مقالات

سُر مَن رأى

  

تلك هي سامراء، المدينة التي أنشأها الخلفاء العباسيون، لتكون العاصمة الثانية للإمبراطورية العربية الإسلامية بعد بغداد. تلك هي المدينة التي سرّت من رآها لنحو ستة عقود من الزمن، انتقلت إليها مؤسسات الدولة الكبيرة، واحتضنت مقر الخلافة، ومنها انطلقت الجيوش لتدك حصن عمورية، وغيره من الحصون والمدن المعادية.

 

تلك هي المدينة التي بهرت العالم في عصرها، بمساحتها الهائلة، وبسعة مسجدها الجامع، وبضخامة مبانيها، وفخامة قصورها، وروعة الهندسة وتقدم العمارة فيها، ولد علي الهادي في المدينة المنورة سنة 214هجرية، فنشأ في بيت أبيه، وشاء القدر أن تكون سامراء مقره، ذلك أن الخليفة العباسي المتوكل على الله طلب منه أن يحضر إليه، فكان ان استقر  طيلة حياته معززاً مبجلاً، إلى أن توفاه الله بسر من رأى يوم الأربعاء لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة مائتين وأربعة وخمسين للهجرة.

 

وبعث المعتز بأخيه أبي أحمد بن المتوكل، فصلى عليه في الشارع المعروف بشارع أبي أحمد، فلما كثر الناس واجتمعوا، كثر بكاؤهم، فرد النعش إلى داره، ودفن فيها، ويذكر الخطيب البغدادي، أن مدفنه كان في وسط الدار، أي في المكان الذي تعلوه هذه القبة المذهبة اليوم، إلاّ أن الدار تغيرت وظيفتها تمامـاً بعد وفاة أفراد هذه الأسـرة تباعاً ودفنهم جميعاً فيها، وبالتحديد قرب ضريح علي الهادي(رحمه الله).

 

ولد مثل أبيه في المدينة المنورة سنة 232 للهجرة، ثم رحل إلى سامراء مع أبيه، وسكن فيها، وعند وفاته شاء الله تعالى أن تكون حجرة المدفن هذه، حيث ترتفع القبة الذهبية اليوم، مثوى لأفراد الأسرة الكريمة الآخرين، وهم موسى المبرقع ويحيى والحسن وعيسى، أخوة علي الهادي، وجعفر والحسين وحكيمة أخوة الحسن العسكري، ونرجس جارية الحسن العسكري، ويقع قبر حكيمة بنت محمد الجواد عند رجلي الهادي(رحمه الله)، وعلى أية حال، ظلت الدار التي ضمت أجداثهم على حالها، دونما تغيير، وكان في الدار خدم يشرفون على هذه القبور، وفي سنة 328هـ، أمر الخليفة العباسي المعتضد بالله بإنشاء أول عمارة على هذه القبور، فتغيرت معالم الدار منذ ذلك الحين. وقد أكمل ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، مؤسس الدولة الحمدانية في الموصل، هذه العمارة، بأن شيد قبة عليها، وجعل لها سوراً، وبنى حول الدار دوراً للسكنى، فتم ذلك كله سنة 333هـ، ولم تمض إلاّ عدة سنوات، حتى قام أحمد بن بويه بتعمير القبة، وعمل صندوقاً من الخشب الساج.

 

وفي سنة 1285هـ/1868م جرى أكساء القبة بالطابوق المصفح بالذهب، والبناء الداخلي يتخذ شكلاً مربعاً تقريباً، حيث يبلغ طوله 146 متراً، وعرضه من جهة الشمال 133 متراً، ومن جهة الجنوب 115 متراً، أما حجرة الأضرحة، فيبلغ طولها 53 متراً، وعرضها 37 متراً، وارتفاعها 11 متراً، وفوق الأضرحة ترتفع القبة الكبيرة، وتقوم هذه القبة على رقبة بارتفاع متر واحد، وأما ارتفاع القبة نفسها فيبلغ أربعة وستين متراً، ومحيطها 68 متراً، وقطرها 22 متراً،  وتتميز هذه القبة بأنها مكسوة بالذهب، حيث يبلغ عدد الطابوق المطلي بالذهب 7200 طابوقة، وتتقدم الحجرة طارمة عالية مزروقة بأفانين من الزخارف الإسلامية، كان قد أنفق على إنشائها الحاج عبد الواحد الحاج سكر، رئيس عشائر الفتلة، وأنجزت سنة 1368هـ/ 1948م ويبلغ طولها 37 متراً، وعرضها 8 أمتار، وهي ترتفع في وسطها لتغطي باب الحجرة، فيصل ارتفاعها هناك 14 متراً، بينما لا يتجاوز هذا الارتفاع من الجهتين الأخريين 9 أمتار، للحجرة خمسة أبواب، هي: الباب الغربي والباب الجنوبي، ويسمى باب القبلة، ويقع في وسط سوق الهادي.

 

والباب الشرقي، وبابان في الشمال.وفي داخل الحجرة قبة مكسوة بالقاشاني الملون البديع، يبلغ محيطها 45 متراً، وقطرها 15 متراً، بنيت لتغطي الجامع الكبير ، فأما الجامع فهو من إنشاء الخليفة العباسي الناصر لدين الله سنة606هــ .