مقالات

تاريخ تدمير المساجد في الحقبة الماضية

  

بقلم : عبد الجليل الفهداوي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدا)) (18- الجن)، ان للمساجد أهمية كبيرة في بناء مقومات الحضارة الإنسانية القائمة على تحقيق منهج الاستخلاف والمساجد مركز الحياة الاجتماعية والسياسية وهو مكان لتربية النفوس وغرس القيم والمفاهيم الإسلامية حيث تتجسد معاني التكامل المادي والمعنوي فيها.

فهي باختصار قاعدة للاعداد والانطلاق الفكري وربط الإنسان بربه من خلال الشعائر التعبدية وغيرها.

ولقد مر حين من الدهر والمساجد تؤدي دورها على اكمل وجه وعلى أتم صورة في تخريج الأجيال تلو الاجيال.

اول من تجرأ على حرمة المساجد ومنها المسجد الحرام ومنها الكعبة المشرفة هم القرامطة حيث هجموا على الكعبة وقتلوا الطائفين وسرقوا الحجر الاسود ولهم صفحات مظلمة في التاريخ.

ثم جاء أقطاب الدولة البويهية في القرن الرابع الهجري وفعلوا ما فعلوا من تخريب ودمار في كل المجالات.

ثم تبعهم المغول والتتار بمساعدة الوزير الرافضي الملقب مؤيد الدين محمد بن العلقمي الذي كان وزيراً للخليفة العباسي آنذاك والمستعصم بالله واستباحوا بغداد سنة 656هـ، قال ابن كثير في البداية: (وكان الجماعة يجتمعون الى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار ثم يدخلون عليهم فيلجؤونهم الى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالاسلحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة فإنا لله وإنا اليه راجعون، وكذلك في المساجد والجوامع والربط ولم ينجُ منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ اليهم والى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار)

حيث أُخذت منهم  أموالٌ كثيرة حتى سلموا وسلمت اموالهم. (أنظر البداية والنهاية لإبن كثير 13/172 ط1، سنة 2003، مكتبة الصفا).

ثم جاء دور الدولة الصفوية حيث فرض الشقي الشاه اسماعيل الصفوي التشيع على أهل ايران قسراً بالحديد والنار حيث أعمل سيفه في أهل السنة وكان اذا فتح بلدة أرغم أهلها على اعتناق الرفض بالسلاح ثم اقتحم المساجد وأهانها وهدم بعضها ولم يسلم منه مسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني ومسجد الامام أبي حنيفة النعمان في الاعظمية ببغداد.

وكان شاه اسماعيل الصفوي قاسياًمتعطشاً للدماء الى حد لا يكاد يصدق وكان يامر بسبّ الخلفاء الراشدين الثلاثة في الشوارع والاسواق وعلى المنابر (انظر لمحات اجتماعية من تاريخ العراق، علي الوردي ص 59)، وتعاون الصفويون مع الاستعمار البرتغالي والانكليز ضد المسلمين وشجعوا بناء الكنائس وعلى دخول المبشرين والقساوسة مع محاربته لاهل السنة (أصول الشيعة الامامية، 1478/2).

ثم جاء دور الروس بعد ذلك والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي؛ حيث قامت الشيوعية على انكار وجود الله، وبهذا المعتقد الالحادي (لا إله والحياة مادة والدين افيون الشعوب).

حارب الشيوعيون الاديان عموماً، والاسلام خصوصا، يكفينا أن نعلم انهم قتلوا خلال ربع قرن من القرن العشرين ،مليون مسلم،ولقد سعوا لسحق المسلمين والقضاء على دينهم وعلى مساجدهم وهدمت بيوتهم ومدارسهم ومزقت مصاحفهم وديست بالاقدام وبقرت بطون نسائهم في تركستان وحرقوا الالآف بقنابل النابالم والاسلحة الكيمياوية في أفغانستان والشيشان، والاعلام الغربي يكتم كل هذا ويتستر عليه.

