكومات في مرحلة الستينيات

توالت على العراق في الستينيات عدة حكومات بعد تحول العراق إلى جمهورية سنة 1958م، منها حكومة عبد الكريم قاسم والتي استمرت إلى سنة 1963م، وانقلب عليها عبد السلام عارف مع البعثيين في 8 شباط 1963م، ثم تخلص عبد السلام من البعثيين في 18 تشرين الثاني من نفس السنة، وحكم عبد السلام وكان رجلا سنيا دينيا قوميا أو الأصح عروبيا، أعطى لحركة الإخوان فرصة تاريخية للعمل والانتشار لم تستغل جيدا، وفي نفس الوقت لم يحارب أصحاب التوجه الشيعي، وكان عهدا ساكنا مستقرا بعيدا عن الفتن والمشاكل والقتل والاعتقال، إلا أن الأمور لم تدم طويلا فقد مات عبد السلام بسقوط طيارته سنة 1966م ، وقيل أنه اغتيال وقيل قضاء وقدر.

وأنيطت الرئاسة بأخيه العسكري عبد الرحمن عارف وكان رجلا مسالماً بعيدا عن الفتن والمشاكل إلى قيام انقلاب حزب البعث وتسلمه الحكم سنة 1968م في 17 تموز فتغيّرت الأمور، وكان للإخوان قوة وشعبية داخل الجيش وكان باستطاعتهم إحداث تغيير لصالح حركة الإخوان وبعض العروبيين بدلا من البعثيين ولكن تقاعسهم وعدم ثقتهم بأنفسهم ورفض بعض القيادات هذا العمل جعل بعض القيادات تتعاون مع صالح سرية (متأثر بحزب التحرير) والعقيد المعروف محمد فرج الجاسم ومجموعة من العسكر وغيرهم محاولين أن يعملوا انقلابا ولكنه فشل وهرب بعضهم وأعدم آخرون واعتقل جمع من الإخوان وجمّد التنظيم في أوائل السبعينيات، وتوقفت حركة الإخوان لسنين سنذكرها في القسم السابع بإذن الله .

وأهم ما يميز هذه المرحلة التي ذكرناها هو النشاط الشيعي والنشاط السني والإخواني وبداية الحركة السلفية وتحولات أفراد بل وعوائل من التشيع إلى التسنن. 

 

الجزء السابع

في هذا الجزء نتناولالمرحلة الممتدة من بداية حكم حزب البعث سنة 1968م حتى   احتلال العراق سنة 2003م، مع نبذة عن حزب الدعوة الشيعي. 

 

العراق في ظل حكم البعث من سنة 1968 لغاية 1973

 استطاع حزب البعث العربي الإشتراكي القيام بانقلاب، والإطاحة بحكومة عبد الرحمن محمد عارف، بمساعدة مجموعة غير بعثية، وكان الانقلاب بقيادة الضابط البعثي أحمد حسن البكر، وهذه ليست المحاولة الأولى للبعثيين للمجيء للسلطة فقد سبق للبعث من قبل الاشتراك مع تيار عبد السلام محمد عارف، وهو تيار عروبي إسلامي، للإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم سنة 1963م. 

جاء حزب البعث إلى الحكم مع لفيف من القوميين والوطنيين الذين كانوا يَعدون الناس بعدم الإنفراد بالسلطة، بَيْد أن هذه الوعود لم تدم سوى 13 يوما، ومن ثم جاءت ثورة سميت الثورة التصحيحية في 30 تموز 1968م، وسيطر حزب البعث على كل مفاصل السلطة الرئيسية، وعين شخصية شيعية بعثية مجرمة هي ناظم كزار مديرا للأمن([200])، فشرع بتصفية خصوم حزب البعث من قوميين وعروبيين غير بعثيين كالناصريين، ومن شيوعيين وإسلاميين سنة (جماعة الإخوان وحزب التحرير) أو إسلاميين شيعة بكل أصنافهم وأكراد وتركمان، وكانت التصفية تأخذ أشكالا وأصنافا؛ من تعذيب وقتل وسجن واغتيال وتلفيق تهم تسهيل الهروب من البلاد،  وأصابت التصفيات والبطش شتى طبقات المجتمع العراقي ولكن نصيب السياسيين كان هو الأوفر.

دخلت البلاد في دوامات تصفية وإرهاب، وكان ناظم كزار أول شخص يمنح رتبة عسكرية من لاشيء (رتبة لواء) وكانت هذه سابقة في الجيش العراقي لم تعهد من قبل، وكان الهدف هو سيطرة البعث على دوائر الأمن، ولم يكن حزب البعث طائفيا أبدا – كما صورته المعارضة الشيعية - بل كان يؤمن بحزبه فحسب.

وكانت علاقة حزب البعث سيئة بكل التيارات والحركات الإسلامية المنظمة وغير المنظمة السنية أو الشيعية، ولذلك تقلصت نشاطات التيارات الدينية بشكل عام.

وفي المرحلة من 1968م حتى أواخر السبعينيات لم يكن هناك نشاط ملموس في مقاومة التشيع بسبب القبضة الأمنية لحزب البعث على العراق والتي كانت موكلة لشخصية شيعية بعثية مجرمة في بداية الأمر (1968-1973م) هي ناظم كزار مدير الأمن؛ لأن لحزب البعث نظرة سلبية تجاه الكيانات الدينية، فهو ينظر لها ككيانات رجعية غير قادرة على حكم البلاد والعباد وهي تشبه إلى حد ما نظرة الشيوعيين إلا أنها لا تحمل فكرة الإلحاد.

وعلاقة حزب البعث بالتيارات الدينية (السنية أو الشيعية) يمكن إجمالها بما يلي:

* في الفترة المحصورة بين نشوب الثورة ولغاية سنة 1970م كان مجيء الحزب صدمة لكل التيارات الدينية سواء لحركة الإخوان أو حزب التحرير أو حزب الدعوة أو بقية الأحزاب الشيعية الصغيرة([201])، وفي البداية حاول الحزب أن يخدع حركة الإخوان فعيّن عبد الكريم زيدان المرشد العام للإخوان في العراق وزيرا للأوقاف في قائمة ثورة 17 تموز، ولكنه رفعه بعد 13 يوما ثم نحي بعد ذلك، وكانت بداية حزب البعث شرسة فقد تم فيها قتل أحد علماء العراق، بعد اعتقاله وهو الشيخ عبد العزيز البدري.

والشيخ البدري كان له صله بالحزب الإسلامي وحزب التحرير مع سلفية في منهجه، وقد أثار قتله ضجة في الأوساط الدينية السنية، كما حاولت مجموعة من الإخوان، والقوميين الإسلاميين والتحريرين منهم صالح سرية([202]) وعبد الغني الراوي (إسلامي عروبي) والعقيد محمد فرج الجاسم وجماعة من العسكريين الإخوان، القيام بانقلاب في سنة 1970م لكنه فشل، فهرب بعضهم وأعدم آخرون، وحزب الإخوان كان قد انقسم تجاه الثورة قسمين: بعضهم كعبد الكريم زيدان ومجموعة معه رفضوا القيام بمحاولة انقلاب ضد البعثيين بحجة عدم وجود القدرة والكفاءة لحكم العراق، في حين تعاون العسكر مع بعض الوطنيين والقوميين للقيام بالانقلاب المذكور سابقا.

واشتدت الاعتقالات داخل جماعة الإخوان، فأصدر المرشد العام قرارا بحل الجماعة إلى إشعار آخر، ووُضع بعض منهم تحت الإقامة الجبرية (عبد الكريم زيدان) وهرب آخرون، وبقي كادر الحزب مجمدا عن العمل الحزبي ويمارس نشاطه بصورة فردية في المساجد.

* أما حزب التحرير فقد جمد عمله كذلك لأن الاعتقالات طالت بعض أفراده القلائل في العراق.

* أما النشاط الشيعي فكان بشكل رئيسي محصورا بحزب الدعوة مع وجود بعض الأحزاب الشيعية تنشط في مراكز الشيعة كالنجف وكربلاء، والكاظمية في بغداد، وكان فكر حزب الدعوة الأنشط من بين الأحزاب الشيعية واستطاع أن يكوّن خلايا عديدة تعمل لبلورة نشاط شيعي سياسي ديني في العراق، وتشكيل معارضة شيعية دينية، وقد نشط الشيعة في الستينيات وبداية السبعينيات وأسسوا مكتبات شيعية، وخلايا للشباب، واستقطبوا الطبقة الوسطى من طلبة العلم من الحوزة وليس العلماء الكبار، واستغل الحزب الممارسات الشيعية أيام عاشوراء من مقتل الحسين وأربعينيته وركضة طويريج([203]) وفرحة الزهرة([204]) وغيرها من الطقوس، التي تستغل لتجميع الشباب وتأجيج الشيعة لمعارضة الحكومة، وقد فهم حزب البعث هذا الأمر، لذلك راقب هذه الطقوس بدقة وحاول منعها أحيانا وقام باعتقالات في صفوف حزب الدعوة، وصلت ذروتها سنة 1974م كما سنذكر.

والجهد الذي يمكن رصده في هذه المرحلة هو ما قامت به الدعوة السلفية الفتية من نشر للتوحيد في الأرياف وشملت الدعوة السنة والشيعة على السواء، وقد تقبل الكثير دعوة التوحيد وبدأت عوائل شيعية كاملة تتحول إلى التسنن، وتعود لمبادئ الإسلام من التوحيد والسنة الصحيحة، ولم يكن التحول نتيجة مناقشات ومناظرات بل بسبب فطرة كثير من الشيعة واستجابتهم الجيدة لاسيما وأن الدعوة السلفية كانت تنتقد كل البدع على حد سواء، سواء كانت من أصول شيعية أو سنية.

وكانت الحركة السلفية([205]) آنذاك حديثة التكوين، وكانت تعمل بصورة فردية وتقتصر على الجانب الدعوي لذا لم تكن مكشوفة ومعروفة للأجهزة الأمنية.

العراق من سنة  1973 ولغاية سنة 1979م

كانت الصحوة الإسلامية قد بدأت بالظهور في كل العالم؛ في مصر وسورية والأردن، وبدأ دور المملكة العربية السعودية الإسلامي بالظهور، وساعدها على ذلك تصاعد مواجهة المد الشيوعي و بداية عصر الرخاء المالي في العالم العربي. وانعكاس هذا على العراق كان واضحا، فقد نشطت الدعوة الإسلامية فيها وأصبحت الخارطة الدينية السنية تقاد من قبل التوجهات الآتية:

حركة الإخوان التي رغم أنه قد تم حلها وتجميد قيادتها، أو مغادرة بعضهم البلاد إلا أن القواعد اتجهت للتثقيف الذاتي واهتمت بالمحافظة على أفرادها والقيام ببعض الأعمال الخيرية كبناء المساجد وغيرها.

وحزب التحرير فتقلص دوره كذلك بعد مقتل  الشيخ عبد العزيز البدري.

 أما الحركة السلفية فظهرت فيها شخصيات بارزة منها المهندس رعد عبد العزيز أبو بكر، وسعدون القاضي، وقاسم العاني رحمه الله ومحمود المشهداني وقاسم الكبيسي رحمه الله وشهاب محمد أمين وإبراهيم المشهداني وغيرهم..

وهؤلاء بلوروا كيان الدعوة السلفية في العراق فيما بعد، وقد عمل هذا الكيان وغيره من السلفيين الذين رفضوا العمل المنظم كعبد الحميد نادر وبقايا تلاميذ الشيخ عبد الكريم الصاعقة في العراق على نشر دعوتهم وعلى تحويل عائلات شيعية كاملة إلى الإسلام الحق (السني) في شتى المحافظات حتى في جنوب العراق، وكان لجهل الدولة بهذا الكيان وعمله دور في نجاحه وبقائه، إذ أن الدولة كان جل تركيزها في الجانب السُني على حركتي الإخوان والتحرير المحظورتين.

وفي هذه المرحلة بدأت الدعوة السلفية تسير باتجاهين:

الأول : تأسيس عمل دعوي منظم لكن ليس حزبيا، سمي فيما بعد بجماعة التوحيد([206]).

الثاني: عمل دعوي رفض العمل الجماعي وبقي يعمل بشكل فردي من خلال الجمعيات الموجودة وممن تبنى هذا العمل: عبد الحميد نادر وبقايا تلامذة الشيخ عبد الكريم الصاعقة كالشيخ عدنان والشيخ نوري وغيرهما([207])، والمحدث صبحي السامرائي في جمعية الآداب الشرعية لنشر الدعوة السلفية.

ولا يفوتنا ذكر مساهمة الشيخ حمدي السلفي المحقق المعروف في إدخال الدعوة السلفية للأكراد في شمال العراق وكان على علاقة جيدة بالدعوة السلفية في بقية أنحاء العراق .

وفي الفترة الواقعة بين سنة 1970 الى سنة 1979محصلت عدة أمور على الساحة والمجتمع العراقيحيث كان حزب البعث يحاول تثبيت نفسه بالقوة داخل المجتمع والدولة العراقية وكان التوجه الديني داخل المجتمع العراقي و المجتمعات العربية  في تراجع، أما التيار القومي العلماني بكل أنواعه وكذلك التيار الشيوعي واليساري ففي نمو وازدهار، وتراجع المجتمع كثيرا عن دينه سواء كان ذلك عند السنة أوالشيعة، وكانت التيارات الدينية تحاول إرجاع المجتمع إلى فطرته والى الدين وتصحيح الصورة التي شوهت الدين سواء من قبل حامليه أو أعدائه.

أما التيار الشيعي فكان يواجه بطش أجهزة الأمن بقيادة الشيعي البعثي ناظم كزار، الذي كان همه الأول ليس الإسلاميين بل التيار الشيوعي، والكردي القومي، والقومي من غير حزب البعث، وكذلك التيار الإسلامي كان له نصيب من البطش، لكن دون نصيب الآخرين.

وحدثت عدة تغيرات داخل حزب البعث منها محاولة ناظم كزار الانقلاب من خلال اغتيال رئيس الجمهورية ووزيري الدفاع والداخلية لكن المحاولة فشلت ولم يقتل فيها سوى وزير الدفاع حمادي شهاب، وجرح فيها وزير الداخلية سعدون غيدان وحاول كزار الهرب إلى إيران ولكن ألقي القبض عليه عند الحدود الإيرانية وتم إعدامه هو ومجموعته، وبدأ نجم صدام حسين بالظهور أكثر.

 أما إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي فقد عادت العراق ودعمت حزب الدعوة وأهم من ذلك كله دعمها لأكراد العراق حتى أنهكت الدولة العراقية بعد حرب دامت أكثر من 40 سنة اضطرت العراق لأن يعقد اتفاقية الجزائر مع الشاه سنة 1975م  لإيقاف دعمه للأكراد مقابل حصوله على جزء من شط العرب.

ومما لا يفوتنا ذكره أن حزب البعث قام بإعدام مجموعة من قيادات حزب الدعوة منهم عارف البصري في سنة 1974م ، وكانت هذه نكسة من نكسات الحزب، الذي سلك من بعدها طريقا آخر غير المواجهة  لبناء خلاياه وكانت وتيرة تطوره سريعة. ونشط حزب الدعوة رغم حدوث انقسامات داخلية، وكوّن خلايا في جنوب البلاد ووسطها والقليل منها في الشمال وأنشأ كذلك خلايا نسائية، كما جند الشيعة بعض الشباب وشرعوا بتكوين خلايا عسكرية مدربة.

وضع حزب الدعوة من عام 1979 إلى قيام الحرب العراقية الإيرانية سنة 1980

في سنة 1979م حدث شيء غيّر وجه العراق،  فقد تنازل الرئيس أحمد حسن البكر بالرئاسة إلى نائبه صدام حسين، وتغيرت أمور كثيرة داخل تركيبة حزب البعث، وفي ذلك العام حدثت تغيرات ما زلنا نعيش تأثيراتها منها الثورة الإيرانية ومجيء حكم شيعي ديني داخل إيران بقيادة خميني.

وخميني كان منفيا من إيران في زمن الشاه إلى تركيا ثم إلى العراق سنة 1965م وبقي خاملا غير متفاعل مع العراق حتى مع مجيء البعثيين وحاول حزب البعث في منتصف السبعينيات التعاون مع الخميني لضرب حكومة شاه إيران التي كانت العدو الأول للعراق آنذاك، وذكر برزان التكريتي الأخ غير الشقيق لصدام حسين أنه كان على علاقة متميزة بخميني ودعاه لكي يلقي برنامجا بالفارسية ضد نظام الشاه([208]).

وكان صدام حسين نفسه عندما بدأ يظهر نجمه في سنة 1973م داخل حكومة حزب البعث يتبنى  تقديم دعم مادي ومعنوي للخميني واصدر له صحيفة (15 خرداد) التي خصصت للهجوم على شاه إيران، وبينما كان الحزب يعدم عناصر حزب الدعوة كان يسمح للخميني في بيته بالنجف باستقبال كل الشخصيات الإيرانية المعارضة مثل أبي الحسن بني صدر وصادق قطب زادة وموسى الصدر([209]). وكانت أجهزة الأمن العراقية تقدم الحماية للخميني وابنه، كما كانت تقدم له كل وسائل الإتصال بكل النشاطات داخل إيران حتى التدريب العسكري والسلاح([210]).

ولذلك فرح حزب البعث بثورة الخميني سنة 1979، وأرسل صدام برقية تهنئة "بإنتصار الثورة الإيرانية المجيدة على نظام الشاه" لمهدي بازركان رئيس الوزراء الإيراني/  وكان ذلك بالطبع قبل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية سنة 1980.

هذا الفعل والسلوك من تيار حزب البعث القومي لنا معه وقفة، فالحزب أهمل الدين بل وحاربه ومجّد المد القومي وجعله المقياس الأول والأخير لمعرفة الأمور، وكان عداء الحزب للشاه قد دفعه لتقوية ودعم الخط الديني الشيعي الإيراني دون أي حساب لما ستؤول إليه الأمور لضعف الحسابات الدينية والتركيز على فكرة الشعوبية، لأنها الفكرة الوحيدة في عقل القوميين تجاه الفرس، وبالمقابل نعاني في أيامنا هذه إهمالا للبعد القومي والشعوبية عند الإيرانيين من قبل التيار الديني وأهل العلم عندما يتناولون القضية الشيعية.

 و الحقيقة أن  إيران تحمل في طيات مشروعها توجها مذهبيا طائفيا مع توجه قومي.

 عودة لموقف حزب البعث من ثورة خميني، ففرح الحزب لم يستمر ولم يدم، فقد تحركت إيران لتصدير ثورتها الإسلامية (الشيعية) إلى الدول الإسلامية وكانت البداية في العراق، وتحول حزب الدعوة وأشكاله من التنظيمات الشيعية إلى أداة لتصدير الثورة، وظهر هذا الحزب بصورته الحقيقية ؛ وقام بتفجيرات ضد الآمنين وفي مناطق الزحام واغتيالات للبعثيين([211]) و توزيع منشورات وتظاهرات وإثارة بلبلة وقلاقل تمهيدا لثورة شيعية تشابه الثورة في إيران، وكان حزب الدعوة نشطا في تنظيمه وخلاياه التي كانت مرتبة بشكل دقيق من الصعب كشفها جميعا، وكانت المطابع ببغداد تطبع العشرات بل المئات من الكتب التي تربي جيلا شيعيا ثوريا([212])، وحان وقت الحصاد، ووصل الحال أن أرسل الخميني رسالة الى أحد كبار المفكرين الشيعة (محمد باقر الصدر) يدعوه فيها  للبقاء في العراق وعدم المجيء لإيران، وتعجب الصدر من الرسالة لأنه لم يكن يفكر بمغادرة العراق، والغريب أن رسالة خميني أذيعت في القسم العربي بإذاعة طهران بتاريخ 19/5/ 1979م كبرقية مرسلة من الخميني حجزتها الحكومة العراقية، وحاول الصدر أن يتصل بخميني أو مساعديه ليفهم الأمر فلم يوفق([213]) وبقي هذا اللغز محيرا حتى عند قيادات حزب الدعوة.

قرر الصدر في بداية الأمر المواجهة مع السلطة، وكان يتوقع انتفاضه تشبه انتفاضة الشيعة سنة 1914م.

وتوجهت الوفود الشيعية للنجف على مدى تسعة أيام متواصلة، والأجهزة الأمنية تراقب الوضع بقلق، وأمرت بعد تفاقم الوضع باعتقال الصدر، الذي كان قبل اعتقاله قد أمر حزب الدعوة بالقيام بمظاهرات كبيرة في العراق، وفعلا تم اعتقاله بتاريخ 12/6/1979م ونقل إلى مديرية الأمن في بغداد للتحقيق معه بشأن برقية الخميني وقدوم الوفود للبيعة وسبب إرساله وفدا للخميني للتحريض ضد الحكومة العراقية، ومع ذلك رأت الحكومة إطلاق سراحه  لتخفيف الاحتقان الشيعي.

واعتبر الصدر أن الإفراج عنه ضعفا من الحكومة فأصدر بيانه المعروف والذي طالب الحكومة بإطلاق الحريات وعودة الشعائر الحسينية وعدم إجبار الناس على الانتماء  لحزب البعث. وضيق الخناق على الصدر فأمر بالقيام بمظاهرات أملا منه بقيام ثورة في العراق كثورة إيران  فقررت الحكومة اعتقاله هو وأخته وتم إعدامه سنة 1980م في شهر نيسان وقامت الحكومة بمطاردة أتباع المرجعية وحزب الدعوة.

ومن الجدير بالذكر أن حزب الدعوة كان قد أعد ـ وبمساعدة إيران ـ خططا متنوعة للقيام بمحاولات انقلاب لكنها لم تفلح، وكان قرار القيادة الجديدة لحزب الدعوة بعد إعدام الصدر، طلب الدعم العسكري من إيران؛ إما بإدخال  السلاح للعراق، وإما بالتدخل المباشر بإسناد عسكري مع غطاء إعلامي وسياسي إقليمي، وتم الاتفاق على ذلك مع إبراهيم يزدي وزير خارجية إيران آنذاك، وكان مسرح الاتفاقات سوريا وطهران مرورا بالدول العربية الخليجية.

رحبت إيران بالفكرة وأناطت لسفيرها في العراق محمود دعائي التنفيذ، وفعلا تم الاتفاق على دفعة مالية أولى (مليون دولار) على أن تصرف في خدمة الأعمال العسكرية والدعوية، بيد أن السفير لم يفعل ذلك وادعى أن لا علم له بهذه الصفقة، وأصبح حزب الدعوة في موقف لا يحسد عليه.

 لكن لماذا فعلت إيران ذلك؟! الأمر لا يزال فيه غموض حتى عند قيادات حزب الدعوة([214]).

تعرض نظام الدولة للاهتزاز بفعل توجهات حزب الدعوة الخطيرة فقد ملئت بغداد والمحافظات بشعارات على الجدران وعمليات مسلحة ضد الكادر الحزبي (حزب البعث) ومنشورات([215]).

كان رئيس الدولة آنذاك هو أحمد حسن البكر وقد انقسمت قيادة حزب البعث،  ولكن القيادة تحولت لصدام حسين لأسباب يطول ذكرها.

وأصدر صدام في 13/8/1979م قرارا بالعفو عن جميع المسجونين السياسيين والموقوفين في مديرية الأمن العام لبيان حسن نيته تجاه الشعب عامة وحزب الدعوة خاصة وشمل العفو الآلاف.

أجرى حزب الدعوة تقييما لما جرى لكوادره ومقدار الخسائر الحاصلة فوجد أن الاعتقالات شملت الكادر الثانوي أما القيادات المهمة فلا تزال في مأمن وأن الحزب لا يزال قويا في الساحة العراقية([216]).

تابع "الدعوة" نشاطه من جديد بواسطة الكتابة على الجدران ومهاجمة حزب البعث واستمر وضع الهياج الذي شرحناه في إعدام الصدر، وجهز "البعث" خططا مُحكمة لمعرفة شبكات الدعوة السرية واعتقلت كوادر قيادية في الحزب دون ضجة وكانت الحكومة تخفي أسماء المعتقلين لزيادة حيرة أتباع الحزب، فقررت قيادة الدعوة المواجهة المسلحة وقررت الدولة مواجهة الهجمة بقسوة وبدأت الحكومة بالإعدام العلني لكوادر الحزب بمحاكم سريعة واعتقلت آلاف مؤلفة من شيعة الدعوة وهوجمت كل مراكز الحزب من مكتبات وغيرها، ومنعت عشرات المؤلفات الشيعية الحركية.

أصبح حزب الدعوة مهزوما، ولم يبق له إلا القيام بانقلاب عسكري إلا أن القيادي عبد الأمير المنصوري صاحب المخطط اعتقل، وكشف تنظيم الدعوة برمته نتيجة لاعترافات هذا القيادي وعرفت أسماء عشرات الضباط المنتمين لحزب الدعوة.

كان صدام شخصيا مهتما بالأمر ويتابعه بدقة، وكان هدفه القضاء على حزب الدعوة، حاضنة  الشيعة([217])، ونجح في ذلك، لكن المهمة لم تكن سهلة على الدولة كما يتصور كثير من العراقيين؛ لأن حزب الدعوة كان قوة منظمة مدعومة روحيا من المرجعية الشيعية في النجف بدءا من محسن الحكيم إلى محمد باقر الصدر.

التنظيم العسكري لحزب الدعوة

  كان الاهتمام بالتنظيم العسكري قد ازداد عند حزب الدعوة بعد عام 1975م رغم رقابة الاستخبارات العسكرية العراقية داخل الجيش وساعد على ذلك الفكر الشيعي الباطني واستعمال التقية، وأخطر ما حصل هو انخراط عدد لا بأس به من عناصر الحزب داخل القوة الجوية والدفاع الجوي وقد استطاعت استخدام الوسائل الحديثة في الاتصالات والتي لا يمتلكها سوى هذا القسم في الجيش.

وازداد الأمر خطورة بعد ثورة خميني عام 1979م مما شجع عبد الأمير المنصوري للتخطيط لمحاولة انقلاب فشلت والقي القبض عليه، كما استطاعت الاستخبارات في كركوك  كشف خلايا داخل القوة الجوية.

وكانت هناك تعليمات بتدمير كل ممتلكات الجيش واغتيال القادة العسكريين، وهذا العمل يجب أن يفضح دائما لأن تدمير الجيش العراقي وتحطيم قادته هدف خسيس.

 والسؤال: لمصلحة من هذا العمل؟ لمصلحة من يحطم الجيش العراقي؟

لقد كان هناك مخطط لتدمير سرب طائرات جاثم في قاعدة الإمام علي في الناصرية من (طراز 21، 23 ميك) كما كان هناك سرب طائرات مع قاذفة من طراز (تي يو 22) توبوليف مع مفارز هليوكوبتر، وبلغ حجم الطائرات المراد حرقها 45 طائرة إلا أن تريث قيادة حزب الدعوة وكشف الحقائق حالا دون ذلك، وهذه المعلومات لم تؤخذ من كتاب محايد أو مكتوب من قبل حزب البعث بل من كتابات ووثائق حزب الدعوة التي نشرها الحزب نفسه([218]).

كل هذا كان قبل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية. ونتساءل: لماذا يعتبر الحزب تخريبه للدولة العراقية وجيشها نضالا، والجيش العراقي منذ نشأته ولغاية سنة 1979م لم يقم بقمع الشيعة!

لماذا تكتم هذه الحقائق من قبل من يتعاون مع حزب الدعوة كالإخوان المسلمين وحزب التحرير. لقد كان الحزب يعمل على تخريب البلاد كي يستلمها هو دونا عن غيره، ثم بعد ذلك يعتبر عمليات الإعدام التي نفذت بحق أتباعه من الجرائم .

ولا أدري ماذا يسمي الناس تدمير ممتلكات الدولة؟ وكم حجم الوطنية التي يتمتع بها هذا الحزب؟

لقد اعترف حزب الدعوة بمحاولة اغتيال صدام حسين عدة مرات وقد اعترف بذلك حزب البعث أيضا، ففي سنة 1981م وبعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، قرر مجموعة من أتباع حزب الدعوة عمل انقلاب بالترتيب مع عدد كبير من المنتمين لحزب الدعوة في صفوف الجيش وكان هناك تنسيق مع الحكومة الإيرانية التي قررت إسناد هذا الانقلاب بالتنسيق مع مهدي عبد مهدي بحيث تقدم إيران دعما جويا تشغل من خلاله الجيش العراقي بينما تقوم قوات الدعوة بالزحف على بغداد من جهة محافظة ديالى بيد أن المحاولة كشفت وتم اعتقال عدد كبير من كوادر الحزب في الجيش وقررت الحكومة الهجوم على منطقة جيزان الجول بحملة عسكرية قوامها 20 ألف عسكري مسندة بالطائرات المروحية.

بعد اندلاع الحرب في 22/9/1980م شارك كوادر حزب الدعوة بصد هجوم الجيش العراقي وكانت إيران تستغل من الناحية الإعلامية هذا الوجود العراقي وقتاله معها، وتنشر أن حربها هي لتحرير العراق والدليل وجود عدد من العراقيين (حزب الدعوة) بالقتال إلى جانب الجيش الإيراني.

كما شارك بعض هؤلاء بأعمال التجسس لحساب إيران داخل العراق سواء داخل صفوف الجيش في جبهات القتال أو في المدن الحدودية. وانتهى أمر هذا المعسكر سنة 1983م بعد أن قررت إيران إغلاقه.

ومن أجل المواجهات العسكرية أسس حزب الدعوة في سنة 1979م تنظيما عسكريا سماه (الحركة الإسلامية في العراق) ونتيجة للضربات التي كان يتعرض لها الحزب على يد الحكومة العراقية فقد حاول أن يعيد النظر بقيادته ويعيد ترتيب التنظيم.

تدخل إيران الخمينية في حزب الدعوة

حزب الدعوة منذ تأسيسه لم يكن مرتبطا بشكل قوي بفكر الثورة الخمينية، ففكر محمد باقر الصدر يختلف عن أفكار آيات الله سواء في النجف أو إيران، وخلاصة فكره تمثل بالتأثر بأفكار السنة الثوريين مثل أفكار سيد قطب وأبي الأعلى المودوي وبعض أفكار حزب التحرير، وإسقاط هذه الأفكار على أفكار الشيعية، وقد كتب في بواكير حياته عن الحكم وأنه لابد أن يكون شورى متأثرا في ذلك بفكر النائيني وغيره الموافق لفكرة إقامة الدولة بغيبة المهدي([219]).

 وكان الصدر يرى أن العمل الدعوي لا معنى له بدون دولة، وكان ثوري الفكر يدعو للإنقلاب والتخلص من الحكومات الحالية، ويرى التحشيد لمواجهة الحكومات لحين إسقاطها. بيد أن فكر الصدر بدأ يتراجع شيئا فشئيا خوفا من مراجع الشيعة غير العرب، لاسيما وأنه كان يرى التعاون مع الجماعات السنية كجماعة الإخوان والتحرير، خلافا لكثير من التوجهات المرجعية.

كما أن حزب الدعوة لم يكن ارتباط قوي ماليا وسياسيا ودينيا بإيران، وقد تجاوز كثيرا من أزماته لأن مرجعية محسن الحكيم لغاية سنة 1970م  شكلت داعما للصدر وللدعوة. ورغم أن الصدر والدعوة وقفا مع ثورة إيران والخميني بتصريحات قوية بعد قيام الثورة، إلا أن إيران كانت تفكر بالسيطرة بشكل كلي على الحزب وإبعاد كل العناصر التي تعارض ذلك.

وتعاون حزب الدعوة مع إيران حتى قاتل منتسبو الحزب معها في حربها ضد العراق، إلا أن إيران لم يكفها هذا فنسقت مع محمد باقر الحكيم أحد مؤسسي حزب الدعوة لتشكيل فصيل داخل إيران يتبع لها، سمي "المجلس  الأعلى للثورة الإسلامية في العراق"، كما أقحمت شخصيات ذات ولاء إيراني مثل محمد مهدي الآصفي وكاظم الحائري في حين كان يقف في المقابل علي الكوراني ومحمد هادي السبيتي .