والذي يهمنا من حقدهم الاسود انهم نشروا الالحاد وأغلقوا المساجد وحرموا المسلمين من حقوقهم الدينية في أداء شعائر العبادة في مساجدهم وحولوا بعضها الى متاحف وكان عندهم اكثر من أربعين مليون من المسلمين ويتوزعون في خمس ولايات (انظر الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة: ناصر عبدالله القفاري ،ط1 سنة 1992، ص 100-102).

ومن جانب آخر قام الهندوس في التاريخ المعاصر بدور مذهل في هدم وتدمير مساجد المسلمين في الهند ولعل أقرب دليل هو مسجد البابري بدعوى ان أرضه هي مولد اله لهم مزيف وكم زهقت من أرواح وشُتت من اسر لأجل هذا.

ولا ننسى ما فعله كمال اتاتورك اليهودي  المقنع من غلق وتدمير وتحويل مساجد تركيا حيث حول بعضها الى متاحف كمسجد أيا صوفيا ولعب دوراً  قذرا ً في محاربة كل ما هو اسلامي او يمت الى العروبة بصلة حتى الاذان باللغة العربية مُنع.

ولعل دور أنور خوجة الزعيم الشيوعي في ألبانيا الذي حول البانيا من الدولة الوحيدة الاسلامية في اوربا حولها الى الدولة الالحادية الاولى في اوربا؛ حيث أغلق مئات المساجد وحول بعضها الى متاحف ومخازن وقضى على الاوقاف قضاءاً مبرماً.

ثم جاء دور اليهود الصهاينة في فلسطين حيث حولوا (1200) مسجد وجامع الى كنيس ومخزن ومتحف وسكن وهناك CD كامل بالصور يوثق لنا هذا في عرب 47 و67 وغيرها، ولعل أكثر من 9 أنفاق تحفر تحت المسجد الأقصى أقرب دليل على عدائهم لبيوت الله قديماً وحديثاً.

ولا ننسى الدور التخريبي لنصارى اسبانيا بعد تنصر الملايين وتهجير المسلمين من الاندلس الى المغرب العربي حيث قلبوا المساجد الى كنائس وبنوا كنيسة داخل مسجد قرطبة الكبير المشهور.

وقام جلاوزة النظام السابق في سنة 1989 بتدمير القرى والارياف في شمال العراق حيث دمر القرى بمساجدها وهي تربو على أكثر من (4000) قرية وقامت الرابطة الاسلامية ببناء المساجد في القرى التي أعيدت وأرجعوا لها الآبار والعيون.

ثم قام الامريكان في عام 2004 في 24 رمضان 1425هـ بتدمير الفلوجة ومعهم أذنابهم من الجيش العراقي حيث هدموا أكثر مساجد الفلوجة قصفاً أو حرقاً وهدماً ونسفاً لمنائر المساجد، وكل هذا مصور وموثق عند رئاسة ديوان الوقف السني.

ثم جاء يوم الاربعاء الاسود في مؤامرة نسف ضريح وفبة علي الهادي رحمه الله  في سامراء في 22/2/2006م والجميع شجب هذا من كل مؤسسات أهل السنة وهم منها أبرياء قاموا بالتعبير عن حقدهم الدفين في أعمال ستبقى صحائف سوداء في تاريخ الاسود، فاليك ما قاموا به:

- قاموا بالاعتداء على المساجد بصواريخ RBGوالقنابل اليدوية وعبوات ناسفة واسلحة اوتوماتيكية على أكثر من 70 مسجداً وجامعاً.

- قاموا بهدم 4 جوامع كبيرة ونهب أربعة مساجد أخرى.

- قاموا بحرق المساجد والجوامع بالوقود والقنابل الحارقة وعددها 13 مسجداً.

- قاموا باحتلالها وتمركزوا فيها وأغلقوها لهم وعددها 24 مسجداً وسبق ان اغتصبوا 39 مسجداً في بغداد والجنوب في سنة 2003 وحولوها الى حسينيات.

- قاموا بحرق مقامات الصحابة: طلحة بن عبيد الله (t)، في البصرة، وأنس بن مالك(t)، فيها وأحرقوها جميعا.