وكانت إيران تريد حزب يتبنى فكرة ولاية الفقيه، وحزب الدعوة لم يكن كذلك، وكانت تريد أن يكون الحزب تابعا لها في كل شيء وهذا ما رفضه "الدعوة" وفي نفس الوقت نشأت منظمة أمل في لبنان، التي تشبه في علاقاتها مع إيران "الدعوة" لذا حاربت إيران أمل لتنشئ حزب الله التابع لها قلبا وقالبا بينما حزب الدعوة ومنظمة أمل ليستا كذلك.

عودة إلى حزب الدعوة وما تلقاه من ضربات مزقت تنظيمه بيد أنه لم ينته وعاد لترتيب صفوفه وربط نفسه بقيادات غادرت إلى خارج البلاد وفق الخارطة التالية :

-                    البصرة ارتبطت بالكويت .

-                    النجف بإيران .

-                    الموصل بلبنان .

-                    الحلة (بابل) بالإمارات .

-                    الجامعة (بالأردن)([220]).

كانت إيران تسلك طرقا من أجل سيطرة أتباعها على الحزب بعدة وسائل منها: إعادة الانتخابات داخل صفوف الحزب بغية إبعاد العناصر غير المرتبطة بإيران.

وفي سنة 1981م اقترح الحزب تشكيل وفد لزيارة خميني بغية التخفيف من حدة الصراع وفعلا تم هذا وتبين أن ثمة سوء علاقة نشبت بين إيران ومحمد باقر الصدر قبل إعدامه سببها شخصية إيرانية هي مهدي الهاشمي المسؤول في الحكومة الإيرانية عن حركات التحرر، والذي كان لا يثق بالصدر ولا بالحركات السياسية العراقية (الشيعية) وشيئا فشيئا حرم "الدعوة" من الدعم الإيراني الحقيقي.

وفي عام 1981م اعتقل أكبر شخصية قيادية في حزب الدعوة وهو المهندس محمد هادي السبيتي والذي كان يقطن في الأردن فقد ألقت السلطات الأردنية القبض عليه وسلمته إلى العراق بعد محاولات ووساطات لمنع تسليمه([221]).

وضعف "الدعوة"  شيئا فشيئا وطورد أتباعه إبان الحرب العراقية الإيرانية واستطاع حزب البعث  أن يحطم هذا الحزب الذي لو بقي لكان قادرا على تشكيل حكومة شيعية في العراق على غرار الثورة الإسلامية في إيران ولشكّل تاريخا جديدا للعراق وللمنطقة لأن "الدعوة" حزب ثوري انقلابي ولكانت أحداث اليوم في العراق جرت منذ الثمانينات من قتل وذبح.

فنحن لا ننسى أن الذين حكموا العراق من الشيعة هم قيادات حزب الدعوة (إبراهيم الجعفري وجواد المالكي) وخط مقتدى الصدر هو الأقرب للدعوة إذ أن مرشدهم كاظم الحائري من قيادات الدعوة. وقد لطف الله بالعراق واستعمل حزب البعث ليبطش بحزب الدعوة ويستعمله الله لهذه الأمة التي ربما لو كان غيره لما نجح بالقضاء على هذا الحزب الطائفي الذي أثر بالحركات السنية كالإخوان والتحرير وكانت تتعاطف معه، وتعتبره حزبا إسلاميا.

الجماعات السنية الدينية بين 1979- 1990م

في عام 1979م ألقي القبض على عناصر الجماعة السلفية المنظمة في الموصل وتوبع الأمر في بغداد والبصرة وكانت أجيال العاملين في حقل الدعوة السلفية بين جيل الأربعينيات والخمسينيات، واحتارت الدولة في تصنيفهم؛ فهي جماعة لا يوجد لها توجهات انقلابية وليس لها طموح بتكوين دولة ولا هي جماعة صوفية ولا هم من حزب التحرير ولا جماعة الإخوان المسلمين، بل هم حالة جديدة غير معروفة عند الأمن العراقي، لذا أسمتهم الحكومة (جماعة الموحدين) لاهتمامهم بالتوحيد والعقيدة ومؤلفات محمد بن عبد الوهاب لذا صدرت عليهم أحكام بالسجن تتراوح بين سنة وخمس سنوات بتهمة إنشاء جمعية غير مرخصة.

وسبب تخفيف الحكم عليهم هو ما كان حزب الدعوة يفعله في ذات الوقت من قتل وتخريب وأعمال عنف فاعتبرت هذا الجماعة السنية جماعة مسالمة خرجت على القوانين في العمل، وكان بين السلفيين عسكريون (سعدون القاضي، محمود المشهداني)، ففصلوا من الجيش  وسجنوا في سجن أبو غريب المعروف.

وفي داخلالسجن انقسم أتباع التيار السلفي حسب توجهاتهم ونفسياتهم إلى:

-           جماعة نائب الأمير رعد عبد العزيز (أبو بكر البغدادي) التي تهتم بالعلم وترى أن ما فعل كان فيه أخطاء غير قليلة، و لا ترى هذه المجموعة المواجهة والثورية.

-           جماعة أمير الجماعة إبراهيم المشهداني (أبو مصعب) وتبعه محمود المشهداني وسعدون القاضي وهم جماعة تتميز بالضعف العلمي والتهور والثورية.

وكان لأفراد الجماعة ممن بقوا خارج السجن علاقات قوية بالمئات من الشباب من جيل الستينات، وقد أثر هذا الانقسام على من بالخارج.

وأثناء وجود  أتباع الجماعة السلفية في السجن بداية الثمانينات برزت مجموعات سلفية أخرى غير منظمة وليس لها صلة بمجموعات السجن، إضافة للمؤيدين لجماعة الموحدين في السجن، وقامت هذه المجموعات بأعمال دعوية في المساجد وسافرت إلى القرى ودعت وعلمت فيها، مستغلة انشغال الحكومة بحزب الدعوة كخطر أساسي، والمجتمع العراقي كان في وضع استثنائي فقد أصبح جل الشباب في الجيش العراقي، وأصبحت المهام المدنية يقوم بها المصريون القادمون من مصر كعمالة وكانت أعدادهم  بالملايين.

وكان من أهم نتائج هذه الجهود الدعوية كثرة تسنن الشيعة على يد الدعوة السلفية كأفراد وعوائل، وأصبح هناك جيل كامل من دعاة السلفية من أصول شيعية، يقدر عددهم بربع مليون شيعي تسنن وأصبح كم كبير منهم دعاة في حين كان تعداد العراق قرابة 15-17 مليون نسمة.

وحينئذ توجهت الدعوة السلفية إلى عقر دار الشيعة في جنوب العراق؛ في الناصرية والديوانية والعمارة والبصرة وبابل([222])، وحتى النجف وكربلاء، وتسنن كثير من أفراد الشيعة ومن أبرز من قام بهذا الدور في الجنوب الشيخ خليل الحياني في الناصرية. وكانت الحكومة تغض الطرف عن التحركات السلفية لأنها لا تعارض توجهات الحكومة في مواجهة إيران بل تؤيدها.

واستمر الوضع هكذا إلى أواسط الثمانينات حيث خرج جميع أفراد التنظيم السلفي من السجن بعد انتهاء مدة محكوميتهم، وشرعوا بتنشيط التنسيق بهدوء مع المجاميع التابعة لهم والتي لم تزج بالسجن، وأكثر هؤلاء كانوا من جيل أوائل الستينيات أو نهاية الخمسينيات وباشروا بالعمل وكان من هؤلاء محمد حسين الجبوري وفائز (من جيل الخمسينات).

ثم شرعوا بإقامة علاقات مع بقية السلفيين في الساحة لتتكون ساحة سلفية قوية انتشرت بالعراق بسرعة وبقوة، وساهمت في تسنن كم كبير من الشيعة في جميع المحافظات، وكان التيار الصوفي يتراجع نتيجة لضربات التيار السلفي له وكان تيار الإخوان يتراجع كذلك في المساجد، إذ تحول كثير من الإخوان للتيار السلفي، كما تبنى كثير من الإخوان الطرح السلفي لأنه هو المقبول في الساحة السنية، ومن أشهر أصحاب هذا التوجه الشيخ سامي رشيد الجنابي وإياد عدنان الحمداني.

بدأ التيار السلفي بطباعة الكتب السلفية محلياً بعد أن كانت تستورد من الخارج وبقلة، وممّن قام بتأليف المؤلفات السلفية عجاج الكروي رحمه الله والذي قتل في الحرب العراقية الإيرانية، وعبد الباسط حسين من الموصل، وظهر بعض المحققين كإياد عبد اللطيف القيسي ومرشد الحيالي وأحمد عدنان الحمداني ومحمود عمران وغيرهم. فطبعت كتب لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وطبع كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ووزع مجانا وظهرت مكتبة إحياء التراث لصاحبها صلاح السامرائي (خليط بين السلفية والإخوان) مع الشيخ خليل الحياني. وأصبح هناك نشاط سلفي محلي قوي، إلا أن هذا التوسع أدى إلى عدة انقسامات أثرت فيما بعد على الدعوة:

-     الانقسام الأول الذي ذكرناه سالفا والذي حصل في السجن بين الأمير ونائبه (إبراهيم المشهداني ورعد عبد العزيز) واستمر هذا الانقسام حتى بعد الخروج من السجن .

-     كما ظهر انقسام أخطر بزعامة فائز، ليكوّن جماعة سلفية مرتبطة به تحمل خليطاً من الأفكار السلفية وفكر حزب التحرير، وتأثرت هذه المجموعة بشخصية فائز وفكره الخاص الذي هو عبارة عن شذوذات ونقد للدعاة والعلماء أدخلت الساحة السلفية في صراعات، وكانت مجموعة فائز تكبر وتنتشر لأنه اعتمد طريقةً تشبه طريقة جماعة التبليغ في الدعوة والانتشار، ونتج عن انتشارهم أمران:

   - انتشار الدعوة في أماكن متعددة في البلاد .

   - انقسام حاد داخل الصف السلفي .

   وكان فائز يهاجم جماعة الإخوان بقسوة وشدة مما أدى إلى تعاون بعض السلفيين والإخوان وخط الشيخ سامي على إيقاف تمدد مجموعة فائز.

في نفس الوقت كانت الحكومة تراقب عن كثب تحركات فائز؛ لأنه كان يواجه الشيعة مواجهات عملية مما كثر حوله الأعداء واستمر فائز إلى سنة 1990م، حيث ألقي القبض عليه وبعد ثلاثة شهور تم إعدامه هو وأربعة من رفاقه في شهر تشرين الثاني، وتم تحطيم مجموعة فائز كلها.

أما جماعة الإخوان المسلمين فاستمرت بتجميد حزبها لكن مجموعة من جيل الخمسينات والستينات حاولت بالتنسيق مع إخوان الأردن إعادة التنظيم لكن القيادة رفضت وأصر هؤلاء وعملوا منذ سنة 1981م الى سنة 1987م في هذا التنظيم الذي كان بقيادة الدكتور عبد المجيد السامرائي وعصام الراوي رحمه الله، وعلاء مكي وفاضل السامرائي وغيرهم، ولكن القي القبض عليهم وحكم عليهم بأحكام بالمؤبد وما دونه، ثم أطلق سراحهم في سنة 1990م بعفو، وكان أصحاب هذا التوجه متأثرين بأفكار الداعية المعروف محمد أحمد الراشد لذا فإن توجهاتهم كانت تحوي كثيرا من المفاهيم السلفية.

أما التيارات الشيعية فكانت أقرب للموت والسبات، وتعرضت الى تحطيم ونقد شديد في العراق والعالم الإسلامي، لذا آثرت شريحة كبيرة من الشيعة عدم التدين (الشيعي) أو التحول الى التسنن (السلفية).

الموقف من الحرب العراقية الإيرانية

بعد نشوب الحرب العراقية الإيرانية سنة 1980 وعسكرة الشعب العراقي، انقسمت الجماعات الدينية السنية تجاه الحرب كالتالي:

-     التيار السلفي أيّد الحرب، لأنها محاربة للفكر الشيعي وإيقاف زحف ثورة الخميني، ورغم بساطة الدعوة السلفية في ذلك الوقت إلا أن المفردات العقدية ومناهج السلفيين أهّلتهم لأخذ موقف تجاه الحرب.

-     الإخوان المسلمون وقفوا موقف الرافض للحرب لأنهم اعتبروها قتالا بين مسلم ومسلم، ولأنه كان لهم موقف سابق مؤيد للثورة الإيرانية تبعا لبقية جماعات الإخوان في العالم الإسلامي، وهنا ثمة قضية مهمة في فكر الإخوان: أن فكرة الصراع هي بين العلمانية والإسلام، لذا فإنهم يضعون الشيعة في الطرف الإسلامي وكذا ثورة الخميني، بينما يقف حزب البعث في الطرف العلماني، وبهذه البساطة في فهم الصراع ضاعت الأجيال الإسلامية.

-     حزب التحرير كان رافضاً للحرب بسبب موقفه المؤيد لثورة خميني والشيعة، واعتبار أن الخميني والشيعة جزء من المنظومة الإسلامية، بينما حزب البعث معروف بإشتراكيته ومعاداته للإسلام.

-     الجماعات الصوفية كان رأيها متبايناً من الحرب وتأثيرها على الجماهير ضعيف غير مؤثر.

سياسة حكومة البعث في حرب الفكر الخميني

تبنت حكومة البعث بهذه المرحلة جهوداً فكرية لتحطيم الفكر الشيعي والتوجهات الإيرانية، وضرب الفكر الثوري لدعم المعركة مع إيران، فعقدت الندوات الفكرية والدينية التي استضافت مفكرين ودعاة وعلماء من جميع العالم الإسلامي لمواجهة فكر الخميني بالتصريح، والتشيع بالتلميح، لأن العراق لم يرد معاداة الشيعة العراقيين، بل اعتمدت حكومة البعث نظرية التشيع العربي والصفوي، لأنها تتناسب مع  الفكر القومي (البعثي) و تصلح للخطاب مع الجزء الشيعي من الشعب العراقي، وكان طرحا ذكيا وازن الأمور دون ضجة داخل المجتمع العراقي (الخليط من السنة والشيعة) وصدرت في هذه الفترة عدة مؤلفات بعدة مناهج:

-  منهج علمي يتناول خطر التشيع مع تفصيل التشيع إلى فارسي وعربي أو إلى صفوي وعربي، مثل كتاب (التشيعبين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي) لمحمد البنداري، كما قام البنداري بترجمة كتاب (كشف الأسرار) للخميني، وكتاب محمد منظور إسلامي (الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام)، وكتابات وليد الأعظمي([223]) (السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني). وألف جمع من أساتذة الجامعات كتاب (نهج خميني في ميزان الفكر  الإسلامي).

 - ومنهج ثانٍ يتبنى كتبا كانت تطبع وتتناول مخاطر الفارسية على العروبة والإسلام وتركز على جانب الشعوبية والجانب القومي، مع مدح توجهات حزب البعث العربية، ونقد للخميني باعتباره دجالا وأن الثورة الخمينية تتستر بالدين لأغراض سياسية، وهذا توجه غير سليم إسلاميا مثل كتاب (دماء على نهر الكرخا) لحسن السوداني (قيل أنه حسن علوي)، وكتب فاضل البراك (المدارس اليهودية والإيرانية في العراق) و(تحالفات الأضداد) وغيرها وكانت بعض هذه المؤلفات تطبع داخل العراق وبعضها خارجه.

    - ونوع ثالث: نشر وتحقيق كتب تاريخية تتناول إيران والتشيع بصورة غير مباشرة مثل (ذرائع العصبيات العنصرية في إثارة الحروب وحملات نادر شاه على العراق) لمؤلف مجهول، بتحقيق العلامة محمد بهجة الأثري، وكتاب (حوادث بغداد والبصرة للسيدعبدالرحمن بن عبداللهالسويدي)  تحقيق المحقق العراقي المعروف عماد عبد السلام رؤوف.

كما نشرت دراسات تاريخية جادة حول الفرق للكاتب عبد الله سلوم السامرائي([224]) (الغلو والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية) و(القاديانية والاستعمار الإنجليزي(، وللمؤرخ العراقي فاروق عمر كتابات ودراسات دقيقة لفضح التوجه الشعوبي.

كما لا ننسى الدور الرائع للدكتور بشار معروف في هذا المضمار، كما دخل للعراق كم كبير من مؤلفات إحسان إلهي ظهير، وبعض الكتب التي تتناول التشيع وإيران .

ما بعد مرحلة غزو العراق للكويت

بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت سنة 1990، قامت حكومة البعث بالتركيز على التيار السلفي الذي نشط في البلاد سيما جماعة فائز، وكان غزو العراق للكويت هو نهاية شهر العسل بين العراق وبين دول الخليج مما ساعد على توجيه بوصلة العداء إلى دول الخليج، وهذا بدوره أدى إلى ضرب التوجه السلفي، فاعتقل عناصر جماعة فائز في شهر آب/ أغسطس 1990، وتم استدعاء آلاف الدعاة السلفيين والطلب منهم بالتوقيع على تعهد بعدم العمل بالفكر الوهابي، وكانت هذه المرة الأولى الذي يظهر هذا الاسم في الساحة وعند أجهزة الأمن، وكان للتيار الصوفي ولبعض تيارات الإخوان وبعض القادمين من الخارج من السورين القاطنين في السعودية (سيما عداب الحمش) وكذا الشيعة دور في تشويه سمعة السلفية والوهابية عند أجهزة الأمن، ورافق ذلك حملة قوية في أجهزة الإعلام لمهاجمة السعودية وآل سعود وحكام الخليج ودعوة محمد بن عبد الوهاب. وهاجمت أجهزة الأمن آنذاك التيار السلفي بقسوة، بل أنيطت محاكمة عناصر جماعة فائز، لضباط شيعة وتم إعدامهم بوقت قياسي (ثلاثة أشهر).

كانت الدعوات السلفية في العراق ترفض دخول العراق للكويت بينما أيدت جماعة الإخوان هذا الفعل تبعا لإخوان الأردن، بينما اعتبر محمد أحمد الراشد، القاطن في الإمارات وقتها، أن هذا غباء وأنه عمل سيحطم المنطقة (كما في مجلة العين الخاصة به).

وأيدت الجماعات الصوفية صداما والذي كان نائبه عزت الدوري يسيطر عليها ويشارك الصوفية بضرب التيار السلفي، وانتعش التيار الشيعي داخل الدولة لذلك أخذ يساهم بتشويه صورة التيار السلفي .

ورغم موقف حكومة البعث القاسي من السلفيين الذين كانوا يعتبرون دخول صدام للكويت جريمة، إلا أن هذا لم يمنع  توجه مجموعة من الشباب السلفي للتطوع لمحاربة القوات الأمريكية عقب انسحاب صدام من الكويت ومحاولة القوات الأمريكية عمل إنزال داخل العراق لاجتياح بغداد وإسقاط النظام، ولكن الحكومة منعتهم ولم يتم ذهاب المتطوعين إلى الناصرية لمواجهة القوات الأمريكية.

واستغل شيعة الجنوب هزيمة صدام في غزو الكويت، فقاموا في شهر آذار/ مارس 1991م بانتفاضة في الجنوب في البصرة وميسان والقادسية والمثنى وذي قار وكربلاء والنجف وبابل، وكان حزب الدعوة والمجلس الأعلى وغيرهما من الحركات الشيعية المحرك الرئيسي لهذه الانتفاضة بيد أن المجلس الأعلى وبضغط خليجي سحب نفسه منها، وشهدت هذه المناطق عمليات قتل وتخريب استمرت قرابة الشهر حتى كادت هذه المناطق تسقط بشكل شبه كلي بيد الشيعة، الذين حاولوا استمالة القوات الأمريكية لصفهم.

 بل طلبت قيادات شيعية من الأمريكان إسقاط صدام، وعقدت مؤتمرا في بيروت لهذا الغرض، لكن السعودية وبعض دول الخليج والدول العربية تدخلت لوقف إسقاط صدام حتى لا تتمكن التيارات الشيعية الدينية من السيطرة على البلد الأمر الذي يعني سيطرة إيران على العراق بعد هزيمتها المرة من الجيش العراقي سنة 1988م.

توقف الزحف الأمريكي وشرعت الحكومة العراقية باستعادة عافيتها لمواجهة هذه الانتفاضة الشعبانية (نسبة لشهر شعبان) الشرسة وكان يرافقها هيجان كردي في الشمال، وفعلا تم القضاء على هذه الانتفاضة وأعدم آلاف المشاركين فيها، وذهب أفراد الشيعة ضحايا لأطماع وتخطيط قيادات شيعية فاسدة تبحث عن السلطة والحكم، كما سبق أن غرر حزب الدعوة من قبل بآلاف الشيعة بثورة غير مدروسة ليكونوا قرابين للسلطة. وهكذا نجحت الحكومة بالتصدي للتمدد الشيعي مرة أخرى.

مرحلة ما بعد الحصار

وضع الشيعة: بسبب فرض الحصار على العراق، هاجر كثير من الشعب العراقي للخارج. وبدأت تتشكل معارضة عراقية شيعية كردية مع أفراد من السنة خارج العراق تحلم بإسقاط النظام على يد الأمريكان. وكان تواجد المعارضة في إيران وسوريا ولبنان وبعض دول الخليج (السعودية، الكويت، الإمارات) وبريطانيا وبعض الدول الأوربية وأمريكا. ومن هناك بدأ الشيعة بعمل مدروس شارك به جمهرة من العلمانيين والمتدينين الشيعة والأكراد لبلورة عدة أفكار وبثها في الدول الغربية لتكوين قناعة لتغيير الواقع العراقي منها:

-         أن الشيعة أكثرية في العراق وأن السنة لا يشكلون سوى 20% من سكان العراق.

-         أن هذه الأكثرية (الشيعية) ظُلمت على مدى سبعين عاما منذ تشكل الدولة العراقية، ولابد أن   تأخذ دورها من جديد.

-         أن الحكومة البعثية هي حكومة طائفية (سنية) أقصت الشيعة.

-         أن شيعة العراق ليس لهم علاقة بإيران.

هذه المزاعم استخدمت من قبل المعارضة بكثافة وبثت في وسائل الإعلام وألفت فيها كتب وتقارير، وساعد على تثبيتها بعض السنة الأغبياء مثل بعض ساسة دول الخليج بغية التخلص من صدام (نظرة ضيقة وقتية) فقامت بدعم المعارضة الشيعية وأصبحت أراضيهم مسرحا للمعارضة وقدمت لهم التسهيلات المالية واللوجستية وغيرها.

كان العلمانيون الشيعة والعامة متأثرون بفكرة أنهم مظلومون في العراق، وأنهم أكثرية مهمشة وهي الأفكار التي كثـفت المعارضة بثها، فشرعوا بالعمل ضد الدولة والتغاضي في المحافظات الجنوبية عن النشاطات الشيعية المشبوهة.

وفي هذه المرحلة أيضاً، نشطت الدعوات الشيعية مستغلة الحصار، وبدأت بنشر كتب دعائية للتشيع في أوساط السنة وأصبح هناك صراع شعبي واضح بين السنة والشيعة المتدينين. وكانت المواجهات بين الشيعة والدعوة السلفية سلمية وعلمية تأخذ جانب المناظرات والمحاججة، وكان همّ الشيعة في هذه المرحلة نشر الشبهات في الشارع، والسنة يحاولون إزالة الشبهات ويردون عليها، ولم يكن للحكومة أي دور يذكر في محاربة التشيع سوى متابعة التوجهات الإيرانية المباشرة.

 وانتشرت في السوق العراقي الكتب المسمومة مثل كتب التيجاني السماوي وغيره وبدأت بعض الكتب الشيعية تنتشر بطريقة التصوير (الاستنساخ) وكانت الدعوة السلفية هي من يجاهد لمقارعة المد الشيعي الذي بدأ يزداد يوما بعد يوم، وبدأ التخطيط لتدريس آلاف الشباب في الحوزة ودفع تكاليف دراستهم ومصاريف عائلاتهم، وكانت أموال الخمس تتدفق من الخليج ومن شيعة أوربا وأمريكا لهذا الهدف، بينما غرق سنة الخليج في سباتهم رغم أن هذه المعلومات وصلت للعلماء وبُيّن لجمع منهم أن وضع العراق لا يسر، وأن الشيعة لهم رغبة في السيطرة الفكرية على العراق وانه لابد من دعم مالي قوي للدعاة السنة لاسيما السلفيين، وان أوضاع الحصار تعد مكسبا للشيعة وليس للسنة.

ومع اشتداد الحصار والحاجة المادية بدأت إيران بالتدخل في العراق بعد استعادة عافيتها من الحرب العراقية الإيرانية، وحاول حزب الدعوة والمجلس الأعلى التخطيط لعمليات اغتيالات فنجحوا بإصابة عدي ابن صدام حسين. وكان للعامل الاقتصادي بسبب الحصار دور في تسهيل اختراق العراق من قبل الأحزاب المعارضة ومن قبل إيران ومن قبل مخابرات الدول الغربية، وأضافت الحكومة العراقية إلى أخطائها خطأ جديدا حيث قامت بالسماح للإيرانيين بزيارة العتبات المقدسة عند الشيعة، في محاولة لفك الحصار على العراق مما سهل دخول وخروج المخابرات الإيرانية (الإطلاعات) وغيرهم لدراسة وضع العراق، كما كان لمنطقة الأهوار دور فاعل في إتعاب الحكومة العراقية لأنها مأوى للهاربين ومأوى للتدخل الإيراني العسكري غير المباشر؛ لذا سعت الدولة لتجفيف الأهوار لضمان السيطرة عليها.

وبدخول عام 1997م بدأت مرحلة جديدة فقد شرع الشيعة بعملية اغتيالات لبعض الدعاة السنة سيما في الجنوب والوسط، وممن اغتيل الشيخ نوري حامد الدليمي، شقيق الشيخ الدكتور طه حامد الدليمي، في منطقة (المحمودية) جنوب بغداد، وغيره كثير، إضافة إلى محاولات اغتيال لبعض أئمة المساجد المعروفين بمقارعتهم للتشيع.

وضع الدعوة السلفية: رغم الحصار استمرت الدعوة السلفية بالنشاط والدعوة، وفي أوائل التسعينيات ازدادت الضربات الأمنية على الدعوة السلفية فاعتقل العشرات، وأعدم الداعية المعروف محمود سعيدة والداعية تلعة الجنابي، وحبس الداعية المعروف فتحي عبد الله الموصلي، والشيخ المحدث عبد المجيد السلفي وغيرهم كثير.

وغادر البلد آخرون منهم: رعد عبد العزيز (الداعية المعروف) وإياد عبد اللطيف (الداعية والمحقق) ليدعموا الحركة السلفية من الخارج لأن الأوضاع الاقتصادية أثرت في الدعاة وأصبحت الإغاثة ودعم للدعاة هما الأصل، وكان من بواكير هذا الدعم تأسيس مجلة الحكمة سنة 1993م بالتعاون مع وليد الحسين الزبيري (سعودي من أصل عراقي) ومجموعة من الأساتذة كالدكتور عمر الأشقر من الأردن، والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق من الكويت،  لتكون مجلة الحكمة مؤسسة لتكوين فكر سلفي معتدل بعيدا عن الصراعات التي برزت بين التيارات السلفية في السعودية والأردن والكويت بعيد حرب الخليج، وغاية أخرى هي التعريف بالدعوة السلفية العراقية ورموزها من خلال نشر كتاباتهم وأبحاثهم. 

وعانى الدعاة السلفيون في الداخل من كثرة الاعتقالات، إلا أن دعوتهم زحفت نحو أماكن لم يضعف فيها التدين، فبنيت المساجد وأعد الدعاة وعقدت المناظرات بين السنة والشيعة، وكسبت الدعوة أعدادا جديدة من الشيعة للتسنن وظهر عدد من الكتاب السلفيين المتخصصين بمواجهة التشيع كأبي مريم الأعظمي الذي ألف أقوى رد على كتاب المراجعات (الحجج البينات) وكتب جمع من الشباب ردودا مختصرة على كتب التيجاني السماوي (ثم اهتديت وغيرها) لكنها لم تنتشر خارج العراق، وشرع الشيعة بمواجهة السنة بشبهات كثيرة نجح الشباب السلفي بردها ومواجهتها.

وكان لكاتب هذه المقالات دور في محاولة نشر المخطوطات التي تواجه التشيع، إلا أنه لم يوفق إلاّ في العام الماضي ونشرت في مصر.

والأمر الثاني أن الإغاثة لم تكن تدخل العراق إلا لبعض الجماعات السلفية المحدودة بمعونة بعض الفضلاء من أصول عراقية في الخليج. ورفضت دول الخليج أن تساعد العراق خلال حصاره بل رفضت الحكومة السعودية أي إعانة للعراق من قبل الجمعيات السعودية، ولم تنجح إلا محاولات الإغاثة التي قام بها بعض الفضلاء من العراقيين في المهجر في أوربا وأمريكا، وبدعم الدعاة السلفيين تحسن وضع المقارعة للتشيع، بيد أن المساعدات لم تشمل جميع التيار السلفي وهذا يدل على سعة التيار في العراق.

 ونجح الشيعة بتشويه صورة الدعوة السلفية وساعدهم على ذلك التيارات الصوفية بالاستعانة بعزة الدوري الذي كان يبغض التيار السلفي كما ساعدهم أيضاً رغبة جماعة الإخوان بالتخلص من وجود التيار السلفي المنافس لهم في المساجد، كما ساعدهم على ذلك أيضاً أخطاء أفراد التيار السلفي السلوكية كالتشدد والغلظة في مسائل الهدي الظاهر ومسائل جزئية وثانوية فقهية ركز عليها أكثر مما ينبغي.

الجهود المبذولة لمواجهة التشيع في هذه الفترة

في فترة الحصار برز عدد من الشباب ممن كان لهم جهود قيمة في وقف زحف التشيع بل تسنن عدد لا بأس به من الشيعة مثل:

-         الداعية الدكتور طه حامد الدليمي، الذي وقف للتشيع بالمرصاد وأنشأ موقع القادسية الإلكتروني في الرد على الشيعة، وألف عددا كبيرا من الكتب ، كما ألقى محاضرات قيمة في سبل مواجهة التشيع ودحضه.

-         الأخ عبد الملك عبد الرحمن الشافعي صاحب كتاب (الفكر التكفيري عند الشيعة حقيقة أم افتراء؟) الذي طبع في مصر هو ومجموعة مؤلفات قيمة أخرى له، وهو من أصول شيعية.

-         الأخ علاء الدين البصير وهو طالب علم من أصول شيعية كانت له جهود قيمة في دراسة التشيع ونقده، وألف فيما بعد عدة مؤلفات طبعت في مصر.

-         الأخ محمد عودة، الذي قتلته قوات بدر سنة 2004م.

-         الأخ ناصح عبد الرحمن أمين، الذي قتل على يد فيلق بدر وهو مؤلف كتاب (إسراء معالإمام الثاني عشر) المطبوع في دار الرضوان بمصر .

وهناك العديد من الأبحاث والردود على التشيع لمجموعة كبيرة من الشباب والدعاة ممن لم تتح ظروف العراقي نشرها، وقسم نشر  بأسماء مستعارة، وكذلك جهود راقم هذه المقالات وأغلب هؤلاء يكتبون بأسماء مستعارة خوفا من رصد الشيعة لهم من خلال الحكومة سابقا.

وكان لجهود الشيخ صبحي السامرائي في تعريف الشباب بحقيقة التشيع دورا لا ينسى، كما لا ننسى جهود الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي في أواخر التسعينات في التحذير من التشيع في مناطق شمال العراق.

كما كان لحركة الإخوان في أواخر التسعينات جهود من خلال دعم مجموعة من الشباب لمواجهة التشيع وهو وإن كان جهدا محدودا ولكنه تطور مهم في دعوة الإخوان.

كما أن ثمة عددا كبيرا من الدعاة لم يتجهوا للتأليف رغم سعة علمهم بالتشيع ولكنهم آثروا التدريس والنقد ونشر الفكر السني ودحض الشبهات والتشكيك بالفكر الشيعي وزعزعته.