- كما قاموا بقتل ما يزيد على عشرة أئمة وخطباءه مع قتل واعتقال وتعذيب ما يزيد على 200 شاب ورحلوا مئات العوائل قسراً من البيوت في الجنوب والنهروان والشعلة والرصافة.

- دمروا مديريات للوقف السني في محافظة الديوانية والعمارة.

- دمروا واعتدوا على مقرات الحزب الاسلامي العراقي في 8 ثمانية مقرات في العراق.

وأنا على ثقة ان روح المسلم أعز عند الله من الكعبة، يقول الرسول (e): ((لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم))،يمكن ان تعاد المساجد وتبنى ولكن أنّى لنا تعويض أكثر من 200 رجل ما بين قتيل وسجين وجريح ومفقود؟،أنا على ثقة ان الله لن يتخلى عنّا ولا بد أن ينجلي الليل،والليل مهما طال لا بُد من طلوع الفجر … والعمر مهما طال لا بُد من دخول القبر … وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين).

 

وقفات مع انتهاك الحرمات

ان ما حصل قبل ايام يعد اكبر انتهاك لحرمات الله منذ قرون يذكرنا بدخول الصفويين والتتار الى بغداد بدأ الانتهاك في سامراء ثم ما لبث ان انتقل الى بغداد والبصرة والكثير من المحافظات الاخرى، ولنا مع هذه الاحداث بعض الوقفات :

الوقفة الاولى: (الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها) فالسنة والشيعة على ارض العراق منذ مئات السنين والواجب الوطني يفرض عليهم التعايش بسلام وتطويق الازمات التي قد يثيرها بعضهم - نعم يوجد هناك فروقات في المذاهب فقهية وعقدية وتاريخية ولكن هناك بلا شك مساحات مشتركة كثيرة ، ثم من قال ان وجود التفاوت ضرورة للتقاتل .. ولا يوجد شعب في العالم ليس فيه مثل هذه الفروقات ولكنها في الغالب متعايشة متحاورة على قاعدة (فاما الزبد فيذهب جفاء..).

الوقفة الثانية : ان الحرب الطائفية - لا سمح الله - لا رابح فيها بل كلهم فيها خسران وبعد ان يحل الدمار سيجلس المتحاربون فيما بعد للتفاوض ولنا في لبنان عبرة ، اذاً لماذا نتقاتل ؟ فلنتفق ونتفاوض من البداية ، ولكن قد تكون لدى بعضهم اجندة خارجية يريد تطبيقها على ارضنا ومثل هذا يجب عزله وتعريته امام الناس، فنحتاج في مثل هذه الظروف الى حكمة تستطيع ان تمتص هذه المحنة كي لا تتحول الى نار تأكل الاخضر واليابس ، ولكن في الوقت نفسه نحتاج الى حزم يوقف الآخر عند حده وبين الحكمة والحزم يكون الموقف الصحيح.

الوقفة الثالثة : بقول الله تعالى :(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (114) سورة البقرة ، فان التكفيريين الجدد الذين حرقوا ودمروا بيوت الله قد اعلنوا الحرب على الله قبل ان يعلنوها على الآخرين ، فالمساجد هي مساجد الله (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (18) سورة الجن.

الوقفة الرابعة : ان الناس تفتخر بانتسابها للبيوت العريقة ، ونحن نفتخر بانتسابنا لاعرق هذه البيوت الا وهي بيوت الله ، واليوم هذه البيوت تشكو هجرانكم لها وتقول (اين من كان يعمرني في الصلوات ؟ اين روادي؟ والمتفحص للمساجد التي تعرضت للاضرار يجد ان قلة روادها كان السبب الاساس في جرأة الآخرين عليها ، ولعل من معتذر بالضرف الامني وكثرة الاعتقالات والاغتيالات فمثل هذا نذكره بقوله تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا) (71) سورة النساء، فاخذ الحذر مع النفرة لا مع الجلوس ، فالدين موقف فليكن لك موقفاً في عمارة مساجدنا والثبات فيها).