وبرزت ظاهرة جديدة عند بعض الكتاب من أصول إخوانية كعلاء الدين المدرس وغيره للتقريب بين الشيعة والسنة بشكل مغاير للتقريب المصري، ولتقريب الهوة بين السنة والشيعة بشكل نظري، وهذا الفكر لقي قبولا ورفضا في آن واحد وألفت فيه كتب عديدة، وأعيد نشرها بعد الاحتلال، وهذه المؤلفات لا تخلو من بحوث قيمة، وكانت تركز على نقد التشيع الصفوي فقط. 

دخول التطرف للعراق وعلاقته بقضية التشيع

لم يكن التيار السلفي متطرفا، ولم يظهر التطرف في العراق إلا في أواخر الثمانينات، على يد مهندس انتمى للسلفية وهو كبير السن، وبدأ يقرر أشياء خطيرة في التكفير وأنه لا يوجد بلد إسلامي إلا السعودية، وأن الملك فهد هو أمير المسلمين الوحيد.

وحاول هذا المهندس أن يفتي بأن صلاة الجمعة ليست واجبة في العراق. واستمر هذا التيار رغم قلة أتباعه  بيد أنه أثر على وحدة الصف السلفي وزاده فرقة.

كما لا يفوتني أن أذكر بأن بعض العراقيين كان قد سافر إلى أفغانستان في نهاية الثمانينات منهم سلفيون  ومنهم إخوان مسلمون، فقد ذهب الشيخ سامي رشيد الجنابي وإياد عدنان الحمداني وكلاهما من سلفيي الإخوان المسلمين، وذهب محمد حسين الجبوري وغيره من الشباب السلفي، وقد عاد بعضهم في أوائل التسعينات وبقي آخرون خارج البلاد .

بيد أن التطرف لم ينتشر في العراق إلا بعد سنة 1997م، عقب ظهور مشكلة الاختلاف في مفهوم الإيمان، ومسألة تكفير الحكام، وغير ذلك، وكانت مسألة نظرية بحتة ظهرت في السعودية والأردن، ورد عليها في السعودية وغيرها. وانقسم السلفية تجاهها إلى سلفي مرجئ وسلفي تكفيري حسب الرأي المقابل، وألفت فيها كتب وردود. وشغلت هذه القضية الدعوة السلفية فترة من الزمن وتسربت هذه الفكرة إلى العراق محدثة نفس الانقسام ومضعفة التيار السلفي الذي كان يواجه التشيع صفا واحد في حين استهلكته هذه المعارك الجانبية، وانعكست هذه القضية تجاه مفهوم التشيع نفسه، هل الشيعة كفار أم لا؟ وهل هم كفار أصليون أم مرتدون؟ ومن منهم غير كافر؟ إلى غير ذلك من الأفكار التي انعكست على سلوك الجماعات سيما بعد سقوط بغداد سنة 2003 ودخول هؤلاء في صراع مسلح مع الأمريكان ومع الشيعة.

وقد ذكرت هذه التفاصيل عن الدعوة السلفية لأنها الدعوة التي واجهت التشيع وأي انقسام داخلها كان يؤدي إلى ضعف الجهود في مقاومة خطط التشيع، وأن الأفكار الخطرة تعطي نتائج خطرة.

وكان في سنة 1999م أن سافر إلى الأردن بعض المجموعات السلفية وهناك حصلوا على مجموعة مؤلفات للجماعات المصرية المسلحة المتطرفة مثل (إعداد العدة) وغيرها والتي كانت تطبع في دار البيارق في الأردن، اضافة لكتب أبي محمد المقدسي وأبي بصير وأبي قتادة الفلسطيني وغيرهم، وقاموا بنشر هذه الكتب في العراق بالطباعة والتصوير.

وانتشر هذا الفكر في جميع المحافظات العراقية، وأصبحت البيئة مهيأة لوجود تنظيم القاعدة في المستقبل. وهذا الفكر كانت له رغبة بمواجهة التشيع عسكريا إلا أن قوة السلطة حالت دون ذلك، وتم على يد هؤلاء تفجير مجموعة من الأضرحة في الموصل ثم تفجير محل خمور، مما دعا الحكومة لاعتقال أعضاء منهم والحكم عليهم بالمؤبد.

ومما لا يفوتنا ذكره أن للسلطة العراقية معرفة دقيقة سيما من خلال أجهزتها الأمنية لتكوينات الحوزة وجهود التشيع الخفية، كشف ذلك من خلال الوثائق التي ظهرت بعد الاحتلال، ولم تستفد عمليا منها في مواجهة التشيع إلا قليلا.

تفاقم الوضع  بين  1998-2003م

كان الجيل الإسلامي في العراق يعاني من شدة مواجهة الحكومة له بدعوى الوهابية خاصة من قبل التيار الصوفي مستعينة بنائب رئيس الجمهورية عزة الدوري الذي شدد على ضرب التيار السلفي ورفع شعار أن التشيع أقل خطرا من الدعوة الوهابية ودفعه نفاقا بعض المتصوفة.

وكان لوقوف بعض الجماعات الإسلامية مع الحكومة دور سيئ في تفاقم الوضع وكانت الحكومة دائما تعتقل عشرات بل مئات الدعاة مما اضطر الكثير منهم للسفر خارج القطر هربا.

كان وضع الشيعة في العراق يزداد سوءا فقد أبرز المرجع الشيعي محمد صادق الصدر (والد مقتدى) كمرجع عربي دعمته الحكومة، فكثر تابعوه وأصبح ظاهرة مخيفة، فقد قام بإقامة صلاة الجمعة للشيعة وبدأ الشيعة يتجمعون حوله، وأزعج وجوده إيران كذلك لأنه من أصول عربية، واغتيل هو وأولاده في شباط/ فبراير سنة 1999م ولا يعلم هل قتلته إيران أم الحكومة العراقيـة لكبر حجم أتباعه!!

بيد أن الوضع الشيعي أصبح خطرا فقد ظهرت تنظيمات شيعية خفية تساهلت الحكومة معها، أو الأصح أن الحكومة أصبحت أضعف من أن تواجهها خاصة في المناطق الجنوبية، فقد تساهل رجال الأمن الشيعة مع قيام بني جلدتهم باغتيالات، والاعتداء على السنة وعلى المسؤولين الحكوميين وعلى ضرب الدعاة، فقد اغتيل في هذه المرحلة الداعية المعروف محمد اسكندر([225]) وغيره.

كما كان هناك تنظيم دقيق داخل الشيعة مستعد لسقوط الحكومة؛ ففي السنين الأخيرة قبل سقوط العراق وردت أخبار من أن الشيعة يقومون بعمل قوائم لأهل السنة في المناطق الشيعية وفي المناطق الجنوبية، وقد ظهر بعد السقوط أثر هذه القوائم في عمليات التهجير والاغتيال.

كما امتلأ الشارع بالكتب الشيعية القادمة من إيران ولبنان وغيرهما، وكانت أموال الخمس ـ كما أسلفنا ـ تتدفق على العراق من الخليج.

كما كان لخطأ الحكومة العراقية بتسهيل دخول الزوار الإيرانيين بوفرة بحجة تحسين السياحة الدينية، دور في دخول عدد غفير من عناصر المخابرات الإيرانية الذين خططوا لأشياء كثيرة.

وكان العراق يسهل أيضا للشيعة الخليجين الدخول للعراق من طريق الأردن بمنحهم بطاقات خاصة للدخول حتى لا يظهر الختم العراقي على الجواز الخليجي، طمعا بتحريك العجلة الاقتصادية، لكنهم أهملوا ما يُدخل مع هؤلاء من أموال تصب في دعم الشيعة.

أما السنة سيما الدعاة فلم يكن لهم دعم إلا النزر اليسير وكثرت الدعوات لعلماء الخليج عامة والسعودية لنجدة دعاة العراق، خاصة أن وضع العراق ينذر بسوء، وأن أي انهيار للحكومة سينتج عنه سيطرة الشيعة، ولكن لا حياة لمن تنادي وهذا يعبر عن مدى غباء الحكومات الخليجية التي لم تفكر إلا بإسقاط صدام ولم تفكر بالخطر الشيعي وتحسب حسابه، وهو ما عرفت حقيقته بعد السقوط، ولات حين مندم.

وكل المخاطر التي برزت بعد السقوط لم تكن صدفة بل خطط له من قبل، من قبل التنظيمات الشيعية والمخابرات الإيرانية، ولم يقف لهذه المخططات الإجرامية إلا الشباب المسلم والسلفي بالدرجة الأولى، ولم يكن معين لهم إلا الله بعد أن تقاعست دور الجوار السنية عن البحث عنهم ونصرتهم فضلاً عن التعرف بهم أصلا!! وكان الدعاة هم من حمل هذا الهم ولم يحمله من العلماء ولا المفكرين إلا من رحم الله.

ولعلي بعد هذه الحلقات السبع أكون قد فتحت الباب لغيري كي يكتبوا عن هذه الجهود القيمة للعلماء والدعاة والمفكرين ولغيرهم لمقاومة التشيع الذي ظهر خطره جليا بعد الاحتلال الأمريكي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين  والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين،،

 

 



(1)    هذا البحث ثلاث أجزاء: الجزء الأول: مقدمة مختصرة في تاريخ تشيع العشائر العراقية. الجزء الثاني: جهود العلماء في الفترة الواقعة بين ظهور الدولة الصفوية ولغاية سقوط العراق بيد الأنكليز.الجزء الثالث: جهود علماء ودعاة العراق منذ سقوط العراق لغاية يومنا هذا.

(2)      بعض الباحثين يعكس الأمر ويقول إن المذهب في العراق السائد قبل العثمانيين هو الشافعي وإنما أزداد انتشار المذهب الحنفي بعد مجيء الدولة العثمانية ، وتحتاج المسألة إلى تحرير.

(1)   هذا كان بالأمس واليوم بعد أن تمكنت أمريكا من احتلال العراق وتمكنت إيران من السيطرة على قطاعات كثيرة من البلاد، مكّنت للشيعة كي يحتلوا بغداد وقف كل سُنة بغداد والعراق  ينافحون ويذودون عن عراقهم السني واستطاعوا حماية بغداد من السيطرة الإيرانية الشيعية، مستخدمين كل الوسائل السلاح والرأي، لدفع هذا الاحتلال وقد نجحوا في إرجاع جزء منها، وإن شاء الله تعود بغداد مدينة لأهل السنة كما كانت في جميع العصور، وفي هذا عبرة لأربع أصناف من أهل السنة: الأولى: لبعض أهل السنة والذي مكث خارج البلاد ولا يفقه المخطط التي تريده إيران؛ ألا وهو تغيير هوية العراق. الثاني: من يقارع الأمريكان من أهل السنة ويتعاون مع إيران ويقتل بعض أهل السنة بحجج كثيرة، وهؤلاء نفر ابتلي بهم أهل العراق، كما ابتلي علي بن أبي طالب بأهل النهروان. الثالث: وهم السنة العرب الذين لا هم لهم إلا مشاكل أوطانهم وتركوا سُنة العراق وراءهم ظهريا، ولم يعرفوا أن خطر التشيّع قادم على الجميع، وأن العراق بوابتهم الشرقية فإذا انكسرت اندلق التشيع على الجميع. الرابع: ممن لم يفقهوا خطر التشيع من العرب بل طبلوا وزمروا لإيران وحزب الله سواء كانوا تيارات قومية أو إسلامية أو شيوعية.

(1)    مع العلم أن التشيع في بداية نشوءه لم يكن كالتشيع اليوم. حاول اليهود اليوم أن يشيعوا أن ليس هناك بلد اسمه العراق وإنما هذا الكيان وجد سنة 1921م عند تولد الحكومة العراقية الحديثة وهذه مغالطة لبداية تقسيم العراق، يعزف على وترها بعض القيادات الشيعية الدينية والقيادات الكردية.

 

(1)    برز في بغداد في القرن الرابع للهجرة الى القرن الخامس وبعد تولي البويهيين للحكم مجموعة من العلماء الشيعة المهمين كالكليني والطوسي والرضي والمرتضى، وقد عاش الشيعة بين كنف أهل السنة شعبا وحكومة آمنين ومارسوا أفكارهم بكل حرية ( وبدون تقية) ولم يُضطهدوا، بل كان الرضي والمرتضى لهم نقابة الطالبيين في بغداد ولهم قربة من الوالي وصلوا مع أهل السنة في مساجدهم، وهذا يعطي للقاريء فكرة عن السني عندما يحكم والشيعي عندما يحكم!! انظر مقال للكاتب الإيراني الشيعي جعفر سبحاني بعنوان: المراكز الثقافية الشيعية.

(2)    ليست محلة الكرخ الشيعية هي التي في جانب الكرخ حاليا، بل هي محلة قريبة من مدينة المنصور في جانب الكرخ اليوم وقد انقرض الشيعة هناك وأصبح الكرخ كله منطقة سنية إلا قليلا، حرر ذلك الباحث الشيعي المؤرخ مصطفى جواد في كتابه: (دليل خارطة بغداد المفصّل في خطط بغداد قديما وحديثا).

(3)    هي مدينة السليمانية حاليا وأهلها أكراد سنة منذ تأسيسها إلى يومنا هذا. مع العلم أن العراق كان يقسم إلى  خمس إيالات أو ولايات هي: بغداد ، الموصل، البصرة، شهرزور، الإحساء، هذا في زمن سليمان القانوني وبقي هكذا إلى سقوطه بيد الإنكليز فأصبح العراق بين أربع أو ثلاثة ولايات: بغداد والبصرة ثابتتان والموصل وشهرزور متغيرتان.

(1)    يذكر بعض الباحثين أن لبعض الحكام الجلائريين ميولاً للتشيع، وهو كذلك عند عدد من حكام المغول، وكان أول من تأثر منهم بالتشيع (أولجايتو محمد خربندة أو خدا بندة ) الذي حكم العراق وإيران خلال الفترة (703- 716هـ). وقد تأثر خدا بندة هذا بابن مطهر الحلي الذي رد عليه ابن تيمية في "منهاج السنة"، والفيروز أبادي في "القضاب المشهر في الرد على ابن المطهر" (تحت الطبع بتحقيقي في دار البخاري بمصر).

(2)      من حكام دولة القرة قونيلو الذي تأثر بالتشيع آسبان (اسبند) بن قره يوسف والذي حكم بغداد من (836-848هـ). ولكنه في الوقت نفسه حارب المشعشعين.

(3)      ينبغي لأهل السنة اليوم أن يحيوا ذكرى هذا اليوم وأن تكتب فيه المقالات، وأن يعيدوا لذاكرة العراقيين  ذكرى يوم الإنقاذ، حتى و يتجدد  الأمل لإنقاذ بغداد من مخالب الصفويين الجدد.

(1)      هم شيعة زيدية جارودية؛ أي زيدية متعصبة.

(2)      الأحواز جنوب شرقي العراق هي اليوم تابعة لإيران.

(3)    يرجح الكاتب العراقي علي الوردي (كاتب شيعي) في كتابه البديع "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي"/ طبعة الوراق ( 173 -175 ): أن سكان  الأهوار هم خليط من بقايا الأمم القديمة التي كانت بالعراق مع قبائل عربية مثل: البو محمد، والبو نصر، وبنو أسد، وبنو خيقان، وعشيرة الفرطوس وهؤلاء كلهم يسمّون معدان بلهجة العراقيين ويسمونهم أهل الفرات الأوسط (الشروق وبالهجة العراقية الشروك). والحقيقة أن أهل الجنوب يحتقرون أهل الأهوار بسبب أصولهم، وبسبب تريبتهم للجاموس وصيدهم الأسماك فهذه أعمال في نظر أهالي الجنوب معيبة، وكذا بسبب غدرهم. وقد أشار لهذه الدراسات عدة كتاب منهم المستشرق ولفرد ثيسغر في كتابه "المعدان أو سكان الأهوار" ترجمة باقر الدجيلي (ص15- 16 )، وشاكر سليم في كتابه "الجبايش" (1/26- 137 -138 ) (2/562-565)، وكاتب مجهول عراقي اسمه (أ . س. ح) (آل فتلة كما عرفتهم ) (ص113)، ويرجح الوردي أن مؤلف الكتاب هو الكاتب الشيعي جعفر الخليلي.

(4)      ويسمون المعدان.

(1)      هي مدينة ما تزال موجودة في العراق على الحدود مع إيران تابعة لمحافظة واسط أهلها اليوم شيعة اقحاح.

(2)      انظر: "العراق بين احتلالين" ( 3/109-213)، "دائرة المعارف الإسلامية الشيعية" (10/191-205).

(3)    كتبنا رسالة في هذه الدولة وتأثيرها وبيان خطرها بعنوان "عودة الصفويين" نشرتها مجلة الراصد الألكترونية لأول مرة، ثم نشرتها مجلة القبلة الصادرة عن جمعية الكتاب والسنة في الأردن، ثم اشتهرت على المواقع الألكترونية، ونشرت في الأردن كرسالة ووزعت مجانا الآف النسخ منها، واليوم تنشر في مصر.

(1)      مقال قيم بعنوان: "لمحات في دراسة قبائل العراق" للأستاذ الدكتور أبي محمد الهاشمي.

(1)      "دليل الخليج" للوريمر (4/1963).

(2)      المصدر السابق (4/2048،2075،2081).

(1)      ويسمون في البلاد الأخرى (الشرفاء). انظر كتاب "مسيرة الى قبائل الأحواز" (ص118)، "لمحات اجتماعية" لعلي الوردي (ج5/ق1/ص115).

(1)      مقال (لمحات في دراسة القبائل العراقية).

(2)      انظر: "دوحة الوزراء" رسول كركولي، (ص212)، "ماضي النجف وحاضرها" جعفر محبوبة (كاتب شيعي) (1/324-226).

(1)      انظر: "عامان في الفرات الأوسط" (ص58).

(2)      "الذخائر الشرقية"، كوركيس عواد، (1/496).

(1)      "الذخائر الشرقية"، كوركيس عواد، (1/498).

(2)      مصدر السابق (1/503).

(3)      مصدر السابق (1/504).، ورحلته طبعت في لندن سنة 1823م.

(4)      طبعت في مطبعة الملاح في سوريا سنة 1991م.

(5)      المصدر السابق (ص24).

(6)      تقرير لدائرة الاستخبارات البريطانية عن العشائر العراقية، ترجمة الدكتور عبد الجليل الطاهر(ص4).

(7)      دليل الخليج (4/1953).

(1)      مقدمة التقرير السري لدئرة الاستخبارات، ص10، وانظر لمعرفة حقيقة ثورة العشرين "الحقائق الناصعة" للفريق مزهر الفرعون (ص78).

(2)      لمحات اجتماعية (5/1/72).

(3)      "شيعة العراق"، إسحاق النقاش، (ص115).

(1)      هذا بعد مجيء الخميني للحكم عام 1979م .

(2)    يلاحظ القارئ كيف تضفي العقلية الصفوية صفات الذل والهوان كألقاب للفخر، وهذه اللوثة تحولت لأسماء العجم فشرعوا بتسمية أسماء معبدة لغير الله: عبد الحسين، وعبد الرسول، وعبد علي، عبد الحسن، وغيرها. وهذه الأسماء لم تكن معروفة في العالم الإسلامي حتى عند الشيعة إلا بعد ظهور الدولة الصفوية.

(1)      في كتابه البديع، "لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث" (2/259).

(1)      انظر: "النجف الشرقي" (220-223، 239-240) لطالب علي الشرقي، "عاشوراء في النجف وكربلاء"، مقال في مجلة لغة العرب لكاظم الدجيلي (العدد 67 سنة 1923م ).

(1)    هو أول من عرف بهذا اللقب من عائلة السويدي ويذكر حميد المطبعي في مقال له في جريدة المؤتمر عدد (1288) أنه عرف بتوقيع رسائله وخطاباته باسم خاله سويد ثم مد سويد إلى سويدي كإيقاع محبب لدى العامة فحل اللقب الجديد محل القديم (آل مرعي) وراح الناس ينادونهم بآل السويدي .

(2)      أقول المزعوم لأن أهل التحقيق والمؤرخين يذكرون أن هذا قبر المغيرة بن شعبة وليس قبر علي رضي الله عنه.

(1)      في رسالة كتبها إلى محب الدين الخطيب عندما علم انه يقوم على العناية بمختصر التحفة الاثني عشرية لمحمود شكري الألوسي.

(2)      "مقدمة مختصر التحفة الاثني عشرية" (ص14-16).

(3)      لايعلم سنة ولادته لكن رسالته منسوخة بتاريخ 1066 هجرية.

(1)      "مطالع السعود" لابن سند (169)

(2)      "العراق بين احتلالين" (7/293)، "لمحات اجتماعية" (2/110-111).

(3)      العامة حسب تعبير الشيعة.

(1)      على حد تعبير بعض من يعادي هذه الحركة.

(2)      كان هذا مقترحا من بعض المراجع.

(3)    "رسالة التنزيه لأعمال الشبيه" لمحسن الأمين (مواضع متفرقة)، "الأنوار الحسينية" لعبد الرضا كاشف الغطاء (1-14-30-36-38 )، "النقد النزيه لرسالة التنزيه" لعبد الحسين الحلي (11-12-15-35-126-136 )، "الآيات البينات في قمع البدع والضلالات" لمحمد حسين كاشف الغطاء(5-6-9-10-19-20 ) .

(4)      "مجلة المنار" سنة 1908م عدد (11)، "مطالع السعود" (169).

(5)      "العراق بين احتلالين" (7/293) ، "لمحات اجتماعية" (2/110-111).

(1)      "تاريخ علماء سامراء" ليونس السامرائي (2/180-183)، تاريخ علماء بغداد ليونس السامرائي (210-211).

(2)      شيعة العراق لإسحاق النقاش (ص106)

(3)      المصدر السابق (ص69).

(4)      المصدر السابق(ص173)

(1)      " شيعة العراق" (ص409).

(1)      مقال للمفكر الشيعي غانم جواد بعنوان: "الإنتخابات عند التيار الشيعي في الإسلام السياسي"... مع بعض التصرف والإضافة.

(1)      "تطور الفكر السياسي الشيعي" لأحمد الكاتب (ص407)

(2)      "الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية" لعلي البزركان (44-48)، "تاريخ الحلة" ليوسف كركوش الحلي (1/160).

(3)    "شعراء الغري أو النجفيات" لعلي الخاقاني (10/85)، "تاريخ الحركة الإسلامية في العراق" لعبد الحليم الرهيمي (ص119)، "تاريخ الصحافة العراقية"، عبدلبرزاق الحسني (30-32-65).

(1)      "شيعة العراق" لإسحاق النقاش (ص 107).

(2)      نفس المصدر (ص108).

(1)      "تاريخ الحركة الإسلامية في العراق" لعبد الحليم الرهيمي (ص151).

(2)    وقبل أن أغادر هذه النقطة أعتب على كل من بحث في حركة وتاريخ التشيع، لماذا لم يشر كاتب إسلامي واحد إلى هذه الحقائق لمعرفة حقيقة السلوك الشيعي، وانه  برزت محاولات  للتقريب بين السنة والشيعة على المستوى السياسي ولم يسلط عليها الضوء من قبل من كل من كتب في مسالة التقريب، وهي محاولات لو نجحت لكان لها نتائج خطيرة، وهي أخطر بكثير من الدعوات الدينية للتقريب، فهذه المحاولات جرت باسم الوحدة الوطنية ومصلحة البلاد، ونتيجة هذا الإهمال لهذا الطرح خدعت أجيال كثيرة معاصرة بنفس الأسلوب، والمطلوب من الدراسات الدينية أن توسع مداركها في دراسة التاريخ السياسي والاجتماعي للدول الإسلامية لمعرفة حقيقة كثير من الأحداث والوقائع، لعل أكثر الأجيال لا يعرف أن من قادة باكستان شيعة! أو أن في قادة العراق السياسيين الآن من هو في الأصل شخصية شيعية دينية! أو كيف تسلق النصيرية لقيادة الجيش السوري في غفلة من الجميع، كل ذلك أحد أسبابه طريقة الطرح القاصرة لأهل الدين لقضاياهم بمعزل عن الحركة السياسية للبلدان الإسلامية والعربية. كما لم يذكر أحد أنه كانت هناك عدة محاولات معاصرة لقيام دولة شيعية سبقت ثورة الخميني. في حين أعترف بذلك أحمد الكاتب في كتابه "تجربة الثورة الإسلامية في العراق 1920- 1980" والمطبوع في إيران سنة 1980م. هذه الأحداث لم تدرّس لأي جيل لأخذ العظة والعبرة منها، ولذلك تتكرر كل مرة  نفس الأخطاء ولا يستفاد منها للمستقبل، ومثال لذلك: الانتفاضة الشيعية في جنوب العراق بعد انسحاب العراق من الكويت (1991م) وظهور شعور شيعي باقتراب سقوط الحكومة، قام الشيعة في الجنوب بالانتفاضة للسيطرة على الحكم، وهو نفس ما فعله الشيعة بعد دخول الإنكليز وسقوط الدولة العثمانية، فلو قرأ العراقي ذو النهج الإسلامي أو القومي حقيقة التحركات السياسية الشيعية لما تكرر الخطأ نفسه ................ولكن لكون الجماعات السنية الإسلامية التي تدرس التشيع لا تدرسه إلا من خلال الأخطاء العقدية – وهو أمر ضروري ومهم ولكنه لا يكفي -، ولا تهتم بتوعية الجيل من مكر أهل التشيع في السياسة، والتشيع السياسي أخطر من التشيع العقدي وهو السلم إليه، والتشيع ظهر أول ما ظهر سياسيا وانتهى دينيا. وسنتكلم عن حقيقة ثورة العشرين وكيف أنها ثورة شيعية لإقامة دولة تحكم من قبل مجتهدي الشيعة، وكيف خدعوا العراقيين وصوروها على أنها ثورة للتخلص من الاحتلال، واليوم يخدع فصيل مقاتل كامل فيسمّى نفسه (كتائب ثورة العشرين) وهي ثورة لا يفخر بها أهل السنة البتة رغم أن كثير من أهل السنة شارك بها بدوافع ونوايا مختلفة. وسيرى أهل السنة لطف الله بهم وكيف حفظهم الله سبحانه بوعي بعض أهل العلم الوعاة والذين سبروا وخبروا أحوال الأمم.

(1)    بالضبط كما يحصل اليوم عندما أحس الشيعة بخطورة وجود أمريكا التي احتلت العراق بالقرب من دولتهم إيران عملوا بشتى الوسائل للتخلص من النفوذ الأمريكي لا كرها بالاستعمار بل سعيا وراء حماية إيران ومذهبها وما حققوه من مكاسب في العراق. وليفهم أهل السنة ذلك، ولتفهم هذا هيئة علماء المسلمين التي فشلت في تمثيل أهل السنة ووقعت بأخطاء عميقة، وليفهم  المتطرفون السنة (القاعدة) كيف أن تعاونهم مع الشيعة وإيران ضد أمريكا إنما يصب هذا في مصلحة  إيران والشيعة لا في مصلحة العراق وأهل السنة، وأن من مصلحة إيران اليوم ذهاب أمريكا من المنطقة لا حبا بطرد المستعمر فهي من ساعده ولكن لتترك المنطقة فريسة لها خالصة فلا منافس لها بعد ذهاب صدام حسين، وقبل تشكل إجماع سني قادر على صد أطماع وعدوان إيران وأعوانها من شيعة العراق.

(1)      الكاتب الشيعي حسن الأسدي في كتابه "ثورة النجف" (ص223) وصف هؤلاء المراجع "أن هؤلاء عمائم عملاء لشدة ولاءهم للإنكليز".

(2)      "لمحات اجتماعية" لعلي الوردي ( 105 )، "شيعة العراق" لإسحاق النقاش (ص115)

(3)      "كربلاء في التاريخ"  لعبد لبرزاق الوهاب (48-51).

(1)      أكلة يعملها الشيعة يوم عاشوراء وهذا مثل عامي لمن فعل شيئا لغاية أخرى.

(2)      وسيمر ذكرهم بالتفصيل في الحلقة القادمة.

(3)      الإمام محمد الخالصي لهاشم الدباغ (ص137)، وكذا حوار للإذاعة الإيرانية مع الشيخ محمد مهدي الخالصي (الحفيد). 

(4)      إلى حكومة ألف مليون مسلم  للشيرازي (ص22).

(1)      الشيعة خلافاتهم عميقة جدا فيما بينهم ولهم قدرة على الاختلاف فكريا وماليا (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى).

(2)      من كتاب "العقدة والعقيدة" لسيف الخياط.

(3)    لم يهتم الباحثون السنة ممن عايش ثورة العشرين بهذه الثورة  عندما كتبوا مذكراتهم او الفوا متبا ، وانما اهتم بها  الشيعة لأن أولئك فهموا المغزى الحقيقي للثورة ، بينما كتب عن الثورة الشيعة لأنها ثورتهم وغرضهم كان واضحا فيها ، غابت هذه المعاني عند المتأخرين وبعد ثورة 1958 كثر الاهتمام بالثورة لأن غرضها الحقيقي نسي. وقد أغاض حسن العلوي ذلك في كتابه المشبوه "الشيعة والدولة القومية" فأتهم كل السنة بأنهم كانوا مع الانكليز ضد الثورة وهو وزبانيته الشيعة كانوا وطنيين، مخطأ من فكر يوما أن للثعلب ديناً.

(1)    هي ثورة قامت بها عشائر الفرات الأوسط ضد الوجود الانكليزي وامتدت حتى شملت العراق كله وتكبد الانكليز خسائر جمة  كما تكبد العراقيين خسائر أكثر، استمرت عدة أشهر ولم تنجح ، كان ذلك سنة 1920م.

(2)    ولقد أدرك صاحب هذا المقال العراقيين لغاية الستينات وهم يمشون في الشوارع حفاة ويتبولون في الطرقات، والأمراض تفتك بهم ، وهذا الأمر في جميع البلدان العربية الإسلامية  كدول الخليج أو اليمن أو إيران .

(3)      هذا المرجع كان متهما بتواطئه مع الانكليز كما اعترف الشيعة أنفسهم، انظر "الشيعة والدولة القومية" (ص98).

(4)      لمحات اجتماعية (5/110-111).

(1)      حنا بطاطو

(2)      "تجربة الثورة الإسلامية في العراق" لأحمد الكاتب (12-20-21-24).

(3)      شيعة العراق لإسحاق النقاش (121).

(1)      "شيعة العراق" (ص127).

(1)      لأنه كان المرجع المفضل لدى الإنكليز بإعتراف الشيعة، وهذه حقيقة لم يستطع حسن علوي إخفاءها.

(2)      "المرجعية الشيعية والسياسة في العراق"، 2004.

(1)      انظر مقال: "الشيعة والحكم في الدولة العراقية الحديثة" للدكتور موسى الحسيني.

(1)      محمد الشيرازي، "إلى حكم الاسلام" ( ص313). 

(2)      خالد التميمي، محمد جعفر أبو التمن، (ص163).

(3)      خالد التميمي، محمد جعفر أبو التمن ، (ص 188).

(4)      حسين الشامي، "المرجعية الدينية"، (ص102).

(1)      انظر مقال: الشيعة والمرجعية في العراق.

(1)      "لمحات اجتماعية" (6/140-149).

(1)      "مذكرات في صميم االأحداث" 1917-1958  لمحمد مهدي كبة (26-27).

(2)      "لمحات اجتماعية" ( 6/218).

(3)      "نفس المصدر" (6/221- 233).

(4)      نفس المرجع (6/249).

(1)      "شيعة العراق" (ص156).

(2)      "هكذا عرفتهم" لجعفر الخليلي (1/108-111) (2/145 -149) .

ملاحظة مهمة: هذه المعلومات أخذت من مراجع عربية شيعية ومراجع أجنبية وهي كثيرة جدا يصعب ذكرها.

(1)      "شيعة العراق" لإسحاق النقاش (159).

(2)      "الفوائد الرجالية" لمحمد مهدي بحر العلوم (1/160).

(3)    ثمة قضية مهمة لابد من أن توضح لكل باحث في الشأن الشيعي وهي: أن علماء الشيعة في إيران منذ ظهور الدولة الصفوية ولغاية حكومة الشاه محمد رضا بهلوي ارتبطوا مع حكامهم سياسيا واقتصاديا ومصيريا، وأصبحت إيران كدولة تعتبر الفكر الشيعي أحد أدواتها، والعكس كذلك أُعتبرت الدولة الإيرانية إحدى أدوات الفكر الشيعي. وهذا الأمر مضى عليه أربعة قرون حتى غدا عرفا بين الجهتين. وفي بداية القرن العشرين نشأ تحالف بين مراجع إيران وحكامها كان الغرض منه مواجهة المد الشيوعي داخل إيران والذي أخذ بالانتشار والزيادة على يد حزب تودة الشيوعي الإيراني المعروف، وفي المقابل كانت الحكومة توفر الحرية لرجال الدين الشيعة فتضمن سكوتهم عن كثير من المعاهدات والتحالفاتِ مع الأجنبي دون أي اعتراض. هذا الوضع كان مختلفا بالعراق فكانت صلاحية المراجع الشيعية محدودة التصرف: إذ العراق – سيما الجنوب - حديث عهد بالتشيع أولا. ولم تتولد علاقات قوية بين الحكومة والمراجع ثانيا. كما أن العراق لم يصبح بلدا شيعيا في كل تاريخه ثالثا.

(1)      هذه النقاط اخذت من مصادر عدة منها: كتاب حنا بطاطو، وكتب علي الوردي، وشيعة العراق، وغيرها من الوثائق البريطانية.

 

(1)      هذا أخذناه من قوانين الدولة العراقية.

(1)      كما جاء في وثائق المخابرات الإنكليزية في وقتها.

(2)      وهذا يذكرنا بسلوك الحاكم الصفوي المعروف الشاه عباس عندما منع الحج على الإيرانيين حتى لا تعطى ضريبة للدولة العثمانية، انظركتاب "عودة الصفويين" لراقم هذه السطور.

(1)      احصاء سنة 1957م.

(1)    من أبجديات الدول أن تكون لها جيوش، ورغم أن الانكليز كانت لهم رغبة بتشكيل الجيش العراقي لتخفيض نفقات قواتهم المتواجدة في العراق، فإن ذلك لا يعيب فكرة تكوين الجيش العراقي، أقول ذلك لأن كاتبا مشبوه المقاصد والنوايا وظيفته نشر وتوظيف الطائفية - حسن العلوي -  كتب في كتابه المسموم "الشيعة والدولة القومية" (ص176) : أن الجيش العراقي أسس لضرب شيعة الفرات الأوسط، ثم ادّعى بعد ذلك أن الجيش توسع ليضرب الأكراد في الشمال. هذا الجيش الذي شهد له القاصي والداني بوطنيته ودفاعه عن قضايا الأمة، هذا الجيش سر قوة العراق والذي طالما حلمت اسرائيل بالتخلص منه، والذي ما أن احتلت أمريكا العراق حتى  أمرت بحله في 23/5/2003 بأمر وبتواطؤ من الشيعة، على يد بول بريمر الحاكم المدني للعراق.

(2)      جريدة النهضة 1090 في 2/10/1927م ، وثائق المجلس التاسيسي (ص162).

(3)    طه الهاشمي ( 1888 - 1961), عسكري وسياسي ومتخصص بالجغرافيا البشرية في العهد الملكي في العراق. تولى عددا من المناصب والمهام منها منصب رئيس الوزراء لمدة شهرين فقط من 1 شباط 1941 إلى 1 نيسان 1941 ثم خبيرا في وزارة المعارف حيث الف عدداً من الكتب المنهجية لمدارس الثانوية العامة . عين طه الهاشمي رئيسا للوزراء من قبل الوصي على العرش عبد الإله بن علي بن حسين بعد اقصاء حكومة رشيد عالي الكيلاني ذي التوجهات المناهضة للهيمنة البريطانية على سياسة العراق. انتهت ولاية طه الهاشمي عندما هرب عبد الاله خوفا من ان يغتال باوامر من رشيد عالي الكيلاني

(4)      "المجتمع والدولة في المشرق العربي" لغسان سلامة، مركز الدراسات الوحدة العربية، وتاريخ الوزارات العراقية لعبد الرزاق الحسني (2/104).

(1)      بالضبط كحال العراق اليوم .

(2)      "الافكار السياسية للأحزاب العراقية في عهد الانتداب" لحسين جميل (27)، "تاريخ الوزارات" (2/100).

(1)      "الافكار السياسية" (29)، "شيعة العراق" لاسحاق النقاش ( 216-217) نقلاً عن تقارير دوائر المخابرات البريطانية.

(2)      مجلة "العرفان" اللبنانية الأعداد ( 20،21،22) لسنة 1930-1931

(3)      لم يكن الشيعة في يوما ما أكثرية في العراق، ولتفصيل هذا الموضوع انظر الملحق في آخر المقال.

(1)    ياسين الهاشمي، توفي سنة 1937 أحد السياسيين في العراق ابان العهد الملكي حيث شغل منصب رئاسة الوزراء مرتين. كان ضابطا في الجيش العثماني قبل الانتداب البريطاني على العراق. شغل منصب رئيس الوزراء لمدة 10 أشهر واصبح عبد المحسن السعدون رئيسا للوزراء من بعده. شغل مناصب حكومية مختلفة لمدة عشر سنوات حتى اصبح رئيسا للوزراء للمرة الثانية عام 1935. اشتهر ياسين الهاشمي بكونه أول رئيس وزاء عراقي يتم الاطاحة به عن طريق انقلاب عسكري حيث قام بكر صدقي بانقلابه الشهير عام 1936 . نتيجة لهذا الانقلاب هرب الهاشمي إلى سوريا ومكث في دمشق إلى ان وافاه الاجل بعد شهرين من  هروبه.  

(2)      "تاريخ الوزارات" (4/ 84- 86 ).

(1)    كان الهاشمي ذا نظر بعيد ، فالحكومة  إذا استجابت للشيعة فإنهم سيطمعون بمطالب أكثر إضافة إلى أنها كانت تخطط لإزاحة المرجعيات من واجهة القرار في العراق، وإذا استجابت لتدريس الفقه الجعفري فمعناه جلب المرجعيات إلى الجامعات العراقية علنا.

(2)    هذا هو تاريخ الشيعة في العراق: زعزعة الاستقرار في كل زمان ومكان وجدوا فيه بدءا من: ثورة العشرين، وثورة 1927م، وثورة 1935م، وانتفاضة 1991م، أوضاع العراق عند الحكم الشيعي منذ الاحتلال لساعة كتابة هذه المقالة، فكلما وجدوا فرصة ثاروا وخربوا ونهبوا وسرقوا، كما يفعل الصدريون وجيش المهدي اليوم في الجنوب العراقي.

(3)      تلفظ باللهجة العراقية المنتفج ، بالجيم الفارسية.

(4)      أقول بذكاء لأن كل عمل يقلل من الثورات وعدم الاستقرار هو لصالح العراق بأكمله وهو نوع من استيعاب الشعوب وخير من المواجهات الدامية.

(1)      تفاصيل هذه الأحداث متوفرة في المراجع العراقية والأجنبية.

(2)      ذلك أن سلطة المراجع بدأت تعود للشيعة في العراق للمرجعيات عندما ظهرت الأحزاب الدينية مرة أخرى.

(1)    فكلاهما ينهل من ثوروية الفكر الشيعي الرافضة لكل فكر ودين سوى دينها، وأنها ما أن تتمكن حتى تسلك مسلك اجتثاث الآخرين كما فعلوا في إيران وحاولوا فعله اليوم في العراق ويحاولون في الكويت والبحرين واليمن ولبنان، إن عدم الإستقرار مطلب لكل الشيعة المتدينين كي يتسنى لهم الوصول الى مآربهم الدموية، ومن يراجع أوصاف مهدي الشيعة وما يفعله إذا حل بالبلاد قتلا وسفكا ودمارا وحرقا فإنه سيفهم  حقيقة دموية الفكر الشيعي، وصدق صديقنا الدكتور طه الدليمي عندما قال إن الشيعة ينطلقون من عقدة وليس من عقيدة تشبه عقدة اليهود بالإضطهاد والتظلم.

(2)      "الشيعة والدولة القومية" لحسن العلوي  (193).

(1)      شيعة العراق (229).

(2)    كل الوطنيين العراقيين كانوا يقاومون من يتواطأ مع المستعمر سواء كانوا سنة أم شيعة، فقد كانت التظاهرات شعارها سواء من السني والشيعي) :نوري سعيد – سني – القندرة وصالح جبر – الشيعي – قيطانه) وهذا دلالة على ان الشارع ينظر بمنظار غير طائفي. لكن شيعة الجنوب اعتبروا إخراج جبر لا بسبب مواقفه المشينة، بل اعتبروه ضربا للشيعة، رغم أن المظاهرات كانت تدين السني نوري سعيد!

(1)      من المدن التابعة اليوم لمحافظة واسط.

 

(1)      هذا في سنة 1927م ، وأعيدت الكرة اليوم.

 

(1)      سنة 1326هـ في أول المجلد 16.

(2)      انظر لهذا الإنصاف العلمي حيث أن التعبد لله ولو على طريقة الشيعة خير من الجهل، خاصة أن العقائد الغالية لم تكن تنشر بين هذه القبائل آنذاك.

(1)      ابن سند البصري "مطالع السعود" اختصار أمين الحلواني (ص169 -170 ).

(2)      "تاريخ الوزارات" لعبد الرزاق الحسني (3/318 ).

(3)      ستأتي ترجمته قريباً.

(4)      من أوراق كامل الجادرجي (64).

(5)    أحد السياسيين العراقيين أثناء العهد الملكي في العراق. ولد في عام 1891 وشغل منصب رئيس الوزراء من أيلول 1932 إلى آذار 1933. أثناء الحرب العالمية الثانية كان ناجي شوكت يشغل منصب وزير العدل في حكومة رشيد عالي الكيلاني الذي أرسله في 3 تموز 1940 في مهمة سرية إلى تركيا ليلتقي السفير الألماني هناك حيث كان في نية الكيلاني توفير الدعم لألمانيا الهتلرية إذا وصلت الحرب أراضي العراق مقابل تعهد ألمانيا في حالة انتصارها باستقلال العراق. وصلت أخبار هذه اللقاءات السرية إلى المخابرات البريطانية مما أدى إلى نزول أعداد كبيرة من الجنود الأنكليز إلى البصرة لإسناد العرش العراقي الذي كانت له ميول بريطانية.

(6)      "مذكرات ناجي شوكت" (634)

(7)      "الثورة العراقية" للسير آرنولد ويلسن، ترجمة جعفر الخياط (85).

(1)   اما المعدان فهم من يمتهن تريبة الجاموس ويعيش في الأهوار وهؤلاء أقوام متخلفون، اختلف في اصولهم فالبعض يقول إنهم هنود وبعضهم يقول إنهم قبائل عربية تمعدنت وربت الجاموس (البقر الأسود) الذي ينتج مادة القشطة (في اللهجة العراقية قيمر) وهؤلاء وجدوا قديما، ولهم شيوخ لعشائرهم وعاداتهم لا يفتخر بها عربيا، فمثلا نساؤهم يعملن ورجالهم همهم حمل السلاح والتزوج من أكثر من زوجة، ويشكلون عصابات لقطع الطرق والإغتيالات، وهم متخلفون جدا وبعيدون كل البعد عن العلم والثقافة، وقد وقفوا تاريخيا مع المشعشعين وساهموا في الغزو وتدمير قرى الجنوب، أما أماكن تواجدهم ففي محافظة ميسان والناصرية حيث توجد الأهوار (البطائح).

أما الشروق (الشروك) الذين يطلق عليهم عرب الجنوب، فيعيشون في شرق العراق في مدينة العمارة وهؤلاء  أيضا يشك في أصولهم فبعضهم يقول أنهم من هجرة بلوشية للعراق وآخرون يقولون أنهم سكان العراق القدامى قبل هجرات العرب إليها، وآخرون يقولون أنهم قبائل عربية تأثرت بسلوك المعدان فأصبحت صفاتهم  رديئة كاللصوصية والتشتت والغدر وقلة الوفاء، وقد ازدراهم شيعة الجنوب أنفسهم في منطقة الفرات واعتبروا أن من يقطن نهر دجلة جنوب مدينة الكوت هم الشروك.

وقد كتب في ذلك عدة كتاب عراقيين قديما منهم: شاكر مصطفى سليم في كتابه (الجبايش)، ومحمد باقر الجلالي (موجز تاريخ عشائر العمارة)، وعبد الجبار فارس "عامان في الفرات الأوسط" وجعفر الخليلي (آل فتلة كما عرفتهم) وولفر ثيسيغر في كتابه "المعدان أو سكان الأهوار" ترجمة باقر الدجيلي ، إضافة لكتابات د.علي الوردي.

(1)    " تاريخ في ذكريات" لعبد الكريم الأزري (ص30- 31 )، والأزري هو الأذري من أذربيجان (الشيعة)؛ لأنهم يلفظون الذال زاء.

(1)    ونحن نكتب هذه السطور برزت مشكلة حزب الله الأخيرة في لبنان والتي احتل فيها مدينة بيروت، ولا أريد التعريج كثيرا على الأحداث ولكن لابد من التعليق على ردة فعل أهل السُنة في كل العالم الإسلامي، لقد كانت مواقفهم تنم عن قلة وعي بحقيقة التشيع، وعن غياب كامل في فهم هذه الفئة، حتى  رأينا  الجماعات القومية والشيوعية (اليسارية) والدينية (الإخوانية والتحريرية) وقفت لمساندة الشيعة على إخوانهم السنة بحجة مقاومة أمريكا، ولا أقول إلا كما قال صاحب يس (ياليت قومي يعلمون)، نعم مضحك مبكهذا الوضع عندما يقف نفر من أهل السنة مع الشيعة، ولا يفهمون ما وراء العقلية الشيعية وكيف تفكر، ومع كل ما فعلوه في العراق وما يفعلونه في البحرين واليمن وفي سوريا، حتى غدا المعروف منكرا والمنكر معروفا.

سبحان الله ! الشيعة في القرن العشرين يريدون تحرير فلسطين! وهم على مدى تاريخهم خنجر في صدر وظهر الأمة، بيد أن العتب ليس على العلمانيين والقوميين واليساريين فهؤلاء غيبوا الدين من حساباتهم ومن أفكارهم، لكن العتب على الجماعات الإسلامية، والتاريخ يسألهم، هل وقف الشيعة يوما مع الأمة في محنها؟ وكم مرة وقفوا مع عدوها؟ وهذه سنة  الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا، والتاريخ يعيد نفسه، ولا جديد تحت الشمس كما قيل.

ولعل خدعة ثنائية الاختيار هي سبب سوء التحليل لدى هذه الجماعات ، فإما أن تكون معي أو ضدي، إما أن تكون مع أمريكا أو ضدها إما أن تكون مع إسرائيل أو ضدها !هذا هو المنطق السائد وترسخه آلة إعلامية كبيرة بدءا بقناة الجزيرة وصحيفة السبيل الناطقة باسم الإخوان في الأردن ومرورا بتحليلات سلفية بسيطة من قبل محمد الأحمري وغيره من مشايخ السعودية السلفيين – مع الأسف – لا انطلاقا من قواعد الإسلام التي تستحضر فيها العقيدة والتاريخ والسياسة في آن واحد ويستوعبها وينطلق منها لمصلحة الأمة، بل انطلاقا من خدعة التحليل الثنائي، التي لا تترك مساحة للتفكير إلا ما بين الأسود والأبيض ، وكأن الله لم يخلق ألوانا غير هذين اللونين. الغريب أن الشيعة الذين يدافعون عنهم بحجة مقاومة أمريكا لا يتحرجون من التعاون مع أمريكا حين تتقاطع مصالحهما معاً!! والأعجب أنهم يبقون هم تيار الممانعة والصمود!!

إن ذاكرة الأمة ضعيفة لأنها غُيبت عن الوعي، وهذا ليس بمستبعد في ظل حكم العلمانيين واليساريين والليبراليين ، ولكن ما بال ذاكرة المسلمين!

فهل نسي الفلسطينيون مذابح أمل فيهم وما زال شهودها أحياء!

أم نسي السوريون مذابح حماة من قبل العائلة النصيرية!

أم نسي أهل لبنان مؤامرات أمل وحزب الله مع النظام العلوي وإيران للسيطرة على لبنان وتشييع بلاد الشام!

أم نسيت حماس والجهاد الفلسطيني كل جرائم الشيعة في العراق وما فُعل بأخوانهم الفلسطينيين في العراق ولا أقول بالعراقيين لأننا أصبحنا نتكلم بمنطق وطني مع الأسف!ولعل هذا يُبرر ليس بفقدان الذاكرة ، بل بنعمة النسيان ! ولا حول ولا قوة إلا بالله .

(1)   هو ساطع بن محمد هلال بن مصطفى الحصري "أبو خلدون"، ولد في صنعاء من والدينحلبيين في 1297هـ الموافق 1880م، تعلم في إسطنبول زمن الدولة العثمانية، فتترك ثمتعرب! وبقي ضعيفًا في العربية! لما انفصلت سوريا عن الحكم العثماني دعته حكومةالملك فيصل بن الحسين "القومية" ليُعين وزيرًا للمعارف.  ولما احتل الفرنسيونسوريا سافر إلى بغداد ليعمل مديرًا لدار الآثار، ورئيسًا لكلية الحقوق، ثم أجبرعلى مغادرة العراق سنة 1941م فعاد إلى سوريا مستشارًا في وزارة المعارف. ثم عهدتإليه جامعة الدول العربية إنشاء معهد الدراسات وإدارته.  ألف أكثر من خمسين كتابًا؛ معظمها في التنظير لفكرة القومية العربية؛ حتى سمي "فيلسوفها"، وقد صدرتمجموعة أعماله الكاملة في 3 مجلدات عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت عام 1985م. توفي الحصري في القاهرة عام 1968م .

(2)    "مذكرات ساطع الحصري" (1/324).

(1)   ولد كامل رفعت الجادرجي في بغداد عام 1897 وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارسها، ثم دخل كلية الحقوق وتخرج منها، ساهم في ثورة العشرين مع والده، فألقي القبض عليه ونفيإلى اسطنبول وفيها انتمى إلى الكلية الطبية، وبسبب ظروف خاصة فقد ترك الكلية وعادإلى بغداد، وعين سكرتيراً لمحافظ بغداد، ثم صار معاوناً لوزير المالية عام 1926وانتخب نائباً في مجلس النواب عام 1927 وكان أحد المعارضين لسياسةالحكومة تعتبر الفترة من سنة 1930 ولغاية 1936 من أهم الفترات التيتمثل القفزة النوعية في فكره السياسي حيث ساهم بتأسيس حزب الإخاء الوطني بقيادةياسين الهاشمي وأصبح عضواً في لجنته التنفيذية ورئيساً لتحرير صحيفته (الإخاءالوطني) وقد استقال من هذا الحزب عام 1936 بسبب شكوكه في إخلاص الهاشمي للمبادئالتي كان يعلن عنها وعدم التزامه بالقومية والديمقراطية مما دفع الجادرجي للانتماءإلى الحزب الوطني بزعامة جعفر أبو التمن، وبعد فترة ترك العمل فيه وانتمى إلى جماعةالأهالي؛ وهي جماعة سياسية وطنية ديمقراطية تضم العديد من الشخصيات الوطنيةالمعارضة، فبرز من خلالها كأنشط معارض لحكومة نوري السعيد فألقي القبض عليه وحوكموسجن ثم أطلق سراحه. وبسبب رفضه لسياسة الحكومة وحسه الوطني وغليان الثورة فيه تكتل مع تشكيلات سرية للقيام بانقلاب عسكري بقيادة بكر صدقي عام 1936 فتولىوزارة الاقتصاد، وبالرغم من قصر المدة فقد قام بالعديد من الإنجازات أهمها تقديممذكرة يطلب فيها إعادة النظر في اتفاقيات النفط، كما ركز على حقوق العمال وتحديدساعات العمل ولكنه اختلف مع قائد الانقلاب بسبب عدم وفائه بوعده لتحقيق مطامحالسياسيين ومطالبهم.  استقال الجادرجي من الوزارة ورحل إلى قبرص، وبعد مقتل بكر صدقي عاد إلىبغداد، وجمع الديمقراطيين وأسس الحزب الوطني الديمقراطي، وفي عام 1946 اصدر صحيفةاسماها (الأهالي) وقد انضم إليه خيرة المثقفين والوطنيين وقام حزبه بنشاطات كثيرةمنها أنه شارك في مقاومة المعاهدة العراقية البريطانية، كما وضع النواة الأولىلنقابة الصحفيين وترأسها حتى سنة 1950، وفي عام 1948 جهر بأنشطة منظماتهالديمقراطية ودعا إلى الثورة على حكومة نوري السعيد فألقي القبض عليه وأودع السجنللفترة من 1956-1958 حتى قيام الثورةبقيادة عبد الكريم قاسم فقدأطلق سراحه ومارس نشاطه السياسي وانطلق الصوت الهادر من جديد وأصدر جريدة الأهاليالناطقة باسم الحزب الوطني الديمقراطي ودعا إلى إقامة الجبهة الوطنية ولكن القدر لميمهله فقد تعرض إلى نوبة قلبية توفي بسببها في عام 1968 ببغداد ودفن فيها ومن أهممؤلفاته "في التوجيه الوطني بعد الوثبة"، وبعد وفاته صدر له كتاب "مذكرات كاملالجادرجي، من أوراق كامل الجادرجي"، وقد كتب محمد عويد الدليمي، "كامل الجادرجي ودوره في السياسة العراقية، 1898 -1968" (بغداد، مطبعة الأديب، 1997) وهذه الدراسة هي، في الأصل، أطروحة دكتوراه.

(1)    ومما لا يفوتنا ذكره أنّ فكرة المواطنة والوطنية كانت من الأفكار السائدة في تلك الحقبة من التاريخ أن الرابطة الوطنية هي الأقوى من غيرها، والتفريق على أساس العرق والدين أصبح أقل تأثيرا في العراقيين، وهذا الأمر برز بصورة جلية بعد سقوط الخلافة العثمانية.  وتقوم فكرة المواطنة على أساس جعل كل المواطنين في البلد الواحد سواسية، وأنّ من يقدم أكثر هو الوطني الجيد، وأصبح التكلم على الانتماء الديني عيبا؛ لذلك استفاد أغلب الشيعة من هذه الظاهرة في تمرير مآربهم مستخدمين التقية بغلاف الوطنية، وتأذى السُنة لأنهم سكتوا عن طائفية الشيعة، التي يتعلمها الشيعي في بيته مع أكله وشربه ونظام تعليمه الخاص (الديني) إلا من شاء الله، وتوقف عدد كبير من المؤلفين والمثقفين عن الكتابة عن التشيع بسبب هذا المعيار الجديد، وفقدت وطمست وثائق كثيرة بسبب المعيار الوطني. ويدلل على ذلك أن الكتل الشيعية سواء كانت متدينة أو علمانية كلها سعت في فترة الثمانينات والتسيعينيات من القرن الماضي إلى  تشكيل كيانات شيعية وتحت رعاية إيرانية وسورية، والتحالف مع الأجنبي بذرائع كاذبة منها: مظلومية الشيعة. أن الشيعة أكثرية مظلومة. أن السنة أقلية مسيطرة على الحكم. وذلك بعد السقوط وإيجاد مجلس الحكم الطائفي والعرقي وتنحية السنة عن سدة الحكم.

(2)      من أوراق كامل الجادرجي (64).

(3)      المصدر نفسه (65).

(1)    المصدر نفسه (ص 65).

(2)    بعض الباحثين يقول أنه لم يفتح الحقوق وإنما زج بالشيعة في هذه المدرسة.

(3)    نفس المصدر (65).

(4)    نفس المصدر (65).

(5)    كتاب وجوه عراقية.

(1)      "مذكراتي" لتوفيق السويدي (77).

(2)    أثبتت الأيام صدق حدس سُنة العراق نحو الشيعة، لقد حاول كثير من الكتّاب ذوي الأصول الإيرانية مثل الأمريكي نصر فالي (والي) وغيره والكتاب اليهود مثل حنا بطاطو وإسحاق النقاش أن يبينوا للعالم في كتاباتهم أن شيعة العراق غير مرتبطين بشيعة إيران، وفشلت هذه النظرية أمام أول اختبار واقعي بعد سقوط العراق، واليوم شيعة العراق بيد إيران سواء علمانيوهم (أحمد الجلبي، حسن علوي..) أم متدينوهم.

(3)      العدد 20 سنة 1978.

(1)    هوالشيخ عبد القادر الكيلاني.

(2)    منقولة عن احد مشايخ السلفية في العراق وقد نشرت في ملتقى أهل الحديث:http://www.ahlalhdeeth.cc/vb/

(1)    وقد قاتل مع الملك عبد العزيز آل سعود في كثير من معاركه.

(2)    الجرك هو الكعك والجركجي هو صانع الكعك باللهجة العراقية.

 

(1)    "الالوسي سيرته ودراساته اللغوية" (ص19-21) / منشورات مركز الوثائق والمخطوطات سنة 1995.

(2)    االمصدر السابق (ص33).

(3)    المصدر السابق الالوسي سيرته (ص42).

(1)    "الآلوسي سيرته وآراؤه اللغوية" (ص34).

(1)    أعلام العراق (ص30)، المطبعة السلفية سنة 1345هـ.

(2)   انظر مثلاً كتاب المجمع العلمي العراقي في تكريمه والمطبوع سنة 1994 ويقع في 500 صفحة، وكذلك كتاب الصحفي حميد المطبعي "العلامة محمد بهجة الأثري" ضمن سلسلة "موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين" طبع في بغداد سنة 1988 / دار الشؤون الثقافية.

(1)    (ص37).

(2)   ترجمته في كتاب "شخصيات موصلية" للدكتور إبراهيم خليل العلاف ولم نطلع عليها وإنما استفدنا من ترجمته المكتوبة من قبل الأخ احمد النعيمي أحد الباحثين في بغداد ومن بحث بعنوان "أركان العقيدة دراسة في شعر الملاّح" لإسماعيل المشهداني.

 

(1)    هذه المحلة من أقوى مناطق السنة المتبقية في الرصافة والتي تعرضت لأشرس الغارات والحصارات الشيعية وذاق أهلها من النكال والعذاب ما لم يسمع بمثله في أخبار الحروب والكوارث، وأهلها أصحاب غيرة على السُنة ويبغضون الشيعة ويسمونهم العجم، ولم تزل ليومنا هذا عصية عليهم، والله خير حافظا وهو ارحم الراحمين.

(2)      الشيخ أمجد محمد سعيد الزهاوي عالم العالم الإسلامي /كاظم المشايخي /ص 206 /ط 2 /2003 م.

 

(1)    التطورات السياسية في العراق 1941-1953م، لجعفر عباس حميدي (207).

(2)    الحزب الشيوعي لحنا بطاطو (103-148).

(3)    جمعية الأخوة الاسلامية في العراق 1949- 1954م، لإيمان عبد الحميد محمد الدباغ (42-45).

(1)    مجلة لواء الإسلام ، السنة 1/ العدد 2/سنة 1959م..

(2)    من سجل ذكرياتي للصواف (147).

(3)    انظر موقع www.kitabat.com/i32514.htm - 72k.

(1)    مذكرات مهدي الحكيم ( ص19) .

(2)    مقابلة مع السيد طالب الرفاعي بتاريخ 11/5/1999.

(3)    مقابلة مع السيد طالب الرفاعي بتاريخ 11/5/1999.

(4)    الصادق العهد (ص48).

(1)    شيعة العراق (238)

 

(1)    "المجتمع والدولة في المشرق العربي" لغسان سلامة (ص92).

(1)    نواب صفوى من الشيعة الغلاة، قام باغتيال عدد من الرموز الشيعية بسبب تسننها وتركها للتشيع.

 

(1)    "الشيعة والدولة" القومية لحسن علوي(211).

(2)    تصغير كريم باللهجة العراقية العامية.

(3)    هي اليوم تسمى محافظة ميسان.

(4)    وقد مر التعريف بهم.

(5)    ثم سماها صدام حسين مدينة صدام ثم سميت اليوم مدينة الصدر نسبة لوالد مقتدى محمد صادق الصدر.

(6)    يسمون باللهجة العراقية (الكاولية).

(1)    تاريخ الحركة الإسلامية في العراق لعامر الحلو (43)

(2)    من هؤلاء حسن علوي في كتابه "الشيعة والدولة القومية"(ص217).

(1)    نقلا عن حسن علوي في (الشيعة والدولة القومية) (183-184).

(2)    ساعد الإخوان في جمعية الأخوة الإسلامية ثم أبعد لسلفيته ، انظر كتاب "جمعية الأخوة الإسلامية في العراق" لإيمان عبد  الحميد محمد الدباغ (ص 160).

(3)    ترجم له تلميذه محمود الملاح  في كتاب"التحديث بالنعمة في سيرة شيخنا العلامة عبد الله النعمة".

(1)   ذكرت ذلك لأن الشيعة والصوفية ومتعصبة المذاهب يركزون على قضية وهمية سيما في العراق وهي أن الدعوة السلفية مدعومة من السعودية وهذا ما لم يحصل في العراق إلى يومنا هذا بل هي سمعة صنعها الأعداء فحسب.

(1)   لأن إخوان الموصل وشمال العراق والرمادي لا علاقة لهم بموضوع التشيع مع الأسف وكأنهم ليسوا عراقيين، وهذا واقع مر حتى أن أحد الإخوة من الموصل لم يعرف خطر التشيع إلا في أوربا.

(2)    لوليد الأعظمي كذلك مؤلفات في كشف التوجهات الشعوبية وتشويه التاريخ الإسلامي لكنه كتبها في الثمانينات من القرن المنصرم.

(3)   من أسباب ضعف الدين في العراق عدم وجود مؤسسة لتخريج أئمة وخطباء وانعدام المدارس الدينية أو الجامعات مثل الأزهر أو مشيخات ؛ لذلك بقي العراق ضعيفا في دينه بسبب قلة الموجهين.

 

(1)    مصطلح الأمن في العراق يختلف عن كثير من الدول فينما يطلق الأمن على رجال الشرطة يطلق على الأمن في العراق على المخابرات.

(1)   أول ما تأسس في العراق من الأحزاب الشيعية حزب الدعوة ثم حدثت فيه انقسامات كان أولها انقسام تنظيم بغداد سنة 1960 فقد انشقت لجنة الكرادة (ضاحية من ضواحي بغداد ذات أكثرية شيعية وسمي التنظيم الجديد (جند الإمام) بقيادة سامي العسكري، ولا زال هذا التنظيم موجودا ليومنا هذا.

(2)   من أصل فلسطيني، عاش في العراق وانتمى لحركة الإخوان وهرب بعد المحاولة الإنقلابية في العراق إلى سوريا ثم الى الأردن وانتمى لحزب التحرير وتوجه لمصر وقام بمحاولة انقلاب عسكري على الرئيس المصري أنور السادات فأعدم.

(1)    مدينة قريبة من كربلاء يقوم الشيعة بالمشي والركض إليها من كربلاء لنيل أجر معين حسب طقوس الشيعة.

(2)    يوم استشهاد خليفة المسلمين عمر بن الخطاب، والزهرة هي فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها.

(3)    لم يكن اسم السلفية معروفا في العراق آنذاك ولا الوهابية على المستوى الحكومي والشعبي.

(1)    هذه التسمية أطلقتها الحكومة على الجماعة بعد اعتقال أفرادها سنة 1979م، وسنتكلم بتفصيل أكثر عنها.

(2)    مرت ترجمة أكثرهم في القسم السادس.

 

(1)    مقال لعلي نوري زادة, جريدة الشرق الأوسط 24/9/2005م

(2)    إيران بين التاج والعمامة لأحمد مهابة (ص224)، كتاب الحرية ، القاهرة.

(3)    الطائفية والسياسة في العالم العربي لفرهاد ابراهيم (ص271) مكتبة مدبولي.

(1)    طبعا ثورية حزب الدعوة كحال الحركات الإسلامية المتأثرة بالفكر اليساري تبررقتل المدنيين والأبرياء مقابل قتل من يستحق القتل بنظرهم.

(2)    أي لم تكن تركز على الجانب الطائفي بل على ثورية الفكر الإسلامي وضرورة رجوع الحكم للإسلام، وضرورة القيام بانقلاب في المجتمع المسلم.